دراسات أمنية

نماذج من إدارة الأزمات في الممارسة العملية

المقدمة:

وجدت إدارة الأزمات في الممارسة منذ عصور موغلة في القدم. وكانت مظهراً من مظاهر التعامل الإنساني مع المواقف الطارئة أو الحرجة، التي واجهها الإنسان منذ أن جوبه بتحدي الطبيعة وغيره من البشر، ولم تكن تعرف آنئذ – بطبيعة الحال – باسم إدارة الأزمات وإنما تحت مسميات أخرى مثل الحنكة الدبلوماسية، أو براعة القيادة، أو حسن الإدارة… الخ، وكانت هذه الممارسة هي المحك الحقيقي لقدرة الإنسان على مواجهة الأزمات والتعامل مع المواقف الحرجة بما تفجره من طاقات إبداعه، وتستفز قدراته على الابتكار.

 هذه القدرات الخاصة جعل منها تشارلس رووتر في كتابه ” فن الدبلوماسية “الأصل في نشأة الدبلوماسية بفرض مؤداه أن قبيلتين اقتتلتا زمناً طويلا، حتى أوشك الفناء أن يبيدهما معا، وفي هذه اللحظة الحرجة من تطور الإنسانية ينشط الذكاء العاطل، وتتفتق القريحة الخاملة عن حلول عبقرية تحت ضغط الحاجة إلي تحقيق المعادلة الصعبة، وهي تجنب الفناء، وتجنب الهزيمة في آن واحد، فاختارت إحدى القبيلتين من بين أبنائها أكثرهم حكمة، وأربطهم جاشاً وأوسعهم حيلة، وأوفدتهم إلى القبيلة الأخرى في أول مهمة سلام عرفها الإنسان، كان هذا الوفد يرتدي ملابس مزركشة زاهية الألوان، وقد تجرد أعضاؤه من الأسلحة التي اعتادوا حملها، وارتسمت علي وجوههم ابتسامات ودودة مسالمة، فأحجم أفراد القبيلة الأخرى عن الانقضاض عليهم، وتهشيم رؤوسهم بهراواتهم الحجرية، وأدركوا أن هؤلاء القادمين يختلفون عن غيرهم من المحاربين، ليس بالزى والملامح فقط، وإنما بالنوايا أيضا، وهكذا نجحت أول مهمة سلام في التاريخ.

وما يعنينا في هذا المثال: أن الجماعات الإنسانية قد اهتدت في وقت مبكر من تاريخها إلى أسلوب آخر، غير أن أسلوب الصراع البدائي يمكنها أن تستمر في تطورها من خلاله، وانه إذا كان مبدأ البقاء للأقوى، قد ساد المراحل من نشأتها، بحيث كان بعضها يتوقف علي فناء البعض الآخر منها، في نزاعها علي المراعي أو عيون الماء، فقد اكتشفت في مرحلة لاحقة أن اقتسام كسرة الخبز مع الغير أفضل من الصراع من اجل الاستئثار بها كلها، معرضة بذلك نفسها لخطر الفناء.[1]

أمثلة الأزمات كثيرة جدا…. ولكن، ارتأى الباحث في هذا المبحث أن يضع بين يدي القاريء ثلاثة نماذج من الأزمات، أولها الأزمة التي عايشها سيدنا يوسف عليه السلام في مصر، والتي أرخها لنا القرآن الكريم، ثم الأزمة التي عايشها الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة أثناء غزوة الأحزاب، وفي النهاية تحدث الباحث باستفاضة عن أزمة الصواريخ الكوبية سنة 1962.

وللحق فإن الباحث يعتقد أن أي إنسان يريد أن يفهم إدارة الأزمة وخاصة على المستوى الدولي، يجب عليه أن يقرأ بتمعن كيف أديرت أزمة الصواريخ الكوبية، فهي من أفضل النماذج على الإطلاق في هذا المجال.
الأزمة الاقتصادية في مصر في عصر يوسف عليه السلام

وقعت هذه الأزمة في مصر في عهد يوسف عليه السلام، لمدة سبع سنوات سميت بالسنوات العجاف، لعدم نزل المطر وقلة منسوب مياه النيل التي تعتمد عليه الزراعة في مصر لإشباع حاجات الإنسان الضرورية.

الإنذار:

بدأ التنبؤ بالأزمة من رؤيا رآها ملك مصر ولم بجد أعوان الملك من يفسرها إلا يوسف الصديق عندما تذكر ساقي الملك يوسف في السجن  (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ).[2]

ففسرها يوسف عليه السلام بسنوات رخاء وسنوات جدب، ووضع لهم العلاج بأن يخزنوا المحصولات في سنوات الرخاء وهم السبع الأول ليمكنهم من توزيعه في السنوات الجدب، ثم نبأهم بان السنة الخامسة عشر ستكون رخاءً وهذا لم يأت في رؤيا الملك.

يقول الحق: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ، ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ).[3]

ومعنى ذلك انه ينبغي للمصريين أن يجدوا ويتقنوا العمل كدأبهم أي كعادتهم، وهذه شهادة لأهل مصر أنهم جادون ملتزمون مقدسون للعمل منذ الأزل ويضاعفون العمل الجاد المستمر حتى يكون المحصول كبيراً يكفى للاستهلاك الآدمي والتخزين، ثم يدعون القمح في السنابل حتى لا يأكله السوس أو يتعفن فلا يصلح للاستهلاك بعد ذلك، وذلك أن حنطة مصر ونواحيها لا تبقى أكثر من عامين إلا بحيلة إبقائها في السنابل فإذا بقيت فيها حفظت ويكون قصبها علفاً للدواب، فلما فسر لهم يوسف عليه السلام الرؤيا طلبه الملك وولاه على خزائن الأرض ليعالج الأزمة بما لديه من علم في إدارة الأزمات واحتوائها ومعالجتها والخروج منها دون حدوث مجاعة أو خسائر بشرية أو مادية.[4]

 الاستعداد:

  • التحديد الكمي: كان الملك يأخذ عشر ناتج ما يفضل من النفقات والمؤن لنوائب الدهر وهو أول من وضع مقياساً للنيل بمنف.[5]
  • بناء المخازن: أمر يوسف ببناء المخازن الكبيرة حتى يمكن حفظ كمية كبيرة من سنابل القمح والشعير فيها.

تقول التوراة: وخزن يوسف قمحاً كرمل البحر كثيراً جداً.[6]

الاحتواء:

لما أجدبت الأرض في السنوات العجاف ذهب المصريون إلي المخازن ليشتروا القمح الذي خزن بقيادة يوسف عليه السلام في السنوات الخضر، كل فرد له نصيب محدد، حتى يكفي أهل مصر ومن جاورها من البلاد،

تقول التوراة: وابتدأت سني الجوع في جميع البلدان، أما جميع أرض مصر فكان فيها خبز .، وفتح يوسف جميع ما فيه من طعام وباع للمصريين. [7]

يقول القرضاوى: ما قدمتم لهن ما يدل على أن ما استهلك إنما يتم بحساب وتقدير، فهم الذين يقدمون وهذا دليل القصر، وفيه دليل على مشروعية تدخل الدولة لتقييد الاستهلاك في أيام الشدائد حفاظاً على الموارد القليلة.[8]

ويدل شراء إخوة يوسف للقمح على انتفاع جيران مصر بالمخزون:

(وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ).[9]

وكان يوسف يقدر كيلاً لكل فرد: (يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ)[10] ، أي أن كل فرد كان له قدر معين، ويستلزم ذلك إحصاء الأفراد وتدوين أسمائهم في الديوان، وحضارة مصر تستوعب كل ذلك فهم أول من دون المعلومات عن المعارك وأعمال الملوك والرعية والرحلات التجارية على الأحجار رسماً أو كتابة، كما ضبطوا الموازين والمكاييل ” أني أوفي الكيل”. والنقد.

استعادة النشاط:

وفي السنة الخامسة عشر نزل المطر كم تنبأ يوسف عليه السلام: (فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)[11] ،وعاد المصريون إلى الزراعة ثم جني المحاصيل والقيام ببعض الصناعات كعصر الزيوت والعنب والزهور بعد أن كانت الصناعات قد توقفت أثناء الأزمة في السنوات العجاف، وقد استمروا كما كانوا في بناء الحضارة.

التعلم:

  • أدركوا أهمية التوحيد.
  • آمنوا بالرسل.
  • تكونت لديهم خبرة في معالجة الأزمات.
  • تعلموا أن للدورة الزراعية وجهان: رواج وجدب.
  • حددوا الأهداف قبل القيام بالأعمال.
  • خططوا للأعمال قبل تنفيذها.
  • لاحظوا ودرسوا الظواهر ودونها.
  • وضعوا مقياساً للنيل ولاحظوا وعرفوا من قياسه سنوات الفيضان من عدمه للاستعداد لها.
  • أدركوا أن قيادة الأزمة تحتاج إلى قائد له صفات محددة كالعلم والحفظ والأمانة والصدق.
  • تعاونوا وتكافلوا في الأزمة.

وللحق فإن الفوائد التي نستنبطها من هذه الأزمة كثيرة جداً قد لا يتسع المجال هنا لحصرها لذلك نكتفي بما سبق.

 

غزوة الخندق

 

الإنذار:

تحالفت قريش مع غطفان وبني سليم وبني أسد وفزارة وأشجع وبني مرة، فكانوا عشرة آلاف، وقائدهم جميعاً أبو سفيان بن حرب، وكان على كل قبيلة قائدها.

تحالفت معهم بنو قريظة، وهم من قبائل اليهود التي تسكن المدينة، رغم المعاهدة بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي أقروا فيها ألا يخونوا ويتآمروا مع قريش ضده، وان يدافعوا عن المدينة مع المسلمين، ولكنهم نقضوا العهد كعهدهم.

الاستعداد:

كان أمام الرسول صلى الله عليه وسلم بديلين:

إما قتالهم وجهاً لوجه.

وإما مصالحتهم ولو على حساب ثلث ثمار المدينة.

استشار الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين، فرفض الأنصار المصالحة وأبوا إلا السيف، وكان عدد المسلمين ثلاثة آلاف والعدو عشرة آلاف غير بني قريظة، والمسلمون ثلثهم أو يقلون.

وبدأ المسلمون في الاستعداد للحرب.

الاحتواء:

شاور الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه في أسلوب الحرب.

أشار سليمان الفارسي بحفر خندق حول المدينة لمنع العدو من اختراقها والاستيلاء عليها، كما يفعل الفرس في حماية مدنهم.

أدخلت النساء الحصون المنيعة، وكانوا مدربين على مداواة الجرحى لقيامهم بها من قبل.

قسم الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى عدة فرق، كل فريق منهم يتكون من عدة أفراد.

حدد لكل فريق مهمته، وهي حفر أربعين ذراعاً كل حسب قدرته.

كل ما يخرج من الحفر يطرح تجاه المدينة حتى لا يستخدمه العدو لردم الخندق.

بث رسول الله صلى الله عليه وسلم العيون على الأعداء حتى يأتوه بالمعلومات ويغموا عنه العدو كحذيفة بين اليمان.

وعدهم بالنصر وان الله سبحانه وتعالى قد أراه قصور الشام واليمن ومصر وفارس، ومعنى ذلك أن النصر سيكون حليفه ومن معه دائماً وليس فقط في تلك المعركة.

تخذيل العدو وتفرقتهم، وكانت تلك مهمة نعيم بن مسعود للتفريق بين القبائل وبين اليهود، وكان قد أسلم ولم يعلم المشركون أو اليهود بإسلامه.

عسكر المسلمون وجبل (سلع) خلفهم لحماية ظهورهم، والخندق من إمامهم، فلم يستطيع الأعداء الالتفاف حولهم كما فعلوا في غزوة أحد، ولم يستطيعوا مهاجمتهم أو اختراق الخندق بأنفسهم أو على خيولهم.

حدثت بعض المعارك الفردية مع بعض الفرسان، وكان النصر لفرسان المسلمين كعلي بن أبي طالب.

أنزل الله عليهم الريح فقلعت خيامهم وألقت قدورهم وأطفأت نيرانهم وهلك الكراع

( الخيل ) والخف ( الإبل )، فقرر أبو سفيان الرحيل فارتحلوا معه.

ردهم الله بغيظهم لم ينالوا شيئاً، أي لم يحققوا هدفهم وكفى الله المؤمنين القتال.

قرر الرسول صلى الله عليه وسلم معاقبة بني قريظة لنقضهم العهد.

قرر الرسول صلى الله عليه وسلم انتقال المسلمين من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الهجوم.[12]

استعادة النشاط:

رجع المسلمون إلى المدينة وعادوا إلى نشاطهم من الزرع والرعي والإعداد للمعارك القادمة التي سينتقلون فيها إلى الهجوم وليس الدفاع فقد علموا أن المدينة أصبحت في أمان.

التعلم:

  • تعلم المسلمون أسلوباً جديداً في القتال.
  • صبروا وصابروا حتى تحقق الهدف.
  • على المسلم إعداد ما يمكنه والنصر من عند الله.
  • ابتكروا بعد ذلك في الحروب حتى يفاجئوا العدو فيربكوه فينتصروا عليه.
  • أعدوا الفرق ووزعوا عليها المهمات المتكاملة.
  • العمل الجماعي يحقق الأهداف بفعالية.
  • حددوا الأهداف لكل عمل.
  • وضعوا الخطط والسيناريوهات.
  • تشاوروا في كل أمورهم ليعصم رأي الجماعة خطأ الفرد.
  • كانوا دائمي الرجوع إلى قائد الأزمة إذا استعصي عليهم شيء.
  • أدركوا ضرورة تواجد قائد الأزمة دائماً معهم لتكون الاتصالات مباشرة لإصدار القرار المناسب لكل موقف.
  • استخدموا الموارد المادية المتاحة الاستخدام الأمثل.
  • وجهوا الموارد البشرية التوجيه الصحيح.
  • حافظوا على الموارد البشرية بحمايتها من الهلاك أمام عدو أكثر عتاداً وعدداً.
  • تعلموا أهمية توصيل المعلومات الصحيحة لاتخاذ القرار السليم.

 

أزمة الصواريخ الكوبية أكتوبر 1962م

 

خلفيات الأزمة وأبعادها:

أسفرت الحرب الأمريكية- الأسبانية، التي انتهت بانتصار الولايات المتحدة في عام 1898، عن استقلال كوبا، والتي كانت عند استقلالها من أكثر دول أمريكا اللاتينية ثراءً. وقد أعقب هذا الاستقلال، وكنتيجة للدور الأمريكي في تحقيقه، أو عرفاناً للولايات المتحدة بهذا الفضل، أن توثقت العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلى حدٍ كبير، بحيث بلغت جملة الاستثمارات الأمريكية في كوبا عام 1924 نحو 1.2 بليون دولار أمريكي، كما كانت كوبا تحصل من الولايات المتحدة على 66% من وارداتها وتبعث إليها ب 83% من صادراتها، وبعد ذلك بعشر سنوات، أي في عام 1934 حظرت اتفاقية التبادل التجاري المبرمة بين الدولتين على كوبا فرض ضرائب أو تحديد حصص على قائمة طويلة من الواردات الأمريكية إليها، وضمنت الولايات المتحدة الحصول على السكر الكوبي بسعرٍ بخس، وهو ما وصفه إيرل بابيت، مدير شركة تكرير السكر الكوبية، بأنه ” خطوة ناجحة على طريق صياغة سياسة استعمارية”.[13]

إلا أنه بعد عام 1945 أخذت الولايات المتحدة تخفف من قبضة سيطرتها الاقتصادية على كوبا، ومع ذلك ظل السفير الأمريكي في هافانا أقوى شخصية سياسية في البلاد، إلى درجة تحدي نفوذ الرئيس الكوبي ذاته وفي يناير 1959 نجح الثائر فيديل كاسترو في الإطاحة بحكم الطاغية باتيستا و استولى على زمام الأمور في كوبا. وبرحيل باتيستا – المشمول برعاية الولايات المتحدة – كان على كاسترو أن يبحث عن حليف آخر يضارع في قوته الحليف الأكبر لعدوه، ومن نافلة القول أن كان هذا الحليف هو الإتحاد السوفيتي، وكنتيجة متوقعة لمثل هذا التحالف الجديد، وتوثيقاً لعراه، اعتنق نظام كاسترو الماركسية في منتصف عام 1959.

وأحدث تحول كوبا – تلك الجزيرة الصغيرة التي لا تبعد أكثر من أربعين ميلاً عن الأراضي الأمريكية – إلى الشيوعية إخلالاً كبيراً بتوازن القوى العالمي لغير صالح الولايات المتحدة في هذه المنطقة من العالم.[14]

مقدمات الأزمة:

يلمح بعض الكتاب الأمريكيين إلى أن أزمة الصواريخ الكوبية ترجع بجذورها إلى تلك الزيارة، التي قام بها ميكوبان نائب رئيس الوزراء السوفيتي، إلى كوبا في عام 1959 على رأس وفد تجاري كبير. إذ على الرغم من أن الشكوك قد ثارت حول حقيقة الهدف المعلن لهذه الزيارة، وهو توثيق العلاقات التجارية بين البلدين، إلا أن أذهان هؤلاء الكتاب لم تنصرف إطلاقاً إلى احتمال سعي الإتحاد السوفيتي إلى إقامة قواعد صواريخ متطورة للغاية في الفناء الخلفي للولايات المتحدة ذاتها، واللجوء إلى الأسلوب الصارخ في الاستفزاز، لقد كانت المغامرة أخطر من أن تصدق!!.

ولكن إذا كان ما فعله الإتحاد السوفيتي مثيراً للدهشة، فإن الأغرب من ذلك أن تغفل الولايات المتحدة، التي تنفق ملايين الدولارات سنوياً على أجهزة مخابراتها، عما يدور بالقرب من حدودها. وأنه في الوقت الذي كانت تقوم فيه طائرات الاستطلاع الأمريكية بمسح كل شبر من الأراضي السوفيتية، تعجز عن رصد الخطر المتنامي والمحدق بها على بعد أربعين ميلاً فقط من شواطئها.[15]

وظل الأمر كذلك حتى كثر الحديث في أواخر شهر أغسطس عام 1962، وبخاصة داخل الكونجرس الأمريكي، عن ازدياد النشاط السوفيتي في كوبا، مما حدا بخروشوف إلى أن يبعث برسالة سرية إلى الرئيس الأمريكي كنيدي عن طريق أناتولي دوبرينين، سفير الإتحاد السوفيتي في واشنطن، حيث قام الأخير بتسليمها يوم 4 سبتمبر عام 1962 إلى روبرت كنيدي المدعي العام الأمريكي. وتتضمن الرسالة تعهداً من الإتحاد السوفيتي بألا يحاول إثارة المتاعب للحكومة الأمريكية أثناء انتخابات نوفمبر 1962. وفي نفس اليوم رد الرئيس كنيدي برسالة تحمل إنذاراً حازماً للإتحاد السوفيتي، هدد فيه بأن على الإتحاد السوفيتي أن يتحمل العواقب الوخيمة التي سوف تترتب على إقدامه على إدخال أسلحة لكوبا.

وفي يوم 6 سبتمبر حمل دوبرينين رسالة سرية أخرى من خرشوف إلى الرئيس كنيدي – سلمها لمستشاره سورنسن – تتضمن أن بلاده لن تقدم على اتخاذ أية إجراءات قد تؤدي إلى زيادة حدة التوتر في العلاقات بين البلدين كما أنها لا ترغب في التدخل في الشئون الداخلية للولايات المتحدة. إلا أن سورنسن رد على دوبرينين موضحاً أن لدى الولايات المتحدة معلومات مؤكدة على تدفق أسلحة ومعدات وقوات سوفيتية على كوبا، وهو الأمر الذي زاد بالفعل من حدة التوتر في العلاقات بين البلدين، وأثار قلقاً بالغاً للرأي العام الأمريكي.[16]

وفي نفس الوقت قام بولشاكوف الوسيط السري بين خروشوف وكنيدي بنقل رسالة إلى الأخير من خروشوف وميكوبان تحمل تأكيدا قاطعاً بأنه ليس في نية الإتحاد السوفيتي حشد أية صواريخ هجومية في كوبا.

وفي يوم 11 سبتمبر أذاعت وكالة ” تاس ” السوفيتية بياناً جاء فيه :” إن الإتحاد السوفيتي ليس بحاجة إلى نقل أسلحته لدولة ثالثة مثل كوبا، حتى يتمكن من الرد على أي عدوان، أو توجيه ضربة نووية انتقامية. إن لدى الإتحاد السوفيتي ما يفي بحاجته من الرؤوس النووية ذات القدرة التدميرية الهائلة، ومن الصواريخ القادرة على حمل هذه الرؤوس إلى أية بقعة من بقاع العالم، مما يغنيه عن الحاجة إلى نقل أسلحته لدول أخرى.

وفي يوم 13 سبتمبر ألقى الرئيس كنيدي خطاباً أشار فيه إلى تزايد الوجود العسكري السوفيتي في كوبا، وحذر من أنه لو تحولت هذه الدولة إلى قاعدة هجومية سوفيتية، فإن عليها أن تدرك منذ ذلك الحين بأن أمنها وأمن حلفائها قد أصبح في خطر.

وفي يوم 19 سبتمبر أجمعت أجهزة المخابرات الأمريكية المختلفة، فيما عرف باسم تقديرات سبتمبر المخجلة ” Notorious September Estimates” على أن احتمال قيام الإتحاد السوفيتي بنصب صواريخ في كوبا هو احتمال بعيد للغاية، وقد استحقت هذه التقديرات وصفها المشين، لأنه بعد أقل من شهر من تاريخها اكتشفت طائرات الاستطلاع الأمريكية وجود الصواريخ السوفيتية في كوبا.[17]

تطورات الأزمة:

فور اكتشاف الصواريخ السوفيتية في كوبا أصدر الرئيس جون كنيدي قراراً بتشكيل ما عرفت باسم ” اللجنة التنفيذية لمجلس الأمن القومي” من 15 عضواً لإدارة الأزمة. وطلب الرئيس من أعضاء هذه اللجنة أن ينفضوا أيديهم من كافة مسئولياتهم الأخرى، وأن يتفرغوا تماماً لإجراء دراسات مستفيضة لكافة جوانب الأزمة، وانسب الأساليب لمواجهتها في اقصر وقت ممكن.

ويصور روبرت كنيدي المناخ العام الذي باشرت اللجنة أعمالها في ظله بقوله: ” إن أبرز ما يميز هذه الاجتماعات هو ظاهرة المساواة التامة في تعامل أعضاء هذه اللجنة فيما بينهم، حيث طرحنا جانباً الشكليات، ولم نعر اهتماماً للأسبقيات الوظيفية”.

 وتلخص برنامج عمل اللجنة في محاولة الوقوف على النوايا الكامنة وراء هجر الإتحاد السوفيتي لحرصه التقليدي على عدم المجازفة، والمغامرة بنصب صواريخه في كوبا، وأيضا السعي للوصول إلى أكثر البدائل ملائمة لإحباط المغامرة السوفيتية دون المجازفة بالدخول في مواجهة مأساوية مع الإتحاد السوفيتي.

وعلى ضوء المعلومات المتوافرة جرت هاتان العمليتان:

أولاً: محاولة الوقوف على النوايا السوفيتية:

وكانت النتائج التي خلصت إليها اللجنة متعددة على ضوء اختلاف القراءات للوقائع على النحو التالي:

1- جاء في مقال تحليلي للكاتب السياسي الشهير والتر ليبمان في عموده الأسبوعي في الواشنطن بوست: “إن نصب الصواريخ السوفيتية في كوبا، من شأنه أن يمكن الإتحاد السوفيتي من الوصول إلى إتفاق مع الولايات المتحدة حول قيام الأخيرة بإزالة صواريخها من تركيا في مقابل أن يسحب – الإتحاد السوفيتي – صواريخه من كوبا”.

ونشرت النيويورك تايمز مقالاً بتاريخ 12 سبتمبر تضمن”… إن العالم كله يعلم أن الولايات المتحدة الأمريكية قد طوقت الإتحاد السوفيتي وغيره من الدول الاشتراكية بسلسلة من القواعد العسكرية، فماذا تراها قد وضعت في هذه القواعد… جرارات!… بالطبع لا، وإنما أسلحة مدمرة على طول الحدود السوفيتية سواء في تركيا أو اليونان أو إيران أو باكستان، أو غيرها من أراضي الدول الأعضاء في منظمة حلف شمال الأطلنطي. “NATO”*، والحلف المركزي  “CENTO”، وحلف جنوب شرق أسيا “SEATO”*.

وهي تزعم أنها تفعل ذلك في ممارسة منها لحق الدفاع عن نفسها وعن حلفائها. فإذا ما أقدمت دولة أخرى على اتخاذ إجراء مماثل، ومن أجل تحقيق أهداف مماثلة ملأت الدنيا ولولة وضجيجاً!! فيا له من نفاق!!”

وبالإضافة إلى ذلك، فإن بعض وفود الدول غير المنحازة في الأمم المتحدة قد اتفقت في الرأي على أن هدف الإتحاد السوفيتي من نصب صواريخه في كوبا هو المقايضة على سحبها مقابل سحب الصواريخ الأمريكية من طراز “جوبيتر” من قاعدة حلف الأطلنطي في تركيا.[18]

كما جاء في حديث خروشوف عند استقباله للسفير الأمريكي الجديد في موسكو فوي كولر – وبعد اكتشاف أمر الصواريخ السوفيتية – بعض التلميحات إلى الصواريخ الأمريكية في تركيا.

وفضلاً عن ذلك، فقد كان الوفد السوفيتي في نيويورك يحبذ بشدة في أحاديثه مع الوفد البريطاني “وراء الكواليس” في الأمم المتحدة فكرة ” الإزالة المتزامنة” للصواريخ السوفيتية من كوبا، والصواريخ الأمريكية من تركيا.

زد على ذلك ما تسرب من معلومات عن قيام رئيس المخابرات السوفيتية بتأييد فكرة “الإزالة المتزامنة” للصواريخ السوفيتية والأمريكي، من كوبا وتركيا، وذلك في أحد أحاديثه الخاصة، معرباً عن اعتقاده بأن هذه الفكرة تمثل تسوية عادلة للمشكلة.

واستنتاجاُ من كل ما تقدم، قدر بعض أعضاء اللجنة أن الهدف السوفيتي هو ” تعزيز موقف السوفيت التفاوضي لإزالة الصواريخ الأمريكية من تركيا”.

ولكن فريقاً آخر داخل اللجنة اعترض على هذا الرأي على أساس:

عدم توازن المخاطرة الكبيرة التي أقدم عليها السوفيت، مقابل الهدف المتواضع الذي سعوا إلى تحقيقه. إذا لا جدال في أن إقدام السوفيت على إدخال أعداد كبيرة من صواريخهم متوسطة المدى، على الرغم من التحذيرات الأمريكية الصريحة والقاطعة، لا تتناسب مطلقاً مع هدف متواضع مثل إزالة سرب من صواريخ جوبيتر ( 15 صاروخاً ) من قاعدة حلف شمال الأطلنطي في تركيا.

أنه لم يكن السوفيت مجبرين على اتخاذ هذا الإجراء،  إذا كان هدفهم الحقيقي هو إزالة الصواريخ الأمريكية من تركيا، وذلك لان الولايات المتحدة أعلنت صراحة ومرات عديدة، عزمها على إزالة هذه الصواريخ وبدون مقابل.

أنه لا وجه للمقارنة بين أهمية الصواريخ الأمريكية في تركيا، والصواريخ السوفيتية في كوبا، وذلك لأن القاعدة الأمريكية في تركيا لا تمثل سوى 3% من إجمالي القدرة النووية اللازمة لتوجيه الضربة الأولى. ومن ناحية ثانية، فإنه ليس من الممكن استخدامها لتوجيه هذه الضربة بسبب وقوعها تحت تهديد الخطر المباشر بالقرب من الحدود السوفيتية، وعلى النقيض من ذلك يمكن للقواعد السوفيتية في كوبا أن تزيد من قدرة الضربة النووية الأولى للاتحاد السوفيتي بمقدار الضعف.

أن نطاق وأسلوب نشر الصواريخ السوفيتية في كوبا لا يتناسبان إطلاقاً مع افتراض أن الإتحاد السوفيتي كان يسعى لإجراء مقايضة بين صواريخه في كوبا والصواريخ الأمريكية في تركيا، حيث أن هذه الأخيرة لم تتجاوز 15 صاروخاً، بينما بلغ عدد الصواريخ السوفيتية من طراز ( IBM ) 42 صاروخاً، ومن طراز (IRBM) ما يتراوح بين 24 و 36 صاروخاً.

إذا كان هدف الإتحاد السوفيتي بالفعل هو إجراء مقايضة، فما الذي يدعوه إلى إقامة منصات باهظة التكاليف لصواريخه من طراز ( IRBM )، وهي المنصات التي لن يمكنه في حالة سحبه لصواريخه أن يحملها معه، أو أن يأخذ تعويضاً عنها؟.[19]

وقد أدت الانتقادات التي وجهت للفرض السابق إلى تعديله على النحو التالي:

” إن الإتحاد السوفيتي قد فكر في مقايضة صواريخه في كوبا، بالصواريخ الأمريكية في تركيا عندما أثبتت تطورات الأزمة التي أثارها أنها تتجه لغير صالحه”. وفي مثل هذا الموقف السيئ فقد قدر أن خروجه بشيء بعد كل ما بذله، حتى لو كان هذا الشيء مجرد سرب من الصواريخ الأمريكية في تركيا، أفضل بكثير من خروجه صفر اليدين. أما الهدف الرئيسي الذي كان يخطط له قبل حدوث هذه التداعيات غير المواتية، فقد كان مقايضة الصواريخ الكوبية بالقواعد الصاروخية الأخرى المحيطة بالإتحاد السوفيتي في إيطاليا وإيران وبرلين.

ومع أن هذا التفسير يبرر جسامة المخاطرة التي أقدم عليها الإتحاد السوفيتي بنشر صواريخه في كوبا إلا أنه يؤخذ عليه عدم توضيحه لسبب إقامة منصات الصواريخ (IRBM) الباهظة التكاليف.وكذلك فإنه ليس من المقبول الافتراض بأن الإتحاد السوفيتي كان يسعى لمقايضة صواريخه في كوبا بالصواريخ الأمريكية في برلين بعد أن أيقن من صرامة الموقف الأمريكي في برلين، مما يحمله على عدم التفكير في المجازفة “بالإدارة بالأزمات” في برلين قد تضطر الولايات المتحدة إلى الدخول في اختبار للقوة معه. ولذلك أستبعد هذا الاستنتاج.[20]

2– ثم قام فريق من أعضاء اللجنة بتقديم قراءتهم للوقائع التالية:

أن الإتحاد السوفيتي أقدم على نشر صواريخه في كوبا على الرغم من وضوح وصرامة التحذيرات الأمريكية. وليس هناك من تفسير آخر لذلك غير أنه أراد أن ينفذ الرئيس الأمريكي تهديداته بالفعل. ويؤكد هذا التفسير أن الإتحاد السوفيتي لم يحرص على إخفاء صواريخه، أي أنه يرغب في أن يكتشفها الأمريكيون. ومنطق هذا التفسير هو أن تنفيذ الولايات المتحدة لتهديداتها سوف يثير عليها ثائرة العالم بأسره، بما في ذلك حلفائها في حلف شمال الأطلنطي، ودول أمريكا اللاتينية كلها، بل والرأي العام الأمريكي ذاته. كما أنه سوف يؤكد للرأي العام داخل الإتحاد السوفيتي، وللصينيين أيضاً، مدى عدوانية السلوك الأمريكي. وعندما تواجه الولايات المتحدة كل هذه التعقيدات، وفي الوقت الذي تغرق فيه في سويس أخرى في كوبا ” تشبيهاً بالتورط البريطاني في حرب السويس عام 1956″ يتقدم الإتحاد السوفيتي نحو بودابست أخرى في برلين ” تشبيهاً بنجاح السوفيت في ثورة المجر عام 1956 أيضاً”. ومن ثم افتراض أصحاب هذا التحليل أن هدف السوفيت هو:” توريط الولايات المتحدة في كوبا للتقدم نحو برلين”.

غير أن هذا الاستنتاج لم يسلم بدوره من النقد على أساس:

أن ضرب مواقع الصواريخ السوفيتية في كوبا لا بد وأن يؤدي إلى إصابة عدد كبير من الخبراء السوفيت، والذين وصل عددهم في كوبا إلى نحو عشرة آلاف خبير سوفيتي، وهو الأمر الذي يدرك السوفيت تماماً انه يشكل رادعاً للأمريكيين عن الإقدام على هذه الخطوة.

أن التضحية بأرواح آلاف من الجنود الأمريكيين في برلين في مقابل الآلاف من الجنود السوفيت في كوبا دونما هدف واضح، يعد فكرةً مجنونةً بكل المقاييس.

أنه لا محل للقياس بين برلين والمجر، إذ في الوقت الذي تقع فيه المجر في نطاق النفوذ الحيوي للإتحاد السوفيتي. مما يشكل قيداً على أي تحرك أمريكي مضاد للتدخل السوفيتي فيها عام 1956، فإن برلين ليست كذلك، وإنما تمثل الخط الأحمر الذي يؤدي تجاوزه من قبل الدولتين العظميين إلى حدوث مواجهة بينهما.

 ومن ثم تمت تنحية هذا الاستنتاج جانباً. [21]

3- وعرض فريق ثالث من أعضاء اللجنة للحقائق التالية:

أنه على الرغم من فشل عملية خليج الخنازير فقد كان لدى الإتحاد السوفيتي ما يحمله على الاعتقاد بأن الولايات المتحدة قد تحاول إعادة الكرة – كما أنه وبغض النظر عن فشل هذه العملية – إلا أنها أثبتت قدرة الولايات المتحدة على تفجير الموقف في كوبا متى أرادت ذلك.

كما أن الإتحاد السوفيتي لابد وأن يكون على علمٍ مستمر بالتصريحات الملتهبة التي أدلت بها بعض الشخصيات الهامة في البيت الأبيض والكونجرس ضد نظام كاسترو، ومطالبتها للإدارة الأمريكية بوضع نهاية لنظام حكمه. ويضاف إلى ذلك ما تم رصده من مبالغات في تقارير السفارة السوفيتية في هافانا حول نشاط وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في كوبا.

وبالإضافة إلى هذا كله، ما نشر من معلومات حول اعتزام الولايات المتحدة الأمريكية القيام بمناورات بحرية في البحر الكاريبي تحت اسم ORTSAC حشدت لها 7500 رجل من مشاة البحرية وأربع حاملات طائرات، و20 مدمرة، و15 ناقلة جنود. وكان الهدف المعلن لهذه المناورة هو القيام باجتياح جزيرة وهمية في الكاريبي لتخليصها من حكم دكتاتور اسمه ORTSAC. يلاحظ أن قراءة هذا الاسم من اليمين إلى اليسار يجعله ” كاسترو”.

” وإزاء هذه المؤشرات، فإنه من المرجح أن يكون السوفيت قد أقدموا على خطوتهم الجريئة هذه دفاعاً عن كوبا”.

ويستمد هذا الفرض منطقه القوى من حقيقة أن مسألة الدفاع عن كوبا لم تكن قضية ثانوية بالنسبة للاتحاد السوفيتي، وذلك باعتبارها المركز الأمامي الوحيد للشيوعية في نصف العالم الغربي، ولذلك فإنه مع بداية صيف عام 1962 تدفقت المعونات العسكرية السوفيتية على كوبا بكميات كبيرة، سواءً من الطائرات المقاتلة أو من الزوارق الحربية، ونحو مائة ألف طن من الأسلحة والمعدات البرية مما جعل الجيش الكوبي أقوى جيوش أمريكا اللاتينية قاطبة.

ولقد تصدت مجموعة من داخل اللجنة لنقد هذا الاستنتاج أيضاً، وكان أهم ما وجهته له انتقادات:

لو كان هدف الاتحاد السوفيتي هو الدفاع عن كوبا، لما كان بحاجة إلى إرسال صواريخه إلى هناك، وإنما كان يكفي وجود القوات السوفيتية التي بلغ عددها في ذروة احتدام الأزمة 22 ألف فرد للقيام بهذه المهمة.

ولو كان السوفييت قد قصروا هدفهم على الدفاع عن كوبا فقط وبالأسلحة النووية لما كانوا بحاجة إلى نصب صواريخ متوسطة المدى فيها، بل كانت الأسلحة النووية التكتيكية تكفي لتحقيق هذا الغرض، وذلك اقتصاداً للنفقات، واختصاراً للوقت اللازم لنشرها، ولسهولة إخفائها أيضا، والأهم من هذا كله لاتفاقها مع مفهوم الحرب المحدودة.

كما أن هذا الاستنتاج لا يقدم تفسيرا لإقامة منصات للصواريخ من طراز (IRBM) ذات التكلفة العالية، والتي يسهل اكتشافها.

ثم إن الدفاع عن كوبا لا يتناسب وحجم المخاطرة الكبيرة التي أقدم عليها السوفيت بإرسال صواريخهم إلى كوبا.

ولم يحظ هذا الاستنتاج بتأييد كاف داخل اللجنة. [22]

4- وقام بعض أعضاء اللجنة بالنظر إلى الموضوع على ضوء الحقائق التالية:

ما ذكره خروشوف لصديقه الشاعر روبرت فروست قبل حدوث هذه الأزمة بعدة شهور، من أن ” الشعب الأمريكي متحرر إلى الدرجة التي لا تمكنه من الحرب”. ومن هذا المنطلق فإنه من الجائز أن خروشوف كان قادراً على أن يفرض على الأمريكيين أمراً واقعاً إذا ما فوجئوا بأنه قد أكمل نشر صواريخه متوسطة المدى في كوبا. وأنه إذا ما احتجت الولايات المتحدة على ذلك بالطرق الدبلوماسية، فإن مثل هذا الاحتجاج سوف يحقق للاتحاد السوفيتي أكثر من هدف. ذلك أنه سوف يثبت إفلاس “مبدأ مونرو”، ويقوض ثقة حلفاء الولايات المتحدة فيها، من منطلق أنه إذا كانت غير قادرة على حماية أمنها ذاته، فكيف تستطيع أن تحمي حلفاؤها. وأخيراً فإن وضع الولايات المتحدة في هذا المأزق سوف يدفع بالصين الشعبية إلى مراجعة موقفها من الإتحاد السوفيتي، والتسليم له بزعامة المعسكر الشيوعي.

ومن ثم انتهى هذا الفريق من قراءتهم السابقة إلى أن هدف الإتحاد السوفيتي هو “المناورة في إطار الحرب الباردة”، وكان من بين الذين تبنوا هذا الرأي السفير تشارلز بولين الذي استشهد بمأثورة لينين القائلة: “إذا صادفت سكينك صلبا فلتتراجع، أما إذا أصابت عصيدة فلتتقدم“.

وقد انحاز إلى هذا الرأي الرئيس كنيدي.[23]

 

5- وكانت هناك قراءة سابقة على الاستنتاج السابق، انتهت إلى أن هدف الإتحاد السوفيتي هو ” تحييد التفوق الأمريكي في مجال الصواريخ” وقد استند هذا الاستنتاج إلى: حقيقة وجود فجوة واسعة آنذاك في مجال الصواريخ بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي. وهي الفجوة التي لم يكن بوسع الإتحاد السوفيتي عبورها إلا بأعباء مادية تثقل كاهله، لإنتاج جيل جديد من الصواريخ عابرة القارات، والصواريخ المحمولة على الغواصات، ولذلك فقد كانت كوبا هي البديل الأمثل للوصول إلى التوازن الإستراتيجي على المدى القصير، ولتوفير نفقات باهظة على المدى الطويل، وذلك لأن نشر الصواريخ السوفيتية في كوبا يمثل إضافة سريعة وهامة ومعقولة التكلفة إلى القدرة السوفيتية على توجيه ضربة مؤثرة إلى الولايات المتحدة، ويعزز الوجود السوفيتي بالقرب من شواطئ الأمريكية بحاملة صواريخ منيعة ومحصنة ضد الغرق Unsinkable Carrier على المدى الطويل، ويدعم من مركز خروشوف داخل الإتحاد السوفيتي في مواجهة خصومه.

كما أيد أصحاب هذا الاستنتاج ما انتهوا إليه بتصريح كاسترو للصحفي كلود جوليان، والذي جاء فيه أن السوفيت أخبروه بان موافقة كوبا على نشر صواريخهم في أراضيها سوف يدعم موقف السوفيت في العالم بأسره، ومن ثم لم يجد أمامه بداً من القبول, وأشاروا – أي أصحاب هذا الاستنتاج – بأنه لم يكن هناك ما يقطع بأن الإتحاد السوفيتي سوف يقنع بما نقله من صواريخ إلى كوبا، كما انه ليس هناك ما يقطع بأنه لم يفكر في تحويل كوبا إلى ترسانة ضخمة للأسلحة النووية السوفيتية.

وأضافوا بأن كوبا تعتبر مكاناً مثالياً لنشر الصواريخ السوفيتية لوقوعها خارج مجال تغطية أجهزة الإنذار المبكر ضد الصواريخ المقامة في الولايات المتحدة، كما أن هذا الاستنتاج يقدم إجابة مقنعة لإقدام الإتحاد السوفيتي على نشر صواريخ ( IRBM ) باهظة التكاليف.[24]

وبعد هذه الاستنتاجات المتعددة التي استعرضها صانع القرار الأمريكي محاولاً أن يستشف من خلالها نوايا الإتحاد السوفيتي من وراء إقدامه على نشر صواريخه في كوبا، فقد صاغ بدائله على النحو التالي:

ثانياً: البدائل المقترحة

 

1- تجاهل التهديد السوفيتي

في مواجهة الاستنتاج القائل بان الإتحاد السوفيتي قد استهدف من وراء نشر صواريخه في كوبا استفزاز الولايات المتحدة وتوريطها في كوبا للتقدم نحو برلين، كان البديل هو قطع الطريق على خروشوف بمواجهة استفزازه بأسلوب هادئ، ومن ثم تجاهل المسألة برمتها على أساس أن الولايات المتحدة عرضة للصواريخ السوفيتية، سواء من كوبا أو من غيرها.

وقد تم استبعاد هذا البديل بسبب تجاهله لخطورة الخطوة العسكرية السوفيتية، التي لا تقتصر على مضاعفة القدرة النووية الهجومية للإتحاد السوفيتي فحسب، ولا على تعطيل فاعلية جهاز الإنذار المبكر ضد الصواريخ فقط، ولكن الأخطر من ذلك كله هو تعزيز السوفيت لقواعدهم الصاروخية في كوبا، مما ينجم عنه إخلال خطيراً بالتفوق الإستراتيجي الأمريكي.[25]

2- إجراء اتصالات سرية مع كاسترو

وفي مواجهة الاستنتاج القائل بأن الإتحاد السوفيتي قام بنشر صواريخه في كوبا للدفاع عنها، فقد تم التفكير في إجراء اتصالات سرية مع كاسترو ينذر فيها إما أن يتم سحب الصواريخ السوفيتية، أو يتحمل مغبة رفضه الذي قد يكلفه كثيراً. ولكن أخذ على هذا البديل أن الصواريخ المقامة في كوبا هي صواريخ سوفيتية خاضعة لإشراف السوفيت أنفسهم، ومن ثم فإن القرار الخاص بسحبها يجب أن يكون قراراً سوفيتياً.

3- الضغوط الدبلوماسية

وعلى ضوء الانتقادات التي وجهت إلى البديل الثاني، فقد تم التفكير في حمل السوفيت على سحب صواريخهم عن طريق ممارسة الضغوط الدبلوماسية عليهم من خلال الأمم المتحدة، أو منظمة الدول الأمريكية (OAS) *. واقتراح تشكيل لجنة تقوم بمعاينة مواقع الصواريخ السوفيتية، وإجراء اتصالات علنية أو سرية مع خروشوف، أو عقد مؤتمر قمة تطالب فيه الولايات المتحدة بسحب الصواريخ السوفيتية من كوبا، إلا أن هذا البديل قد أستبعد أيضاً على ضوء:

عدم جدوى التقدم بشكوى أمام مجلس الأمن، حيث يمكن للسوفيت وقف اتخاذ أي قرار باستخدام ” الفيتو”، خاصة مع مصادفة أن السفير السوفيتي “روزين” كان رئيساً لمجلس الأمن في شهر أكتوبر عام 1962. وهذا فضلاً عما يتيحه طول الإجراءات في مجلس الأمن للاتحاد السوفيتي من وقت يمكنه من إتمام نشر صواريخه في كوبا.

أن اللجوء إلى إجراء مفاوضات سرية مع “خروشوف” قد يتضمن اعترافا ضمنياً من قبل الولايات المتحدة بحق الإتحاد السوفيتي في الدفاع عن كوبا.

أما عقد مؤتمر قمة، فإن ذلك يعني أن التنازلات لن تكون من طرف واحد بل من الجانبين، مثل أن يوافق الإتحاد السوفيتي على سحب صواريخه من كوبا، مقابل موافقة الولايات المتحدة على سحب صواريخها من تركيا، أو الانسحاب من قاعدة “جوانتانامو” الكوبية.

4- غزو كوبا

وإزاء الاستنتاج الذاهب إلى أن نوايا السوفيت هي القيام بمناورات سياسية في إطار سياسة الحرب الباردة، وإبراز قدرتهم على حماية معقل متقدم للشيوعية في نصف العالم الغربي، فقد تم التفكير في إحباط هذه النوايا بالتخلص من مشكلة كوبا برمتها، وذلك بغزو كوبا، خاصة وأن الظروف قد أتاحت للولايات المتحدة هذه الفرصة الذهبية، والمبررات المشروعة للغزو، والتخلص من نظام كاسترو.

ولكن ” اللجنة التنفيذية لمجلس الأمن القومي(*Executive Committee Of NSC) قررت جعل هذا البديل كخيارٍ أخير لتكلفته الفادحة، إذ سوف يترتب عليه حدوث صدام مباشر مع أكثر من عشرين ألف جندي سوفيتي، ليكون بذلك أول صدام من نوعه بين القوتين العظميين بعد الحرب العالمية الثانية، مما قد يؤدي إلى حدوث مواجهة نووية، أو تقدم السوفيت نحو برلين. [26]

5- توجيه ضربة جوية

وعلى ضوء المحاذير المترتبة على البديل السابق، فقد تم التفكير في استبدل الغزو بضربة جوية باترة Surgical Air Strike  لمواقع الصواريخ السوفيتية. وكان أنصار هذا البديل يرون فيه الرد الأمثل على أسلوب الخداع الذي لجأ إليه الإتحاد السوفيتي بإدخال صواريخه إلى كوبا، كما قدروا أن مثل هذه الضربة يمكنها أن تدمر قواعد الصواريخ، ومن ثم تزيل مصدر الخطر قبل أن يكشف السوفيت أن الأمريكيين قد علموا بأمر صواريخهم. وقدروا أيضاً ملائمة أن يسبق هذه الضربة مباشرة بيان يلقيه الرئيس الأمريكي، ويعلن فيه اكتشاف أمر الصواريخ السوفيتية في كوبا، وأخيراً يدعو إلى مؤتمر قمة لتسوية المشكلة.

وقد أثار ناقدو هذا البديل القضايا التالية:

  • هل يمكن أن تكون هذه الغارة الجوية باترة فعلاً؟ إذ أنه بفرض نجاحها في تدمير مواقع كافة الصواريخ السوفيتية في كوبا، فإن طائرات الميج والأليوشن – 28 السوفيتية، يمكنها أن ترد على ذلك بمهاجمة قاعدة جوانتانامو الأمريكية في كوبا وجنوب الولايات المتحدة.
  • ما الذي يضمن أن تنجح مثل هذه الغارة في إزالة مواقع الصواريخ؟وما الذي يضمن ألا تقوم الصواريخ التي لم تكتشف مواقعها بعد، بالرد على هذه الغارة بتدمير المدن الجنوبية في الولايات المتحدة ؟ الأمر إذن لا تكفيه غارة جوية باترة، وإنما هجوم جوي شامل لا تقل عدد طلعاته عن 500 طلعة لتدمير كافة مواقع الصواريخ، وهو الأمر الذي قد يترتب عليه حدوث فوضى أو انهيار سياسي في كوبا، مما يضطر الولايات المتحدة إلى غزوها، وبالتالي تتحقق المحاذير الناجمة عن غزوها على النحو الذي سلفت الإشارة إليه.
  • أن الهجوم المفاجئ على قواعد الصواريخ السوفيتية، سوف يؤدي بالضرورة إلى مصرع بضعة آلاف من السوفيت، وهو الأمر الذي لا يمكن قبوله ببساطة في علاقات القوى العظمى اليوم. ومن ثم فإنه حتى مع إدراك الإتحاد السوفيتي للمضمون الانتحاري للدخول في مواجهة نووية مباشرة، فقد يجد نفسه معرضا لضغوط لا قبل له بمواجهتها تطالبه بالثأر سواء من جانب الشعب السوفيتي نفسه، أم من جانب حلفائه، أو حفاظا على هيبته كقوة عظمى مما يدفعه إلى الاندفاع في اتخاذ قرار متسرع ومشكوك في عقلانيته.
  • أن القيام بمثل هذا الهجوم المفاجئ سوف يحدث رد فعل عنيف من جانب الجماهير الأمريكية نفسها، والتي لم تكن قد أفاقت بعد من صدمة الهجوم المفاجئ على بيرل هاربر في ديسمبر عام 1941، ونظرت إلى فجائية الهجوم كمرادف للغدر الشديد والخديعة.[27]

6- فرض حصار بحري

ولتجنب كافة المثالب والمآخذ التي شابت البدائل السابقة، فقد تم التفكير في بديل وسط  بين السكوت على الإجراء السوفيتي بانعكاساته السلبية الشديدة، وبين الرد العنيف على هذا الإجراء بعواقبه الخطيرة المروعة، وتفتقت قريحة البعض من المشاركين عن طرح بديل ” فرض حصار بحري على كوبا لمنع وصول شحنات عسكرية سوفيتية إليها”. بيد أن هذا البديل لم يسلم لدوره من النقد، وكانت الانتقادات التي وجهت إليه هي:

  • احتمال وقوع صدام بين الأسطولين الأمريكي والسوفيتي.
  • مخالفة الحصار البحري لمبدأ حرية الملاحة في أعالي البحار، وهو المبدأ الذي يحظى باحترام خاص من قبل حلفاء الولايات المتحدة.
  • أن الحصار البحري يشكل خرقاً لميثاق الأمم المتحدة، ولقواعد القانون الدولي.
  • أن فرض الحصار البحري يتطلب ضرورة حصول الولايات المتحدة على موافقة ثلثي أعضاء منظمة   (OAS ) مسبقاً قبل اتخاذ هذا الإجراء.
  • إمكانية أن يدفع هذا الإجراء الإتحاد السوفيتي إلى الرد بإجراء مماثل، وفرض حصار جديد على برلين، وتكون النتيجة المنطقية لذلك هي توصيل الدولتين إلى اتفاق يقضي بقيام الولايات المتحدة بفك حصارها عن كوبا، في مقابل قيام الإتحاد السوفيتي بفك حصاره عن برلين. ومن ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل هذا الحصار المزدوج، بل وتطلق يد الإتحاد السوفيتي في تغذية ترسانته في كوبا بالمزيد من الأسلحة والصواريخ، مما يرتب للإتحاد السوفيتي حقاً مشروعاً بموجب هذا الاتفاق، أو بعبارة أخرى أن يستفيد الإتحاد السوفيتي بدلاً من أن يعاقب لتآمره على أمن الولايات المتحدة.
  • أنه قد يترتب على الحصار البحري نفس الآثار السلبية التي قد تترتب على الغارة الجوية التي سلفت الإشارة إليها في البديل السابق، وذلك في حالة ما إذا رفضت السفن السوفيتية التوقف، مما قد يضطر الولايات المتحدة إلى تحمل مسئولية إطلاق الطلقة الأولى في أول مواجهة مباشرة بين القوتين العظميين.
  • أنه ليس ثمة علاقة بين الحصار البحري وبين الأهداف المتوخاة من ورائه، وهي إزالة الصواريخ. إذ سوف تظل مشكلة الصواريخ قائمة لم تحل، بل وقد تتفاقم هذه المشكلة إلى الأسوأ، إذا ما استغل السوفيت انهماك الولايات المتحدة في إحكام حصارها حول الشواطئ الكوبية، وتفرغوا هم لإتمام نصب صواريخهم، والوصول بها إلى مرحلة التشغيل.[28]

الخيار: عزل بحري وقائي Quarantine

وعلى ضوء الانتقادات التي وجهت إلى هذا البديل اقترح ليندون جونسون – نائب الرئيس حينئذ – تعديل تسمية الإجراء من حصارBlockade إلى حزام وقائيQuarantine تجنباً للمحاذير القانونية المترتبة على استخدام الكلمة الأولى، وبعد تخطي هذه العقبة القانونية اتفقت أغلبية آراء أعضاء اللجنة – وفي مقدمتها رأي الرئيس – على اعتماد هذا البديل ليكون بمثابة الخيار الأمريكي للأسباب التالية:

  • أن الحصار يمثل خيارا وسطاً بين السلبية المطلقة ورد الفعل العنيف الذي يتسم بالمجازفة. فمن ناحية نجد فيه تأكيدا لإصرار الولايات المتحدة على عدم الوقوف مكتوفة الأيدي في مواجهة التحدي السوفيتي، ومن ناحية أخرى لا يتضمن قدراً كبيراً من المجازفة مثل تلك التي ينطوي عليها القيام بغارة باترة.
  • أنه يرمي الكرة في ملعب خروشوف، إذ يترك له الحرية في تفادي الحصار بإصداره أوامره لسفنه بعدم محاولة اختراق هذا الحصار، وبين تحمل مسئولية قرار بدء المواجهة المباشرة.
  • أن الكاريبي –حيث يقع الحصار– يعتبر أصلح الميادين وأكثرها ملائمة للولايات المتحدة في حالة دخولها في اختبار للقوة مع الإتحاد السوفيتي.
  • أن الحصار البحري يتيح للولايات المتحدة الفرصة لاستعراض قدراتها في الأسلحة التقليدية، والتصعيد المحسوب على مختلف مستويات المواجهة النووية بالأسلحة التي تتمتع فيها بتفوق ملحوظ عليه.

وهكذا استقر عزم الولايات المتحدة على فرض حزام وقائي Quarantine (حصار بحري) حول كوبا، وهو ما أقرتها عليه منظمة الدول الأمريكية وحلفاؤها في منظمة حلف شمال الأطلنطي ((NATO.

وفي نفس الوقت طلبت الولايات المتحدة عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن طالبت فيها بسحب الصواريخ السوفيتية من كوبا تحت رقابة دولية، بينما طلب الإتحاد السوفيتي في نفس الجلسة رفع الحصار البحري المضروب على كوبا ووصفه بالقرصنة، إلا أن مجلس الأمن أثبت عجزه عن التوصل إلى قرار حاسم حول أيٍ من هذين الطلبين. وفي 24 أكتوبر اقترح (يو ثانت) – الأمين العام للأمم المتحدة – على كل من الدولتين ضبط النفس لمدة أسبوعين لإمكانية مناقشة المسائل الخلافية بينهما.

وقد وافق خروشوف على هذا الاقتراح، بينما رفضه كنيدي على اعتبار أن مسألة سحب الصواريخ السوفيتية من كوبا هي قضية غير قابلة للتفاوض.

وفي يوم 26 أكتوبر، نما إلى علم إدارة كنيدي أن عدة سفن سوفيتية متجهة إلى كوبا قد غيرت اتجاهها، ومع ذلك فإن طائرات الاستطلاع الأمريكية تمكنت من رصد النشاط السوفيتي المحموم في بناء قواعد الصواريخ في كوبا، مما اضطر هذه الإدارة إلى التحرك بسرعة لمواجهة هذا الموقف قبل أن يسبق السيف العزل بإتمام إنشاء هذه المنصات، ومن ثم تصبح الصواريخ جاهزة للعمل، فأصدر الرئيس كنيدي تصريحاً أعلن فيه: أن بلاده لن تتردد في اتخاذ إجراءات أخرى بما في ذلك ضرب قواعد الصواريخ لو تطلب الأمر ذلك، ولم يستبعد في تصريحه احتمال حدوث مواجهة بين الدولتين إذا لم يقم الإتحاد السوفيتي بسحب صواريخه في موعد غايته 30 أكتوبر. وفي مساء اليوم نفسه، وصل خطاب إلى كنيدي من خروشوف، ذو نبرة معتدلة يقترح عليه فيه أن يقوم الإتحاد السوفيتي بسحب صواريخه من كوبا، في مقابل تعهد الولايات المتحدة بعدم غزوها، وكان العرض سخياً إلى الحد الذي وصفه فيه البعض بأنه استسلام مشروط. ولكن لوحظ أن هذا الخطاب لم يدون عليه تاريخ إرساله.

وفي اليوم التالي، وصل إلى البيت الأبيض خطاب آخر من خروشوف، بغير تاريخ أيضاً، بصيغة عنيفة يتضمن مطالب متشددة، ويقترح فيه أن تقوم الولايات المتحدة بسحب صواريخها من تركيا، مقابل قيام الإتحاد السوفيتي بسحب صواريخه من كوبا.

وعندما عرض الأمر على اللجنة التنفيذية لمجلس الأمن القومين قررت رفض العرض الوارد بالخطاب الثاني لسببين:

اعتقاد كنيدي بأن الخطاب الأول يعكس حقيقة مشاعر خروشوف بأكثر مما يعكسها الخطاب الثاني.

رفض المساومة بقواعد حلف الأطلنطي نتيجة للضغط السوفيتي، إذ أن التسليم بإحداها مهما كان شانها، سوف يجعل الإتحاد السوفيتي يستمرئ هذه اللعبة فيكررها المرة تلو الأخرى، فيسدر في ممارسة استخدام أسلوب الإدارة بالأزمات حتى يتمكن في النهاية من تصفية قواعد هذا الحلف نهائياً. ويبعث من جديد إلى الوجود لعبة هتلر المفضلة التي مارسها بنجاح في مفاوضات ميونخ حيث قابلها الغرب بسلسلة من التنازلات. لذلك وجهت الولايات المتحدة إنذارها الأخير إلى الإتحاد السوفيتي بسحب صواريخه من كوبا، وإلا كان عليه تحمل عاقبة عناده.

وفي يوم 27 أكتوبر أعاد خروشوف عرضه بسحب صواريخه من كوبا، في مقابل تعهد أمريكي بعدم غزو كوبا، فأعلن الرئيس الأمريكي على الفور قبوله لهذا العرض، وترحيبه بمساهمة خروشوف الإيجابية في تحقيق السلام، وهكذا تبددت احتمالات المواجهة. وزال شبح الرعب النووي الذي خيم على العالم بأسره، طوال تلك الأيام العصيبة التي استغرقتها الأزمة.[29]

 

ملاحظات على الإدارة الأمريكية لأزمة الصواريخ الكوبية

 

1 إن الدرس الأول الذي يمكن استخلاصه من أزمة الصواريخ الكوبية، يعد بمثابة تأكيد جديد للدور الذي يلعبه حدث الأزمة في تصحيح المفاهيم الخاطئة، وبالتالي تعديل سياسات صانع القرار ، لكي تتلاءم مع المفاهيم الجديدة، ومن ثم تصبح أكثر قرباً من الواقع. والثابت أن قرارات كل من الزعيمين الأمريكي والسوفيتي قد بنيت على تصورات خاطئة لكل منهما عن الطبيعة الحقيقية للآخر.

فلقد اعتقد الرئيس كنيدي أن خروشوف رجل حكيم وفطن وحذر وحريص لذلك على احترام الأوضاع الراهنة في العلاقات بين القوتين العظميين، ومدركا للعواقب المأساوية المترتبة على تحديها أو محاولة تغييرها. وأن كل هذه الصفات سوف تحول بينه وبين اتخاذ أية إجراءات تتسم بالرعونة أو التهور، مثل نصب صواريخ سوفيتية في كوبا. بينما اعتقد خروشوف أن كنيدي ليس إلا غرا، قليل التجربة، ومن ثم عاجزاً عن اتخاذ القرارات الحاسمة على نحو ما كشفت عنه عملية خليج الخنازير، ومن ثم فإن في استطاعته أن ينصب صواريخه في كوبا دون أن يتعرض لرد حاسم من جانب الولايات المتحدة.

 فما هي الأسباب التي أدت إلى تكوين كلٍ منهما لمفاهيم خاطئة عن الآخر؟

 

السبب الأول: في تقديرنا – هو ما قد يجوز تعريفه ب ” الطرد التلقائي للمعلومات غير المرغوب فيها”، والمتمثل في الرفض الفكري لهذه المعلومات، وهو أخطر ما يبتلى به التقدير السليم للأمور. واستجابة لهذه النزعة تجاهل الرئيس كنيدي ومستشاروه بعض المؤشرات التي ما كان يجب تجاهلها. من قبيل ذلك ما وصل إليهم من معلومات عن تحرك قافلة بحرية سوفيتية متجهة إلى كوبا تم رصدها في شهر سبتمبر 1962، وكان من المتصور في ذلك الحين أنها تحمل شحنات من الأخشاب إلى كوبا ( وغرابة هذا المنطق تتمثل في عدم وجود حاجة ملحة لكوبا الاستوائية إلى مثل هذه الأخشاب تتطلب تخصيص قافلة كاملة لها على اتساع المسافة بين الإتحاد السوفيتي وبينها!) ولقد ثبت فيما بعد أن شحناتها كانت من الصواريخ السوفيتية المتطورة للغاية.

وقبل ذلك رصدت طائرات الاستطلاع الأمريكية من طراز U–2 زيادة ملحوظة في عدد السوفيت في كوبا، وعملا يجرى على قدم وساق في إقامة قواعد صواريخ “SAM” هناك. ولكن السفير السوفيتي في واشنطن ” أناتولي دوبرينين ” نجح في تبديد شكوك ” روبرت كنيدي ” حول نوايا السوفيت ( كيف استطاع ذلك !!! ). ولقد ساعد على نجاح مهمة السفير السوفيتي، انه لم يكن هناك شخص واحد في النخبة المحيطة بالرئيس كنيدي، ولا حتى الرئيس نفسه يتصور أن يقدم السوفيت على مثل هذا العمل الأرعن الذي يمثل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة.

                ( منطق مرفوض في تصور الطبيعة العقلانية للسلوك السياسي ).

ولو كانت إدارة كنيدي لم تبالغ في تقديرها لحكمة السلوك السوفيتي وعقلانيته، لكرست المزيد من اهتماماتها لتمحيص الدلالات المنطقية وراء رحلة القافلة البحرية السوفيتية إلى كوبا، وزيادة عدد السوفيت المضطردة في هذه الدولة، ومغزى إقامة قواعد صواريخ (SAM)على أراضيها، ولأمكنها اكتشاف الصواريخ السوفيتية في كوبا في وقت مبكر عن ذلك الذي اكتشفتها فيه.

إن سلوك الإدارة الأمريكية هذا، المتمثل في الطرد التلقائي للمعلومات غير المرغوب فيها، يمكن تعريفه أيضاً   ب         ” منطق الحالة النفسية” “Psycho-Logic والذي يميل إلى محاولة رؤية الحقائق بمنظار الميول النفسية وحده، فيتقبل منها ما يتفق مع هذه الميول، ويتجاهل ما يتعارض معها.

وبالنسبة لتطبيق هذه الظاهرة على حالة الرئيس كنيدي نجد أنه كان يرغب – آنذاك – في الوصول إلى مصالحة مع الإتحاد السوفيتي، وتحقيق الانفراج في علاقاته السياسية معه.

أما بالنسبة لخروشوف فقد أدت ثلاثة أحداث هامة إلى إقناعه بافتقار الرئيس كنيدي إلى الإدارة والحزم اللازمين:

 أولهما : عملية خليج الخنازير، فقد كان تقدير خروشوف أن تصرف كنيدي حيال فشل هذه العملية هو الفيصل في تقدير قوته الحقيقية، ولما تردد كنيدي في التدخل لإنقاذها من المصير المؤسف الذي انتهت إليه، آمن خروشوف بأن كنيدي رجل تعوزه الخبرة والحزم اللازمين، ومن ثم فإنه من السهل ابتزازه وإرهابه.

أما الواقعة الثانية: فقد كانت خلال مؤتمر ” فينا ” الذي عقد في يونيو عام 1961، حيث رد كنيدي على تهديدات خروشوف العاصفة بعقد معاهدة سلام سوفيتية منفردة مع ألمانيا الشرقية، بالحديث عن مخاطر الحسابات الخاطئة التي قد تؤدي إلى حدوث المواجهة بين القوتين العظميين، مما زاد خروشوف اقتناعاً بعزوف خصمه عن مواجهة التحديات. وأخيراً أدى إحجام كنيدي عن هدم الجدار الذي أقامه خروشوف بين برلين الشرقية وبرلين الغربية في أغسطس 1961 إلى ترسيخ اعتقاده بعدم استعداد كنيدي لاتخاذ قرارات هامة تنطوي على مواجهة المخاطر.

وباختصار تميزت مرحلة ما قبل الأزمة بتحكم تصورات الزعيمين الأمريكي والسوفيتي، وما كونه كل منهما من انطباعات خاطئة عن الآخر، بأكثر مما فعلت الحقائق.

2– أما مرحلة الأزمة ذاتها، فيمكن تقسيمها إلى مرحلتين فرعيتين متميزتين:

تبدأ المرحلة الأولى من 14 أكتوبر – 22 أكتوبر، أي بعد اكتشاف الصواريخ الكوبية، وحتى خطاب الرئيس كنيدي الذي ينذر فيه بفرض العزل البحري ( الحصار البحري ) على كوبا. وقد تميزت هذه المرحلة بمحاولة إدارة الرئيس كنيدي معالجة هذه الأزمة في نطاق السرية التامة.

وفي خلال هذه المرحلة اتخذ الرئيس كنيدي ثلاثة قرارات هامة نتيجة لتغيير مفاهيمه عن خروشوف تحت تأثير الأزمة، حيث أكدت له هذه خطأ تصوراته عن عقلانية خروشوف  وحكمته، وأثبتت له أن خروشوف لا يتورع عن المجازفة.

ومع ذلك فإنه يمكن وضع حد للميل إلى المجازفة عند خروشوف، عندما يتأكد من أن الولايات المتحدة لن تتورع عن الدخول في مواجهة مع الإتحاد السوفيتي إذا لم يقم بسحب صواريخه من كوبا.

وإزاء هذا المفهوم الجديد الذي تكشف لكنيدي عن شخصية خروشوف قرر مواجهته برد وسط، لا إفراط فيه ولا تفريط. وذلك حتى لا يستفز الإفراط روح المجازفة عند خروشوف، ولا يغريه التفريط بالتمادي في هذه المجازفة. وكان القرار الأول الذي اتخذه كنيدي هو استشارة أكبر عدد ممكن من مساعديه من ذوي التخصصات المختلفة، وتوسيع نطاق عضوية مجلس الأمن القومي (NSC) بتشكيل اللجنة التنفيذية لمجلس الأمن القومي، بعد أن تعلم من فشل عملية “خليج الخنازير” والذي اعتمدت قراراته فيها على تقارير وكالة المخابرات المركزية وحدها، ألا يركن إلى تقدير جهة معلومات واحدة في اتخاذ قراراته، كما اتخذ كنيدي في هذه المرحلة أخطر قراراته، وهو فرض الحزام الوقائي (الحصار البحري) على كوبا. وقد جاء هذا القرار بعد تقويم كافة البدائل الأخرى على النحو الذي سلفت الإشارة إليه، وكان كنيدي قد رفض البديل الأول وهو: “عدم القيام بأي عمل على الإطلاق”، وذلك على الرغم من قناعته بأن وجود الصواريخ السوفيتية في كوبا لن يخل – من الناحية الواقعية- بالتوازن الإستراتيجي القائم بين القوتين العظميين، وإن كان من الممكن أن يخل به من الناحية الشكلية، وخاصة فيما يتعلق بهيبة الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي أشار إليه كنيدي بقوله:” وحتى لو اقتصر الأمر على مجرد الشكل، فإن المظاهر كثيراً ما ترتبط في أذهان الناس بالحقيقة”. وأعاد تأكيد ذلك بقوله ” لو اكتفينا بالوقوف مكتوفي الأيدي في مواجهة هذا التحدي، فلسوف نحكم على أنفسنا بالموت أمام العالم”.

وقد رفض بديل القيام بضربة باترة لأنه لا يرغب – على حد تعبير شقيقه روبرت كنيدي – أن يبدو أمام العالم، وبخاصة الرأي العام الأمريكي، بمظهر (توجو) الستينات.

وتوجو هذا كان رئيس وزراء اليابان الذي اتخذ قرار ضرب بيرل هاربر في عام 1941، وأصبح اسمه منذ ذلك الحين فصاعداً صنواً للغدر والطعن في الظهر.

وكان القرار الثالث الذي اتخذه كنيدي – في هذه المرحلة – نابعاً أيضاً من مفهومه الجديد لنوايا خصومه، حيث اعتقد أن خروشوف يريد أن يضع الولايات المتحدة أمام الأمر الواقع، فإذا لم يتخذ إجراءات حاسمة في مواجهة وجود الصواريخ السوفيتية في كوبا، فسوف تبدو أمام العالم عاجزة عن الرد. وإذا اتخذت مثل هذا الإجراء فقد تواجه برد سوفيتي قوي عليه سواءً في برلين، أو تركيا، أو على الأقل بإدانة الرأي العام العالمي للإجراء الأمريكي في الأمم المتحدة. ولذلك قرر كنيدي أن يقلب المائدة على خروشوف، بأن يسبقه بإعلان فرض الحصار البحري على كوبا علانية في خطابه الذي ألقاه يوم 22 أكتوبر.

أما المرحلة الفرعية الثانية للازمة، والتي تقع ما بعد يوم 22 أكتوبر حتى نهاية الأزمة، فقد اتخذ فيها كنيدي ثلاثة قرارات علانية هي:

  • رفض طلب يوثانت بوقف العزل البحري ( الحصار البحري ) على كوبا، وإرسال شحنات أسلحة سوفيتية إليها، وقد وافق الإتحاد السوفيتي على هذا الطلب، بينما أصر كنيدي على رفضه حتى لا يؤدي قبوله لمثل هذا الطلب إلى تخفيف شدة الضغط الدبلوماسي والعسكري على خروشوف، ولإقناع الأخير بإصرار الولايات المتحدة على موقفها.
  • ولتنفيذ قرار العزل البحري اقترحت هيئة الأركان المشتركة أن ترابط وحدات الأسطول الأمريكي المكلفة بتنفيذ قرار العزل على مسافة تبعد 500 ميلاً من الشواطئ الكوبية، وذلك حتى تكون خارج مرمى قاذفات الميج السوفيتية المرابطة في كوبا. إلا أنه عندما وردت المعلومات باقتراب الأسطول السوفيتي من المواقع التي اقترحتها هيئة الأركان المشتركة، بحيث أصبح لقاء الأسطولين وشيكاً، اقترح السفير البريطاني، الذي شارك في اجتماعات اللجنة التنفيذية لمجلس الأمن القومي، التغاضي عن اعتبارات سلامة الأسطول، ونصح بتراجعه إلى ما وراء هذه المواقع لتطول المسافة الفاصلة بين الأسطولين، مما يتيح لصانع القرار السوفيتي المزيد من الوقت لمراجعة موقفه، ومحاولة تجنب الصدام، بدلاً من أن يؤدي اللقاء الوشيك للأسطولين إلى دفعه مرغماً إلى قبول المواجهة، حيث لا يمكنه التراجع في هذه الحالة بدون أن يفقد ماء وجهه.

وقد أخذ كنيدي برأي السفير البريطاني، وتغاضى عن رأي هيئة الأركان المشتركة، ويشير بول نيتز مساعد وزير الدفاع الأمريكي – آنذاك – إلى هذه الواقعة بقوله:” لقد كان تفكيرنا في ذلك الحين أن أخطر احتمالات المواجهة تكمن في اعتراضنا لسفينة سوفيتية تحاول اختراق الحصار، حيث كان من المشكوك فيه ألا يرد خروشوف على ذلك”.وفي يوم 25 أكتوبر اقتربت القافلة السوفيتية من خط الحصار الأمريكي تتقدمها ناقلة البترول بوخارست، ومع ذلك  سمح الرئيس كنيدي لهذه الناقلة وحدها أن تمر من بين سفن الحصار، وذلك على الرغم من أن البترول كان على قائمة الممنوعات المحظور مرورها. وقد سمح كنيدي بذلك على الرغم من اقتراح البعض من فريق إدارة الأزمة بأن يتم تفتيشها، وكان هدفه من ذلك ألا يضع خروشوف في مأزق لا يجد أمامه مخرجاً منه إلا باستخدام القوة.

  • أما أهم القرارات التي اتخذها كنيدي أبان هذه المرحلة، فهو قبوله لخطاب خروشوف المعتدل، وتجاهله لخطابه المتشدد لتسوية الأزمة. والحقيقة أن خروشوف كان يرغب في الوصول إلى تسوية وتجنب المواجهة، ولكنه كان يجهل رد الفعل الأمريكي على اقتراحه هذا، فإذا كان الرد إيجابياًَ، فإن بوسعه أن يزعم أن خطابه المعتدل يعبر عن موقفه اللاحق، أما إذا جاء هذا الرد سلبياً، وحاول الأمريكيون التشهير به، والادعاء بأنه أجفل وتراجع أمام تهديداتهم مستخدمين خطابه ذا اللهجة المعتدلة، فإنه يستطيع حينئذ أن يؤكد أن ميوله السلمية كانت قبل تطور الأمور التي أدت إلى قيام الولايات المتحدة بفرض العزل البحري على كوبا، وأنه بعد حدوث هذه التطورات اتخذ موقفاً متشدداً على نحو ما يتضح من خطابه الآخر، زاعماً بأنه قد وجه خطابه المعتدل قبل الحصار لا بعده، وهكذا فإن الحيلة التي لجأ إليها خروشوف للحفاظ على ماء وجهه لم تغب عن إدراك كنيدي، ومن ثم قام هذا الأخير بالرد على الخطاب المعتدل متجاهلاً الخطاب المتشدد ليفسح مجالاً بذلك الطريق لخروشوف للتراجع بدون أن يفقد ماء وجهه.

ولقد أكدت أزمة الصواريخ الكوبية من جديد الأهمية الفائقة لدور الاتصالات في إدارة الأزمات، والضرورة الملحة لفتح قنوات اتصال مباشرة وفورية بين موسكو وواشنطن، ومن ثم فتح الخط الساخن بين العاصمتين، وهو الخط الذي أثبت فاعليته في تمكين الدولتين من وقف تصعيد الموقف بينهما أثناء أزمتي الشرق الأوسط في عامي 1967، 1973.

كما أكدت واقعة ملاحظة عدم تدوين تاريخ خطابي خروشوف إلى كنيدي، سالف الإشارة إليهما، الأهمية الخاصة التي يجب أن تولى لأدق التفصيلات التي قد تطرأ على أسلوب الخصم في التعامل أثناء الأزمة، وتجنب إغفالها مهما بدت هذه التغيرات عابرة، أو محدودة الأهمية.

[1] العماري، عباس رشدي، 1993، مرجع سابق، ص ص ( 51 – 52 ).

[2] سورة يوسف، 46.

[3] سورة يوسف ، 47 ، 48 ، 49 .

[4] الشيخ، سوسن سالم:” نماذج من إدارة الأزمات في القرآن الكريم”، القاهرة، مجلة مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي، جامعة الأزهر، 2003، ص ص ( 237 – 238 ).

[5] المقريزي، الخطط، القاهرة، بدون تاريخ، ص ( 92 )

[6] سفر التكوين، الإصحاح 41.

[7] سفر التكوين، الإصحاح41 .

[8] القرضاوي ، يوسف:” دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي”، بيروت، الرسالة، 1996، ص 266.

[9] سورة يوسف، 58، 59.

[10] سورة يوسف، 65.

[11] سورة يوسف، 49.

[12] المباركفوري، صفي الرحمن: ” الرحيق المختوم”، المنصورة، دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، ط4، 2001م، ص ص ( 326 – 341 ).

[13] العماري، عباس رشدي، 1993، مرجع سابق، ص91.

[14] العماري، عباس رشدي، 1993، المرجع السابق، ص ص (91 – 92 ).

[15] العماري، عباس رشدي، 1993، المرجع السابق، ص92.

 [16]العماري، عباس رشدي، 1993، المرجع السابق، ص93.

[17] العماري، عباس، 1993م، المرجع السابق، ص ص ( 93 – 94 )

* North Atlantic Treaty Organization.

* Southeast Asia Treaty Organization.

[18] العماري، عباس رشدي، 1993، المرجع السابق، ص ص (94-95).

[19] العماري، عباس رشدي، 1993، المرجع السابق، ص ص (94-95).

[20] العماري، عباس، 1993، المرجع السابق، ص (96).

[21] العماري، عباس رشدي، 1993، المرجع السابق، ص ص ( 96 – 97 ).

[22] العماري، عباس رشدي، 1993، المرجع السابق، ص ص ( 97 – 98 ).

[23] العماري، عباس رشدي، 1993، المرجع السابق، ص ص ( 98 – 99 ).

[24] العماري، عباس رشدي، 1993، المرجع السابق، ص ص ( 99 – 100 ).

[25] العماري، عباس رشدي، 1993، المرجع السابق، ص (100).

* Organization of American States.

* National Security Council.

[26] العماري، عباس رشدي، 1993، المرجع السابق، ص ص (100-101).

[27] العماري، عباس رشدي، 1993، المرجع السابق، ص 102.

[28] العماري، عباس رشدي، 1993، المرجع السابق، ص 103.

[29] العماري، عباس رشدي، 1993، المرجع السابق، ص ص ( 104 – 105 ).

 

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

صخري محمد،مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock