Press ESC to close

2467 0

نموذج تطبيقي للإجابة عن سؤال امتحان الدكتوراه، في التخصصات الأدبية والإنسانية

بقلم: د.العيد بوده .
 
ملاحظة: لاينبغي على الطالب كتابة عناوين هيكل المقال(مقدمة، عرض، خاتمة)، ولقد كتبتها من باب الإيضاح والتيسير على القارئ.
 
مقدمة:
لقد وجهت النظرية النقدية العربية اهتماًما فائًقا إلى أثر الشعر على جمهور المتلقين، أكثر من اهتمامها بالمبدع، أو بفعل الإبداع، وعملية تشكيله .وقد ظهر هذا الموقف في أقدم الأقوال التي تنسب للعرب،وهذا مما يجعل العرب سباقين إلى بلورة مفهوم نظرية التلقي قبل غيرهم،لاسيما وأن ّ إرهاصات النظريات النقدية التراثية ، شكَّلت الظهير والخلفية الأولى التي انبثقت عنها نظريات الحداثة، وهذا مما يكسب موضوعنا أهمية كبيرة؛ فالتراث العربي النقدي والبلاغي يشكل جزءا هاما من المعرفة الإنسانية، ولأنّ للمتلقي دور بارز في العملية الإبداعية؛ كونه مساهم رئيسي فيها،نظرا للعلاقة التلازمية بين الأدب والمتلقي، فأينما يكن الإبداع، يكون المتلقي،وعليه سنركز في هذه الورقة على بحث جملة المعطيات المتعلقة بالتلقي، نحددها من خلال التساؤلات الآتية:
ماهو مفهوم التلقي عند العرب القدامى؟ ومن هم النقاد الذين قدموا محاولات تأصيلية لهذا المفهوم؟ وكيف بلور الغربيون نظرية التلقي ؟
العرض:
سنحاول الكشف عن المتلقي في النقد المغربي القديم، وأهميته ودوره في العملية الإبداعية خاصّة الشعرية،حيث نتوقف عند مصطلح ومفهوم التلقي في التراث النقدي القديم، لإثبات أن المصطلح ضارب جذوره في القدم، كما سنتعرف على عملية التلقي من خلال النصوص التي وردت في المدونات النقدية والآليات التي تلقى بها النقاد القدامى هذه القضية، ثم نعرج على نظرية التلقي بالمفهوم الحداثي، وذلك بالإشارة إلى اشتغال الحداثيين بتقعيد هذه النظرية.
01- مفهوم التلقي عند النقاد العرب القدامى
لقد عرفت مدونة الأدب العربي القديم مقولات عدة حول موضوع التلقي، كتلك التي تتحدث عن قدرة الشعر على تشجيع الجبان،وتسخية البخيل،ورفع الوضيع،ووضع الرفيع،انطلاقًا من
الإحساس بقوة الشعر الساحرة الآسرة التي تتحكم بالسامع،وتستطيع دفعه إلى قبول الهدف الذي يرمي الشعر إلى بلوغه .ولعل الحديث المنسوب للنبي،(صلى الله عليه وسلم){إ ّن من البيان لسحًرا،وإن من الشعرلحكما}مقرونًا بسياقه،يمثل هذا التصور لفعل الشعر،وسطوته على السامع
ومما لاشك فيه أن مساهمات تأصيلية نقدية ونظرية وازنة هي التر تركها العرب الأوائل في هذا الصدد؛ ومن ذلك محاولة ابن قتيبة في تعليل بناء القصيدة العربية التي أقامها على العلاقة بين موضوعات القصيدة وتأثيرها في الجمهور،ناهيك عن اهتمام ابن طباطبا بتأثير الشعر في السامع،ووجوب أني وجه الشاعر عمله إليه على نحو يستطيع أن يكون مؤثًرا فيه .بل رأى أن من الواجب على صانع الشعر أن يصنعه صنعة متقنة لطيفة مقبولة حسنة مجتلبة لمحبة السامع له،والناظر إليه بعقله.
وسنتوقف فيما يلي عند ثلاثة نقاد برزت عنايتهم بمنظورِ المتلقي بشكل واضح، وهُم: الجاحظ، وعبدالقاهر الجرجاني، وحازم القرطاجني.
أ- الجاحظ يقول الجاحظ “مدار الأمر على البيان والتبَيُّن، وعلى الإفهام والتفهُّم، وكلما كان اللسان أبين كان أحمد، كما أنه كلما كان القلب أشدَّ استبانة كان أحمد، والمُفهم لك والمُتفهِّم عنك شريكان في الفضل”،وينقل عن الإمام إبراهيم بن محمد قوله: “يكفي من حظ البلاغة أنْ لا يُؤتى السامعُ من سوء إفهَامِ الناطق، ولا يُؤتى الناطق من سوء فهْم السامع”، ثم يعلق على قوله: “أمَّا أنا فأستحسن هذا القول جدًّا”.
ومن ذلك نفهم أنَّ الجاحظ كان شديدَ الاهتمام بقضية الفهم والإفهام (إفهام السامع وإقناعه)؛ لذلك فهو يُدخل المُخاطَب (المتلقي) كعنصر فعَّال وأساسي في العملية البيانية، ليس هذا فحسب، بل بوصفه الهدفَ الرئيس منها، الشيء الذي كان غائبًا عن اهتمام الفقهاء الذين كان يهمهم بالدرجة الأولى قصد المتكلم في القرآن والسنة.
ب- حازم القرطاجني: حازم اعتبر المتلقي مبدعا افتراضيا، فيإحالة منه إلى القارئ النموذجي، لأن القارئ الحقيقي هو الذي يضيف للنص شيئا جديدا من خبرته القرائية،وقد قال في كتابة منهاج البلغاء: “إذا عُبِّر عن الصورة الذهنية الحاصلة عن الإدراك، أقام اللفظُ المعبَّرُ به هيئةَ تلك الصورة الذهنية في أفهام السامعين وأذهانهم، فصار للمعنى وجودٌ آخر من جهةِ دلالة الألفاظ.”
ج- يقول عبدالقاهر: “وأعلم أنَّه لا يصادف القول في هذا الباب موقعًا من السامع، ولا يَجد لديه قبولاً حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة.”
فالذَّوق السليمُ المحصَّن بالخبرة والمعرفة السليمَتَيْن شرطٌ أساسي في تلقي النصوص ونقدِها، وعبدالقاهر ربط بين الذوق والمعرفة، مما يجعلنا نراه ضمنيا كشرط أساسي لقراءة النصوص.
02- كيفيات تلقي النصوص عند القدامى
سنحاول تقديم شواهد تطبيقية، في هذا الخصوص، ونقرر ذلك فيما يلي :
أ- ابن قتيبة: لقد تعرض ابن قتيبة لمجموعة من الأبيات، هذا نصها:
وَلَمَّا قَضَيْنَا مِنْ مِنًي كُلَّ حَاجَةٍ وَمَسَّحَ بِالأَرْكَانِ مَنْ هُوَ مَاسِحُ
وَشُدَّتْ عَلَى حُدْبِ المَهَارَى رِحَالُنَا وَلاَ يَنْظُرُ الغَادِي الَّذِي هُوَ رَائِحُ
أَخَذْنَا بِأَطْرَافِ الأَحَادِيثِ بَيْنَنَا وَسَالَتْ بِأَعْنَاقِ المَطِيِّ الأَبَاطِحُ
عرض ابن قتيبة لهذه الأبيات في كتابه “الشعر والشعراء” في أثناء تقسيمه للشعر وفقًا لعلاقته باللفظ والمعنى، فبعد أن تحدَّث عن الشعر الذي يجمع بين حسن اللفظ وجودة المعنى، فعملية التلقي منقسمة من هذا المنطلق إلى مستويَين مختلفَين يستقلُّ أحدهما عن الآخر؛ أحدهما يتمثَّل في ألفاظ النص، والثاني فيما سماه (ما تحت الألفاظ)، والمقصود به هو المعنى.فقد اعتنى ابن قتيبة بالقيمة اللفظية في المخارج والمطالع والمقاطع، وأن المعنى كان دون اللفظ، فلم يلتفت إلى ما في الأبيات من استعارة ومجاز واستخدام فريد للغة، مما يمنحها بُعدًا جماليًّا مؤثرًا.
لقد تعرض لها معظم النقاد العرب الذين جاؤوا بعد ابن قتيبة؛ كابن طباطبا، وقدامة بن جعفر، وأبو هلال العسكري، وابن جني، والباقلاني، وعبدالقاهر الجرجاني، وابن الأثير، وهؤلاء يختلفون من حيث اهتماماتهم المعرفية الأصلية اختلافًا واضحًا؛ فابن قتيبة فقيه، والعسكري بلاغي، وابن جني لغوي، والباقلاني أساسًا متكلِّم (أشعري)، وابن الأثير بياني.
والطريف هنا أن كلاًّ من هؤلاء كان إذ يتلقَّى النص الشعري في ذاته يتلقَّى معه قراءة مَن سبقه، ومن ثَمَّ كان ما يقدِّمه كلٌّ منهم بمثابة قراءة للقراءة، فعلى أيِّ نحوٍ كان هذا؟
ب- كان ابن طباطبا أكثر رفقًا بالشعر، وأكثر توفيقًا من ابن قتيبة، فقد توجَّه إلى المعنى دون اللفظ، وشرح البيت شرحًا متقدِّمًا على سابقيه، وتوصَّل إلى أن المعنى على قدر المراد، وهي ميزة حسنة التفت إليها، وتحسب من الجديد الذي قدَّمه في قراءته، وإن لم يصل إلى قيمتها الجمالية ومزاياها الفنية الكامنة
ج- أمَّا قدامة بن جعفر والباقلاني، فقد اقتفيا أثر ابن قتيبة في العناية باللفظ، ووصفا الأبيات بأنها من الشعر الذي يحلو لفظه وتقل فوائده.
د- أمَّا أبو هلال ،فقد وقف مع ابن قتيبة – كما أشار إلى ذلك ابن الأثير – إذ استشهد به لدعم فكرته في أن “الكلام إذا كان لفظه حلوًا عذبًا، وسلسًا سهلاً، ومعناه وسطًا – دخل في جملة الجيِّد، وجرى مع الرائع النادر”، ثم ذكر الأبيات وعلَّق عليها بقوله: “وليس تحت هذه الألفاظ كبيرُ معنى، وهي رائقة معجبة…” ونثَر الأبيات كما فعل ابن قتيبة، وهو بذلك لم يُضِف جديدًا.
03- نظرية التلقي في الحداثة الغربية:
بدأ ظهور نظرية التلقي عند الغرب في منتصف القرن العشرين،وارتبطت بداياتها بجامعة كونستانس بألمانيا، وقد كان الهدف الذي سعت إليه هذه النظرية؛ هو إدراك نظرية عامة للتواصل، وتعد فلسفة إدموند هوسلر، من الركائز الأساسية التي قامت عليها نظرية التلقي.كما يعد ياوس وأيزر من أبرز ممثلي نظرية التلقي، وقد عدهما النقاد من كبار منظري نظرية التلقي التي جاءت كتمرد على البنيوية والرمزية، والجمالية الماركسية.وبشكل فقد اهتم رواد هذه النظرية بالجانب الفلسفي
 
خاتمة :
– لا يمكن أن تحدد قيمة العمل الإبداعي إلاّ إذا كان هناك متلقي أعطاه من الأهمية ما يلزم، بإبداء رأيه اتجاهه، واهتمامه به، مركزا على القيم الجمالية فيه، وهذا ما يفسّر بقاء خلود بعض الأعمال الأدبية لاحتفاء المتلقين بها، وإحاطتها بكلّ الأهمية التي تستحقها والتي تختلف باختلاف المتلقين وثقافتهم ووجهات نظرهم.
– نظرية التلقي هي انعكاس لعظمة الثقافة العربية، ومدى تأثيرها في الثقافات الأخرى
– نظرية التلقي نموذج للتلاقح الإيجابي بين الثقافات
اضغط على الصورة

اترك تعليقاً

Do NOT follow this link or you will be banned from the site!