Print Friendly, PDF & Email

قصي المحمد

يعمل اللوبي “الإسرائيلي” في الولايات المتحدة الأمريكية على تحقيق أهدافه الاستراتيجية باستخدام العديد من الأساليب والسياسات كما هو معروف، وهو يملك المؤسسات والبنية التحتية الأساسية التي تساعده على تحقيق تلك الأهداف، ويمكن في هذا الصدد الإضاءة على أحد نماذج العمل التي تقوم بها تلك المؤسسات، وهو كيفية تشكيل السياسات العامة عبر مراكز التفكير والأبحاث.

أحد هذه النماذج لتشكيل تلك السياسات وتحقيق الأهداف يتم عبر عدة مراحل، والتي تتمثل كالآتي:

المرحلة الأولى : إجراء دراسات حول المصطلحات المتداولة في الوسط العام ووسائل الإعلام على اختلاف أنواعها.

المرحلة الثانية : استخدام تلك المصطلحات لإنتاج فكرة مقبولة، ولكن الأهم هو العمل على أن تكون تلك الفكرة غير قابلة للزوال مع الزمن، بمعنى طرح تلك الفكرة بأساليب جديدة تراعي حداثة المصطلحات التي يتم استخدامها ضمن أوساط الرأي العام المستهدف.

المرحلة الثالثة : وهي المرحلة الأخيرة، حيث يقوم مركز التفكير بتحديد معاني تلك الأفكار والعمل على إخراجها النهائي بطريقة قادرة على تغيير الصورة الذهنية للطرف المستهدف.

كتطبيق عملي للسياسة السابقة يمكن طرح المثال الآتي :

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية “FDD” التي تنشط لصالح اللوبي “الإسرائيلي” في الولايات المتحدة، تعمل – على سبيل المثال – على فكرة أساسية واحدة وهي إظهار “إسرائيل كدولة” ديمقراطية ليبرالية وفق النموذج الغربي، وفي نفس الوقت العمل على تشويه سمعة المنظمات والحركات المعادية لها في الولايات المتحدة، وهنا وجد الباحثون في تلك المؤسسة أن إطلاق صفة “المعاداة للسامية” على حركة ال BDS الفاعلة والمناصرة للقضية الفلسطينية في أمريكا، قد أصبح مطروقاً ومستهلكاً بالنسبة للرأي العام الأمريكي بمعنى أنه قد فقد جاذبيته، وعلى ضوء ذلك لابدَّ من صناعة فكرة تستخدم المصطلحات الجديدة المتداولة في أوساط ذلك الرأي لتصف تلك الحركة ونشاطاتها، وهنا تم العمل على ربط ال BDS بكل من حركتي حماس والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين باعتبارهما منظمتان إرهابيتان وفق التصنيف الأمريكي وأنها تقوم بدعم نشاطاتهما، وبالتالي تم الانتقال إلى مستوى أعلى من الردع ضد تلك الحركة، أي الانتقال من مستوى تشويه السمعة (معاداة السامية)، إلى مستوى أعلى هو الربط مع “المنظمات الإرهابية” تمهيداً ربما في المستقبل لتصنيف ال BDS نفسها كحركة “إرهابية” في الولايات المتحدة وبالتالي حظر نشاطاتها بالكامل وفق القانون الأمريكي. رغم الواقع السابق، يقر”Eric Gallagher” المدير التنفيذي لبرنامج المشروع “الإسرائيلي” في أمريكا بأن مستقبل لجنة الشؤون العامة الأمريكية “الإسرائيلية” (الأيباك) كرأس حربة للوبي “الإسرائيلي” لم يعد مضموناً، كونه أصبح يستند إلى قاعدة متعفنة، وهي ستواجه تحدياً هاماً يتعلق بالقدرة على استمرار الكونغرس الأمريكي بدعم أهدافها ونشاطاتها، وعلى الأغلب أنه يرى تلك النتيجة أيضاً في ضوء التراجع الاستراتيجي “لإسرائيل” على مستوى المنطقة، حيث أصبحت في بعض المفاصل تمثل عبئاً على المصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية ذاتها.