مع انتهاء حقبة المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل” بعد 16 عاماً من الحكم استطاعت خلالها تعزيز مكانة ونفوذ بلادها إقليمياً ودولياً؛ تبدو مهمة الائتلاف الثلاثي الحاكم، المكون من أحزاب “الاشتراكي الديمقراطي” و”الخضر” و”الديمقراطي الحر الليبرالي”، صعبة لتحقيق نوع من التوافق في السياسات الخارجية لبرلين، خلال السنوات المقبلة؛ فالائتلاف الثلاثي الجديد الذي يطلق عليه ائتلاف “إشارة المرور”، نسبةً إلى ألوان الأحزاب الثلاث، قد التف حول برنامج توافقي يهتم بتعزيز الهجرة الشرعية إلى البلاد، ويعتمد على التقشف المالي لمواجهة تداعيات تفشي جائحة “كورونا”، بيد أنه لا يوجد اتفاق تام بين الأحزاب الثلاثة على قضايا السياسة الخارجية الألمانية؛ فحزب الخضر يولي أهمية لقضايا المناخ والديمقراطية، والحزب الديمقراطي الاشتراكي يفضل العمل بإطار الدبلوماسية الجماعية من خلال الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو ومجموعة السبع التي تتولى ألمانيا رئاستها عام 2022، بينما يرغب حزب الديمقراطيين الأحرار الليبرالي في أن تتصدر قضايا الرقمنة والاقتصاد الحر أجندة العمل الألماني.

سياسات متوقعة

وفي هذا الإطار، يمكن استشراف أبرز ملامح السياسة الخارجية لألمانيا تحت حكم الائتلاف الثلاثي الحاكم في برلين؛ وذلك على النحو الآتي:

1- اعتماد الدبلوماسية الجماعية في السياسة الخارجية: أكدت برلين أنها ستعتمد على ثوابت الدبلوماسية الألمانية الممثلة في تعميق العمل الجماعي من خلال شراكتها في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، والتحالف عبر الأطلسي مع الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة، والمؤسسات والهياكل الدولية الأخرى، مثل منظمة الأمن والتعاون في أوروبا ومجموعة السبعة ومجموعة العشرين؛ بغية إرساء السلام والأمن ودعم الديمقراطية ودولة القانون وحقوق الإنسان لبناء نظام دولي عادل ومحكم، وتنمية عادلة مستدامة. وكذلك ستدفع ألمانيا باتجاه الحفاظ على علاقات متميزة مع بريطانيا حتى بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي. بيد أن “بيربوك” زعيمة الخضر ووزيرة الخارجية الألمانية، ربما تتخذ مواقف متشددة تجاه الدول الساعية إلى الانضمام للاتحاد، مثل المجر وبولندا؛ لأنها لا تلتزم بالمعايير الأوروبية التي دعت “بيربوك” إلى تطبيقها، كسيادة القانون وحقوق الإنسان “لمنع انهيار أسس أوروبا”.

2- استمرار تحالف برلين–باريس على الصعيد الأوروبي: ثمة عرف في الدبلوماسية الأوروبية أن تكون أول زيارة للمستشار الألماني إلى باريس والعكس. وقد قام “شولتز” بالفعل بزيارة فرنسا، وأكد استمرار التحالف الفرنسي الألماني لتعميق العمل بالاتحاد الأوروبي، كما قامت وزيرة الخارجية الألمانية الجديدة “أنالينا بيربوك”، يوم 9 ديسمبر 2021، بأول زيارة خارجية لها إلى باريس، وأكدت أن “أهم مصلحة لبرلين هي أوروبا القوية”، وجددت دعم بلادها لفرنسا خلال رئاستها المقبلة للاتحاد الأوروبي، وهو ما يتوافق مع توجهات الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” في دعم دور الاتحاد الأوروبي داخلياً وخارجياً؛ لذا من المتوقع أن تدعم برلين إنشاء قوة أوروبية مستقلة، وصوغ سياسة خارجية ودفاعية أوروبية موحدة، كما ستسعى برلين من خلال تعاونها مع باريس إلى حل الأزمات المرتقبة بأوروبا، ومنها أزمة البوسنة والهرسك، وتصاعد اليمين الأوروبي.

3- تواصل تنسيق المواقف الألمانية مع واشنطن: تُعتبر واشنطن هي الحليف الأكثر صلابةً لألمانيا خارج أوروبا. وقد قامت وزيرة الخارجية الألمانية “بيربوك” بأول زيارة لها إلى واشنطن، في 5 يناير 2022، وأكدت استمرار التحالف عبر الأطلسي بين الطرفين. وهذا لا ينفي وجود خلافات بين الجانبين حول التعامل المستقبلي مع بكين وموسكو وحلف “الناتو”؛ حيث تدعو واشنطن دول الناتو إلى زيادة الإنفاق الدفاعي لمواجهة التهديدات الأمنية الروسية، بيد أن برلين وافقت على المساهمة بنسبة 2% من دخلها الإجمالي في موازنة الناتو، وترفض أي زيادة جديدة، وهو ما تنتقده واشنطن التي ترغب في دعم برلين لها في تنافسها الاقتصادي مع الصين، وهو الأمر الذي ربما يضر بالمصالح الاستراتيجية الألمانية؛ حيث رفضت برلين مقاطعة الألعاب الأولمبية الشتوية المقبلة في الصين اقتداءً بواشنطن.

4- تعامل ألماني حذر مع روسيا: وعدت “بيربوك” باعتماد سياسة أشد صرامةً تجاه موسكو، مع تصاعد أزمة الحشود العسكرية المُتبادلَة بين واشنطن وموسكو في أوكرانيا وموقف الناتو منها. وحذرت برلين موسكو، في 18 ديسمبر 2021، بوقف استيراد الغاز الروسي عبر خط (نورد ستريم 2)، إذا شنت روسيا هجوماً على أوكرانيا، وهو أطول خط أنابيب؛ إذ يبلغ طوله 1200 كم ويمر تحت مياه بحر البلطيق من روسيا إلى شمال شرق ألمانيا. وإذا تم ذلك فإنه سيؤدي إلى خسائر اقتصادية جمة لموسكو؛ هذا فضلاً عن انتقاد تراجع الحريات وحقوق الإنسان بروسيا، والمخاوف الألمانية من تداعيات تصاعد النفوذ الروسي بشرق أوروبا وشمالها وبوسط آسيا على مصالحها السياسية والاقتصادية؛ لذا ليس من المتوقع حدوث تقارب روسي ألماني خلال فترة حكم الائتلاف الثلاثي، بل ربما تشهد العلاقات بينهما أزمات حادة إذا قررت برلين وقف العمل بخط الغاز “نورد ستريم 2”.

5- تشدد متوقع في العلاقات الألمانية مع الصين: تسود العلاقات الألمانية الصينية حالة من “انعدام الثقة”؛ حيث تتخوف برلين من تداعيات التغلغل الاقتصادي الصيني وسعي بكين إلى السيطرة على التقنيات الصناعية الألمانية المتطورة؛ حيث استحوذت شركة “ميديا” الصينية لصناعة الأجهزة الكهربائية في 2016 على شركة “كوكا”، وهي أكبر شركة لصناعة الروبوتات بألمانيا؛ ما دفع برلين إلى التشدد بشأن الاستثمار الخارجي؛ لمنع الاستحواذ الأجنبي على الأصول الاستراتيجية. وأعلنت “بيربوك” عن أنها ستتخذ مواقف متشددة بشأن قضايا حقوق الإنسان والديمقراطية والمناخ بالصين؛ ما ينذر بحدوث أزمات دبلوماسية بين الدولتين. بيد أن برلين لن تسمح بأزمة طويلة مع بكين؛ للحفاظ على حجم التبادل التجاري بينهما، الذي يبلغ نحو 200 مليار يورو سنوياً، كما أن لبرلين مصلحة حيوية في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية للنفظ والتجارة من شرق آسيا إلى أوروبا عبر الصين؛ هذا فضلاً عن الخلافات الدولية بينهما؛ حيث تدعم بكين موسكو في مواجهاتها ضد “الناتو”. وقد نشبت أزمة سياسية بين الجانبين إثر تعهد “بيربوك”، في 18 ديسمبر 2021، بوضع حقوق الإنسان في قلب الدبلوماسية الألمانية، وانتقدت معاملة الصين للأقليات من الأويجور وسكان مقاطعة التبت ومواطني هونج كونج، وألمحت إلى فرض قيود على الاستيراد من الصين للضغط عليها لوضع حلول لـ”انتهاكات حقوق الإنسان الصينية”؛ ما دفع سفارة بكين في برلين إلى التحفظ على تصريحات السياسيين الألمان دون ذكر اسم الوزيرة صراحةً.

6- فتور ألماني متوقع في العلاقات مع تركيا: من المتوقع أن يستمر التوتر في العلاقات الألمانية التركية خلال عـام 2022، إثر اتساع فجوة الخلافات بينهما؛ حيث وصفت “بيربوك” “أردوغان”، في سبتمبر 2021، بأنه “فاعل مناهض للديمقراطية أصبح الأوروبيون ألعوبة بيده”، كما يدعو حزب الخضر إلى إنهاء اتفاق اللاجئين مع أنقرة. وتنتقد برلين التنقيب التركي غير المشروع عن الغاز الطبيعي بسواحل متنازع عليها مع قبرص واليونان شرق المتوسط، والوجود العسكري التركي بليبيا وسوريا. كما ستتصاعد، خلال حكم الائتلاف، انتقادات برلين لتراجع مستويات الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير وتهميش المعارضة في تركيا، بدعوة من حزبي “الديمقراطي الاجتماعي” و”الخضر” اللذين يضمان أعضاءً من أصول تركية، فضلاً عن انتقاد برلين رفض أنقرة الإفراج عن عدد من المعتقلين الألمان المزدوجي الجنسية، رغم انتهاء مدة عقوباتهم؛ ما أدى إلى صدور قرار الاتحاد الأوروبي بتجميد مفاوضات انضمام تركيا إليه، وهو ما انتقدته الأخيرة. وفي السياق نفسه، تتحفظ برلين على تصاعد النفوذ التركي بمنطقتي البلقان والقوقاز، وخطاب “أردوغان” الشعبوي للجاليات التركية في ألمانيا. ورغم هذه الخلافات، فإن “شولتز” سيحافظ على الحد الأدنى من التعاون مع أنقرة لتحقيق المصالح المشتركة بينهما، ومنها استمرار “اتفاق الهجرة” الموقع بين أنقرة والاتحاد الأوروبي برعاية ألمانية، عام 2016، الذي بموجبه تمنع أنقرة تدفق اللاجئين إلى الاتحاد مقابل مساعدات مالية، كما أن الدولتين عضوان بحلف الناتو، وسيتم التنسيق بينهما في إطار جماعي لمواجهة التهديدات الأمنية المستمرة؛ هذا فضلاً عن رغبة أنقرة وبرلين في الحفاظ على العلاقات الاقتصادية المتطورة بينهما. وبناءً عليه، ستلجأ برلين إلى الضغط سياسياً على تركيا لإعادة استقطابها مرة أخرى نحو مبادئ المعسكر الغربي التي يؤمن بها الائتلاف الألماني الحاكم.

7- انخراط أمني متزايد بالشرق الأوسط: تتلخص أولويات برلين في منطقة الشرق الأوسط في 3 قضايا رئيسية؛ هي: منع انتشار الأسلحة النووية، وإرساء الاستقرار لمنع تدفق اللاجئين إلى أوروبا، ودعم مكافحة الإرهاب والتطرف. وقد انخرطت ألمانيا خلال عهد “ميركل” على نحو فاعل في تلك القضايا؛ حيث انضمت إلى محادثات (5+1) لمعالجة الملف النووي الإيراني، وقدمت مساعدات لمكافحة الإرهاب والتنمية الاقتصادية، واستضافت عدة مؤتمرات؛ منها برلين (1، 2) لدعم الحل السلمي بليبيا، وأعلنت دعمها الحل السلمي في سوريا. ومن المتوقع أن يستمر هذا الانخراط، وربما تكثف برلين اهتمامها بقضايا الديمقراطية وأوضاع حقوق الإنسان بدول المنطقة بضغط من حزب “الخضر”، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى أزمات دبلوماسية مع تلك الدول التي سترفض أي تدخلات ألمانية في شأنها الداخلي. وفيما يخص القضية الفلسطينية فالحكومة الجديدة تتبنى مقولة “ميركل”: “أمن إسرائيل مصلحة وطنية لألمانيا”. ويعتزم “شولتز” العمل من أجل حل الدولتين في الشرق الأوسط؛ أي إقامة دولة فلسطينية مستقلة، مقابل وقف التوسع الاستيطاني الإسرائيلي.

8- تفعيل مبادرة الشراكة الألمانية مع إفريقيا: من المتوقع أن يستكمل الائتلاف الثلاثي الحاكم في ألمانيا بقيادة “شولتز”، تفعيل “المبادرة الألمانية للشراكة مع إفريقيا”؛ وذلك للاستفادة من الفرص الاستثمارية الواعدة بالقارة السمراء، مع دعوة الدول الإفريقية إلى تطبيق “الاقتصاد الأخضر” والاهتمام بقضايا المناخ. وكانت المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل قد أطلقت المبادرة عام 2017، خلال رئاستها قمة العشرين، بغية تشجيع التنمية الاقتصادية المستدامة، وتشجيع الاستثمار، وزيادة استخدام الطاقة المتجددة. وقد انضم إليها 11 دولة إفريقية، وتم تأسيس صندوق بقيمة مليار يورو لتسهيل استثمارات الشركات الأوروبية الصغيرة والمتوسطة في إفريقيا لمدة عشر سنوات مقبلة.

9- تصدر قضايا المناخ أجندة سياسة برلين الخارجية: يضع الائتلاف الحاكم في برلين قضايا المناخ أولوية للسياسة الخارجية الألمانية، ويسعى إلى أن تتصدر تلك القضايا أجندة العمل الدولي؛ حيث أعلن “شولتز” تطبيق “الحياد المناخي” بألمانيا عام 2045، وهو ما يقضي بأن تعتمد ألمانيا على مصادر الطاقة النظيفة تماماً، بينما يعارض حزب الخضر ذلك التوقيت البعيد، ويرغب في تطبيقه اعتباراً من عام 2030. وتعتزم ألمانيا إغلاق ما يقرب من نصف مفاعلاتها النووية قبل نهاية عام 2022؛ ما سيضع المزيد من الضغط على الشبكات الأوروبية التي تتعامل بالفعل مع واحدة من أسوأ أزمات الطاقة في تاريخ المنطقة خلال العام الحالي. وسيطرح الائتلاف تطوير سياسة مناخية خارجية شاملة على المستويات الوطنية والأوروبية والدولية. ويشمل ذلك تعزيز شراكات جديدة للمناخ الأخضر، ومراجعة شاملة للسياسات التجارية والاقتصادية والإنمائية والأمنية من خلال مراعاة البعد البيئي والمناخي. وإذا نفذ الائتلاف هذا فإنه سيتعرض لعدد من الأزمات مع الدول الرافضة لخفض الانبعاثات الحرارية داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه، كالصين وروسيا.

تغليب المصلحة

وختاماً، يمكن القول إنه على الرغم من تصدر عدد من القضايا التي تبدو ذات طابع خلافي بين مكونات الائتلاف الثلاثي الحاكم في ألمانيا، وخاصةً فيما يتعلق بالملفات الخارجية؛ فإن من المتوقع أن تستمر السياسة الخارجية الألمانية على نهجها البراجماتي المعتاد، من دون أن تشهد تغييرات هيكلية جذرية خلال حكم الائتلاف الثلاثي، تبتعد عما كان متبعاً خلال حقبة المستشارة أنجيلا ميركل، على مدار 16 عاماً قضتها في الحكم. ومن ثم فإنه من المرجح أن يعتمد خلَفها “شولتز” وحكومته الثلاثية الائتلاف على نهج براجماتي متوازن يجمع بين تحقيق المصالح القومية والاقتصادية الألمانية من جهة، وبين التوجهات الخارجية للأحزاب الثلاث المكوِّنة للائتلاف من جهة أخرى.