د/ ليلى مداني – جامعة أحمد بوقرة بومرداس(الجزائر)

الملخص:

لقد برزت مقاربة صدام الحضارات سنة 1993 كأهم أطروحة لتفسير ما يحدث في عالم اليوم، ويؤكد الكثير من الباحثين على اعتبارها من بين أكثر المقاربات التي يمكن اعتمادها لتفسير العلاقات الدولية بعد أحداث 11سبتمبر 2001، إلا أنها تضمنت مجموعة من التناقضات سواء على المستوى الفكري أو المنهجي، خاصة في ظل التطور الذي يعرفه النظام الدولي ضمن ثنائية نحن والآخر والتي نبعت من رؤية الغرب وتكرست منذ تلك الأحداث كنتاج للاختلاف الثقافي والديني، هذا على المستوى الفكري، أما على مستوى الواقع الدولي فقد توسع نطاق وفحوى المفاهيم التي احتوتها مقاربة صدام الحضارات والتي راج استعمالها في الوسط السياسي العالمي، كما أنها برزت كممارسات اتسع نطاقها خاصة فيما يتعلق بمفهومي الاصولية المرتبطة خاصة بالتطرف الديني من جهة والإرهاب الذي ارتبط هو الآخر بالتطرف الاسلامي خاصة في القرن21.

المقدمة :

شهدت نهاية القرن20 وبداية القرن21 ظهور نزعة دينية اتسع انتشارها وازداد تشددها يوما بعد يوم، حيث ظهر مجموعة من المتشددين (الأصوليين1) الذين يمارسون العنف، إذ يقتلون ويحاربون بسم الدين، طبعا الامر لا ينحصر في ديانة بعينها، بل في كل الديانات السماوية، منها في كل من المسيحية واليهودية والإسلام إلى جانب الديانات الوضعية كالبوذية والهندوسية…إلخ، بل حتى على مستوى التنظير الفكري برزت أطروحة صدام الحضارات كأهم أطروحة لتفسير ما يحدث في عالم اليوم، وقد لقت رواج في الأوساط الأكاديمية منذ نهاية الحرب الباردة، بل ويؤكد الكثير من الباحثين الغربيين على اعتبارها من بين أكثر الأطروحات التي يمكن اعتمادها لتفسير العلاقات الدولية بعد أحداث11سبتمبر2001، في ظل التطور الذي يعرفه النظام الدولي ضمن ثنائية نحن والآخر والتي تكرست منذ تلك الأحداث، كنتاج لاختلاف ثقافي وديني ضمن مجموعة من الثنائيات (مسلم- مسيحي أو حتى متحضر –بربري و متقدم – متخلف وخير- شرير…) وغيرها من الثنائيات التي أصبحت تحكم علاقة أصحاب الديانات المختلفة بغيرهم وخاصة المسلمين بغيرهم وتحديدا الغرب، الذين كرسوا مضمون تلك الثنائية في نظرتهم وممارساتهم السياسية اتجاه غيرهم، والتي بدورها تكرست ضمن أطروحة صدام الحضارات، وحتى ضمن الدعوة المقدسة التي كانت شعارا أساسيا في خطابات الرئيس الأمريكي “بوش الابن” منذ أحداث11 سبتمبر2001، فكيف كرست أطروحة صدام الحضارات مدركات الصراع بين المسلمين وغيرهم ضمن المفارقات النظرية والمنهجية التي تضمنتها من جهة؟ وحتى كممارسة ضمن ما تجسد على أرض الواقع من خلال ما يحمله مصطلحا الاصولية ومفارقة الإرهاب في ظل مجمل التناقضات الفكرية والمعرفية التي احتوتهما من جهة أخرى؟

$11-مختصر فحوى مقاربة صدام الحضارات: برزت مقاربة صدام الحضارات”The Clash of Civilizations” على يد الاستراتيجي “صموائيل هنغتنتون” Samuel P. Huntington” أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفرد سنة1993 على اثر مقالة نشرها بمجلة السياسة الخارجية “ForeignAffairs”بعنوان: “صدام الحضارات” والتي لقيت رواجا كبيرا، صاغها فيما بعد في كتاب نشره سنة 1996 بعنوان: صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي،بين من خلاله أن مسألة الصراع وإن كانت في الأصل ترتبط بالبحث عن المصالح، إلا أن طبيعة الصراع في المستقبل سيكون صراع بين الحضارات وليس الدول.

وبالعودة إلى التاريخ نجد أن الصراع بين المجموعات البشرية قد انتقل من صراع بين القبائل والعشائر إلى صراع بين الدويلات ثم بين الإمبراطوريات، وصولا إلى صراع بين الدول بمفهومها الحديث (الدولة القومية)، ثم بين الإيديولوجيات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (الحرب الباردة)، أما منذ نهاية الحرب الباردة فان الصراع يتجه لأن يكون صراعا بين الحضارات، ويرجع ذلك حسب “صموائيل هنغتنتون” إلى أن “ما يهم الناس ليس الإيديولوجية أو المصالح الاقتصادية بل الإيمان والأسرة والدم والعقيدة، فذلك ما يجمع الناس وما يحاربون من أجله ويموتون في سبيله”2، وقد تعززت هذه الفكرة منذ أحداث 11سبتمبر2001، خاصة أن “هنغتنتون” قد وجه تحذيرا إلى الحضارة الغربية من باقي الحضارات الأخرى، إذ حدد الخطوط الفاصلة بين الحضارات كخطوط لأهم المعارك التي عرفها وسيعرفها تاريخ الصدام بين الحضارات،” فالشعوب في مختلف الدول تتجه أكثر نحو التمسك بعاداتها ودينها وتقاليدها التي أصبحت تشكل المحرك الأساسي لها، حتى في علاقتها بالعالم الخارجي”3، وقد قسم في هذا الإطار العالم إلى سبع أو ثماني حضارات وهي: الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية والحضارة الكونفوشيوسية والحضارة اليابانية والحضارة الهندية والحضارة السلافية الأرثودكسية وحضارة أمريكا اللاتينية وربما الحضارة الإفريقية.

وحسب “هنغتنتون” فان الحضارة الغربية في أوج قوتها بالمقارنة مع باقي الحضارات الأخرى، كما أن القيم الغربية قد تغلغلت إلى باقي الحضارات الأخرى، وأن الصراع هو عبارة عن ردة فعل للحضارات غير الغربية على القوة والقيم الغربية”4، وهو ما يعني أن الحضارة الغربية ستدخل في صراع مع الحضارات الأخرى، إن الاشكال الاساسي ليس في التمسك بالقيم أو تركها وتبني قيم الحضارة الغربية، بل في ظهور ممارسات مشوهة لتلك القيم، خاصة مع وجود تناقض بين مضمون تلك القيم وخصوصية كل حضارة من جهة، وحدوث إنقلاب قيمي على المستوى العالمي في التعامل مع القضايا الدولية (ازدواجية التعامل) من جهة أخرى.

فمثلا السلام كقيمة ليس هو فقط مجرد غياب للعنف كما يرى البعض، وانما وهو جود العدل كما قال”مارتن لوثر كينغ”، فما يعرفه العالم اليوم هو خليط من الممارسات التي أعادت العالم إلى حقب خلت من التخلف والانحطاط نتيجة غياب العدل في مضمون السلام(كوحشية طرق القتل والتعذيب، الحرية المطلقة للتعبير، جهاد النكاح،…إلخ من الممارسات المشوهة الناتجة عن التناقضات غير المتجانسة في جميع الميادين، وفي ممارسات الدول الكبرى اتجاه الدول الأقل منها قوة، وحتى داخليا بين الحكام الخاضعين والمستبدين وشعوبهم.

كما أنه حسب هنغتنتون أكثر الحضارات تحد للحضارة الغربية هما كل من:

$11-الحضارة الإسلامية التي ستعرف انفجارا سكانيا متزايدا، وهي النقطة الحساسة التي تتخوف منها الحضارة الغربية، حيث يقدر عدد المسلمين بمليار و600مليون نسمة وهو مرشح للارتفاع خلال السنوات القادمة، وأكثر من ذلك الاسلام كدين يعرف انتشارا واسعا بالمقارنة مع الديانات السماوية الاخرى لأنه أثبت أنه دين علم.

$12-الحضارة الكونفوشيوسية التي ستعرف قوة اقتصادية وعسكرية متزايدة هي الأخرى، والتي ستتقارب مع الحضارة الإسلامية في مواجهة الحضارة الغربية، خاصة في المجال العسكري.

ويعتمد “صموائيل هنغتنتون” في تفسير أطروحته على دراسة وصفية للتاريخ، أين يرى انه بالعودة إلى التاريخ فان الحضارة الوحيدة التي جعلت وجود الحضارة الغربية محل شك هي الحضارة الإسلامية، وبذلك يكون “صموائيل هنغتنتون” قد أعطي صورة مظلمة للعالم الذي سيعرف فوضي العنف والصراع نتيجة عدم وجود قيم مشتركة، وازدياد تأثير مسالة الانتماء مع تحديده للعدو الجديد للحضارة الغربية بعد زوال الاتحاد السوفياتي في الحضارة الإسلامية، أو كما يطلق علية تسمية الخطر الأخضر.

ويرى “هنغتنتون” أن هناك خطوط صدع (خطوط دموية) متواجدة في الحدود أين تعيش الشعوب الإسلامية التي لا تستطيع التعايش مع غيرها من شعوب العالم، ويستند “صموائيل هنغتنتون” في تفسير طرحه هذا على تاريخ الحروب التي كان المسلمين طرفا فيها، مؤكدا أن حتى الإسلام قد تم نشره بقوة السيف لا بالإقناع، هذه كلها مغالطات فكرية جعلته يتناسى أن كلمة سيف بكل مرادفاتها لم يرد ذكرها اطلاقا في القرآن الكريم، في حين ذكرت في الانجيل أكثر من 200 مرة، كما أنه نسي أن يقارن تلك الأحداث التاريخية بما حدث في أمريكا منذ بداية تأسيسها بإبادة الهنود الحمر وحتى في اطار حروب الاستقلال وحروب الاتحاد، وفي وقت قريب داخل ذات الحضارة (الغربية) وتحديدا في أوربا من خلال ابادة أكثر من 6مليون يهودي إلى جانب نتائج الحروب التي كانت الحضارة الغربية طرفا فيها، أين سيلاحظ الفارق الكبير بين خسائر الحروب التي كانت الحضارة الإسلامية طرفا فيها وبين ما خلفته الحربين العالميتين الأولى والثانية من خسائر مثلا، وهنا يبقى السؤال المطروح من أكثر دموية من من؟، بل حتى حاليا تشير الكثير من التقارير والبحوث الأكادمية إلى أن عدد ضحايا العمليات الاجرامية في الدول الغربية التي يقوم بها المسلمون لا تتعدى 2 إلى 4% في حين يمثل الباقي أي 98 إلى96% من مجمل الجرائم التي يقوم بها أفراد غير مسلمين، في الوقت الذي يتم تعميم مفهوم العنف كمرادف للاسلام، مما أدى إلى التظليل الذي صدقته شعوب العالم عن المسلمين، ولعل ما يحدث حاليا هو ترسيخ لمضمون هذه المقاربة (صدام الحضارات) “التي اعتبرت الاسلام الرديكالي أو الاصولي هو المصدر الاساسي لصدام الحضارات”5.

وقد أكد “هنغتنتون من خلال مقالته بعنوان: “تآكل المصالح الأمريكية” أن الإستراتيجية الأمريكية التي تبنى على أساس جيوبوليتيكي”6 لم تعد ملائمة مشككا في مدى جدوى هذه الإستراتيجية في ظل تعدد وكثرة الفواعل الدولية خاصة الاقتصادية منها، وفي ظل التعقيد والفوضى التي يشهدها عالم اليوم، إلى جانب عودة أهمية التأثيرات المجتمعية من انتماءات وعقائد ودين، وبغض النظر عن نهاية أو عدم نهاية الحرب الباردة (دور الايدولوجيا في العلاقات الدولية)، فإن المصالح هي المحدد الأول والأخير لأي صراع سواء داخل الدولة الواحدة أو بين دولتين أو أكثر، حتى مبررات العنف بسم أي ديانة هدفها سياسي ومصلحي وليس لأغراض دينية بحتة.

2-الانتقادات التي وجهت لأطروحة صدام الحضارات:

$1- إن مقاربة صدام الحضارات” لم تستطع تحديد الرابط بين حضارة ما والسياسة الخارجية للدول المنتمية إليها”7، وهو ما لا يمكن أن يقدم لنا تفسيرا واضحا لهذا الصراع على أرض الواقع، لأن الموجود ضمن البيئة الدولية هي دول قومية ما يهمها هو مصالحها القطرية وليست مصالحها ضمن مجموع الدول التي يجمعها بها نفس الدين والتاريخ، والثقافة…وغيرها من القيم المشتركة.

$1- لم يعتمد “صموائيل هنغتنتون” علي معيار واحد في تقسيم الحضارات، على أساس جغرافي أو ديني أو عقيدي وغيرها، كالحضارة الغربية والحضارة الإسلامية والحضارة الكنفشيوسية وهو ما يمثل خللا معرفيا.

$1- إن وجود قيادة للعالم الإسلامي في إطار ما طرحه “صموئيل هنغتنتون” حول الحضارة الإسلامية وإن تنازعتها في فترات سابقة دول إسلامية كبرى كالخلافة العباسية أو الدولة الأموية في الأندلس أو حتى الدولة العثمانية أو الدولة الصفوية، فان الدول الإسلامية في الوقت الراهن لم تعد تتنازع لقيادة العالم الإسلامي، لأن هذا المستوى من التحرك لم يعد يحوز على نفس الأولوية التي كان عليها في الفترات السابقة، بل سقط تماما لدى أغلبية الدول الإسلامية، باعتبار أن صراع المصالح هو المحرك الأساسي لهذه الدول”8، وهذا ما يفند ما قدمه “صموائيل هنغتنتون” حول تهديد الحضارة الإسلامية لمحاربة الحضارة الغربية (إن الدول العربية مشتتة نتيجة النزاعات الأهلية والحروب الإقليمية والتنافس فيما بينها حول مناطق تتولى إدارتها أطراف غير إسلامية، واللجوء الدائم للأطراف الخارجية في حل أزماتها، كالحرب العراقية الإيرانية والحرب على العراق1991 والصراع في أفغانستان والصومال والبوسنة والهرسك والشيشان وغيرها، أين تتضح محدودية وعدم فعالية دور الدول الإسلامية بل لجوئها إلى أطراف خارجية حتى لتحقيق مصالحها…بل اليوم تتنافس فيما بينها مما أدى إلى تدهور العلاقات بين عدد من الدول الإسلامية فيما بينها بسبب اختلاف مصالحها حول بعض القضايا).

$1- أن مسألة التحالف بين الحضارة الكنفوشيوسية والحضارة الإسلامية ضد الحضارة الغربية بعيدة جدا عما صوره “هنغتنتون” كتهديد واضح ضد الولايات المتحدة الأمريكية أو حتى الحضارة الغربية عامة، خاصة أنه لا توجد مؤشرات لهذا التقارب خاصة في جانبه العسكري.

بعد احداث11سبتمبر2001 اتضح بشكل جلي أن مصير الأمة الإسلامية أصبح رهين عواقب السياسات الأمريكية، كما أصبحت هذه الدول ساحة تتجدد حولها وعليها اختبارات مقولة صدام الحضارات والتهديد الإسلامي للغرب والحروب الصليبية وغيرها من المصطلحات التي عادت للواجهة مؤكدة على الخطر والتهديد الأصولي الإسلامي، وعلى البعد الحضاري والثقافي في الصراعات التي سيشهدها القرن21، كمحدد أساسي للعلاقة بين العالم الإسلامي والعالم الغربي.

إن ما يحدث اليوم يبين أن ما هو مطروح كمحدد أساسي للعلاقة بين الإسلام والغرب هو أطروحتين أساسيتين هما:

أولا: أطروحة التهديد الإسلامي للغرب.

بعد أحداث 11سبتمبر2001 وفي إطار محاولة الإدارة الأمريكية الإجابة على السؤال لماذا يحدث هذا معنا؟ لماذا يكرهوننا؟ كان ما هو مفهوم من قبل الكثير من الأمريكيين أن هؤلاء الإرهابيين يكرهون حرية أمريكا، حريتها على جميع المستويات في الدين والرأي والمؤسسات ويكرهون ديمقراطيتها، خاصة ان هؤلاء الأصوليون “يشعرون انهم يحاربون بعض القوى التي تهدد أقدم قيمهم”9، وتم الاتفاق في نهاية المطاف على مستوى الإدارة الأمريكية أن هؤلاء الإرهابيين كما قال عنهم الرئيس “بوش الابن”:” هم ورثة جميع الإيديولوجيات المجرمة للقرن20 من خلال التضحية بالحياة البشرية خدمة لتصوراتهم المتطرفة، والتخلي عن كل القيم ما عدا الرغبة في السلطة، فقد اتبعوا طريق الفاشية والنازية والشمولية”10، وهذا ما يعني أن من مصلحة العالم ككل وحتى من مسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية أن تخلص العالم من الشر، وأن تنهي الإرهاب وتمنع وصولهم إلى السلطة من خلال دعم الحكومات المعتدلة والترويج للديمقراطية.

كما أن الأصولية الإسلامية أو ما أصطلح على تسميته بالاسلام فوبيا”Islam Phobia” في نظر الغرب عامة والولايات المتحدة خاصة بمثابة التهديد الذي حل محل التهديد السوفياتي، كما يعبر عنه بمصطلح “التهديد الأخضر” والذي حل محل “التهديد الأحمر”، إلا أنه بالعودة إلى جذور المسألة وأسباب وجود جماعات أصولية تدين بالديانة الإسلامية التي منها من أعلن –الجهاد- ضد الكفار كنظام الطالبان بزعامة “أسامة بن لادن” لابد من العودة ولو باختصار إلى أمرين أولها يتعلق بالجانب النظري لأي مذهب اصولي والثاني بالواقع الدولي وذلك من خلال:

$11-الجانب النظري: إن أي مذهب لرسالته ثلاث أبعاد “سواء كان هذا المذهب ديني أو علماني معاصر او قديم فان يتطابق مع ايديولوجيا ضرورية لنجاحه وتحوله إلى حركة شعبية دموية”11 ويحدد “توني سميث” في كتابه بعنوان: حلف مع الشيطان تلك الابعاد للأصولية السياسية فيما يلي”:

$1أ‌- التصور المطروح من الاصولية السياسية أو النموذج الذي يرسم صورة لصراع مصيري مدمر يقسم من خلاله العالم إلى ثنائية الاضداد(مانوي) بين ما هو خير وما هو شر أين لا توجد حلول وسطى، مما يجعل القتال بلا ضوابط وبلا حدود.

$1ب‌- نتيجة هذا الصراع هي حجة لصالح العنف باعتبار التضحيات نصر على الجور، وكذا من خلال ما تقدمه من تصور لمجموعة من الاصلاحات المفرطة في المثالية.

$1ت‌- السمة الديماغوجية للأصولية بالرغم من انها اقل اهمية من البعدين السابقين، إلا انها ضرورية لتأجيج الالتزام العاطفي بمشاعر الريبة والاعتقاد بالأفضلية على الأخرين، وبالتالي المحافظة على وحدة الجماعة تحت راية تلك العقيدة”12.

ضمن هذه الأبعاد الثلاثة بدأت الاصولية تترسخ في مختلف الديانات خاصة الدين الاسلامي وذلك بظهور جماعات متطرفة تبحث عن مكان لها ولأفكارها ضمن المجتمع الذي انبثقت منه، والتي تبحث أيضا عن زيادة عدد أعضائها بالتركيز على الأبعاد السابقة.

$12-الواقع الدولي: وتحديدا المرتبطة بالعالم الإسلامي كأمثلة بسيطة لتوضيح مخلفات تلك التراكمات التي تغاضى عنها “صموئيل هنغتنتون” في أطروحة الصراع التي قدمها، والتي هي بالأساس ناتجة عن ممارسات مشوهة لطرفين هما :

$1أ‌- القوى الاستعمارية الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية وسياساتها التي عانت منها شعوب المنطقة الإسلامية خاصة منطقة الشرق الأوسط، ومن أهم ما تضمنته تلك الفترة مايلي:

$1· تنفيذ اتفاقية -سايكس بيكو- لتقاسم خيرات الرجل المريض “الدولة العثمانية”، حيث أن أغلبية الدول العربية والإسلامية كانت تقريبا حتى منتصف القرن العشرين تحت وطأة الاستعمار بكل ما يحمله من معنى، ولم تحصل على استقلالها السياسي إلا في بداية الخمسينات إلى الستينات من القرن العشرين عن طريق ظهور حركات التحرر التي قامت بحروب التحرير وأنهت وجود الاستعمار بشكله المباشر.

$1· التبعية التي ظلت تعاني منها الدول المستقلة حديثا من جراء عدم وجود استقلال اقتصادي، وارتباط اقتصادها باقتصاد المستعمر، ووجود هوة كبيرة في مستويات التنمية بكل أبعادها، بالإضافة إلى الفارق التكنولوجي والعلمي بين الشرق والغرب، أو حتى بين الشمال والجنوب.

$1· وعد بلفور سنة1917 بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وتنفيذه، وصولا إلى إعلان قيام دولة إسرائيل سنة1948، وبروز الصراع العربي الإسرائيلي تحت وجود تأييد دائم ومستمر للقوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل ماديا وعسكريا وحتى لممارساتها الارهابية ضد الفلسطينيين، بالمقابل رفض قيام دولة فلسطينية، بالإضافة إلى تدنيس القدس واحتلالها من قبل إسرائيل، واستمرار هذه الأخيرة في بناء المستوطنات وتهجير وإبادة الشعب الفلسطيني تحت مرأى كل العالم دون أي جهد دولي يذكر لوقف اسرائيل، “حيث تعاملت أقطاب النظام الدولي مع العدوان المستمر على غزة خلال 10سنوات الماضية إلى يومنا هذا بطريقة تعيد البشرية إلى عصر كان الاستعمار فيه هو السيد أي قبل سنة1945…وتعامل هؤلاء الاقطاب مع الجرائم الاسرائيلية كما لو انها جزاء يستحقه الفلسطينيون، مثلما كان سادة العالم ينظرون إلى الهنود الحمر في مرحلة مبكرة من تاريخ الظاهرة الاستعمارية”13.

$1· الثورة الإسلامية المشوهة على المستوى الفكري والتي كانت بدايتها من ايران والتي جعلت كلمة إسلام معاكسة للكلمة الغرب التي هي عبارة عن الجبهة الموحدة التي تجمع أمريكا والأوربيين في مواجهة المسلمين انطلاقا من قلب منطقة الشرق الأوسط، كما تعتبر أطروحة “صدام الحضارات” من بين الأطروحات التي تغذي العداء بين الغرب والإسلام والتي تم من خلالها تضخيم العداء بين الطرفين خاصة منذ الأحداث 11سبتمبر2001، وجعل المسلمين مصدر تهديد أينما كانوا وحيثما حلوا، خاصة من خلال التعميم والإعلام الغربي الذي كان له دور كبير في بث الكراهية بين الشعوب.

$1· حرب الخليج الثانية سنة1991 وتداعياتها على منطقة الشرق الأوسط وما ولدته من تواجد أمريكي دائم في المنطقة، بالإضافة إلى ما خلفته هذه الحرب على الشعب العراقي، من خلال الحصار الذي دام لأكثر من 12سنة، ثم الحرب الأمريكية سنة2003، وما خلفته على جميع المستويات وصولا إلى حالة من عدم الاستقرار واللا أمن منذ ذلك التاريخ، بل وحرب طائفية بين السنة والشيعة منذ تلك الحرب، تزداد حدتها يوما بعد يوم مع زيادة تعشش الإرهاب في هذه المناطق، وصولا إلى ظهور تنظيم الدولة الاسلامية لبلاد الشام والعراق (داعش) والذي زاد من تأزم الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط ككل.

$1· ثورات الربيع العربي وآثارها على المنطقة العربية ككل خاصة في سوريا وليبيا والتي كان للدول الغربية دورا كبيرا في تغذيتها، خاصة من خلال تدخل حلف الناتوا في ليبيا والذي أدى إلى ظهور الارهاب وعجز كل الأطراف الداخلية والخارجية عن اعادة النظام وحتى الأمن والاستقرار من جهة، كما أن سوريا هي الاخرى عرفت منعرجات خطيرة منذ قيام الثورة سنة 2011 ودعم الغرب للثوار (المعارضة) من أجل قلب النظام لتتحول نفس الأطراف بعد سنة في مفارقة تظهر تناقضات وتلاعبات الاقوى بالأضعف من خلال أنه ومنذ أواخر سنة 2014 ذهبت الدول الغربية ذاتها إلى اعتبار المعارضة والثوار ارهابا والتأكيد على ضرورة دعم نظام بشار الاسد للقضاء على الارهاب في سوريا والمنطقة ككل.

$1· الرأسمالية والأمبريالية اللتين بنيتا على الاستغلال والنهب والقهر والاعدالة وتداعيات انتشارهما على الطبقات الفقيرة والشعوب الضعيفة، مما أدى إلى ظهور نوع من الفكر الذي يدعوا إلى استخدام اي وسيلة بما في ذلك العنف لمواجهتهما.

$1ب‌-طبيعة الدول العربية كدول ملكية أو دكتاتورية أو حتى ديمقراطية بالاسم والتي تكبح الحريات وتخدم مصلحة القوى الاستعمارية على حساب مصلحة شعوبها، مما ساهم بدوره في ثورة الشعوب في بعض الدول كتونس أو مصر…إلخ، بالإضافة إلى الممارسات المشوهة لقيم الاسلام في بعض هذه الدول وانعكاس ذلك لدى الرؤية الشعبوية للشعوب الغربية.

كل هذه الأحداث وغيرها ولدت شعورا دائم بالإذلال والتبعية والتآمر الغربي والتهميش للمسلمين، مما أدى إلى ظهور مثل تلك الجبهات التي أعلنت الجهاد ضد اليهود والصليبيين، كالجبهة الإسلامية العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين والتي أعلن “أسامة بن لادن” عن إنشائها والتي تدعو – كل مسلم يؤمن بالله إلى قتل الأمريكيين والاستيلاء على ممتلكاتهم أينما وجدوا”14، بالمقابل لم تحاول الدول الغربية بما في ذلك الولايات المتحدة معالجة الأوضاع من منطق الحاجيات الداخلية التي تدخل ضمن الحقوق التي تضمن كرامة الإنسان، خاصة من خلال الصراع العربي الإسرائيلي، بل اعتبرت الولايات المتحدة الأمريكية المقاومة الفلسطينية وحركات التحرير وما تقوم به إرهابا، في ظل غياب الضمير الانساني الذي أضحى الشيئ المشترك بين جميع الدول(المسؤولين) والذي بدأت العدوى تتنتقل منهم إلى شعوبهم، مما قد يجعلنا نصنف في تاريخ الأجيال القادمة كأسوء جيل مر على هذه الأرض.

إنها معادلة صعبة جدا إذا ما اعتبرت المقاومة إرهابا، وإرهاب الدولة الممارس من طرف إسرائيل يوما بعد يوم والمنتهكة لحقوق الشعب الفلسطيني حقا مشروعا، بل واعتبرت الولايات المتحدة إسرائيل الديمقراطية الناجحة الوحيدة في المنطقة والتي ستدعم انتشار الديمقراطية في الشرق الأوسط، وخير مثال على ذلك الانتفاضة الفلسطينية الثانية منذ بداية سنة2002 أين تعيش هذه الأرض في وضع مأساوي من الدم والدموع بصفة يومية جراء العنف والعدوان المتصاعد الوتيرة، والذي ذهب ضحيته آلاف الفلسطينيين في ظل عدم التناسب بين قوة طرفي الصراع فلسطين وإسرائيل التي تمارس جرائم يومية ضد الفلسطينيين المدنيين، هذا بإضافة إلى حملات الاستيطان للأراضي الفلسطينية وبناء الجدار العازل، والتدنيس المستمر للمسجد الأقصى، كل هذه الجرائم التي لا تقارن بالرد الشرعي الفلسطيني الذي يتوافق بدوره مع القوة والدعم العربي والدولي الذي يقتصر هو الآخر على مجرد التنديد بجرائم إسرائيل وتقديم المساعدات الإنسانية، يحضرني هنا السؤال الذي وجهته الناشطة “ميديا بنجمبن” من منظمة نساء من أجل السلام للرئيس الأمريكي “أوباما” هل يمكنك أن تقول للفلسطينيين أن حياتكم ثمينة كحياتنا تماما؟، طبعا من الصعب على الرئيس الأمريكي ان يجيب على هذا السؤال، لأنه يدرك جيدا أن هناك فوارق كبيرة أوجدتها تقاليد وعقائد متواصلة لدى الدول الكبرى خاصة الولايات المتحدة في ازدواجية التعامل مع انسانية وكرامة الانسان حسب الانتماء، وهنا قد نتسائل من الذي أدى إلى تكريس فكرة الانتماء؟ من المؤكد أنه نتيجة لغياب العدل في الطرح والتعامل.

في المقابل تثير عدوانية إسرائيل وممارساتها عداوة العالم العربي والإسلامي، والإشكال هنا سواء تعلق الأمر بإرهاب الدولة أو الارهاب السلطوي أو حتى المنظم والذي ظهر من خلال أعمال التنظيمات الارهابية لا يقدم مبررا لإزاحة الانسانية جانبا، فتحقيق أي غاية مهما كانت قيمتها لا يبرر قتل الأبرياء ولا انتهاك الحقوق والحريات سواء في فلسطين أو في أي منطقة من العالم، فالواضح أن في زمن العولمة تفعل اللا إنسانية فعلها، كما أوضح محمد كمال في مقال له بعنوان: “مسألة الإرهاب في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا” بقوله: “أن الإرهاب ظاهرة معقدة ومتعددة الأبعاد، ولا توجد نظرية يمكنها تفسير هذه الظاهرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كما أن الإرهاب ناتج عن متغيرات كثيرة مرتبطة فيما بينها، ولها علاقة بالهيكلة الداخلية لدول شمال إفريقيا والشرق الأوسط منها: السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكذا العوامل الشخصية والنفسية والإيديولوجية المرتبطة بدورها بالفواعل الخارجية، وكذا حول منطق القوة واستخدامها التعسفي15من طرف القوة العظمى في العالم، وقد تم في هذا الشأن لأول مرة تعريف الإرهاب من قبل الأمريكيين في وثيقة إستراتيجية الأمن القومي2002، بعد أن تم رفض ذلك عدة مرات علي مستوي الأمم المتحدة بأنه: “عنف مخطط مسبقا لتحقيق أهداف سياسية ولقتل الأبرياء والمدنين”16، كل هذه الاعتبارات أنتجت تلك الأفكار المتعصبة وولدت روح الانتقام لدى من أصبحوا إرهابيين ليس بالفطرة، بل نتيجة لتأثيرات داخلية نابعة من طبيعة الأوضاع السيئة التي يعيشونها من جهة، ونتيجة تأثيرات خارجية نابعة من ممارسات وسياسات القوى الكبرى، والتي نضجت فأعطت مردودا سلبيا هو الإرهاب، وهذا ما أغفلته نظرية صدام الحضارات في تفسيرها لأسباب الصدام والعنف والارهاب ” الذي يعتبر قديما كممارسة وجد قبل 2000سنة إلا أنه لم يكن ذوا طابع عالمي”17 كما هو عليه اليوم.

من الناحية النظرية لا بد من الاشارة إلى وجود اتجاهين لتفسير ظهور الممارسات الارهابية او العنف المنظم وهما”:

الاتجاه الأول: الذي يربط ظهور الارهاب بالبيئة المجتمعية كمحفز للبحث عن العقيدة التي يمكن تكييفها ضمن فتوى تبرر ممارسة العنف بغض النظر عن الديانة أو العقيدة التي يستند إليها، فمثلا مسألة الشهادة ومزاياها الروحية لا تقتصر على الاسلام والمسلمين بل وجدت قبل ذلك في الديانة المسيحية من خلال تلامذة المسيح بوصفهم شهودا عليه، وفي الكثير من قصص اضطهادات الامبراطورية الرومانية للمسيحيين”18، ويمكن تلخيص ما تضمنه هذا الاتجاه ضمن المخطط التالي:

الاتجاه الثاني: “الذي يرى أن النصوص الفقهية هي التي أدت إلى العنف الديني المسلح”18، انطلاقا من وجود شعور يعمق الايمان بالمهمة المقدسة التي لا بد من القيام بها، وبالتالي ممارسة العنف والإرهاب مما سيؤدي بدوره إلى قتل الأبرياء نتيجة معتقدات خاطئة،ويمكن تفسير ذلك من خلال المخطط التالي:

من خلال هذا نجد أن الاتجاه الأول استند في تنظيره على فكرة الظلم وغياب العدل كأساس للتحليل وحتى الانتشار والتوسع، أما الاتجاه الثاني فقد ركز على الكفر كأساس للتحليل والانتشار، ولكن كلاهما أدى إلى نفس النتيجة، وهي الاجرام والعنف وغياب انسانية الإنسان، من خلال ذلك الشعور الذي يتولد لدى هؤلاء باعتبارهم حاملون لرسالة بل مهمة مقدسة عليهم تأديتها ضمن مخطط لتحقيق أهداف سياسية في مضمونها ودينية في تصورها وشكلها، إلا أنه لا بد من الاشارة أيضا إلى أن الظلم كان الأساس لظهور التيارات المتشددة ومن ثم الارهاب في القرن العشرين، ولكن مع ظهور تنظيم الدولة الاسلامية أصبح التكفير هو الأساس الذي يعتمد عليه هذا التوجه، أما بخصوص النصوص الدينية فلا يمكن اعتبارها المنبع الأساسي للتطرف بل الفهم الخاطئ والتفسيرات المرتبطة بأهداف هؤلاء المتشددين خاصة بالنسبة للدين الاسلامي وما يتضمنه من دعوة للتسامح، فهو دين رحمة وعفو ويسر وحتى وإن سمح بالجهاد فانه يحدده بسياق معين وليس بصفة مطلقة.

إن الإشكال الذي يطرح نفسه هنا، أن التنظيمات الارهابية قد مارست العنف محليا ضد سكان الدولة التي نبعت منها أكثر من العنف الذي مارسته ضد القوى الغربية وهياكلها، وهو ما يفند فكرة الصدام ضمن ما جاء في مقاربة صدام الحضارات التي تعتبر أن العنف ينبع من الدول الإسلاميه كحضارة اتجاه غيرها من الدول الاخرى خاصة الغربية، ولكن الواقع يثبت أن ارهاب اليوم هو من صنع الدول الغربية تحت راية اسلامية، وأن ضحاياه هم المسلمون بالدرجة الأولى وأن من يغذيه هم الغرب وما سوريا والعراق كمنبعين بارزين للإرهاب إلا صورة واضحة للإرهاب الوحشي الذي صنعه الغرب خاصة أمريكا (الدولة الاسلامية كتنظيم هي وليدة بوش الابن وتيار المحافظين الجدد)، وهنا تطفوا في الواجهة ازدواجية المعايير في التعامل مع الاعمال الارهابية ضد الاوربيين (الغرب) وبين المسلمين، وما أحداث11سبتمبر وحادثة “شارلي إيبدوا” إلا مجرد أمثلة بسيطة بالمقارنة مع آلاف ضحايا الاعمال الارهابية من المسلمين، آخرها ما يعانيه المسلمين من سكان بورما (مينمار) من وحشية ودموية البوذيين.

$1· ثانيا: أطروحة المؤامرة على الإسلام والمسلمين:إن الإشكال المطروح حول أحداث 11سبتمبر2001 هو التصور الذي طرح والذي جرى من خلاله تعميم للعنف العالمي، والاستفادة منه بقدر المستطاع من طرف القوة العظمى (الولايات المتحدة الأمريكية) لتنفيذ إستراتيجيتها في منطقة الشرق الأوسط خاصة والعالم بشكل عام، من خلال بروز الولايات المتحدة كضحية غدر به، هكذا أعلنت هذه الأخيرة عن حربها العالمية ضد الإرهاب ومطاردتها له أينما وجد، في الوقت الذي لم يكن حتى هذا المفهوم(الإرهاب) يحمل معنا واضحا أو تعريفا محددا ومتفق عليه، رغم وجود بعض الدول التي نادت بضرورة محاربته وحاولت تدويله من خلال منظمة الأمم المتحدة كالجزائر، وذلك منذ بداية تسعينات القرن20 نتيجة استفحال هذه الظاهر داخلها، إلا أن الكثير من دول العالم بما في ذلك الولايات المتحدة قامت بعزل هذه الدولة ولم تأخذ نداءاتها بعين الاعتبار، إلا منذ تعرضها للعمليات الإرهابية على إثر أحداث11سبتمبر2001، أين رأت أنها ظاهرة عالمية يمكن أن تعاني منها أي دولة في هذا العالم.

وتنفيذا للخطاب الأمريكي تم تشويه صورة المسلمين في العالم وسوء معاملة المهاجرين المسلمين خاصة في دول أوربا الغربية وأمريكا، ولعل الشيء المثير للجدل هنا هل الإرهاب وجد فقط لدى الأصوليين المسلمين أو (الرديكالين)؟، لعل من الأرجح العودة إلى تاريخ أمريكا نفسها الغني بالممارسات الإرهابية، فليس ببعيد مثلا: حينما مارست الولايات المتحدة الأمريكية حرب إبادة ضد الشيوعيين في كل مكان، حيث: “تمت تصفية آلاف الشيوعيين جسديا في إيران و200ألف في جواتيمالا ونصف مليون في اندونيسيا…وغيرها، وحتى ذلك الحين لم يكن دعم الإرهابيين عملا لا أخلاقيا بالضرورة”19 والأمثلة على ذلك كثيرة، حيث قامت الولايات المتحدة بأعمال عنف وتخريب وخطف وقتل ضد نظام “فيدال كسترو”Fidel Castroفي كوبا وفي نيكاراجوا.

وفي إطار الحرب الباردة شجعت الولايات المتحدة عن طريق وكالة المخابرات المركزية “بدعم من طرف كل من المملكة العربية السعودية وباكستان على قيام ألوية إسلامية يتم تجنيدها في العالم الإسلامي لخدمة مصالح أمريكا، والتي تتألف ممن أطلقت عليهم وسائل الإعلام حين ذاك تسمية “مقاتلون من أجل الحرية “Freedom Fighters”20، منهم المجند في أفغانستان “أسامة بن لادن” مؤسس نظام الطالبان هناك، والذي تحولت تسميته من مقاتل من أجل الحرية إلى أكبر إرهابي بسبب عدم استمراره في خدمة المصالح الأمريكية، وباعتباره العقل المدبر لأحداث 11سبتمبر، بل وتستمر الولايات المتحدة اليوم في دعمها لإسرائيل في إطار حرب الإبادة التي يمارسها الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين من قتل وتعذيب، بل أكثر من ذلك تستمر في تقديم الدعم المادي والذي يزيد سنويا عن 3مليار دولار.

كما استمرت الولايات المتحدة في فرض عقوباتها على النظام العراقي منذ حرب الخليج سنة1991 رغم مطالب الرأي العام العالمي وخاصة العربي والإسلامي بوقف الحصار الذي ذهب ضحيته مئات الآلاف العراقيين، منهم أطفال أبرياء اعتبرت وزيرة الخارجية في عهد الرئيس “بيل كلنتون” “مادلين ألبرايت” عندما سؤلت عن الأبرياء من الأطفال العراقيين الذين يقتلون يوميا جراء الحصار أنه الجزاء وأنه ثمن الحرية الذي لا بد من دفعه، كل هذه هي مجرد بعض الأمثلة التي تبين لنا أن الإرهاب وإن ارتبط منذ أحداث 11سبتمبر2001 بالإسلام الراديكالي، فإنه سابق الوجود لدى الدولة التي أعلنت الحرب عليه منذ تلك الأحداث، باعتبارها هي التي مارست وصنعت الارهاب خاصة في منطقة الشرق الاوسط.

إن المفارقة الصعبة هنا هي أنه حتى الأصولية الإسلامية وتنظيم القاعدة وتحديدا منظم هجمات 11سبتمبر، قد سبق ودربته المخابرات الأمريكية للانتصار على الاتحاد السوفياتي في حربها ضده في أفغانستان في إطار ما عرف بمحاربين من أجل الحرية، بل إن هذا الإرهاب قد تعشش وازداد بفعل الممارسات الأمريكية في العالم الإسلامي والشرق الأوسط خصوصا، وقد عبر عن ذلك “أحمد أركون” بقوله: “أنها الوليد التاريخي لخصومة قديمة بين المسيحية والإسلام”21، لذا فإن العالم يسير باتجاه تحديد طبيعة العلاقة بين العالم الإسلامي وغيره من دول العالم وفقا للنظرة التي يجري الترويج لها والقائمة على اعتبار المسلمون هم مجموعة من المتدينين والمتشددين والمتطرفين، الذين ينفسون عن أوضاعهم خاصة منها النفسية التي ترتبط بالإحباط والفشل بالهجوم والعنف وممارسة الإرهاب على غيرهم من شعوب العالم، إلا أنه من خلال توجس حقيقة هذا الخطاب نجد أنها مجرد تجسيد لمبدأ ضرورة إيجاد بديل للعدو السوفياتي من جهة، وضرورة تحقيق المصلحة الاقتصادية الأمريكية من خلال تغيير بعض الأنظمة المعادية كالنظام العراقي الإيراني والسوري، وعلى العموم فان هذه الأحداث قد خدمت المشروع الأمريكي اتجاه العالم (المحافظين الجدد ببناء إمبراطورية أمريكية تتولى قيادة العالم)، فهي فرصة جيدة لإعادة ترتيب أوضاع العالم خاصة في المناطق الجيو-إستراتيجية.

من خلال هذا يمكن الخروج بالنتائج التالية:

$1· من المؤسف أن يصل العالم اليوم إلى هذا الواقع الذي ينطبق على الوصف الذي قدمه ألبرت كموس “بقوله:” نحن نعيش في عصر سبق الاصرار والجريمة الكاملة مجرمونا لم يعودوا صبية قليلي الحيلة يزعمون ان دافعهم الحب، بل على العكس من ذلك إنهم بالغون ولديهم عذر محكم بالبراءة، فلسفة يمكن استخدامها لأي غرض حتى لتحويل المجرمين إلى قضاة”22.

$1· أن الإرهاب اليوم ليس وليد الأصولية الإسلامية بقدر ما هو وليد الدول التي تحاربه، والتي ساهمت في فترات سابقة على إيجاده ومارسته بطرق أو بأخرى، فالإرهاب يضرب بجذوره في العقيدة الصهيونية من خلال إرهاب الدولة، وساهم الدعم الأمريكي لها وممارساتها في بناء الأرضية اللازمة لنموه وانتشاره ضمن ديانات أخرى كالإسلام، فالولايات المتحدة تقف بل وتدعم أكبر دولة ممارسة للإرهاب منذ نشأتها(إسرائيل) في منطقة الشرق الأوسط وأن آلاف الأبرياء من الفلسطينيين يقتلون على أيدي الجنود الإسرائيليين في عمليات اقتحام واستيطان أمام أعين أمريكا والعالم، والتي أعلنت بالمقابل عن إقامتها لنظام عالمي أكثر عدالة على حد تعبير كل الرؤساء الأمريكيين.

$1· إن الاشكال الاساسي اليوم هو انقلاب القيم المرتبطة بالنظرة الموحدة لطبيعة الانسان بغض النظر عن دينه أو عرقه أو عقيدته او انتمائه، فما يقوم به الإرهاب اليوم قد قامت به دول أخرى في مناطق كثيرة من العالم، ولا يتم محاربته أو النظر إليه باعتباره إرهابا أو عملا لا أخلاقيا، بل منها ما اعتبر دفاعا عن الحرية لأن الأقوى رآه كذلك .

$1· إن سياسة الولايات المتحدة في إطار الحرب الباردة وما بعدها قد ولدت كراهية كبيرة لها، خاصة من طرف شعوب دول الشرق الأوسط، وهو ما عبر عنه الرئيس “بوش الابن” على اثر خطابه بعد هذه الأحداث عن الكراهية التي تكنها بعض الشعوب لأمريكا “وقد أشار التقرير الذي أعده مجلس العلوم الدفاعية سنة2004 أن المسلمين لا يكرهون حرية أمريكا إنما يكرهون سياستها”23، ورغم ذلك فان فكرة صدام الحضارات أصبحت أكثر المقاربات رواجا لتفسير طبيعة العلاقات الدولية في القرن21 “فالحقيقة تثبت أن هذه الأحداث تكشف عن توترات باطنية هي توترات النظام العالمي،…إلا أنه يجرى الآن تعميمها بشكل تعسفي لتأخذ شكل عنف عالمي يبث المصداقية في مقولة صدام الحضارات”24،خاصة مع المغالطات الفكرية التي تنبع من تفسير مانوي قائم على النظرة الثنائية للأشياء (نحن والآخر).

إن كل الأحداث الارهابية منذ أحداث 11سبتمبر تكشف لنا عن التطورات والاختلالات العميقة في النظام العالمي القائم، والتي أدت إلى بروز صفتين أساسيتين للعنف الممارس هما:

$11-الجهة التي تمارس هذا العنف خاصة عندما تكون هذه الجهة غير معروفة ولا يمكن تحديدها بدقة، فهي ليست دولة ما أو طرف معروف ولكن هي جهات لها أفكار ومعتقدات لا تتوافق مع ما يطرحه النظام العالمي من أفكار وقيم.

$12-مذاهب دموية: دموية ووحشية هذا العنف الذي تجاوز كل الاعتبارات ضمن مفهوم ومضمون الانسانية التي يفتقدها العالم أي الانسان يوما بعد يوم، فالواضح أن مقولة “كار ماركس” الشهيرة حول النظام الرأسمالي الذي يحمل بذور فنائه بداخله تنطبق على مفهوم الانسانية التي أصبحت تحمل بذور فنائها بداخلها من خلال تعميم ودموية المذاهب الإنسانية.

إن النظام العالمي اليوم يتجه نحو الفوضى العارمة، في ظل تعدد التنظيمات الارهابية خاصة الارهاب الجديد في الشرق الاوسط والذي يدعوا إلى اقامة دولة اسلامية لا تعترف بأي التزامات دولية، بما في ذلك قواعد النظام الدولي التي استقر عليها إلى حد ما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والإشكال أن التطرف والأصولية لا يقتصران على دين معين من خلال الصورة الاعلامية والدعاية التي تروج لصورة مشوهة للأحداث في اتجاه واحد، من خلال الطرح المشوه للإسلام والمسلمين بشكل عام دون أخذ بعين الاعتبار أنه انحراف قام به مجموعة هم قلة من المتطرفين الذين انحرفوا عن هذا الدين العظيم، أين يمكن ببساطة العودة إلى الكثير من الأفكار التي راجت والتقارير والكتابات وحتى الاحصائيات التي تحاول تعميم التطرف واعتبار الدين الاسلامي ليس دين سلام، والتي أدت إلى تشويه ثقافة بأكملها وجعلها تبدوا شيطانية حتى تكسب تعاطف وتأييد الآخرين في الحروب التي قامت بها منذ بداية القرن 21، والتي هي بدورها تلوح براية الحرب المقدسة المتطرفة.

إن الاصولية والتطرف بمفهومهما الواسع لا يرتبطان بديانة معينة بل حتى الايديولوجيات التي تدعي الحرية تحمل في جذورها تشددا وتطرفا خاصة من خلال تصعيدها لمضمون العقيدة المناوية التي تنظر إلى طبيعة الاشياء من خلال ثنائية التضاد بين الشيء وضده، بل وتعبئ الكراهية بين الشعوب، وهذا ما يجعلنا نتساءل هل يمكن تجريد الايديولوجية الليبرالية من الأصولية، خاصة مع تهويلها للتهديد القادم من الحضارة الإسلامية؟ ألا يمكن النظر إلى حروب القرن21 التي أطلق عليها تسمية الحروب المقدسة على أن مرجعيتها هي المذهب الأصولي الذي نبعت منه؟ وتلك الحروب قامت بها دول ليبرالية فهل هذا يعني أن اللبرالية هي بدورها مذهب أصولي؟ خاصة إذا عمدنا إلى المنطق الذي نادى به المحافظين الجدد أو حتى اللبراليين الجدد ضمن مضمون نظرية السلام الديمقراطي، أين الغايات السامية حسبهم تبرر الوسائل المستعملة، مما يجعل من أبعاد الأصولية السياسية تجد مكانا لها ضمن هذه الايديولوجية، خاصة من خلال عقيدة “بوش الابن” بخوض حروب استباقية ضد الشر والتي ولدت شرا أكبر منه، أليست هذه أصولية ترد على أصولية أخرى؟ أوليس لتلك الاصولية يد في ايجاد أصولية تجابهها ستقود في نهاية المطاف إلى صراع قد يعم العالم بأسره لا يعرف فيه الظالم من المظلوم.

الهوامش :

$11) الأصولية( Fundamentalism):هو مصطلح أستعمل أول مرة من طرف البروتستانت الذين اعتبروا أنفسهم متميزين عن البروتستانت المتحررين واللذين كانوا حسب رأيهم يشوهون العقيدة المسيحية، بعد ذلك أصبح يطلق على الحركة الاصلاحية في مختلف أديان العالم، مع أن الترجمة الحرفية للمصطلح الانكليزي يعني في اللغة العربية دراسة أصول الشيئ أي مصادر شتى القواعد والمبادي في الشريعة الاسلامية وهو ما يجعل من مصطلح الاصولية مصطلحا مضللا، وقد أوضح كل من “مارتن أ مارتي” و “ر سكو سكوط أبلي” في موسوعتهما التي تتكون من ستة مجلدات والتي تضمنت نقاشا حول “النزعات الاصولية “: أنها تندرج جميعا ضمن أشكال الكفاح الروحي الذي نشأ استجابة لأزمة ظاهرة.

$12) صموائيل هنغتنتون، صدام الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي، تر(طلعت الشايب)، [د.د.ن]، [د.م.ن]، 1999، ط2، ص10.

$13) رضا هلال، أمريكا والإسلام صدام أم تعايش، الهيئة المصرية العامة، القاهرة، 2002، ص64.

$14) محمد أحمد النابلسي، “سسيولوجيا العلاقات الدولية: سياسة القوة، مستقبل النظام الدولي والقوى العظمى”، مجلة شؤون الأوسط، العدد95، 2000، ص115.

$15) What Is Terrorism?, Chapitre I, P13, 15-10-2015 , in:

http://www.sagepub.com/sites/default/files/upm-binaries/51172_ch_1.pdf

$16) احمد فاروق عبد العظيم، سياسة القوة في المشروع الأمريكي للنظام العالمي ، مجلة السياسة الدولية، المجلد 39، العدد 158، أكتوبر2004، ص30.

$17) نادية محمود مصطفى، التحديات السياسية الحضارية الخارجية للعالم الإسلامي ( بروز الأبعاد الحضارية والثقافية)، ثقافتنا للدراسات والبحوث، المجلد 6، العدد 22، 2010. ص 73.

$18) نفس المرجع والصفحة.

$19) – كارين أرمسترونج، معارك في سبيل الاله الحركات الأصولية الدينية اليهودية والمسيحية والاسلام، تر(فاطمة نصر ومحمد عناني)، دار النشر ألفريد أ كنوف، نيويورك، 2000، ص14.

$110) وثيقة إستراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2002، مجلة شؤون الأوسط، العدد 110،ربيع 2003، ص119.

$111) توني سميث، حلف مع الشيطان سعي واشنطن لسيادة العالم وخيانة الوعد الأمريكي، تر(هشام عبد الله)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2010، ص284.

$112) نفس المرجع، ص ص285-286.

$113) وحيد عبد المجيد، “ماذا بقي من قواعد النظام العالمي؟”، مجلة السياسة الدولية، العدد 198، أكتوبر2014، http://www.siyassa.org.eg

$114) جوزيف مايلا ومحمد أركون، من منهاتن إلى بغداد ما وراء الخير والشر، تر(عقيل الشيخ حسن)، دار الساقي، بيروت، 2008، ص11.

$115) Mohamed Kamel ,« The Impact of Terrorism in the Middle East and North Africa», Understanding Terrorism in African, Building Bridges and Overcoming the Gaps, institute for security studies, Ed by Wafula Okumu and Anneli Botha,2008, p29.

$116) What Is Terrorism, Op .cit, P24

$117) اينياسيو رامنيه، حروب القرن الحادي والعشرين مخاوف وأخطار جديدة، تر(خليل كلفت)، [د.د.ن]، [د.م.ن]، [د.س.ن]، ص35.

$118) وحيد عبد المجيد، “الارهاب بين الاعلام الحمر والريات السود،” مجلة السياسة الدولية، العدد201، 21-10-2015

http://www.siyassa.org.eg/NewsContent/3/110/5351

$119) نفس المرجع.

$120) اينياسيو رامنيه، مرجع سابق، ص35.

$121) توني سميث ، مرجع سابق، ص277.

$122) جوزيف ميلا ومحمد أركون، مرجع سابق، ص16.

$123) نعوم تشوميسكي، مداخلات، تر(محمود برهوم ونوال القصار سرياني)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2007، ص22.

$124) جوزيف ميلا وأحمد أركون، مرجع سابق، ص107.

Nicoholas Charron, Déjà vu all over again : A post-cold war empirical analysis of Samuel Huntington’s ‘clash of civilization’ Theory, 5-04-2010 in: http://cac.sagepub.com/content/45/1/107/,p109.