فون ميترينيخ هو الثعلب النمساوي العجوز الذي استطاع تطويع نابليون و كل فوران ثورة فرنسا بالرغم من الضعف الشديد لدولته النمسا. لكن هو استطاع تشكيل تحالفات و توازنات للقوى في مؤتمر فيينا ١٨١٤-١٨١٥ استمرت لمدة ١٠٠ عام. ميترينيخ له مقوله شهيره: “لو العالم به خمس دول قويه فالأفضل ان تكون في مجموعه من ٣”

و الخمس في الشرق الأوسط الآن هم:
١- تركيا
٢- إيران
٣- السعوديه-الامارات (متماثلان في مصادر القوه و السياسات لدرجه يصعب الفصل بينهما. و الفيصل هو ان سقوط احداها يعني نهاية الأخرى)
٤- إسرائيل-امريكا (السياسات واحده لدرجة التطابق)
٥- روسيا

و كل من تلك القوى يحاول ان يدخل في تشكيل من ٣ يستطيع به السيطره على المنطقه. تعالوا نستكشف المحاولات:
١- تحالف إيران-روسيا في سوريا. و عجز عن ضم تركيا.
٢- تحالف تركيا-السعوديه ضد إيران-روسيا في بدايات الثوره في سوريا و عجزوا عن ضم إسرائيل-امريكا برغم تماهي امريكا معهم في البدايه. و نلاحظ انه في البدايه بدا ان تحالف تركيا-السعوديه/الامارات-امريكا في طريقه لنصر مبين في سوريا و ان سقوط الأسد في ٢٠١٣ كان قاب قوسين او ادنى ثم حدثت تحولات ضخمه في الشرق الأوسط في مصر بالذات و انفرط التحالف.
٣- تحالف امريكا/إسرائيل-السعوديه/الإمارات ضد تركيا و لصالح الأكراد في جنوب تركيا/شمال سوريا. و حاول هذا التحالف ضم روسيا إليه و لكن فشل في ذلك بسبب سياسات اردوغان الاخيره التي أزاحت امريكا من شمال سوريا و وطدت العلاقه مع روسيا. و هنا كانت نقطة التحول لان تركيا جمعت لا شك إيران معها ضد الأكراد ثم اضافت روسيا بذكاء شديد و بالتالي اصبح معها تحالف ثلاثي ضد امريكا/إسرائيل-السعوديه/الامارات. لذلك اصبح مما لا شك فيه انتصار تركيا في الوضع في شمال سوريا و هو ما نراه ماثلا أمامنا الان.
٤- حتى لو عدنا لانقلاب مصر ٢٠١٣ سنرى ان تحالف السعوديه/الامارات – امريكا/إسرائيل اسقط حكم د محمد مرسي ضد إرادة تركيا و وقفت إيران منه موقف المتفرج بل ربما ان إيران حتى لم تمانع من التخلص من حكم في مصر رأته معاد لها بل و يمكن ان يثبت السعوديه و الخليج ضد إيران. و كذلك وقفت روسيا ضد حكم د محمد مرسي بدافع من معاداة الديمقراطيه و الثورات بصفه عامه. إذا نرى انه في مصر كان ربما تحالف ٣,٥ دوله ضد دوله واحده هي تركيا.
٥- حتى لو نظرنا لليمن سنرى ان السعوديه/الامارات معهما إسرائيل/امريكا و لكن ضدهما إيران و لحد بعيد تركيا. إذا نحن أمام ٢ ضد ٢ و روسيا تتفرج. إذا هو وضع كان غير قابل لإحداث أي تقدم او نصر حقيقي. ثم و مع تراجع امريكا عن تأييد السعوديه في اليمن، اصبح الوضع مش تعادل بس لكن دوله واحده هي السعوديه/الامارات ضد إيران و الباقي يتفرجون. و في اي وضع كهذا ينهزم المعتدي خصوصا إذا كان ضعيف الإمكانيات بذاته تطبيقا لمقولة ميترينيخ.
٦- في ليبيا نرى إمامنا السعوديه/الامارات ضد تركيا و مجموعات من المتفرجين و المنتفعين من كل الدول الأخرى. و بالتالي هو وضع تعادل آخر.

خلال العقود القادمه فالوضع في الشرق الأوسط سيكون عباره عن تحالفات تتغير باستمرار. و من هو حليف هنا سيكون عدو هناك في ذات الوقت. و من هو حليف اليوم ربما سيكون عدو الغد.

لكن من هي الدول التي لديها اكبر مساحه للمناورة؟
– روسيا لديها اكبر مساحة مناوره فهي ممكن ان تدخل في تحالف مع اي تكتل تريده. إذا مساحتها للمناورة هي ٤ من ٤.
– تليها امريكا التي تستطيع ان تتحالف مع اي احد باستثناء إيران على الأقل في الظروف الحاليه. لذا مساحتها للمناورة هي ٣ من ٤.
– تركيا ممكن ان تتحالف مع إيران او مع روسيا او حتى مع السعوديه/الامارات في احوال و ربما حتى مع امريكا/إسرائيل ان دعت الضروره. تركيا سياستها تفتح مجال للمناورة. لنقل انها مثلا ٢,٥ من ٤.
– السعوديه/الامارات فهي لن تدخل مع إيران بالطبع و لكن أولوياتها هي إسرائيل/امريكا و روسيا ثم تركيا. و بالتالي هي أيضا حوالي ٢,٥ من ٤.

و من لديه اقل مساحه للمناورة؟
– إيران فهي لن تدخل في تحالف مع إسرائيل/امريكا على الأقل مع وجود النظام الحالي و بالتأكيد ليس مع السعوديه/الامارات. إذا خياراتها هي تركيا و روسيا فقط. لذا فهي ٢ من ٤.

روسيا بالتالي ستلعب في الشرق الأوسط دور بريطانيا في أوروبا ما بعد مؤتمر فيينا و هو دور رمانة الميزان او اللاعب المرجح بحكم ان لديها المرونة للانضمام لأي تحالف تراه.

تركيا يمكنها تشكيل تحالف مع إيران و روسيا و لكن مشكلته ان روسيا لا يعول عليها ضد إسرائيل/امريكا بحكم ان لديها معهم مصالح أخرى في أماكن أخرى حول العالم. و بالتالي فتحالف إيران-تركيا-روسيا لن يكون تحالف متماسك rigid و لكن سيكون لفتره محدده و ظرف محدد.

تركيا يمكنها محاولة اعادة تكوين تحالف تركيا-السعوديه/الامارات-امريكا و لكنه أيضا تحالف هش بسبب الفروق الكبيره في التكوين الايدولوجي و بسبب انه المكون الأمريكي لا يستطيع لفتره طويله الاستغناء عن المكون الاسرائيلي او ان يكون في عداء طويل معه (مثلما كان اوباما) بحكم السياسه الداخليه الأمريكيه.

التغيير المهم الذي يقلب الأوضاع هو حدوث تغير أيدلوجي في السعوديه/الامارات بحيث يمكنها ان تدخل في تحالف أيدلوجي مع تركيا و إيران! هذا وضع يقلب الشرق الأوسط لانه يفرض في النهايه سلام تتفق عليه الأطراف الرئيسيه في المنطقه. و لكنه سيناريو سيفرض حرب لا شك فيها لانه لو حدث تغيير في نظام الحكم في الخليج ستفقد إسرائيل و روسيا مكانهما في الشرق الأوسط. و هما لا شك سيذهبان للحرب ان حدث ذلك. و بالتالي تحتاج إسرائيل لبقاء نظام الحكم السعودي/الإماراتي برغم انها تحاول ان تزعم انها السعوديه التي تحتاج لإسرائيل.

لذلك فالسعودية/الامارات تلعب دور الضعيف الذي ان سقط سيأتي الأقوياء لنجدته بدون شك و هو دور مقارب بشكل كبير لدور النمسا ذاتها خلال الحروب النابوليونيه و بعد مؤتمر فيينا. و هو دور الدوله الضعيفه و الهشه حتى و لكن ان سقطت للثورات ستأتي روسيا و بريطانيا لنجدتها. طبعا سقطت أمبراطوريه النمسا في النهايه و تحولت لدوله من الطراز الثاني في أوروبا و لكن استمرت التوازنات التي جعلتها تستمر على قيد الحياه ١٠٠ عام.

هل فهمنا الأمور اوضح الآن؟

blank

كتاب هنري كسينجر “الدبلوماسية” diplomacy (مصدر ١) هو مرجع هام عن اوضاع أوروبا بعد مؤتمر فيينا حتى الحرب العالميه.

و ملف جوده عن استراتيجيات الشرق الأوسط في مصدر ٢.

المصادر:
————
١- الدبلوماسيه. هنري كسينجر
https://books.google.com/books/about/Diplomacy.html…

٢- استراتيجيات الشرق الأوسط
https://jawdablog.org/category/الإقتصاد/استراتيجيات-وحلول/

المصدر : http://jawda.org/

 

 

Print Friendly, PDF & Email
blank