اعتبر المختص في تاريخ الاقتصاد، محمد الصالح بوقشور، أن الإرث التاريخي الإنساني يساعد الجزائر وتركيا في إقامة علاقات اقتصادية استراتيجية طويلة الأمد.

وأفاد البروفيسور بوقشور في رده على سؤال لـ”الخبر” حول العلاقات بين إسطنبول والجزائر ووتيرة تطويرها، أن الأمر يستدعي فهم العلاقات بين الأمم والعودة للتاريخ، والعلاقة بين الجزائر وتركيا تستند إلى البعد التاريخي خلال العصر الحديث، وتحديدا إلى سنة 1512، حينما استنجد أهالي بجاية بالإخوة بربروس من أجل مساعدتهم على تحرير المدينة من الاحتلال الإسباني.

ويضيف الأستاذ بوقشور أنه منذ ذلك التاريخ، إلى غاية 1830، ربطت علاقة استراتيجيه وأمنية البلدين والتي هدفت إلى حماية السواحل المغاربية من الخطر الإسباني ومن خطر الحملات العسكرية الأوروبية والأمريكية التي استمرت خلال هذه الحقبة. فقد جمع الهاجس الأمني، خلال ثلاثة قرون، البلدين وجعلهما يرتبطان ارتباطا استراتيجيا وثيقا تمخض عنه نشأة علاقات متعددة بين البلدين، الدولة العثمانية وإيالة الجزائر، تمكنا خلالها من بسط السيطرة سويا على البحر المتوسط خلال مرحلة من المراحل، بعدها جاءت مرحلة الضعف وأصبحت الجزائر مستعمرة فرنسية وانحسرت الإمبراطورية العثمانية شيئا فشيئا في حدود الدولة القومية لتركيا الحالية.

خلال فترة الاحتلال الفرنسي، يقول محدثنا إنه “لم تنقطع العلاقة بين بعض الشخصيات التاريخية وبعض المناطق في الإيالة العثمانية السابقة، ولكن ما لبثت أن انكمشت أكثر”.

وبالعودة إلى العلاقة التركية الجزائرية خلال مرحلة الثورة، قال الباحث إنه “يجب علينا أن نفرق بين الموقف الرسمي للدولة التركية بصفتها عضوا مؤسسا لحلف الأطلسي والموقف الشعبي”. فالدولة التركية، حسبه، “لم تتخذ أي موقف مساند للثورة الجزائرية كونها ملتزمة قانونا بالتحالف مع بقية أعضاء الحلف التي من بينها فرنسا”.

ورغم ذلك يضيف البروفيسور “فقد قدمت العديد من الشخصيات الرسمية والهيئات مساعدات للثورة الجزائرية أهمها رئيس الوزراء التركي حينها عدنان مندريس الذي أرسل السلاح للثورة الجزائرية عبر ليبيا سنة 1957، وكذا أرسلان تركش، مؤسس الحركة القومية التركية، الذي أرسل العديد من قطع السلاح عبر ليبيا كذلك. أما على الصعيد الشعبي فقد كتب العديد من الصحفيين والكتاب في الصحف التركية حول الثورة الجزائرية إضافة إلى العلماء ورجال الصوفية. لهذا فالثورة الجزائرية، يواصل ذات المصدر: “كانت حاضرة بقوة في الوجدان التركي. ويجب الإشارة إلى أن رئيس الوزراء التركي سليمان ديميريل حينما زار الجزائر سنة 1984، قدم اعتذارا رسميا على الموقف التركي الرسمي من الثورة الجزائرية”.

وعن حاضر العلاقة الجزائرية التركية، فهي، كما يؤكد ذات الباحث “ليست جديدة وليست فجائية بل هي عودة للوضع الطبيعي الذي يجب أن تكون عليه”.

وفي تعليقه على تصريح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون الذي دعا فيه إلى تكامل اقتصادي مع إسطنبول، اعتبر الأستاذ بوقشور أنه”.. تصريح واقعي، فتركيا تدرك حجم الجزائر في القارة الإفريقية، كما أن لتركيا أيضا علاقات متجذرة في القارة الإفريقية، خاصة في جزئها الشرقي، وبحكم طبيعة علاقة كل منهما، أي الجزائر وتركيا، مع مختلف البلدان الإفريقية، فإنه من مصلحة البلدين التعاون فيما بينهما”.

وعن إمكانية تحقيق تكامل اقتصادي حقيقي بين إسطنبول والجزائر في ظل المنافسة الشرسة مع الصين وفرنسا، يفصح الباحث في تاريخ الاقتصاد أن هذا المجال مبني على المصلحة، ولكن هناك عوامل مساعدة في بناء علاقات اقتصادية متينة بالنسبة للجزائر وتركيا، عاملا التاريخ والدين قد يساهمان في تقوية العلاقات الاقتصادية، إضافة إلى التركيبة النفسية للإنسان التركي الذي ينظر إلى الجزائري نظرة متساوية، على عكس نظرة القوى الاستعمارية القديمة التي تنظر للآخر بنظرة الاستعلاء، “لا ننسى نقطة مهمة جدا للتعاون بين البلدين”، يضيف محدثنا وهي: “الصورة البطولية للإنسان الجزائري في المخيال التركي، والذي أثبتها خلال فترة التواجد العثماني في الجزائر، على عكس بعض شعوب بلدان المشرق العربي، التي ينظر إليها التركي أنها خذلته من خلال تحالفها مع المستعمر الأوروبي”.

هذا الإرث التاريخي الإنساني يساعد البلدين، حسب بوقشور “في إقامة علاقات اقتصادية استراتيجية طويلة الأمد.. اليوم يوجد في الجزائر جالية تركية تزيد عن 20.000 شخص، وعدد الشركات الاقتصادية يزيد عن 300 شركة معظمها في قطاع البناء”.

وعن مقومات الشراكة الاقتصادية يبرز محدثنا: “إن تركيا في حاجة للسوق الجزائرية في مجال الطاقة، خاصة أنها تريد أن تنوع مموليها خشية تداعيات الأزمات العالمية على مصادر الطاقة، وتسعى أيضا إلى ربح هامش كبير في السوق الجزائرية لتصدير منتوجاتها الصناعية التي أصبحت ذات جودة عالية. وفي مجال البناء تعتبر الشركات التركية العاملة في الجزائر من أهم الشركات الأجنبية الأكثر نشاطا في الجزائر. حاليا رقم المبادلات التجارية بين البلدين يصل إلى 5 ملايير دولار، وهناك مسعى من جانب الطرفين لمضاعفة هذا الرقم في السنوات القليلة المقبلة”.

ويشدد الباحث بوقشور محمد على أن الجزائر بتوجهها الجديد نحو إعادة الاعتبار للصناعة المحلية، بإمكانها الاعتماد على التجربة التركية بخصوص المؤسسات الصناعية الناشئة، ونظرا لطبيعة العلاقات التاريخية بين البلدين، بإمكان الجزائر أن تستقطب الصناعيين الأتراك لإنشاء مصانع بالجزائر.

وبخصوص منافسة فرنسا والصين، يقول الأستاذ بوقشور إن “لكل واحدة منهما خصوصية مع الجزائر، فرنسا قوة استعمارية سابقة وهي تفقد شيئا فشيئا هيمنتها على الجزائر وإفريقيا، لأن نخبتها السياسية لم تحيّن تفكيرها وفق المعطيات الحالية لإفريقيا، أما الصين استطاعت خلال العقود الأخيرة من السيطرة على الأسواق الإفريقية من خلال سياساتها القائمة على الاستثمارات في مختلف القطاعات”.