من مطار الكويت إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وعلى متن الطائرة التي كانت تخترق الأجواء بسرعتها القصوى، كان وزير الخارجية رمطان لعمامرة ومساعده المبعوث الخاص بالمغرب العربي وقضية الصحراء الغربية، السفير عمار بلاني، يتبادلان آخر المستجدات والتوقعات ويضعان اللمسات الأخيرة على السيناريوهات المحتملة لنتائج الاجتماعات السنوية للاتحاد الإفريقي وكتابة فصل جديد في ملاحم الدبلوماسية الجزائرية.

في وثيقة المهمة الموكلة إلى لعمامرة من طرف الرئيس عبد المجيد تبون، ترؤس وفد الجزائر في أشغال الدورة العادية 40 للمجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي الذي يضم وزراء خارجية الدول الأعضاء يومي 2 و3 فيفري الماضي، بجدول أعمال يناقش سبل مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي تفرضها الأوضاع الراهنة في القارة، إلى جانب تداعيات جائحة كورونا على الوضع الاقتصادي والصحي فيها، إضافة إلى دراسة التقارير المتعلقة بنشاطات مختلف الآليات واللجان الفرعية للمجلس التنفيذي وكذا تجديد عضوية عدد من الهياكل الرئيسية.

كما عكفت الدورة على التحضير لقمة رؤساء الدول والحكومات الإفريقية في دورتها العادية 35 التي جرت أشغالها يومي 5 و6 فيفري وفيها بند يحظى باهتمام ومتابعة الأعضاء والعالم، فضل بيان وزارة الخارجية الإشارة إليها بعبارة “مواصلة الجهود التي تبذلها بلادنا بهدف الحفاظ على وحدة المنظمة القارية والنأي بها عن محاولات إضعافها وتقسيمها”.

وعلى مدى الساعات الأربع التي استغرقتها الرحلة بين الكويت وأديس أبابا، كان أعضاء الوفد الجزائري يتجاذبون أطراف الحديث عن “الأجواء” في مقر الاتحاد الإفريقي، والأخبار الواردة من هناك كانت تفيد بتحركات إسرائيلية ومغربية لحشد التأييد لقرار المفوض الإفريقي موسى فقي، وكيفية التعامل معها ومع أي مفاجآت غير سارة قد تحدث وكذا الرد المناسب، خاصة أن زيارة الكويت كانت “فأل خير” على لعمامرة وفريقه، وهي الزيارة التي استقبلت القيادة في الجزائر صداها بتقدير وامتنان كبيرين، أعبقته تصريحات نائب أمير دولة الكويت وولي العهد، الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، ووزير الخارجية الشيخ أحمد ناصر المحمد الصباح، الداعمة بشكل مطلق للدور الجزائري العربي والإقليمي. وفي إقامة السفير الجزائري بأديس بابا، وهي منزل تتخذه الوفود الجزائرية التي تشارك في المؤتمرات والاجتماعات التي تستضيفها أديس أبابا، لقربه من مبنى الاتحاد الإفريقي وهياكله، استسلم لعمامرة ومساعدوه إلى سويعات من الراحة قبل خوض معركة شرسة ضد محاولات تمكين الكيان الصهيوني من الجلوس على مقعد المراقب في الاتحاد، في مناخ من الشكوك الكبيرة ومخاوف من انقلاب الطاولة في اللحظات الأخيرة، خاصة في ظل إصرار المفوض التشادي، موسى فقي، على الدفاع حتى الرمق الأخير عن قراره المثير المرفوض جزائريا.

وعلى مدى الأيام الثلاثة الأولى استغرق الوفد الجزائري في اللقاءات الثنائية والتحرك في الكواليس من أجل حشد الدعم ضد مساعي إسرائيل اختراق المنظمة، مدعومة دعما لافتا للنظر من المغرب الممثل بوزيره للخارجية، ناصر بوريطة، وحليفه رئيس المفوضية موسى فقي. وقبل ذلك، كانت الحكومة الإسرائيلية قد أوفدت وفدا هاما إلى إثيوبيا من أجل التحضير لما كانت تعتبره مهمة سهلة ونتيجة محسومة وإعلان انتصار لم يتحقق ولن يتحقق.

تسلح الوفد الجزائري بالهدوء، وبين لقاء وآخر كانت دائرة التأييد لموقف الجزائر تتسع ومعه يزيد التفاؤل.. رغم مخاوف من حدوث مفاجآت غير سارة. فأغلب وفود الدول العربية أعلنت انحيازها للجزائر ولو “بالصمت”، ما عدا المغرب الذي لم يفوت فرصة إلا وحاول بها محو ما يمكن أن يشكل دعما للمسعى الجزائري الذي ينم عن مبدأ مناهضة الاستعمار ودعم الشعوب المضطهدة في العالم وبخاصة في إفريقيا.

وما كان يبرر القلق لدى الوفد الجزائري هو ارتباط 44 دولة إفريقية من مجموع 55 بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل، بما فيها بلد المقر إثيوبيا. فكيف سيكون التعامل مع هذه الدول لو أخطأ الوفد الجزائري في حساباته، خاصة أن كل المؤشرات قبل آخر جلسة لقمة الاتحاد تفيد بأن التوصل إلى قرار يسقط قرار المفوض موسى فقي يعد ضربا من المستحيل؟!

ولأنها مسلحة بمبادئ لا تزال أغلب الشعوب الإفريقية تحسب لها الحساب، فإن أهم الدول الإفريقية سارت خلف الجزائر بل وصارت تتبنى طرحها مخافة تعرض المنظمة الإفريقية إلى التمزق وبالتالي الانهيار، خاصة بعدما أبان خطاب وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، عن “بهتان” تفطن له الفريق الدبلوماسي الجزائري وفضحه في حينه أمام المشاركين في القمة، عندما قال إن “تواجد إسرائيل في الاتحاد الإفريقي (بمنحه صفة عضو مراقب) سيساهم في حل الصراع بين الفلسطينيين وإسرائيل”، وهو ما أشعل غضب رئيس الوفد الفلسطيني ورئيس الوزراء، محمد اشتية، الذي أخذ الكلمة ودعا الوفود الإفريقية إلى رفض هذه الأطروحات وعدم السماح للكيان الإسرائيلي بتبوئ هذه المكانة في قارة عاشت مرارة الاستعمار وعانت من ويلات الاحتلال والاستعباد على مدى عقود طويلة.

ومما أقلق الوفد الجزائري وداعميه إصرار المفوض موسى فقي على التسويق لصواب قراره الداعم لدخول الكيان الإسرائيلي الاتحاد، معتبرا ذلك من صميم صلاحياته، في حين كانت الجزائر ترى ومعها الدول المحورية في الاتحاد ومنها جنوب إفريقيا وزيمبابوي وناميبيا وغيرها.. أنه لم يحدث من قبل أن بادر مسؤول بالاتحاد إلى فرض رأيه دون موافقة الأعضاء أو حتى مجرد استشارتهم وإطلاعهم على فحوى مبادراته، فضلا عن أن منصبه ومهامه لا تسوغ له فرض خياره الشخصي على الدول.

مسألة أخرى مهمة، لم ينجح موسى فقي والمغرب ومعهما من خلف الكواليس الوفد الإسرائيلي، الذي كان يجلس خارج قاعة الاجتماعات يترقب رفع الجلسة باعتماد قرار الانضمام، في فرض خطته في تحييد الجزائر وداعميها وفسح الطريق أمام فرض مبادرته.. وهو طرح المبادرة للتصويت في الجلسة العلنية، وهو ما لم تقبله الجزائر ونجحت في إقناع أغلبية الوفود بصواب رؤيتها، وهو ما لم يتمكن موسى فقي من ابتلاعه وبدت على وجهه علامات الانهيار وخروجه من المعركة خاسرا.

ومن أجل إعادة الاعتبار إلى هياكل الاتحاد وهيبته، انسحبت الوفود إلى خارج القاعة واستغرقت في التفكير في حل يمحو ما كان سيكون نكسة للمنظمة وبداية زوالها بفعل الاختراق المبرمج من طرف الكيان الإسرائيلي.. ليتم بعد ذلك الاهتداء إلى إنشاء لجنة رئاسية لا يوجد فيها موسى فقي، باعتباره أصبح عامل تمزيق وتقسيم للاتحاد، تكون مكونة من ستة رؤساء، ثلاثة من الدول الرافضة لانضمام الكيان إلى الاتحاد وهم الرئيس عبد المجيد تبون عن الجزائر وسيريل رامافوزا عن جنوب إفريقيا ومحمد بوخاري عن نيجيريا، وثلاثة من المؤيدين وهم رئيس جمهورية الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسكيدي ورئيس الكامرون بول بيا وبول كاغامي رئيس رواندا، إضافة إلى رئيس الاتحاد الحالي السينغالي، ماكي سال، الذي تنتظره استحقاقات انتخابية مصيرية في بلاده في المستقبل المنظور.

قرار مشؤوم

في جويلية 2021 أعلنت الجزائر رفضها قرار منح إسرائيل صفة عضو مراقب بالاتحاد الإفريقي دون مشاورات مع الدول الأعضاء، وهو ما أدى فيما بعد إلى انقسام في الاتحاد الإفريقي.

وبدأت الأزمة عندما وافق موسى فقي، رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، على منح إسرائيل صفة مراقب في المنظمة، ما أعطى الكيان الإسرائيلي انتصارا (مؤقتا سيتحول بعد ستة أشهر إلى هزيمة نكراء) كان يسعى وراءه منذ 20 سنة.

وسرعان ما اعترضت الدول الأعضاء القوية في الاتحاد الإفريقي، لاسيما جنوب إفريقيا والجزائر اللتين قالتا محتجتين إنه لم يتم التشاور معهما بشكل صحيح وإن هذه الخطوة تتعارض مع العديد من بيانات الاتحاد الإفريقي، بما في ذلك تصريحات فقي نفسه الداعمة للأراضي الفلسطينية. وخلال اجتماع في أكتوبر 2021، فشل وزراء الخارجية في حل القضية، فأدرجتها الجزائر وجنوب إفريقيا على جدول أعمال قمة رؤساء الدول التي انطلقت السبت الماضي.

وتعتبر هذه الأزمة الأولى بعد 20 سنة من تأسيس الاتحاد الإفريقي في ليبيا، وكادت أن تؤدي إلى انقسام خطير في التكتل الإفريقي بسبب إصرار المغرب، غير المفهوم، على إعطاء الكيان الإسرائيلي مكانة مراقب، وهو الذي يدّعي دفاعه عن القضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والاستقلال!

وسبق للاتحاد أن منح صفة مراقب لـ72 دولة وتكتلا ومنظمة إقليمية، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي وبرنامج الأمم المتحدة المشترك المعني بفيروس نقص المناعة المكتسبة “السيدا”.

كما سبق أن حصل الكيان الإسرائيلي سابقا على صفة مراقب في منظمة الوحدة الإفريقية، لكنه فقدها عندما تم حل الهيئة التي استبدلت بالاتحاد الإفريقي في 2002، واتهم الكيان القائد الليبي الراحل، العقيد معمر القذافي، الذي كان له نفوذ كبير في الاتحاد الإفريقي إلى غاية الإطاحة به وقتله في 2011.

استراحة المحاربين

وما إن أعلن رئيس الجلسة عن رفعها حتى تحلق رؤساء الوفود حول الوفد الجزائري يهنئونه وحلفاءه على هذا الموقف الذي يشرف “شرفاء” القارة الإفريقية ويعطي درسا قاسيا لمن سعى إلى تمزيقها مرة أخرى وإغراقها في مستنقع التقسيم والفرقة التي تفتح الباب أمام عودة الاستعمار الجديد عبر بوابة الاستثمار في الخلافات من داخل البيت الإفريقي، بما يعيد الجميع إلى نقطة الصفر ويحبط كفاح الشعوب الرافضة للهيمنة الغربية التي حولت القارة إلى ساحة للتنافس على نهب الثروات وتشجيع الانقلابات ضد القيادات الوطنية المناهضة للقوى الاستعمارية وجماعات الضغط التي تعمل تحت مظلتها.

وبعد أن وضعت المعركة أوزارها، انسحب الوفد الجزائري إلى إقامة السفير لجمع أغراضه والاستعداد لرحلة العودة، حيث كانت تنتظرهم مهمة أخرى لا تقل أهمية عما فات، وهي مواصلة التحضيرات للقمة العربية المرتقبة في أول نوفمبر المقبل، التي تعول عليها الجزائر لتكون موعدا مميزا يعيد ترتيب أولويات العمل العربي المشترك ويضع القضية الفلسطينية على رأسها، في مناسبة غالية على الجزائريين والعرب قاطبة.. فلم تكن الثورة الجزائرية معزولة، بل كانت ثورة جميع العرب الذين هبوا لدعمها والتضامن معها من أول أيامها، وهو ما يفسر الترحيب الذي لقيه وزير الخارجية في العواصم التي زارها ممثلا للرئيس عبد المجيد تبون الذي أعلن في مناسبات عديدة إصرار الجزائر على جمع الشمل العربي وتوحيد صفوفه وتجاوز الخلافات والتوجه نحو استعادة الدور العربي في الدفاع عن قضايا الأمة العربية وتحقيق التضامن العربي تماما كما تم مع الثورة الجزائرية.

لقد كانت رحلة العودة إلى الديار سريعة ولم يشعر بتعبها أعضاء الوفد الذي استسلم لنوم عميق أنساهم تعب أربعة أيام متوالية لن تنسى وستبقى لسنوات عديدة في الذاكرة الجماعية للجزائريين.

ضغط إعلامي

لم يكن تحقيق هذا الإنجاز الجزائري الكبير سهلا مثلما قد يتصور الملاحظون لولا مكانة الدبلوماسية الجزائرية وتأثير صوتها المسموع في أرجاء القارة وخارجها، وهو ما يفسره حجم الاهتمام الإعلامي العربي والعالمي، قبل وأثناء وبعد انعقاد القمة، بالمسعى الجزائري، وهو ما شكل ضغطا كبيرا على الوفد الجزائري الذي لم يكن يضع في حسبانه العودة إلى الجزائر فارغ اليدين.

معركة مستمرة

لن تنتهي المعركة هنا.. بل إنها ستستمر وستزيد ضراوة مستقبلا.. وهو ما برزت بوادره من خلال تكثيف المغرب حملاته ضد الجزائر محاولا التغطية على الهزيمة الدبلوماسية النكراء، من خلال تحويل الأنظار بالترويج لأكاذيب وأخبار مغلوطة وتشويه الحقائق عبر منصات التواصل الاجتماعي وتصوير الواقع في الجزائر بتوصيفات خارجة عن المعقول.

وسيواصل المغرب وحلفاؤه في المنطقة السعي الحثيث للنيل من جيرانه ومناهضي سياساته التوسعية في الساحل وفي ليبيا وتونس، في انتظار موعد فبراير 2023 والقمة الإفريقية المقبلة، لإعادة الكرة مرة أخرى وتعويض، إن استطاع، خسارته المدوية إفريقيا ودوليا في لعب دور المحامي لفائدة الكيان الإسرائيلي الذي يقاسمه الخسارة والفشل الدبلوماسي الذريع بعدما كانا يراهنان على سراب.