لم يكن في اعتقاد الدول الأوروبية حينما سارعت إلى تقديم الدعم لأوكرانيا في صراعها مع روسيا، أن الحرب التي اندلعت في 24 فبراير 2022 سوف تطول كثيراً، وأن الشكوك ستتعمق معها حول مستقبل الأوضاع الاقتصادية في أوروبا التي لم تكد تتعافى من تداعيات جائحة كوفيد–19؛ إذ ساهمت الحرب الأوكرانية في وصول التضخم إلى مستويات قياسية، وأثارت أزمة غذائية بعد توقف صادرات الحبوب الأوكرانية من جرَّاء الحصار البحري الروسي، وهو الذي صاحبه ارتفاع جامح في أسعار السلع الغذائية والطاقة، حتى باتت الاقتصادات الأوروبية بصدد أزمة اقتصادية قد تمتد، وفق التوقعات، إلى العام المقبل. واللافت هنا أن طول أمد الحرب، وما يستدعيه من تكلفة اقتصادية باهظة للدول الأوروبية، طرح تساؤلات عديدة حول إمكانية استمرار الموقف الأوروبي الموحد تجاه الدعم المكثف لأوكرانيا، وفرض المزيد من الضغوط على روسيا.

مؤشرات الأزمة

ثمة مؤشرات توحي بوجود أزمة اقتصادية حقيقية في الدول الأوروبية، يمكن استعراضها فيما يأتي:

1– انخفاض الناتج المحلي الإجمالي: وفقاً لوكالة بلومبرج، نقلاً عن مسودة مسربة من المكتب التنفيذي للاتحاد الأوروبي في بروكسل، فإن الناتج المحلي الإجمالي لأوروبا الوسطى والشرقية، انخفضت من 98.7% إلى 97.1%، وهو أدنى مستوى له منذ أبريل من العام الماضي؛ ما مثل انخفاضاً ملحوظاً من أعلى مستوى له مؤخراً عند 120% في فبراير الماضي من العام الجاري. ومن المتوقع في ضوء تلك المتغيرات، أن تخفض المفوضية الأوروبية توقعاتها للناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو لعام 2023 من 2.3% إلى 1.4%، كما من المتوقع أن يبلغ معدل التضخم في منطقة العملة الموحدة 7.6% هذا العام قبل أن ينخفض ​​إلى 4% العام المقبل.

2– ارتفاع معدلات التضخم: في ظل الارتفاع المتزايد في الأسعار من جراء الحرب الروسية الأوكرانية، فإن الاتحاد الأوروبي قد رفع توقعات التضخم إلى 8.3% لعام 2022، و4.6% في عام 2023؛ وذلك صعوداً من التوقعات في مايو الماضي ببلوغ معدلات التضخم في 2022 نحو 6.8% و3.2% في عام 2023، فيما ارتفعت توقعات المفوضية الأوروبية أن يصل التضخم في منطقة اليورو من 6.1% إلى 7.6% في عام 2022، ومن 2.7% إلى 4% في عام 2023. وجاءت تلك التوقعات من جانب المفوضية الأوروبية في يوم 14 يوليو الجاري، في توقيت تتفاقم فيه المخاوف بشأن ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية في أوروبا، خاصةً مع إظهار القراءة الأخيرة لمعدل التضخم في شهر يونيو الفائت، معدلاً قياسياً قدره 8.6% في منطقة اليورو. ولعل ذلك التضخم المرتفع في منطقة اليورو المُكوَّنة من 19 دولة، يرجع أساساً إلى ارتفاع تكاليف الغاز الطبيعي، التي تفاقمت بفعل الحرب في أوكرانيا والتصعيد الأوروبي ضد روسيا، الذي قابله مزيد من التعنت الروسي والضغط بورقة الغاز.

3– رفع أسعار الفائدة: نتيجة لارتفاع الأسعار بقدر مبالغ فيه، وبالأخص أسعار السلع الغذائية والطاقة، وتفشي التضخم بدرجة كبيرة؛ فإن البنك المركزي الأوروبي منذ بداية الحرب الروسية على أوكرانيا، يتعرض لضغوط جمة من أجل رفع أسعار الفائدة بغية مكافحة التضخم وحماية اليورو من الاستمرار في التراجع، غير أن رفع أسعار الفائدة وإن كان يستهدف خفض معدلات التضخم، فهو على الجانب الآخر يمثل استراتيجية عالية المخاطر لدى العديد من البلدان؛ فعلى سبيل المثال، ثمة قلق متزايد في المملكة المتحدة من أن تُغرق الزيادات الكبيرة في أسعار الفائدة المقدمة من بنك إنجلترا، الاقتصاد البريطاني في ركود حاد، خاصةً مع تهاوي قيمة الجنيه الإسترليني.

4– انخفاض قيمة اليورو: في سابقة لم تحدث منذ قرابة عشرين عاماً، انخفضت قيمة العملة الرسمية للاتحاد الأوروبي (اليورو) إلى أدنى مستوى لها لتصبح مُعادِلةً للدولار الأمريكي؛ حيث انخفضت العملة الأوروبية الموحدة إلى 0.9952 دولار يوم 14 يوليو الجاري، وهو مستوى لم يشهده الاتحاد الأوروبي منذ نهاية عام 2002. وتتفاقم المخاوف بشأن المزيد من انخفاض قيمة اليورو، خاصةً إذا أدت صدمة أسعار الطاقة التي أحدثها الصراع في أوكرانيا إلى دفع الاتحاد الأوروبي إلى أزمة اقتصادية طويلة الأمد.

5– تذبذب أرباح سوق الأسهم: تشهد أسواق الأسهم الأوروبية تذبذباً واضحاً في الأرباح خلال الفترة الأخيرة؛ حيث تراجعت أسواق الأسهم الأوروبية خلال تعاملات يوم 8 يوليو الجاري، بعد مكاسب حققتها في الجلسة السابقة لها، من جرَّاء الانخفاض في الأسهم القيادية في قطاع التعدين، واستمر ذلك التراجع للأسبوع الذي تلاه؛ إذ انخفضت الأسهم في قطاع التعدين في 14 يوليو الجاري، عقب انخفاض قيمة اليورو بنسبة 3.8%، بينما تراجعت أسهم البنوك بنسبة 3.1%، فيما كان قطاعا السفر والترفيه الرابحَين الوحيدَين بارتفاع 0.5%.

غير أن ذلك التراجع لم يستمر طويلاً؛ إذ عاودت الأسهم الصعود من جديد في يوم 18 يوليو الجاري، على غرار الانتعاش العالمي في سوق الأسهم، على أمل بأن تسير الصين قدماً في خططها التحفيزية في ظل انتشار كوفيد–19، علاوة على تراجع المخاوف بشأن رفع الاحتياطي الأمريكي سعر الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس خلال الشهر الجاري، لكنه أمل يشوبه الكثير من الحذر والترقب كذلك من جانب المستثمرين الأوروبيين.

6– تراجع معدلات النمو الاقتصادي: عمدت المفوضية الأوروبية، في يوم الخميس 14 يوليو الجاري، إلى خفض معظم توقعاتها الاقتصادية للنمو؛ فبعدما كانت تتوقع في مايو الماضي أن يبلغ معدل النمو نسبة 2.7% في العام الجاري، و2.3% في العام المقبل لكل من الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو؛ فإنها تتوقع حالياً أن ينمو الاقتصاد الأوروبي بنسبة 1.5% في العام المقبل، بينما ترجح أن ينمو اقتصاد منطقة اليورو في عام 2022 بنسبة 2.6%، والاقتصاد الأوروبي بنسبة 1.4% في عام 2023.

7– تزايد احتمالات حدوث ركود اقتصادي: تتزايد التوقعات بشأن حدوث انكماش وشيك في الدول الأوروبية؛ إذ من المرجح أن تواجه دول الاتحاد الأوروبي ركوداً كبيراً بعد تراجع انتعاش القارة عقب الوباء، وتراجع أزمة الطاقة الشتوية خلال العام المقبل. يأتي ذلك الاحتمال بنسبة 45%، وفق استطلاع رأي لمحللين اقتصاديين صادر عن بلومبرج في شهر يوليو الجاري؛ وذلك ارتفاعاً من 30% في شهر يونيو الماضي، كما من المرجح أن تكون ألمانيا (الاقتصاد الأكبر في أوروبا)، هي الأكثر عرضةً للانكماش والركود باعتبارها الأكثر اعتماداً من بين الدول الأوروبية على الكرملين في الحصول على الغاز الطبيعي.

ضغوط عديدة

لا تنفصل المؤشرات الاقتصادية السابقة عن مشهد الصراع القائم في أوكرانيا، وديناميات التفاعل الأوروبي مع الصراع؛ فمن المحتمل أن تفرض الحرب وتداعياتها الاقتصادية، وخصوصاً إذا طال أمدها، ضغوط عديدة على الموقف الأوروبي الداعم لكييف، وهو ما قد يدفع الدول الأوروبية إلى إعادة التفكير في نهجها الراهن. وبوجه عام، يرتبط هذا التصور بعدد من الأبعاد الرئيسية المتمثلة فيما يأتي:

1– تصاعد الفوضى السياسية في بعض الدول الأوروبية: تعرضت عدد من الدول الأوروبية لتوترات سياسية نتيجة الأزمة الاقتصادية التي باتت تلقي بظلالها على مواطنيها. وهذه التوترات تنعكس، بطريقة ما، على الدعم الأوروبي لأوكرانيا؛ لأنها من جهة تجعل الحكومات الأوروبية توجه غالبية جهودها للتعامل مع أزمات الداخل. ومن جهة أخرى، فإن هذه التوترات تُفقد كييف بعض الحلفاء السياسيين الرئيسيين في الدول الأوروبية الذين كانوا يتزعمون حملات دعم أوكرانيا على مدار الشهور الماضية؛ ففي بريطانيا على سبيل المثال، استقال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون من رئاسة حزب المحافظين، عقب سلسلة استقالات من أعضاء الحزب، بعد اتهامات عديدة لاحقته بسوء بإدارة الملف الاقتصادي وسط التحديات الراهنة.

 كذلك باتت إيطاليا في بؤرة الاهتمام، في ظل احتمال حدوث فوضى سياسية جديدة، بعد استقالة رئيس الوزراء “ماريو دراجي” يوم 21 يوليو الجاري، وإعلان الرئيس الإيطالي عن حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات برلمانية مبكرة في 25 سبتمبر 2022. جاء ذلك في ضوء توقعات المفوضية الأوروبية بأن إيطاليا ستنمو هذا العام بنحو 2.9% فقط، و0.9% فحسب في العام المقبل، ولا يزال الوضع يزيد ضغطاً على الحكومات الأوروبية في ظل تحديات ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتفشي التضخم.

2– التخوف من التعرض لأزمة طاقة حادة: أدى الموقف الأوروبي من الحرب الأوكرانية، ورفض الاتحاد التدخل العسكري الروسي وإدانته، إلى تعثُّر إمدادات الغاز الروسي لدول الاتحاد الأوروبي؛ ما يُرجِّح أن تشهد الكتلة الأوروبية أزمة طاقة محتملة في الشتاء القادم، إذا أوقفت روسيا إمدادات الغاز الطبيعي بالكامل. وهو أمر متوقع، خاصةً في ظل توظيف الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” الطاقة باعتبارها إحدى أدوات الصراع مع الدول الغربية، ومن ثم الضغط على الدول الأوروبية وإرغامها على إعادة التفكير في موقفها تجاه أوكرانيا.

3– احتمالية تقييد الأزمة الاقتصادية المساعدات الأوروبية لأوكرانيا: أدت الضغوط العديدة من الداخل والخارج إلى تعليق الاتحاد الأوروبي مساعداته لأوكرانيا مؤقتاً، مع تصاعد المخاوف من أزمة الغاز في الداخل الأوروبي، والتحذيرات المتوالية من جانب محللين وخبراء اقتصاديين من مخاطر الإنفاق الواسع على الحرب في أوكرانيا وانعكاسه على المواطن الأوروبي، وهو ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى التخلي عن الوفاء عن وعوده البارزة بتقديم حزمة مساعدات كبيرة لأوكرانيا.

غير أن ذلك التفكير لم يستمر طويلاً؛ فقد أفاد رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل، في يوم 11 يوليو الجاري، بأن مجلس الاتحاد الأوروبي قد وافق على تخصيص حزمة خامسة من المساعدات العسكرية لأوكرانيا بقيمة 500 مليون يورو، ليصل الدعم الأوروبي بذلك في صورة معدات عسكرية للقوات المسلحة الأوكرانية نحو 2,5 مليار يورو حتى الآن، في موقف يهدد الاستقرار السياسي في الاتحاد الأوروبي إذا صاحب ذلك تفاقم في الأزمة الاقتصادية.

4– تزايد الانقسام في الموقف الأوروبي تجاه الحرب الأوكرانية: رغم التضامن الكبير من قبل المجتمع الأوروبي لأوكرانيا ودعمه العقوبات ضد روسيا، فإنه منقسم حول الأهداف الطويلة المدى من الموقف الرسمي الأوروبي؛ فبحسب دراسة صادرة عن المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فإن هناك انقساماً في المجتمع الأوروبي بين معسكرَين: معسكر “السلام” الذي يريد إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن، الذي قُدِّرت نسبته بنحو 35% من المجتمع الأوروبي، مقابل 22% لصالح معسكر “العدالة” الذي يجعل معاقبة روسيا الهدف الأكثر إلحاحاً.

وقد أظهرت الدراسة أن معسكر السلام أكبر من معسكر العدالة في جميع الدول الأوروبية باستثناء بولندا؛ حيث يشعر المواطنون الأوروبيون بالقلق من تكلفة العقوبات الاقتصادية وخطر التصعيد النووي؛ لذا يعارضون حرباً طويلة الأمد من شأنها أن تفاقم الأزمة الاقتصادية وتزيد الضغوط الاقتصادية في الداخل الأوروبي. في بولندا وألمانيا والسويد وفنلندا فقط يُوجَد دعم شعبي كبير لزيادة الإنفاق العسكري لتقديم مزيد من الدعم العسكري لأوكرانيا.

ورقة روسيا

إجمالاً.. يفاقم الوضع الاقتصادي في الدول الأوروبية الضغط على الحكومات الوطنية، والحيرة بين محاولتها تقليل تأثير ارتفاع الأسعار على الأسر، وسياسات البنك المركزي الأوروبي التي تأتي في كثير من الأحيان في ظل تلك الظروف الاقتصادية، وتماشياً مع سياسات البنوك المركزية حول العالم برفع سعر الفائدة، في غير صالح المواطن الأوروبي. أضف إلى ذلك أزمة الطاقة الممتدة منذ مطلع عام 2021، التي ترجع إلى الضغط الروسي على أوروبا بورقة الغاز، لتتفاقم الأزمة بدرجة أكبر بكثير بعد الانحياز الأوروبي التام إلى أوكرانيا وإدانة روسيا، بل تقديم الدعم المالي لتسليح أوكرانيا.

ويزيد الرئيس “بوتين” حالياً الضغط على الاتحاد الأوروبي؛ إذ أعلن في تصريحات حديثة له في يوم 19يوليو الجاري، أن كمية الغاز التي يتم ضخها عبر خط أنابيب نورد ستريم إلى ألمانيا ستنخفض أكثر من 60 مليوناً إلى 30 مليون متر مكعب يومياً، إذا لم يتم استبدال التوربين القادم من كندا على وجه السرعة، كما حذر الغرب من أن العقوبات المفروضة على روسيا سيكون من شأنها زعزعة استقرار سوق النفط وارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما سيؤدي، بكل تأكيد، إلى مزيد من الضغط على أوروبا حيال موقفها من الحرب في أوكرانيا.

المصدر: إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية