نجاح عبدالله سليمان

إن “محصلة نضالكم الباسل ليست قابلة للمساومة ولا للالتفاف حولها، وسلاحكم هو الشوارع التي لا تخون.. فلنتواجد في الشوارع الآن حتى نقطع الطريق أمام أي حلول جزئية أو زائفة، كما نحثكم على عدم الالتفات لأي شائعات، وعدم اعتماد أي أخبار أو نداءات لا تأتي عبر منصات قوى إعلان الحرية والتغيير والتي لا تقبل بديلاً عن تنحي النظام كاملاً وتسليم السلطة لحكومة انتقالية مدنية تعبر عن ثورتكم الباسلة”. هكذا بدا على البيان الصادر عن قوى إعلان الحرية والتغيير التي تضم تجمع المهنيين السودانيين وقوى الإجماع الوطني وقوى نداء السودان والتجمع الاتحادي المعارض، تأكيداً على مطلبها بـ«مدنية المرحلة المقبلة».

على العكس وكعادة العرب، ومنذ رحيل المحتل، حضر بينهم السودان ليشهد تبادل السياسيين والعسكر السلطة والانقلابات، وإن تبعهم الـ”زنازين” أيضاً، بينما بقي المواطن العربي والسوداني متفرجاً على مشهد يستثمر فيه غالباً “الجنرال” أحلام السلطة المطلقة ويتاجر فيه “السياسي” بالشعارات المؤدلجة، وليس للشعوب نصيب سوى مقعد في الشارع!. كـ”الأيتامٌ على مأدبة اللئام”، كذلك فهو السودان الذي يملك تاريخاً عريقاً في النضال ضد المستعمر وضد الحكام الفاسدين، والذي يستحق بلا شك طبقة سياسية من شعبه الطيب. هنا جاءت البداية مع الدعوات العالمية ومنها بريطانيا للمجلس العسكري السوداني، نحو سرعة تشكيل حكومة مدنية انتقالية من خلال عملية شفافة وذات مصداقية وشاملة.

هكذا تبدأ القصة عند عموم العرب، إن “انحياز القوات المسلحة للشعب يأتي استجابة لرغباته في التغيير وتجسيداً لتطلعات كل فئاته نحو حياة أفضل، ولا يُعد انقلاباً عسكرياً أو طمعاً في سلطة، وأن المجلس حظي بتأييد شعبي عريض، مع التزامه بوعده للشعب بتسليم السلطة”. وهكذا صرح مبعوث مجلس السودان العسكري لأديس أبابا. وإن جاءت مطالبة تجمع المهنيين السودانيين المعارض “نريد حل المجلس العسكري واستبداله بمجلس مدني يضم ممثلين عن الجيش. وضرورة حل حزب المؤتمر الوطني الحاكم سابقاً، ومحاسبة كل رموزه. وإقالة النائب العام وهيكلة مؤسسات الدولة. مع مواصلة الاعتصام في محيط القيادة حتى تحقيق مطالب الشارع”.

نعم دور الجيش يجب أن يتناقص بمرور الوقت. وحيث تأتي دراسة البعض لأفكار تنادي بـ”فترتين انتقاليتين”، تستمر الأولى لمدة “ستة أشهر”، والثانية لـ”سنة ونصف”. ويبقى المجلس الانتقالي العسكري في الفترة الأولى هو صاحب السيادة ويناط به عدد من المهام تفضي إلى تهدئة الأوضاع في الشارع، ويُسَلِّم في الفترة الثانية زمام الأمور لمجلس رئاسي يكون له تمثيل عسكري داخلها.

رغم ذلك فالواقع أن السودان به ثلاثة رؤساء في أيام، فقد تولى البرهان رئاسة المجلس العسكري الحاكم بعد أن تنازل عوض بن عوف، الذي أطاح بالبشير، بعد ثلاثة عقود في السلطة إثر احتجاجات حاشدة ضد ارتفاع أسعار الغذاء وارتفاع معدل البطالة وقمع الحريات. وبعد أن اجتاحت البلاد أزمة اقتصادية متنامية منذ انفصال الجزء الجنوبي الغني بالنفط في عام 2011، وإعلان قيام دولة جنوب السودان، وشهدت البلاد اضطرابات ومظاهرات على مدار أربعة أشهر، احتجاجاً على تردي الأوضاع الاقتصادية وزيادة نسبة التضخم.

الاتحاد الأفريقي حضر سريعاً بإمكانية تعليق عضوية السودان، إذا لم يسلم مجلسه العسكري السلطة للمدنيين في غضون 15 يوماً. فمجلس السلم والأمن الأفريقي في بيانه، أنه “إذا لم يسلم المجلس العسكري الذي عزل الرئيس عمر البشير السلطة للمدنيين ضمن المهلة المحددة، فسيعلق الاتحاد الأفريقي مشاركة السودان في كافة أنشطته إلى حين عودة النظام الدستوري، فقيادة الجيش للمرحلة الانتقالية تتناقض تماماً مع تطلعات الشعب السوداني”.

في الوسط فإن ما تكشفه شبكة “سي أن إن” الأميركية عن اللقاء الأخير بين البشير وقادة الأجهزة الأمنية، يدل على ما وصفه تجمّع المهنيين بأنه انقلاب على الانقلاب رضخ له البشير بقوله “على بركة الله” إذ لم يعد أمامه خيار آخر تحت ضغط تصاعد الاحتجاجات الشعبية من جهة وضغط قياداته العسكرية والأمنية، وربما أيضاً بعض السفارات الغربية والخليجية من جهة أخرى. فالمتغيرات في السودان لا تقتصر على انتظار ردود الفعل من المتظاهرين والقوى السياسية وتجمع المهنيين والتحالفات الأخرى، إنما تتعدى ذلك إلى انتظار بروز التباينات الكبيرة بين كل من صغار الضباط وقيادات الجيش العسكرية وقيادة المخابرات والأمن.

ففي مسعاه للحصول على تأييد داخلي واعتراف دولي، يمضي المجلس العسكري بإصدار قرارات تمس مجالات حيوية داخل البلاد. ويوفد شخصيات إلى الخارج في مسعى لتوضيح خلفيات تحركاته، خطوات قوبلت في الخرطوم وباقي الولايات بإعلان تجمع المهنيين وباقي قوى إعلان الحرية والتغيير التمسك بالاعتصام والتظاهر حتى رحيل هذا المجلس، كذلك ما شددت به العديد من العواصم العالمية على ضرورة تسريع نقل السلطة إلى حكومة مدنية تقود البلاد عبر المرحلة الانتقالية.

الحقيقة أن البشير قالها بعد أن رضخ لضغوط القادة العسكريين الذين فرضوا التغيير في محاولة للخروج من الأزمة السودانية، لكن هؤلاء القادة وربما لضيق الوقت أو قلة الحيلة والخيارات بحثوا عن نسخة من تجربة “سوار الذهب”، وكل ما فعلوه هو تبديل الأسماء، لكن الشعب السوداني وهو أكثر الشعوب العربية خبرة ونضالاً في الثورات الشعبية قد لا يلدغ من جحر مرتين!، فشراء الوقت وتمرير الأزمة ليس خياراً هذه المرة، والسودانيون يريدون تغييراً حقيقياً يحقق آمالاً وطموحات مشروعة طال الصبر عليها.

فهل حقاً المجلس العسكري سيكون ملتزم بوعده بتسليم السلطة للشعب؟. هل هناك جهوداً تبذل لاختيار رئيس وزراء تمهيداً لتشكيل حكومة مدنية؟. هل الجيش لن يقوم بفض الاعتصامات بالقوة في محيط وزارته؟. هل سيتم التفكيك الكامل لـ”الدولة العميقة” التي خلفها البشير؟. هل سيتم محاكمة قادة النظام السابق؟. عليه سنظل في فلك ضيق، ما هي فرص تجاوب هذا المجلس العسكري مع مطالب المعارضة؟، وما أهمية المواقف والضغوط الدولية في الدفع نحو تشكيل حكومة مدنية؟، وما هي الصيغ المرجحة للحوار والحل؟.

نعم قد يستمر السودان بين ضغوط المدنيين في مواجهة العسكريين. وتأكيداً لهذا التوجّه، فقد استبقت المعارضة، بيان الجيش بتجديد تأكيدها مطالب المجتمعين حول الإدارة المدنية، قائلةً في رسالة للشعب “مطالب ثورتكم الباسلة هي تنحي البشير ونظامه، وتسليم السلطة لحكومة مدنية انتقالية تعبر عن مكونات الثورة وتنفذ بنود إعلان الحرية والتغيير كاملة غير منقوصة.. نطالبكم في هذه اللحظات المفصلية من تاريخنا بالاحتشاد في ميدان الاعتصام أمام مباني القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة بالعاصمة والخروج إلى الشوارع في مدن البلاد وقراها، مستعصمين بها حتى تنفيذ مطالب إعلان الحرية والتغيير كاملة”. فإلى أين يمضي السودان. عليه نظل نحتاج لإجابة.. هل يستمر السودان بين ضغط “مدني” وحضور “عسكري”؟.

 

Print Friendly, PDF & Email
اضغط على الصورة