الناشر: فورن بوليسي- ستيفن والت

تاريخ النشر: 13/5/2020

من خلال العديد من المؤشرات يبدو 2020 أسوأ عام واجهته البشرية منذ عقودٍ عديدة، نحن في خضّم جائحة أودت بحياة أكثر من 280 ألف شخص ، وأُصِيب بها ملايين الأشخاص، ومن المؤكد أنها ستصيب ملايين آخرين قبل أن تنتهي. الاقتصاد العالمي في حالة من السُّقوط الحر، مع ارتفاع البطالة بشكل كبير، وتراجع التجارة والإنتاج، ولا يوجد بصيص أمل في الأفق. لقد عاد وباء الجراد للمرة الثانية في أفريقيا، وتعلّمنا الأسبوع الماضي عن الدبابير القاتلة التي تهدّد النحل في الولايات المتحدة. للأمريكيين رئيس يسبح في الرمال يصف لوحده الوصفات التي قد تكون قاتلة، ويتجاهل نصيحة مستشاريه العلميين. حتى لو اختفت كل هذه الأشياء بشكلٍ سحري غدًا – ولن تختفي – فنحن ما زلنا نواجه أخطاراً تلوح في الأفق على المدى الطَّويل بسبب التغيُّرات المناخية.

بالنظر إلى كل ذلك ، ما الذي يمكن أن يجعل الأمور أسوأ؟ إليك أحد الاحتمالات: الحرب، لذلك يجدر التساؤل عما إذا كان الجمع بين الوباء والكساد الاقتصادي الكبير يجعل الحرب أكثر أو أقل احتمالاً. ماذا يخبرنا التاريخ والنظرية عن هذا السؤال؟

في البداية، نحن نعرف أن الطّاعون أو الكساد لا يجعلان الحرب مستحيلة. انتهت الحرب العالمية الأولى عندما بدأ وباء الإنفلونزا الإسبانية 1918-1919 في تدمير العالم ، لكن هذا الوباء لم يوقِف الحرب الأهلية الروسية، أو الحرب الروسية البولندية، أو العديد من الصّراعات الخطيرة الأخرى. لم يمنع الكساد الكبير الذي بدأ في عام 1929 اليابان من غزو منشوريا الصينية عام 1931 ، كما أنه ساعد في تغذية صعود الفاشية  في الثلاثينيات وجعل الحرب العالمية الثانية أكثر احتمالية، لذا إذا كنت تعتقد أن الحرب الكبرى لا يمكن أن تحدث ببساطة خلال COVID-19 وما يصاحبها من ركود عالمي ، فكّر مرة أخرى..

لكن الحرب رغم ذلك ما زالت أقل احتمالاً، لقد نظر باري بوسين من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالفعل في التَّأثير المحتمل للوباء الحالي على احتمالية الحرب ، وهو يعتقد أن COVID-19 أكثر احتمالاً لتعزيز السلام بدلاً من ذلك، حيث يجادل بأن الوباء الحالي يؤثر سلبًا على جميع القوى الكبرى، كما أنه لا يخلق فرصاً مغرية بالنسبة للدول غير المتأثرة رغم كون الآخرين أضعف ومعرضين للخطر… وبدلاً من ذلك، فالوباء يجعل جميع الحكومات أكثر تشاؤماً بشأن آفاقها على المدى القصير والمتوسط_ خلال فترة الانتشار_، نظراً لأن الدول غالباً ما تذهب إلى الحرب بدافع من الثّقة المفرطة (مهما كانت في غير محلّها في بعض الأحيان)، فإن التشاؤم الناجم عن الوباء يجب أن يفضي إلى السلام.

علاوةً على ذلك ، تتطلب الحرب بطبيعتها من الدول تجميع الكثير من الأشخاص على مقربة من بعضهم – في معسكرات التدريب والقواعد العسكرية ومناطق التعبئة والسفن في عرض البحر وما إلى ذلك – وهذا بالتأكيد ليس شيئاً تريد القيام به في منتصف هذه الجائحة. في الوقت الحالي على الأقل، تركز الحكومات المحاصرَة على إقناع مواطنيها بأنهم يفعلون كل ما في وسعهم لحماية الشّعب من الإصابة بالمرض، قد تفسر هذه الاعتبارات لماذا حتى المتهم المتهور والمندفع مثل محمد بن سلمان أصبح أكثر اهتمامًا بإنهاء حملته العسكرية الوحشية وغير الناجحة في اليمن.

يضيف بوسين، من المحتمل أيضاً  أنَّ COVID-19 سيقلل من حجم التجارة الدولية على المدى القصير إلى المتوسط، أولئك الذين يعتقدون أن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يشكل حاجزًا قويًا أمام اندلاع الحروب قد يشعرون بالقلق من هذا التطور ، لكنه يشير أيضاً إلى أنَّ القضايا التجارية كانت مصدراً للاحتكاك الكبير في السنوات الأخيرة – خاصةً بين الولايات المتحدة والصين – ودرجة من الانفصال والانعزال بسبب الوباء الآن، ستحد من التوترات إلى مستوى ما والتسبب بالمجمل  بانحسار احتمالات الحرب.

لهذه الأسباب ، قد يؤدي الوباء نفسه إلى السلام، ولكن ماذا عن العلاقة بين الظروف الاقتصادية الأوسع واحتمال الحرب؟ هل لا يزال عدد قليل من القادة يقنعون أنفسهم بأن إثارة أزمة والذهاب إلى الحرب يمكن أن يقدم شيئاً إما للمصالح الوطنية طويلة المدى أو لثرواتهم السياسية؟ هل المسارات الأخرى التي من خلالها يمكن للانكماش الاقتصادي العميق والمستدام أن يزيد من احتمال نشوب صراع عالمي خطير؟

إحدى الحجج المألوفة هي ما يُسمَّى نظرية الحرب (أو كبش الفداء). يشير ذلك إلى أنَّ القادة الذين يشعرون بالقلق من شعبيتهم في الدَّاخل سيحاولون صرف الانتباه عن إخفاقاتهم من خلال إثارة أزمة مع قوة أجنبية وربما استخدام القوة ضدها. بالاعتماد على هذا المنطق ، يشعر بعض الأمريكيين بالقلق الآن من أن الرئيس دونالد ترامب سيقرر مهاجمة بلد مثل إيران أو فنزويلا في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية وخاصة إذا كان يعتقد أنه سيخسر.

هذه النتيجة تبدو لي غير محتملة، حتى لو تجاهل المرء العيوب المنطقية والتجريبية في النظرية نفسها، الحرب دائمًا هي مقامرة وإذا سارت الأمور بشكل سيئ – حتى قليلاً – فإنها ستدق المسمار الأخير في نعش ثروات ترامب المتدهورة. علاوةً على ذلك ، لا يمكن لترامب أن يفكّر في الذَّهاب إلى الحرب مع أي من تلك البلدان ما لم تشكّل تهديداً وشيكاً وصريحاً لأمن الولايات المتحدة ، وحتى أنصاره الأقوياء قد يتساءلون عن المبررات لصرف الوقت والمال في تلك الحروب؟…

نظرية شعبية مألوفة أخرى هي “الكينزية العسكرية” الني تقول أن الحرب تولد الكثير من الطَّلب الاقتصادي ، ويمكنها في بعض الأحيان إخراج الاقتصاديات المنكوبة من حالة الركود والعودة نحو الازدهار والعمالة الكاملة، الحالة الواضحة هنا هي الحرب العالمية الثانية ، التي ساعدت اقتصاد الولايات المتحدة في النهاية على الهروب من الرمال المتحركة للكساد العظيم، أولئك الذين يعتقدون أن القوى العظمى تذهب إلى الحرب في المقام الأول لإبقاء الأعمال التجارية الكبرى (أو صناعة الأسلحة) سعيدة، هم في الحقيقة ينجذبون بشكل طبيعي إلى هذا النوع من الحجج، وقد يشعرون بالقلق من أنَّ الحكومات التي تبحث في التوقعات الاقتصادية القاتمة ستحاول إعادة تشغيل اقتصاداتها من خلال بعض أنواع المغامرات العسكرية.

 يحتاج الأمر إلى حربٍ كبيرة حقًا لتوليد حافز كبير ، ومن الصَّعب تخيل أن أي دولة يمكن أن تشنَّ حرباً واسعة النطاق – مع كل ما يصاحبها من مخاطر – في وقتٍ ترتفع فيه مستويات الديون بالفعل. والأهم من ذلك ، أن هناك الكثير من الطُّرق الأسهل والأكثر مباشرة لتحفيز الاقتصاد – الإنفاق على البنية التحتية ، والتأمين ضد البطالة ، وحتى “مدفوعات طائرات الهليكوبتر” – وشن الحرب يجب أن يكون أحد أقل الطرق المتاحة كفاءةً، فعادةً ما يثير التهديد بالحرب أيضاً خوف المستثمرين أيضاً ويدفعهم إلى الإحجام عن عمليات الاستثمار ، وهو بالطبع ما قد يكرهه أي سياسي يضع عينيه على سوق الأسهم.

[1] https://foreignpolicy.com/2020/05/13/coronavirus-pandemic-depression-economy-world-war/