نظرية النظام العالمي – World systems theory  وتعرف أيضاً بــــــ تحليل النظام العالمي – World system analysis هي نظرية للتحليل الاجتماعي والتغيرات الاجتماعية من منظور اجتماعي كُلِّي يسعى إلى شرح ديناميات ”الاقتصاد العالمي الرأسمالي“ باعتباره ”نظام اجتماعي كامل“. يقع هذا النهج في مجالات علم الاجتماع التاريخي والتاريخ الاقتصادي، ونظراً لتأكيد النظرية على أهمية التنمية والفرص غير المتكافئة عبر الدول، فقد تم تبنيها أيضاً من قبل منظري التنمية مما جعل من هذا المزيج نظرية تفسير لنظام عالمي ذو مسعى سياسي وفكري.

ولعلَّ القول يصح إذ أرجعنا بداية نظرية تلحيل النظام العالمي إلى إيمانويل والرشتاين – Immanuel Wallerstein عندما نشر مقاله عام 1974 بعنوان: الصعود والزوال المستقبلي للنظام الرأسمالي العالمي: مفاهيم لتحليل مقارن – The Rise and Future Demise of the World Capitalist System Concepts for Comparative Analysis.

تلا هذا المقال أعمال عديدة كان أهمها النظام العالمي الحديث الأول: الزراعة الرأسمالية وأصول الاقتصاد العالمي الأوروبي في القرن السادس عشر –  The Modern World System I: Capitalist Agriculture and the Origins of the European World-Economy in the Sixteenth Century الذي نشر على ثلاثة مجلدات في 1974 و 1980 و 1989.

حاول والرشتاين من خلال هذه النظرية تحقيق انفصال مفاهيمي واضح مع نظريات الحداثة – Modernization، وبالتالي قدَّم نموذج نظري جديد لتوجيه تحقيق في ظهور وتطور الرأسمالية، والصناعية، والدول القومية“، تجلى ذلك من خلال رده على نظرية التحديث ووضع جدول أعمال بحثي تضمن خمسة موضوعات رئيسية: أداء الاقتصاد العالمي الرأسمالي كنظام، وكيف ولماذا؟ أصوله، وعلاقاته مع الهياكل غير الرأسمالية في القرون السابقة، دراسة مقارنة لأنماط بديلة للإنتاج، والانتقال المستمر إلى الاشتراكية.

ومن خلال هذه الموضوعات، حاول والرشتاين تفسير سبب تأثير الحداثة على العالم في نطاق واسع ومختلف. وتبيان كيف حولت الظروف السياسية والاقتصادية بعد انهيار الإقطاع شمال غرب أوروبا الاهتمام إلى السلطة التجارية والسياسية السائدة.

التأثيرات الفكرية

في نظرية النظام العالمي، كان لوالرشتاين – Wallerstein تأثراً واضحاً بعدد من المفكريين. ولعل أولهم كارل ماركس – Karl Marx، فقد تم استيحاء فكرة الانقسام بين رأس المال والعمالة، بالإضافة إلى النظرة المرحلية للتنمية الاقتصادية العالمية عبر مراحل مثل الإقطاعية والرأسمالية، والإيمان بتراكم رأس المال، والجدلية، وغيرها من المفاهيم من نظريات ماركس. كانت أهم النقاط التي استمدها والرشتاين من ماركس في نظريته هي:

1- الصراع الطبقي بين المجموعات البشرية ذات الأساس المادي.

2 – النظرة الشمولية.

3- نظريات الأشكال الاجتماعية.

4- مركزية عملية تراكم الثروة وعملية الصراع الطبقي التنافسي التي تنجم عنها

5 – الحركة الجدلية من خلال الصراع والتناقض.

إضافة إلى ذلك ادخل والرشتاين مفاهيم كبيرة من نظرية التبعية إلى نظرية النظام العالمي الخاصة به، وفي الوقت الذي ركزت فيه نظرية التعبية بتفسيرها الماركسي الجديد لعمليات التنمية، حاول والرشتاين التركيز بنظريته على فهم  المحيط – periphery من خلال النظر إلى علاقات النواة – core  مع المحيط periphery  التي ازدهرت في مناطق العالم الثالث مثل أمريكا اللاتينية.

أما عن المؤثر الثاني في أفكار والرشتاين فهو المؤرخ الفرنسي فرناند براديل – Fernand Braudel و مدرسة أناليس – Annales، كان ذلك من خلال تركيز والرشتاين على المناطق البيئية الجغرافية كوحدات تحليل، والإنتباه إلى التاريخ الريفي.

من التأثيرات الهامة الأُخرى في عمل والرشتاين هم كارل بولاني – Karl Polanyi من خلال الاهتمام بالنظام العالمي بدورات الأعمال، وجوزيف شومبيتر – Joseph Schumpeter. من خلال تقديم ثلاثة أنماط أساسية للتنظيم الاقتصادي: أنماط متبادلة، إعادة توزيع، وأسواق.

فمنظري نظرية التبعية أوضحوا أولاً علاقة “التبادل غير المتكافئ” حيث قامت الدول الغنية في العالم بفرض علاقات تجارية على الفقراء، حيث استخرجت الأولى الفوائض من الأخيرة. من بين الهياكل الأكثر أهمية في النظام العالمي الحالي وجود تسلسل هرمي للسلطة بين النواة  والمحيط، حيث تهيمن المجتمعات النواة – core على القوة والغنى وتسعى لاستغلال المجتمعات المحيطة – periphery الضعيفة والفقيرة.

أهم المفاهيم 

بالنسبة لوالرشتاين – Wallerstein، النظام العالمي هو نظام اجتماعي، له حدود، وهياكل، وأعضاء، وقواعد وتماسك. بالمختصر يتألف هذا النظام من عالم من القوى المتضاربة التي احتفظ بها معاً مقسمة حيث تسعى كل مجموعة لتوجية القواعد بما يخدم مصالحها بشكل مطلق.

كما يرى والرشتاين النظام العالمي كـ”اقتصاد عالمي“ مدمج من خلال السوق بدلاً من المركز السياسي، حيث تترابط فيه منطقتان أو أكثر فيما يتعلق بالضروريات مثل الغذاء والوقود والحماية، وتتنافس سياستان أو أكثر للهيمنة دون ظهور مركز واحد إلى الأبد. ويقوم هذا النظام على تقسيم دولي للعمل بحيث يحدد العلاقات بين المناطق المختلفة وكذلك أنواع ظروف العمل داخل كل منطقة. كما يرتبط نوع النظام السياسي ارتباطًا مباشراً بوضع كل منطقة في الاقتصاد العالمي كأساس للمقارنة.

يضع والرشتاين – Wallerstein بضع مفاهيم و الفئات الجوهرية في هذا الاقتراب وهي النواة والمحيط وشبة المحيط. وتقع كل مناطق العالم في أحد هذه الفئات وتصف الفئات الوضع النسبي لكل منطقة بالإضافة إلى بعض الخصائص السياسية والاقتصادية الداخلية.

– دول النواة – The Core: وبحسب تفسير والرشتاين، استفادت مناطق هذة الفئة أكثر من الاقتصاد العالمي الرأسمالي، فقد طوّرت البلاد ضمن هذه الفئة حكومات مركزية قوية وبيروقراطية واسعة وجيوش كبيرة. سمح هذا للبرجوازية المحلية بالسيطرة على التجارة الدولية واستخراج فوائض رأس المال من هذه التجارة لمصلحتها الخاصة.
ومع توسع سكان الريف، وفر العدد المتزايد – على الرغم من صغره – من العاملين بأجر بدون أراض العمل للعمالة في المزارع وأنشطة التصنيع. وفي أعقاب الأزمة الإقطاعية طرد المزارعين المستقلين العديد من الفلاحين الآخرين من الأرض، وانتقل أغلب هؤلاء الفلاحون الفقراء إلى المدن، مما وفر المزيد من العمالة الرخيصة الضرورية لنمو التصنيع الحضري. وبهذا قامت الثورة الصناعية وطفرتها مما أدَّى للنمو الاقتصادي لهذه الدول.

– دول المحيط – The periphery: على الطرف الآخر من المقياس، توجد المناطق المحيط – Periphery. هذة المناطق تفتقر إلى حكومات مركزية قوية أو كانت تحت سيطرة دول أخرى. تعتمد هذه الدول على تصدير المواد الخام إلى الدول النواة – core واستعمال ممارسات العمل القسري. وبسبب عدم وجود الخبرة السياسية والاقتصادية الكافية في هذه الدول فضلاً عن غيرها من الأسباب، تقع دول المحيط – Periphery في فخ الألاعيب الاقتصادية التي تلعبها دول النواة – core  لمصادرة الكثير من فائض رأس المال الناتج عن المحيط –  Periphery من خلال العلاقات التجارية غير المتكافئة.

– دول شبة المحيط – Semi Periphery: تقع دول شبة المحيط – Semi Periphery بين النقيضين السابقين، بحيث تمُثل هذه المناطق إما مناطق النواة –  Core  في حالة تدهور أو دول المحيط – Periphery  في حال تحسن وضعها النسبي في النظام الاقتصادي العالمي.
من الناحية الاقتصادية، احتفظت هذه المناطق بالوصول المحدود ولكن المتناقص إلى الخدمات المصرفية الدولية وإنتاج سلع مصنعة عالية الجودة وعالية التكلفة ومع ذلك، تفشل هذه الدول حسب رأي والرشتاين في الهيمنة على التجارة الدولية وبالتالي لن يستفيدوا بنفس القدر مثل مناطق النواة – core.

– المناطق الخارجية – External areas:  وهي الدول التي حافظت على أنظمتها الاقتصادية الخاصة، وتمكنت من البقاء خارج الاقتصاد العالمي الحديث.

– التكنولوجيا – Technology: تعد التكنولوجيا عاملاً محوريًا في تحديد موقع البلد في دول النواة أو المحيط أو شبة المحيط. فالبلاد المتقدمة تكنولوجيا تقع في النواة أما البلاد الأقل تطوراً تقع في المحيط. كما أنَّ البلاد التي تقع في المحيط تتكون من هيكل لا يسمح لها بتطوير وضعها في النظام العالمي. التكنولوجيا اعطى قوة اقتصادية وسياسية لدول النواة والفرق بين دول النواة و المحيط في القوة يعطي افضلية لدول النواة التي تسعي لحفاظ على الوضع الراهن لأنها تؤدي إلى استمرار النظام ككل و زيادة تدفق الفائض اليهم.

المصادر والمراجع:

Chirot, Daniel and Thomas D. Hall. 1982. “World-System Theory.” Annual Review of Sociology. Vol. 8 pp. 81-106.

Skocpol, Theda. 1977. “Wallerstein’s World Capitalist System: A Theoretical and Historical Critique.” American Journal of Sociology, Vol. 82. N. 5. 1075-1090.

Wallersten, Immanuel. World System Analysis, n.d.

Vela, Carlos A. Martínez. World Systems Theory, n.d.

Sorinel, Cosma. IMMANUEL WALLERSTEIN’S WORLD SYSTEM THEORY. Universitaty Constanta, n.d.

A Summary of Immanuel Wallerstein, The Modern World System: Capitalist Agriculture and the Origins of the European World Economy in the Sixteenth Century. Fordham University, n.d.

الإعداد العلمي: ميادة حمودة – Mayada Hamouda – الموسوعة السياسية

Print Friendly, PDF & Email
اضغط على الصورة