Print Friendly, PDF & Email

يحاول رودرك تشيزهولم في هذا الكتاب أن يطرح إجابة متكاملة عن سؤال طالما أرّق الفلاسفة وأعنتهم، وأعني به السؤال الذي يستفسر عن طبيعة الأشراط الضرورية التي يكفل تحققها حدوث الفعل المعرفي. واخال أن تشيزهولم قد قام بما هو حسبه بخصوص نقاش ما يتعين البت في أمره توطئة للخوض في شأن تحديد تلك الأشراط ، وإن لم يتمكن من الخلاص إلى نظرية في المعرفة يصح الركون إليها دونما حاجة لإبداء بعض التحفظات، وهذا أمر يتواتر حدوثه بمقتضى طبيعة المفاهيم التي حاول تحليلها، وفي واقع الحال، فإن الكاتب يحاول قدر جهده أن يترسم أمثل السبل لمعالجة القضايا الفلسفية المتعلقة بطبائع الفعل المعرفي ، إنه لا يثقل كاهل قارئه غير المتخصص بأية مصطلحات تتطلب الدراية بأدبيات علم الابستمولوجيا، وفي ذات الوقت ، فإن إغفاله لبعض التفاصيل لا يؤثر على نحو فعال في تكامل الأوجه التي عني بتحديد معالمها ، فضلا عن ذلك ، فإن للانتقادات التي قام بتوجيهها لوجهات النظر التي يرفضها مركز عود ثابت تم تحديده عبر رؤية لا يستعصي أمر تعيين ثوابتها، كما أنه بمقدور المرء – بحد أدنى من إعمال فكره – أن يرى كيف أن رؤيته تلك تدرأ إلى حد كبير أوجه القصور التي تعتري ما رفضه من بدائل، هذا بالضبط مكمن أهمية هذا الكتاب، وهذا هو مبرر اهتمامنا بأمر ترجمته.

هو شخص صارم وخجول، يسعد بخفة في الروح وتشقيه رصانة في العقل، ذو وجه واثق وعيون مستريبة، ذو خاطر مشرع على مهجة غضبى مفعمة بالرضا، كائن ذو قلب شفوق لكنه لا يساوم. حين وقفت على عتبته ذات مساء، كانت بوصلة أسئلته تحدد لي الوجهة التي كنت أنحو شطرها. ليلتها عرفت أن ما يشغله هاجس واحد، هو هاجس الحرية، حرية الإنسان أنى ما كان، بأي جنس أو لون أو عقيدة، وحرية الوطن الذي تصادف أن حملنا بطاقة هويته، في زمن يصفه بزمن القلق والترقب والخوف والغموض والكوابيس والعصابات السياسية. قيمة الآخرين عنده إنما تقاس بقدر إسهامهم في تحرير البشر من ربق الاستعباد والعسف والفساد، وفي نشلهم من أوحال التخلف وأوهام الخرافات والأساطير. حين يكتب، فإن كل ما فيه يكتب، عواطفه وانفعالاته، حسه وعقله وفؤاده، حدسه وخياله، وتجربة باعها في العناء طويل، وحين يتحدث، ليس لسانه الأداة التي يتوسل بها التعبير، بل وجهه بأسره، عشب روحه الطالع من طين جسده وبابه الموارب على قلب شاسع. الكلمات لا تسعفه حين يشتد به وجد، فلا يملك إلا أن يطفئ جذوته بضمنا، مثل شيخ قبيلة يذود عن حرمة رعاياه، ليس مصادفة إذن أن يعنى الشريف بثقافة الأطفال؛ الأطفال الذين سلب الزمن بعضا من حريتهم، وأجهز المجتمع على ما تبقى من رمقها؛ الأطفال الصغار الذين صغّرهم عجزهم عن البوح بأسرارهم؛ الأطفال الواقعين تحت سطوة مؤسسات وأجهزة متخصصة في مصادرة الحريات. ولد منذ ستين وبضع سنين، وهو أحد رواد القصة الليبية، ومن إصدارته الجدار، الأقدام العارية، ضمير الغائب، هذا كل شيء، وما يربو عن مئة من قص.