هل تحل تفاعلات الاندماج النووي أزمات الوقود الأمريكية؟

تمكن العلماء بمختبر “لورانس ليفرمور الوطني” التابع لوزارة الطاقة الأمريكية من تحقيق اختراق علمي كبير في مجال الاندماج النووي، بمعنى دمج نواتين ذريتين خفيفتين من نظائر الهيدروجين لتكوين نواة ذرية واحدة تولد كميات هائلة من الطاقة تبلغ 4 أضعاف تلك التي تنجم عن تفاعلات الانشطار النووي، وهو الأمر الذي لاقى استحسان الإدارة الأمريكية، وقد وصفته بأنه إنجاز بارز وعلامة فارقة في مستقبل الطاقة النظيفة، وهو ما يرجع إلى قدرة ذلك الاندماج النووي على تحقيق ثورة في إنتاج الطاقة مستقبلاً بالنظر إلى كمية الطاقة الناجمة عنه؛ ما يثير التساؤل عن دوره في حل أزمات الطاقة العالمية مستقبلاً.

أبعاد الاختراق

تبرز أهمية التجربة والاختراق العلمي الذي حققه مختبر “لورانس ليفرمور الوطني” في مجال الاندماج النووي بالنظر إلى جملة من النقاط يمكن الوقوف عليها على النحو التالي:

1- السعي لإنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري: يحاول العلماء الأمريكيون محاكاة الاندماج الذي يمد الشمس بالطاقة اللازمة لها لتوليد طاقة نظيفة قد تسفر مستقبلاً عن الحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري، وهو الأمر الذي تتزايد أهميته بالنظر إلى موقف الإدارة الأمريكية الراهنة منه؛ ففي الوقت الذي يناهض فيه الرئيس “جو بايدن” استهلاك الوقود الأحفوري وحفر المزيد من آبار النفط في الولايات المتحدة، تصاعدت الدعوات بزيادة الاستثمارات في مجال التنقيب بالأراضي الأمريكية بهدف تعزيز إنتاج النفط، وتطوير قدرات التكرير لتلبية الاحتياجات الوطنية، وبخاصة في ظل الارتفاعات القياسية لأسعار البنزين في أعقاب الحرب الروسية–الأوكرانية، وهو ما دفع الإدارة الأمريكية إلى السحب من الاحتياطي الاستراتيجي للحد من تلك الارتفاعات، ولا سيما بعد إخفاقها في الضغط على بعض الدول النفطية لزيادة إنتاجها من النفط.

2- تحقيق اختراق علمي بعد طول أمد البحوث: يحاول العلماء الاستفادة من قوة الاندماج النووي منذ أكثر من 70 عاماً؛ إذ تُعد منشأة الإشعال الوطنية الأمريكية، التي يستخدمها الباحثون في مختبر “لورانس ليفرمور الوطني”، المرفق التجريبي الرئيس لمشروعات برنامج الأسلحة النووية التابع لوزارة الطاقة الأمريكية، وهي المنشأة التي يتمثل هدفها الأساسي في دراسة الانفجارات النووية الحرارية المولدة للطاقة، وكانت تأمل تحقيق ظاهرة الإشعال بحلول عام 2012، وقد تعددت الانتقادات الموجهة لها بسبب طول أمد تجاربها العلمية من ناحية، وتزايُد الأموال المخصصة لها من ناحية ثانية.

وعلى الرغم من تزايد الشكوك في إمكانية تحقيق أي انجاز علمي، تمكنت تلك المنشأة من ابتكار جهاز ليزر عالي الطاقة في العام الماضي، وهو الجهاز الذي لعب دوراً في إنتاج درجات حرارة لا تتولد إلا في النجوم والأسلحة النووية الحرارية عبر سلسلة من تفاعلات الاندماج المتتابعة، وهو ما يعني أن الجهود البحثية في مجال الاندماج النووي، وإن بدأت منذ خمسينيات القرن العشرين، فإن هذه هي المرة الأولى التي تُنتِج فيها تلك التفاعلات قدراً من الطاقة يفوق تلك التي تستهلكها.

3- إمكانية الحصول على مصدر لا نهائي للطاقة النظيفة: تُشكل مخرجات التجربة خطوة هائلة للتوصل إلى مصدر لا نهائي من الطاقة النظيفة، وهو الأمر الذي تتزايد أهميته بالنظر إلى تعدد التحديات التي تواجه شبكات الكهرباء الأمريكية؛ فقد خلصت وزارة الطاقة الأمريكية إلى تزايد ضعف شبكات الكهرباء لا سيما خلال العقد المقبل، بالنظر إلى عدة معايير منها مدى توافر الموارد وفاعليتها وموثوقية التشغيل؛ ما ينذر بمخاطر تُهدد إمدادات 400 مليون مواطن في 6 أماكن مختلفة، وهو ما يعني أن الولايات المتحدة تواجه – على الرغم من كونها أحد كبار منتجي الطاقة في العالم – مخاطر نقص إمدادات الكهرباء؛ ما يحتم المواءمة بين خطط انتقال الطاقة والسياسات الخضراء من ناحية، وبين الموارد المتاحة لتلبية الطلب من ناحية ثانية.

4- التعويل على الحد من الانبعاثات الكربونية: تبرز خصوصية تجارب الاندماج النووي لقدرتها على إنتاج قدر هائل من الطاقة الآمنة دون إنتاج غازات دفيئة أو نفايات مشعة طويلة الأمد، وتتزايد أهميته بالنظر إلى حجم الانبعاثات الكربونية الأمريكية التي تحتل المرتبة الثانية عالمياً بعد الصين، وهو ما يجعل فاعلية الجهود الدولية الرامية إلى مكافحة التغيرات المناخية عالمياً وثيقة الصلة بخفض الانبعاثات الكربونية من هاتين الدولتين على سبيل التحديد. ومن الجدير بالذكر أنه تاريخياً، أصدرت الولايات المتحدة انبعاثات أكثر من أي دولة أخرى في العالم، وفي عام 2019 فحسب، أصدرت الصين والولايات المتحدة 14.1 مليار طن متري؛ أي أكثر من ربع إجمالي انبعاثات العالم، و5.7 مليار طن؛ أي 11% من إجمالي الانبعاثات العالمية، على الترتيب.

دلالات بارزة

يمكن الوقوف على أبرز دلالات الاختراق العلمي الذي حققته منشأة الإشعال الوطنية الأمريكية في مجال الاندماج النووي بالنظر إلى النقاط التالية:

1- إصرار الولايات المتحدة على مجاراة التطور الصناعي الصيني: في 22 نوفمبر 2022، أعلنت الصين عن اختراق علمي كبير في صورة تصنيع أحد المكونات الرئيسية اللازمة للجيل التالي من الشمس الاصطناعية مع تلبية شروط التصنيع الواسع؛ فقد قدمت الصين أول شمس اصطناعية في العالم بعد أن طرحت مكوناً أساسياً في أكبر مشروع لمفاعل الاندماج النووي عالمياً، وهي الشمس التي يمكنها توليد طاقة مستدامة من خلال محاكاة تفاعل الاندماج النووي تحت إشراف معهد الجنوب الغربي للفيزياء التابع للشركة النووية الوطنية الصينية. وهو ما يعني أن إنتاج الطاقة النظيفة والخالية من الكربون بطريقة مشابهة للشمس عبر تفاعلات الاندماج بات أمراً تنافسياً تكثف فيه مختلف الدول الكبرى والعظمى استثماراتها، إيماناً منها بأنه السبيل لتوليد الطاقة في المستقبل وبخاصة في ظل تعدد أزماتها وتحدياتها في الحاضر.

2- احتدام السباق العلمي الدولي على أبحاث الاندماج النووي: تتعدد بحوث الاندماج النووي في أكثر من 50 دولة حول العالم بحسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن الأمثلة البارزة على ذلك مشروع الحلقة الأوروبية المشتركة “جت” (JET) في المملكة المتحدة، والمشروع الأوروبي الياباني المشترك “جيه تي-60 إس إيه” (JT-60SA) في اليابان، ومشروع “توكاماك” في كوريا الجنوبية. وهناك مشروعات مماثلة في ألمانيا وفرنسا وغيرهما؛ إذ تتسابق دول عديدة لتطوير مفاعلات الاندماج النووي؛ أكثر مصادر الطاقة الصديقة للبيئة. ولا شك أن تحقيق الولايات المتحدة السبق في هذا المجال يعزز صورتها الدولية وقوتها العلمية كونها واحدة من أكثر الدول إنفاقاً على البحث العلمي.

3– إمكانية إحداث قفزات هائلة في أبحاث الأسلحة النووية: على الرغم من صعوبة استخدام مفاعلات الاندماج النووي لإنتاج الأسلحة؛ لأن القنابل الهيدروجينية تتطلب قنبلة انشطارية إضافية لتفجيرها؛ فإن البحث العلمي لا يعرف حدوداً. ومن المتوقع أن توجه مختلف الدول المعنية بتجارب الاندماج النووي، لا سيما النووية منها – وفي مقدمتها الصين – جهودها واستثماراتها مستقبلاً لإيجاد الكمية الكافية من الوقود لإنتاج القوة اللحظية المطلوبة للسلاح النووي، وهو ما يعني تغيرات محتملة في موازين القوى العسكرية من ناحية، وفجوات تكنولوجية وتقنية وعسكرية جديدة تسعى الدول الكبرى إلى تضييقها من خلال البحث العلمي من ناحية ثانية.

4- اعتبار “الاندماج النووي” بمنزلة طاقة المستقبل: إن كمية الوقود الذي يشعل الاندماج النووي بشحنة صغيرة يمكنه توليد قدر من الطاقة، يساوي تلك التي تنجم عن 10 ملايين برميل من النفط؛ إذ يطلق الاندماج النووي ما يقرب من 4 ملايين ضِعْف الطاقة الناتجة عن التفاعلات التي تنجم عن احتراق الفحم أو النفط أو الغاز الطبيعي، وكذلك 4 أضعاف الطاقة الناجمة عن تفاعلات الانشطار النووي، ناهيك عن توافر وقود الاندماج النووي؛ ما يعني إمكانية خفض أسعار الكهرباء العالمية، كما لا يسمح هذا النوع من التفاعلات بوقوع حوادث تسريب نووية، ولا يخلف أي نفايات نووية. ولتلك الأسباب مجتمعة ينظر إلى ذلك النوع من الطاقة على أنه طاقة المستقبل.

خياران أمريكيان

ختاماً، يثير نجاح تجربة الاندماج النووي بمختبر “لورانس ليفرمور الوطني” التساؤل عن سياسات وزارة الطاقة الأمريكية المرتقبة على المدى القصير، لا سيما أنها تجد نفسها أمام خيارين؛ أولهما توجيه الاهتمام صوب أبحاث الأسلحة في منشأة الإشعال الوطنية الأمريكية، وثانيهما تركيز الاهتمام على أبحاث توليد طاقة تفاعلات الاندماج، بيد أن اضطراب أسواق الطاقة الراهن يحتم الاتجاه صوب تطبيقات الطاقة المختلفة وبناء محطات نووية قادرة على استخلاص الحرارة التي تنتج عن تفاعلات الاندماج واستخدامها في توليد كميات كبيرة من الطاقة التي يمكن تحويلها إلى كهرباء قابلة للاستعمال على الرغم من طول المدى الزمني اللازم لتحقيق ذلك على أرض الواقع في الوقت الذي يتسابق فيه العلماء لمكافحة تغير المناخ.

نترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14257

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *