تحضر الحكومة لإعادة بلورة وصياغة مشروع قانون الاستثمار بغية تصحيح النقائص والاختلالات المسجلة، مع التأكيد على وضع أسس عدد من المبادئ التي تكرس حرية الاستثمار وجاذبية المناخ والمحيط وتوفير البيئة الملائمة مع تكريس مبدأ النزاهة والإنصاف والشفافية، فضلا عن تكريس المساواة بين المستثمرين الوطنيين والأجانب.

واعتبرت الحكومة في صياغة مشروع قانون الاستثمار أن اعتماد إطار تشريعي وتنظيمي جديد للاستثمار في الجزائر هو جزء من هدف معالجة أوجه القصور الملحوظة ويهدف في النهاية إلى إنشاء بيئة مستقرة يمكن التنبؤ بها، في ظل  النزاهة أو الإنصاف والشفافية من أجل تسهيل عملية الاستثمار وتشجيع الاستثمار الإنتاجي، لاسيما جذب واستقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر.

وتم التوضيح أيضا أن الإصلاح المبتغى يأتي في ظل الحصيلة المحتشمة للاستثمارات المحققة أو المنجزة في ظل القانون النافذ أو الساري، وذلك على الرغم من أهمية النفقات الضريبية والجبائية التي سخرتها الدولة من خلال إعفاءات متعددة ذات طبيعة مالية وضريبية وجمركية، ومن ثم فإن المشروع الجديد يهدف إلى ضمان توفير الظروف الصحيحة والمواتية للاستثمار والتي تظهر كإحدى الأولويات الرئيسية في التزامات رئيس الجمهورية.

وفي هذا الصدد، يشدد معدو المشروع على ضرورة أن تضمن السلطات العمومية مناخا سليما وبيئة من الثقة للمستثمرين تحميهم من القرارات الإدارية التعسفية أو التغييرات المتكررة في السياسات، مع الحفاظ على ترسانة قانونية كافية ومستقرة للسماح باعتماد السياسات العامة ذات الصلة.

وعلى هذا الأساس، يوضح معدو المشروع أن النهج المتبع لتنفيذ هذا الإصلاح يقوم على ثلاثة مبادئ توجيهية للعمل العام، بداية باستخلاص دروس الماضي، حيث اتسمت السنوات العشرون الماضية بتكاثر وتفاوت الأحكام المؤثرة على تشجيع الاستثمار، لاسيما تلك التي اتخذت بموجب قوانين التمويل المختلفة، ما جعل الإطار العام للاستثمار أكثر تعقيدا في كل مرة دون ضمان استقراره، بالإضافة إلى وجود مجموعة واسعة من القوانين القطاعية والموضوعية التي تؤثر بشكل مباشر على مناخ الاستثمار.

وأشار معدو المشروع أيضا إلى أن الأحكام التي تؤثر على تشجيع الاستثمار، على وجه الخصوص تلك التي اتخذت بموجب قوانين المالية المختلفة، في كل مرة تصنع المزيد من التعقيد في الإطار العام للاستثمار دون ضمان استقراره، بالإضافة إلى ذلك يسجل وجود مجموعة واسعة من القوانين القطاعية والموضوعية التي تؤثر أيضا وبشكل مباشر على مناخ الاستثمار.

ومن هذا المنطلق تم التشديد على وجوب تجنب أنصاف الإجراءات والحلول غير الصائبة على المدى القصير، التي يتم فرضها لتتداخل دون داع.

ضمانات ضد التغييرات المتكررة للإطار القانوني

في سياق متصل، تم التشديد على ضرورة وضع ضمانات ضد التغييرات المتكررة في الإطار القانوني وإصدار نصوص جديدة دون نضج، وفي النهاية لا تجعل مبادرة النصوص تتحمل المسؤولية الوحيدة للمؤسسة الحكومية المسؤولة عن سياسة الاستثمار وإقرار نظام بيئي مؤسسي كامل ومتماسك من خلال تولي جميع المهام المطلوبة لترقية الاستثمار بطريقة مهنية ومسؤولة وفوق كل ذلك واضحة ومفهومة من قبل المستثمرين، فضلا عن تكريس التشاور والحوار بين جميع الأطراف أصحاب المصلحة والجهات الفاعلة الاجتماعية والاقتصادية من حيث، على وجه الخصوص، تقييم السياسات والإجراءات العامة، فضلا عن جعل الجزائر منافسا رئيسيا من حيث الجاذبية.

بالمقابل، تمت الدعوة من خلال المشروع إلى اعتماد مناخ أعمال يتميز بتبسيط كبير للإجراءات الإدارية، مع وجوب أن يكون قانون الاستثمار قادرا على إرسال إشارات قوية إلى المستثمرين، مع الإشارة إلى تنافس العديد من الدول على جذب واستقطاب الاستثمار، خاصة تلك ذات القيمة الاقتصادية والتكنولوجية المضافة العالية، مع الحرص على ألا تبقى بلادنا على هامش هذه المنافسة ووجوب أن تشرع في إحداث إصلاح شامل للمؤسسات التي تحكم الاستثمارات واعتماد تدابير تحفيزية قوية، مع إقرار سلسلة من التغييرات التي تؤثر بشكل مباشر على مناخ الأعمال وتتميز بتبسيط كبير للإجراءات الإدارية، فضلا عن تحديد إطار قانوني مستدام وفعال.

وقد تمت صياغة مشروع قانون الاستثمار الجديد بطريقة تسمح بمتابعة القضايا الاستراتيجية التي تحملها والتي تتجلى في تعزيز ثقة المستثمرين في الإطار التشريعي والتنظيمي، من خلال ضمان استدامته خلال السنوات القليلة القادمة والإشراف على تعديله الدوري والإجراءات القانونية لمراجعته أو تعديله من أجل تقليل المخاطر التي ينظر إليها كعامل تأثير على استقرار إطار معالجة الاستثمار، فضلا عن إعادة هيكلة النظام البيئي المؤسسي المسؤول عن إنفاذ قواعد الاستثمار ومنحه الصلاحيات والقدرات اللازمة لترجمة هذه الإصلاحات التنظيمية إلى تدابير ملموسة لتحسين مناخ الأعمال.

تحويل وكالة “أندي” إلى “الوكالة الجزائرية لتشجيع الاستثمار”

على صعيد متصل، أشار معدو القانون إلى أنه تحقيقا للغاية من المرتقب إنشاء في إطار وكالة “أندي” أو الوكالة الوطنية لتطوير الاستثمار، التي ستحمل تسمية جديدة هي “الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار”، من أجل أن تكون أكثر ظهورا على المستوى الدولي، على أساس شباك وحيد مخصص للاستثمارات الرئيسية والاستثمارات الأجنبية المباشرة، بالإضافة إلى اعتماد شبابيك وحيدة جهوية للاستثمار، هي المسؤولة عن جميع الإجراءات اللازمة لتحقيق المشاريع الاستثمارية.

وينص مشروع القانون الجديد على إنشاء لجنة قطاعية مشتركة للاستثمار، ستتركز صلاحياتها على تنفيذ إستراتيجية وسياسات دعم الاستثمار. على وجه الخصوص، سوف تسترجع اللجنة مهام المجلس الوطني للاستثمار المنصوص عليها في الأحكام السابقة المتعلقة بتطوير وتشجيع الاستثمار. ويحدد من بين مهام الوكالة الترويج واستقطاب الاستثمار بالتنسيق مع الإدارات والمنظمات المعنية، كما تقوم برفع تقارير دورية في هذا المجال إلى لجنة الاستثمار المشتركة بين القطاعات ويمكنها إنشاء مكاتب تمثيلية في الخارج.

وستكون هذه اللجنة مسؤولة بشكل خاص عن تقييم سياسة الدولة في مجال الاستثمار وإبداء الرأي، لاسيما بشأن أهلية الاستثمارات الهيكلية ومشاريع الشراكة الاستراتيجية والمزايا المنصوص عليها في هذا القانون والتي ستعرض على مجلس وزاري مشترك للمصادقة عليها، فضلا عن إبداء الرأي في طلبات إدخال الشريك الأجنبي في رأس مال شركة تأسست بموجب القانون الجزائري وتعمل في قطاع استراتيجي، في أو كجزء من بيع الأسهم أو أسهم الشركة المنفذة لصالح أشخاص طبيعيين أو الكيانات القانونية الأجنبية. ويتم عرض الآراء الفنية الصادرة عن اللجنة لاعتمادها من قبل المجلس الوزاري، بناء على اتصال من الوزير المسؤول عن الاستثمار.

وشدد معدو المشروع على أنه “يكرس بقوة إرادة الدولة الجزائرية في بناء اقتصاد تنافسي ومتنوع، من خلال تنمية الاستثمارات التي تنشئ القيمة المضافة والوظائف، من خلال ضمان اتساق الآليات ذات الصلة ومن خلال اقتراح هيكل وهندسة لنظام الحوافز أو التحفيزات المنظمة، التي يتم إقرارها من الآن فصاعدا وفقا لما تقدمه الاستثمارات من فوائد ومزايا للاقتصاد الوطني وتأثيرها على تنمية القطاعات والأقاليم”.

مزايا مختلفة للمستثمرين

تم، من خلال مشروع القانون، اقتراح عدد من المزايا والضمانات على غرار عدم إمكانية الاستحواذ على المشاريع الاستثمارية بطرق إدارية أو القيام بنزع الملكية وفقا للمادة 6 إلا في إطار القانون وبتعويض عادل، باستثناء تنفيذ قرارات وأحكام قضائية، كما يستفيد الاستثمار بصيغة المساهمة في رأس المال وبصورة نقدية وعن طريق القنوات البنكية وبعملة قابلة للتحويل ومعترف بها من بنك الجزائر، من ضمان تحويل رأس المال المستثمر والدخل الذي يُنشئه.

بالمقابل، يتم عرض النزاعات القائمة بين المستثمر الأجنبي والدولة الجزائرية أمام القضاء الجزائري باستثناء الاتفاقيات الثنائية أو متعددة الأطراف، أو في حالة الاتفاق مع المستثمر بوضع بند في التحكيم يسمح بالاتفاق على حل وسط.

في السياق نفسه، يتم توفير حوافز وتشجيعات أو تحفيزات كبيرة، ضريبية وشبه ضريبية، وفقا لنظام تعديل، بدءا من نظام الحوافز الأساسي العام إلى غاية أنظمة هيكلة الاستثمارات وتلك التي يتم إجراؤها في ولايات الجنوب والجنوب الكبير والتي تتمتع بمزايا قصوى.

ونصت المادة 7 على أنه قد تخضع السلع والخدمات التي يشملها الاستثمار المسجل والتي استفادت من المزايا المنصوص عليها في أحكام هذا القانون إلى التحويل أو التنازل الكلي بناء على تفويض صادر عن مركز إدارة وتسيير المزايا المشار إليه في المادة 16، الذي تم إنشاؤه على أساس التزام المشتري بتحمل جميع الالتزامات التي تثقل كاهل المستثمر الأولي، ما يجعل من الممكن الاستفادة من المزايا المذكورة. وللاستفادة من الامتيازات التي يضمنها القانون، يتعين على المتعامل تسجيل الاستثمار لدى الوكالة قبل إنجازه، ويكون للوكالة مدة أقصاها 30 يوما لإصدار شهادة تسجيل الاستثمار أو الإخطار بالرفض، ابتداء من تاريخ إيداع طلب إعداد محضر الدخول حيز التشغيل أو الاستغلال.

ومن جملة المزايا التي يمكن أن يستفيد منها المستثمر في مرحلة إنجاز المشروع الإعفاء من الرسوم الجمركية للسلع المستوردة والدخول مباشرة في تجسيد الاستثمار والدفع المؤجل لضريبة القيمة المضافة للسلع والخدمات المستوردة أو المكتسبة محليا والتي تدخل مباشرة في تجسيد الاستثمار، إلى جانب الإعفاء من رسوم التحويل والشهر العقاري، ضريبة تسجيل الأراضي لجميع عمليات الاستحواذ على العقارات التي تتم في إطار الاستثمار المعني، الحقوق المفروضة على الأعمال التأسيسية للشركات، ضريبة الأملاك على العقارات التي تدخل في إطار الاستثمار من تاريخ التملك وتخفيض بنسبة 90 بالمائة على مبلغ الإيجار السنوي الذي تحدده المصلحة العقارية خلال فترة الاستثمار. 

أما في مرحلة الاستغلال فيستفيد لمدة ثلاث سنوات استنادا الى تقرير صادر عن رئيس مركز إدارة الامتيازات من الإعفاء من ضريبة دخل الشركات والإعفاء من الضريبة على النشاط المهني، إلى جانب تخفيض بنسبة 50 بالمائة على مبلغ الإيجار السنوي الذي تحدده المصلحة العقارية. وتستفيد الاستثمارات في مناطق الجنوب من امتيازات لمدة 15 سنة وتصل إلى 20 سنة بالنسبة للجنوب الكبير.

وشددت المادة 39 من المشروع على عدم القيام بتعديل القانون الجديد إلا من خلال قوانين خاصة بتشجيع الاستثمار وبتقرير من الوزير المختص بترقية الاستثمار، مع القيام بتقييم دوري كل أربع سنوات بغرض تعديل القانون مع التغييرات المسجلة أو تحسين شروط تنفيذه دون المس بالحقوق المكتسبة من طرف المستثمر ولا فرض أي أثر رجعي من أي نوع على الحقوق المكتسبة ولا الامتثال أو مطابقة الاستثمارات التي تم إجراؤها أو تجسيدها أو قيد الإنجاز بتكييفها مع متطلبات أي تعديلات لاحقة تم إجراؤها.