روبرت بلاكوين وتوماس رايت، مجلس العلاقات الخارجية، مايو 2020، الولايات المتحدة

إعداد وترجمة: جلال خَشّيب، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية

يُحاجج الكاتبيْن في هذا التقرير بأنّنا نشهد في الوقت الحالي إنتهاء النظام العالمي الذّي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، وبأنّ جائحة كوفيد-19 تُسّرع هذا المنحى الذّي بدأ منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، لذا، فالعالم متجّهٌ إلى إضطرابٍ ناتجٍ عن الوضع الذّي يُفسح فيه النظام القديم الطريق أمام أنظمةٍ قادمةٍ لا يُمكن التبنؤ بطبيعتها.
ليس الهدف من هذا التقرير التنبؤ بالنتائج بعيدة المدى للأزمة الحالية، بل وضعُ هذه الجائحة في سياقها العالمي، لذا، فهو يُصوّر الوضع الذّي كان عليه العالم قبل أن يضرب فيروس كورونا ويفرض آثاره الحالية على النظام، الكيفية التّي يتآكل بها النظام العالمي، ثمّ يقترح ما يجب على الولايات المتحدة القيام به.

يَستهِّل الكاتبين التقرير بالمُحاججة بأنّ جائحة كوفيد-19 تُعتبر ثاني إختبارٍ عظيمٍ للنظام الدولي بقيادة الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (بعد إختبار المُنافسة مع الإتحاد السوفياتي)، فلم يكن لأيِّ حدثٍ آخر نفس التأثيرات السلبية المُجتمعية، السياسية والإقتصادية الواسعة على السكان عبر العالم كما كان لهذا الفيروس القاتل منذ 1945.
لإثبات وِجهة نظرهما هذه يُقدّمان هنا مجموعةً من الأرقام الصادمة، فقد تسبّب الفيروس، على سبيل المثال، في إنخفاض النمو العالمي بنسبة 3% وهي النسبة الأشّد ركوداً منذ الكساد الكبير (1929)، كما بلغت خسائره المتراكمة سنة 2020-2021 ما مقداره 9 تريليون دولار، أيْ أكبر من حجم الإقتصاديْن الألماني والياباني مجتمعيْن، وغيرها من الأرقام التّي تعكس الآثار المُدمّرة للجائحة عبر العالم، والتّي من المتوّقع إستمرارها فترةً أطول. لذا، يصف الكاتبيْن هذه اللحظة الحاسمة بلحظة “عدم اليقين الراديكالي الدولي” التّي تكثر فيها التساؤلات الدولية ويصعب التنبؤ فيها بالوضع الجيوبولتيكي الذّي يُقبل عليه العالم. لكن ما هو مؤكّدٌ بالنسبة لهما أنّنا بصدد فترة تحوّلٍ عميقٍ يتنهي فيها النظام العالمي الذّي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة.

يؤكّد الباحثان بأنّ التآكل الحاصل في النظام العالمي الذّي تقوده الولايات المتحدة بدأ منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، وحتّى نفهم عالم اليوم، علينا أن نستوعب ما حدث طيلة هذه الفترة. لقد بدأ الحديث عن هذا التآكل تقريباً منذ أحداث 11/9، ثمّ شاع الحديث بين المحلّلين عن إنتهاء النظام العالمي منذ ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم (2014)، وقدّ عَزّزَ هذا الإتّجاه أحداثٌ متتاليةٌ على غرار إنتشار الدول الفاشلة، أزمة اللاجئين في الشرق الأوسط، البريكسيت، إنتخاب ترامب (المُعادي لكافّة مظاهر العولمة الليبرالية)، وإنسحاب الولايات المتحدة من القيادة العالمية، لقد كانت الغابة (الفوضى) تنمو من جديد” على حدّ تعبير روبرت كاغان.

وقبل التفصيل في ملامح هذه “الغابة”، يشير الكاتبان إلى ضرورة التمييز بين مصطلحيْ النظام الدولي والنظام العالمي، وذلك إعتماداً على طروحات هينري كيسنجر، مؤكّدان بأنّ المَعنِي بحديثِ الإنهيار هو النظام العالمي، فبينما يُشير النظام الدولي عادةً إلى نظامٍ يقوده بلدٌ مُحدّد، يُشار إليه غالباً بكونه إمبراطورية، ولا يتّم إحتضانه بالضرورة من طرف كلّ القوى الكبرى، وهو الحالة السائدة في التاريخ، فإنّ النظام العالمي حالةٌ ناذرةٌ في التاريخ، إنّه يعكس حالة التفاهم المشترك بين القوى الكبرى للحدّ الأدنى من إحتمالات المواجهة الخطيرة، لا ينتج عن الرغبة في السعي لتحقيق السلام أو العدالة، ولكن ينتج عن شرعيةٍ مقبولةٍ بشكلٍ عام، أيْ وجود إتفاقيّةٍ دوليةٍ حول طبيعة الترتيبات العملية وحول الأساليب والأهداف المسموح بها في السياسة الخارجية، كما يعكس ذلك عدم شعور أيّ دولةٍ بالإستياء الشديد من هذا الإطار المتشكّل، مثلما حدث مع ألمانيا بعد معاهدة فرساي وعبّرت عنه في شكل سياسةٍ خارجيةٍ ثورية. يُوضّح الكاتبان عبر إستقرائهما للتاريخ أنّ نظاماً عالمياً كهذا لم يكن مُتاحاً سوى بعد الحرب الباردة (1990-2000)، حينما “صارت القيود والمُفاهمات بين القوى الكبرى رسميةً ومُمأسسة” على حدّ تعبير جون آيكينبري. لذا، فالمَعنِي بحديثِ النهاية هنا بالضبط هو النظام العالمي الليبرالي الذّي قادته الولايات المتحدة ما بعد الحرب الباردة.

يُرجع الكاتبان عوامل هذا الإنتهاء إلى تطوّريْن أساسيين حدثا طيلة العقد الماضي: أولاًّ، سلسلة القرارات المُتّخذّة من قِبل القوى الكبرى التّي تقضي بالإبتعاد عن الفهم المشترك للحدود والتطبيقات التّي سادت في التسعينيات، على سبيل المثال: التراجع عن الحَوْكَمَة الليبرالية والإتجاه نحو نماذج حكمٍ دكتاتوريةٍ شمولية (روسيا، الصين، الهند، تركيا، البرازيل، المجر..)، إنتهاك المؤسّسات والمعايير الدولية كما فعلت روسيا في جورجيا (2008)، والقرم (2014) وسوريا (2015)، أو كما تفعل الصين على نحوٍ عدوانيٍ منذ عقدٍ مضى في بحر الصين الجنوبي، إلى جانب تحرّكاتها خارج إطار مؤسّسات النظام الإقتصادي الدولي كالبنك الدولي وإنشائها لمؤسّساتٍ إقليميةٍ ودوليةٍ موازيةٍ على غرار البنك الآسيوي للإستثمار في البنية التحتية (AIIB) ومبادرة الحزام والطريق (BRI). تَصَاحَبَ كلّ ذلك مع إنتخاب ترامب الذّي يسحب الولايات المتحدة تدريجياً من القيادة العالمية بمُعاداته لكافة أشكال العولمة الليبرالية، وكلّها إنحرافاتٌ رئيسيةٌ عن التفاهمات المشتركة المُرساة سنة 1990 تفتح الطريق أمام عودة تنافس القوى العظمى وتآكل النظام العالمي الليبرالي. ثانيا، التحوّلات العميقة في الشؤون العالمية، أيْ التحوّلات التقنية، الإقتصادية والبيئية التّي تثير قضايا لم يتّم تناولها من قِبل النظام العالمي ما بعد الحرب الباردة، وهنا يُحاجج التقرير بأنّنا نعيش حقّاً عصراً مختلفاً تماماً بسبب إنتشار تقنيات الذكاء الإصطناعي، العلوم البيولوجية، الإنترنت، وسائل التواصل الإجتماعي وكلّها تحوّلاتٌ تتحدّى الهياكل التقليدية لمجتمعاتنا منذ أواخر القرن 19.
يؤكّد الكاتبان بأنّ كلّ ملامح هذه التغيّرات والآثار التّي أعقبتها كانت موجودةٌ قبل جائحة كوفيد-19، ولم تقم الجائحة إلاّ بتسريع وتيرة هذه التغيّرات. لذلك، فالعالم يبتعد الآن عن معيار النظام العالمي الذّي تعمل في إطاره الدول ضمن نفس المجموعة من القيود وتتطلّع إلى تلبية نفسِ مجموعةِ القواعد تجاه نموذجٍ تختار فيه العديد من البلدان مساراتها الخاصّة للنظام، من دون العودة كثيراً إلى وجهاتِ نظر الآخرين، كما يرى الباحثان بأنّ زوال النظام العالمي لا يصل إلى الحدّ الذّي تسعى فيه القوى الكبرى غير الراضية إلى قلب النظام القديم على نحوٍ مباشر، وبأنّ الوضع الذّي نعيشه شبيه بتواجد عالمٍ قديمٍ وآخر جديدٍ في أكوانٍ متوازية، فكلاهما يعملان معاً جن

Print Friendly, PDF & Email
اضغط على الصورة