نقد الحداثة في فكر هايدغر

يخصص د. محمد الشيخ كتابه « نقد الحداثة في فكر هايدغر» للنظر في ما فكر فيه هذا الفيلسوف الألماني في أمر الحداثة، التي وجه إليها نقده الواسع، وذلك من خلال عرض بسائط المفاهيم التي يفترض أن فكر هذا الفيلسوف انطلق منها أو استند إليها.

وهي تتحدد في مفاهيم «الإنسان»، و«الكائن»، و«الكينونة»، وتبيان الكيفية التي حاور بها هايدغر مفكري الحداثة ومنظريها، وعرض أفكاره وأطروحاته في نقد الحداثة. ونقطة الانطلاق هي الرد على من اعتبر أن هايدغر فيلسوف متصوف وصاحب تجربة صوفية، وعلى من اعتبره مفكر البيئة الراديكالي، ومن اعتبره فليسوف الاختلاف.

إذ أن هايدغر كان قد ألح على فكرة «التجربة»، بما أوحى بمعنى «التجربة الصوفية»، وذلك بما تضمنته من «إعداد» و«تهيؤ» و«استئثار» و«تملك»، لكنه أكد، من جهة أخرى، أن لا صلة لتجربة «الفكر» هنا بالتجربة الصوفية، وأنها ما كانت «استنارة» أو «تبصرة» أو «حدساً صوفياً» أو«ذوقاً»، وإنما هي فعل «كر»، وأعمال «نظر» وحفظ «تيقظ».

ويرى المؤلف أن أمر «التجربة» عند هايدغر ما كان يفيد معنى «التجربة الصوفية»، بمقاماتها وأحوالها ومداركها ومنازلها، كونها لم تكن فعلاً استشرافياً حتى تكون خبرة صوفية، ذلك أن «اليقظة» في انتظار حدث «بدو الكينونة»، بعد عهود من الانطماس، والإقامة في هذا الانتظار أمر من شأنه أن يخبر بما هو قفز في ما وراء عهود نسيان الكينونة. فهي إذن «تجربة مفكرة»، لا «تجربة صوفية».

يرى المؤلف محمد الشيخ أن هايدغر ما فكر بأمر «التصوف»، ولا بأمر «البيئة»، ولا بشأن «الاختلاف الثقافي»، بل فكر في الإنسان والكائن والكينونة، ويعتبر أن بإمكانه إدارة فكر هايدغر بأكمله على تعالق بسائط مفاهيمه المجسدة في «الدازاين»، و«الكائن»، و«الكينونة»، كونه فكر في سر التعالق بين الكائن والكينونة والإنسان. لكن ما فكر فيه هايدغر يستحيل التفكير فيه من غير طرح مسألة «الحداثة»، كونه فكّر بمصير الكينونة ومنقلبها بين عهد القدامة وعهد الحداثة.

وبخصوص الإنسان، فإن الفرق عند هايدغر ما بين الإنسان وسواه من الكائنات، أنه الكائن الوحيد الذي يستأثر بمفتاح المدخل إلى الكينونة. وهي «أثرة» لا تعني «المزية» على الكائنات ولا «الميزة»، وإنما هي «تكليف» له لا «تشريف»، و«هبة ملزمة» له لا «أعطية مضيعة». فما مرد استئثار الإنسان بفهم الكينونة إلا إلى انفتاحه، بوصفه الكائن الوحيد المنفتح، غير الموصد على نفسه، على خلاف شأن الكائن الجمادي، أو المنحجب المنشغل بمحيطه الضيق.

وقد انتقد هايدغر مفهومي «المعنى» و«القيمة»، اللذين يعتبران أساس تعريف نيتشه الإنسان بما هو حيوان مقوم، من جهة أنه عند القول إن لهذا الكائن معنى، فإن هذا يعني، أساساً وبدءاً، أنه صار مفهوماً في كينونته، فبكينونته يتحصل له المعنى، لا باستعماله أو بصفاته التي يفيدها الإنسان إياه، وذلك بخلاف ما ادعى نيتشه.

ما يعني أن الإنسان كائن ناظر في كينونة الأشياء، وذلك قبل أن يكون كائناً مقوماً لها. ويلاحظ محمد الشيخ أن الفلسفة الحديثة- من ديكارت (1596-1650) إلى نيتشه (1844-1900) لم تفكر ب«كينونة» الأشياء، رأساً وأصلاً، قبل أن تنسب إليها قيماً ومعاني.

وواصل هايدغر ما بدأه نيتشه من إعادة بناء نقدية لتاريخ الميتافيزيقا، عبر تفكيكها، ووصف مشروعه الفلسفي بأنه تأويل للكينونة، لذا توجب عليه مواجهة مختلف أشكال يقينيات ومسلمات عقل متمركز على الذات بوصفه مبدأ الحداثة، ورجع، مثل نيتشه، إلى العصور القديمة، كي يعثر في ما وراء بدايات التاريخ الأوروبي على ما يدحض تلك الأشكال التي طرحت بدءاً من أفلاطون إلى هيغل كبدائل تفكرية عن الوجود (الكينونة).

وقد تميزت الميتافيزيقا بنسيان الوجود، واهتمت فقط بالموجود، حتى غدت الفلسفة اهتماماً بالموجود ونسياناً للوجود، وتعاملت مع الوجود بوصفه شيئاً يحضر دوماً، أي على أنه موجود، ونسيت الميتافيزيقا سؤال الوجود. لكن هذا النسيان هو من بنية الوجود ذاته وطبيعته ذاتها، كونه يمتاز بالتواري والغياب وارتسمت في مجمل تاريخ الميتافيزيقا التغيرات والتحولات التاريخية الكبرى في فهم الوجود، حتى غدا تاريخ الفلسفة مفتاح فلسفة التاريخ منذ هيغل.

غير أن هذا الوجود الإنساني يفهم نفسه ابتداءً من إمكانية أن يكون هو ذاته، أو لا يكون، وأن يدرك ذاته بدءا من أفق إمكاناته، وأن يملك زمام وجوده بيديه. هذا الفهم لعالم الوجود هو فهم الإنسان في وجوده الجسدي والتاريخي، أي يخص الوجود الإنساني ذاته.

المؤلف في سطور

الدكتور محمد الشيخ باحث وأكاديمي من المغرب، يهتم بقضايا الفلسفة الحديثة، وأصدر عدة كتب في هذا المجال، منها: «مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر، 2004»، و«المغاربة والحداثة، قراءة في ستة مشاريع فكرية مغاربية، 2007»، و«رهانات الحداثة، 2005»، و«الحكمة العربية ؟ دليل التراث العربي إلى العالمية، 2008»، و«فلسفة الحداثة في فكر هيغل، 2008»، و«نقد الحداثة في فكر نيتشه، 2008»، و«فلسفة الحداثة في فكر المثقفين الهيغليين: ألكسندر كوجيف وإريك فايل، 2008».

عمر كوش

الكتاب: نقد الحداثة في فكر هايدغر

تأليف: د. محمد الشيخ

الناشر: الشبكة العربية للأبحاث والنشر بيروت 2008

الصفحات: 695صفحة

 

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14301

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *