تريد الجزائر مراجعة اتفاق الشراكة “بندا بندا”، مثلما دعا إلى ذلك الرئيس تبون، كمؤشر على أنه كان نذير شؤم على اقتصادها ولم يكن، مثلما تم تصويره غداة التوقيع عليه في 2002 ودخل حيز التنفيذ في 2005، بأن يرمي للحوار السياسي والتعاون والشراكة الاقتصادية بين الطرفين. يأتي هذا في وقت ستتسلم فرنسا، بداية من شهر جانفي المقبل، رئاستها للاتحاد الأوروبي للسداسي الأول من سنة 2022، فهل سيكون ذلك فرصة لحلحلة الأزمة الدبلوماسية بين البلدين وبعث “خارطة طريق” جديدة لتفعيل اتفاق الشراكة الموقع عليه منذ 16 سنة من جهة، وبالتالي تحريك عدة ملفات أمنية واقتصادية عالقة بين باريس والجزائر، أم أن الأمور ستزداد تعقيدا وستضع فرنسا “العقدة في المنشار”، ويؤجل الانشغال الجزائري إلى سنة أخرى ؟

هل تحسن الجزائر التفاوض عندما يتعلق الأمر بإبرام الاتفاقيات الدولية والصفقات الوطنية مع الأجانب ؟ هذا السؤال عاد ليتصدر الواجهة، عقب الانتقادات التي رافقت اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، الذي اعترفت الحكومات الجزائرية المتعاقبة منذ 2005 بشأنه بأن “السلع دخلت إلى السوق الوطنية وغاب فيه الاستثمار”. صحيح أن اتفاق الشراكة حدد عددا من الأهداف. المادة الثانية من الاتفاق تنص على “توفير إطار ملائم للحوار السياسي بين الأطراف المعنية لتدعيم علاقتهم وتعاونهم في جميع المجالات التي يعتبرونها ملائمة، وتطوير المبادلات وضمان تنمية العلاقات الاقتصادية والاجتماعية المتوازنة، وتحديد الشروط لتحرير تدريجي لتبادل السلع والخدمات ورؤوس الأموال، وأخيرا تحفيز التبادل على المستوى الإنساني”. وهي أهداف على الورق تعد جذابة وبراقة وتسيل اللعاب، لكنها غير ذلك في الممارسة، وهو أحد الأسباب التي جعلت الجزائر لا تكتفي بانتقاد الاتفاق، بل تطالب مرارا بمراجعته “بندا بندا”، لأنه يسير لمصلحة دول الاتحاد الأوروبي أكثر بكثير من خدمته لمصالح الجزائر.

هذا الوضع المختل في الاتفاق يطرح سؤالا جوهريا، هل أخطأ المفاوض الجزائري في 2002 في استراتيجيته التفاوضية ولم يكن على اطلاع واسع بكل تداعيات مثل هذا الاتفاق وآثاره السلبية على الاقتصاد الوطني، قبل أن يتبين اليوم أنه اتفاق بميزان مختل لصالح أوروبا ؟ لا نشك في نية المفاوض الجزائري وسعيه لحسن التدبير، لكنه ذهب يومها إلى تلك المفاوضات الصعبة والشاقة، في عام 2000، منزوع السلاح، بحكم الوضع الكارثي الذي كانت فيه الجزائر التي خرجت لتوها من مرحلة أمنية كادت أن تعصف بالدولة برمتها، بفعل ثقل حربها ضد الإرهاب في الداخل وحصار دولي لها في الخارج، كانت فرنسا عرابتها الأولى على خلفية اختطاف طائرة خطوطها الجوية في الجزائر.

هذه الخلفية جعلت المفاوض الجزائري آنذاك، يرى في بنود الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي بشأن تسهيل “التأشيرات” وحرية تنقل الأشخاص بين ضفتي المتوسط، بمثابة إنجاز عظيم، بعد المعاناة لسنوات من منع تنقل الجزائريين وتوقيفهم بمختلف مطارات أوروبا بشبهة الإرهاب، وكان ذلك بمثابة “الطعم” الذي تم به اصطياد “الموافقة” الجزائرية على بنود الاتفاق. وللأمانة، بقدر ما كان المفاوضون الجزائريون يسعون إلى ربح الوقت في تلك المفاوضات مع الطرف الأوروبي، كانت منظمات أرباب العمل الخواص في الجزائر تضغط بشتى الوسائل (خصوصا إعلاميا )، على الحكومة من أجل الإسراع في التوقيع على اتفاق الشراكة مع أوروبا، معتقدين أن الاتفاق سيمكنهم من الحصول على “التأشيرات” لأوروبا، وبالتالي إنعاش “البزنسة” وتجارة “الشنطة” في أحسن الأحوال. في المقابل، كان تركيز أوروبا في الاتفاق، الضغط على الطرف الجزائري لضمان تزويد سوقها بالطاقة (بترول وغاز)، وأيضا الولوج إلى السوق الجزائرية النشطة استهلاكيا لتصريف منتوجات مصانعها المختلفة ودون الخضوع للرسوم الجمركية التي تقرر في الاتفاق تفكيكها وإنشاء منطقة للتبادل كان يفترض أن تدخل حيز التنفيذ في 2017 قبل طلب الجزائر تأجيلها، لعدم استعداد اقتصادها لذلك.

الجزائر غاضبة اليوم من ذلك الاتفاق وتريد مراجعته “بندا بندا”، لأنه كان وراء “بيع” سوقها الداخلية لفائدة المنتوجات الأوروبية، دون أن تحصل على مقابل على ذلك في مجال “الشراكة والاستثمار”، بحيث استفادت تونس والمغرب من حصة الأسد من الاستثمارات على حساب الجزائر. بالنسبة للجزائر، دول الاتحاد لم تلتزم بشروط الجزائر الموثقة القاضية بإرساء استثمارات أوروبية مباشرة في البلاد، وتفعيل تدابير تقر بحرية تنقل الأشخاص والأموال، تبين بأن أوروبا لم تف بالتزاماتها. لكن أوروبا أيضا غاضبة على الجزائر، لأنها لم تلتزم بما وقعت عليه في الاتفاق المذكور.

ويطرح الجانب الأوروبي عدة ملفات، منها الأمن الطاقوي، مكافحة الإرهاب، تنظيم الهجرة الشرعية ودعم التعاون لإدماج المغتربين ضمن قيم الاتحاد الأوروبي، ومحاربة شبكات الهجرة السرية، ويحتج أيضا على ما يسميه التطورات الحاصلة على مستوى التشريع الجزائري، خصوصا من خلال قوانين المالية التي أرست فيها الحكومة تدابير “سيادية” أثارت هجمة أجنبية من بلدان أوروبية تتعامل مع الجزائر من خلال الاتحاد، حيث تبنت الجزائر إجراءات “احترازية” ضد “الإغراق” الذي شهدته السوق الجزائرية، قبل أن تقرر وضع قوائم للسلع المحظورة من الاستيراد جراء الأزمة المالية ونضوب احتياطيات الصرف. يحدث ذلك في وقت أتاح اتفاق الشراكة ارتفاعا مذهلا لعدد الموردين، وتسجيل تزايد الواردات من الاتحاد، ولذلك اشتكى منتجو التفاح الفرنسيون من قرار الجزائر غلق سوقها أمام واردات التفاح الفرنسي، واحتج ميناء مرسيليا من نقص حركة الشحن للبضائع باتجاه الجزائر، وأقام أرباب العمل الفرنسيون “الميداف” الدنيا بسبب قاعدة 51/49 للاستثمار التي تبنتها الحكومة غداة شراء “لافارج” الفرنسية مصنع الإسمنت بالمسيلة من شركة أوراسكوم.

ولم تكتف فرنسا بذلك، بل سارعت إلى تقديم شكوى لدى الاتحاد الأوروبي ضد الجزائر، بحجة إخلالها ببعض بنود اتفاق الشراكة، أو ما أسمته بالتضييق على مؤسساتها الاقتصادية المتواجدة بالسوق الجزائرية، على خلفية قوانين الاستثمار الجديدة، وذلك لكون الشركات الفرنسية العاملة بالبلاد ما زالت تعتقد أنها تمسك الجزائر من اليد التي تؤلمها في عهد “البزنس المفتوح” و”البراغماتية” الاقتصادية.

المهم، طالبت الجزائر، من جهتها، بمراجعة بنود اتفاق الشراكة “بندا بندا”، مثلما أمر بذلك الرئيس تبون حكومة أيمن بن عبد الرحمان، وهي مهمة ليست بالسهلة كما قد يعتقد البعض، فإذا كان من حيث المبدأ حسب الخبراء القانونيين، يمكن مراجعة أي اتفاق مهما كان نوعه بناء على طلب أحد أطرافه، فإنه من الصعب مراجعة جميع بنوده، وإلا سيصبح الاتفاق ملغى ويتم تحضير اتفاق جديد بديل. فهل تريد الجزائر إلغاء الاتفاق المذكور؟

ثانيا، تتزامن مطالبة الجزائر بمراجعة بنود اتفاق الشراكة مع تسلم فرنسا رئاسة الاتحاد الأوروبي شهر جانفي المقبل، ما يعقد من مهمة المفاوض الجزائري، بالنظر إلى الأزمة الدبلوماسية القائمة بين الجزائر وباريس التي ستستغل من دون شك وضعيتها لوضع “حجر” في حذاء المفاوض الجزائري، خاصة أن الإجحاف الذي تشتكي منه الجزائر في بعض بنود اتفاق الشراكة، تستفيد منه الشركات الفرنسية أكثر من غيرها بحكم الماضي التاريخي الذي جعل فرنسا تنظر إلى الجزائر على أنها “محمية” لها، في وقت ترغب الجزائر في تنويع شركائها الأجانب من مختلف القارات.

قد لا تحقق الجزائر الكثير من مطالبها بمراجعة اتفاق الشراكة، بحكم عدة معطيات جيواستراتيجية، لكن مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة فتح الملف المغلق منذ 16 سنة، بعدما وصل “الموس للعظم”، وستكون هناك خطوات أخرى لأن الجزائر تمسك بعدة أوراق رابحة لم تستخدمها قط، على غرار النفط والغاز، وما تسميه الصحف الفرنسية بمحور الجزائر موسكو كفزاعة للتخويف.