بدأ وعي الإيرانيين بأهمية أفغانستان لأمنهم القومي مبكراً قبل الثورة الإيرانية وبعدها، فقد عارضت إيران الهيمنة السوفييتية في أفغانستان في سبعينيات القرن العشرين، كما كان هناك خشية من تعاظم المد الشيوعي في هذا البلد في ظل الاحتلال السوفييتي.

وقد تزايد الاهتمام الإيراني بأفغانستان أواخر الثمانينيات، حيث ساعد توقف الحرب العراقية الإيرانية على انخراط إيران أكثر من قبل في الأحداث الدائرة هناك، فبعد رحيل السوفييت واندلاع الحرب الأهلية الأفغانية بين مختلف الفصائل المسلحة للسيطرة على البلاد بين عامي 1992-1996 دعمت إيران العديد من تلك الفصائل؛ فقدمت الدعم لحكومة برهان الدين رباني، كما دعمت حزب الوحدة المناوئ لرباني، وبعد بروز طالبان قوةً ضاربة في البلاد دعمت إيران تحالف الشمال المعادي لها.

وبعد سيطرة طالبان على أفغانستان عام 1996 اتسمت العلاقات بينها وبين إيران بالعداء المتبادل، ويرجع ذلك إلى الخلاف المذهبي والطائفي بين الجانبين؛ فحركة طالبان هي حركة أصولية سنية، في حين ينتمي النظام الحاكم في إيران إلى المذهب الشيعي الذي يتبنى نظرية الولي الفقيه في الحكم.

وقد وصل العداء بين الجانبين إلى ذروته عام 1998؛ عندما قتل تحالف الشمال المدعوم إيرانياً عدداً كبيراً من عناصر حركة طالبان في مدينة مزار الشريف، وبعد تمكن حركة طالبان من السيطرة على المدينة هاجمت القنصلية الإيرانية، وقتلت عدداً من الدبلوماسيين الإيرانيين، وربما يقدم هذا الأمر تبريراً لارتياح إيران لاحتلال الولايات المتحدة أفغانستان عام 2001 وإخراج حركة طالبان من الحكم.

التحول في العلاقات بين طالبان وإيران

نظرت إيران، في عهد محمد خاتمي، إلى إبعاد الولايات المتحدة حركة طالبان من الحكم في أفغانستان على أنه أمر إيجابي لمصالحها هناك، إلا أن الترحيب الإيراني بالتدخل العسكري الأمريكي في أفغانستان يندرج في إطار مشروع خاتمي للتقارب مع الغرب من خلال تعزيز المصالحة في التعاطي معه بدلاً من الأيديولوجية، إلا أن خطوات خاتمي ومواقفه لم تقابل بخطوات أمريكية مشابهة، ولم تفتح إدارة جورج بوش الابن الطريق أمام الانفتاح على إيران والتعاون معها في مزيد من القضايا والملفات، وليس هذا وحسب بل صنفت إدارة بوش الابن إيران ضمن ما أسمته محور الشر، وشهدت العلاقات الأمريكية الإيرانية مزيداً من التوتر والخلافات، خاصة مع وصول محمود أحمدي نجاد، المنتمي إلى التيار المحافظ الإيراني، إلى الحكم خلفاً لخاتمي.

ويرى المحافظون في إيران أن الطريقة المثلى للتعامل مع الغرب والولايات المتحدة هي المقاومة والمناكفة لا الدبلوماسية، ومع عودة المحافظين إلى الحكم في إيران حدثت استدارة في العلاقة بين إيران وحركة طالبان، وكلف قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في ذلك الحين، بإيجاد أطراف من طالبان للاتصال بهم وتقديم بعض الدعم لهم، خاصة ممن كان لهم صلة بإيران والحرس الثوري قبل ظهور طالبان وانضمامهم لها، وعلى ما يبدو فإن مسعى سليماني لم ينجح تماماً، لكنه لم يخفق كلياً، وقدمت إيران بعض الأسلحة الخفيفة لعناصر من طالبان، وظلت العلاقة تراوح على هذا النحو حتى عام 2015 وبدء الحديث عن انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، حيث استأنف قاسم سليماني مساعيه للتقارب مع الحركة، وتمكن- وفق مصادر- من الاتفاق معها على تقديم الدعم العسكري والتدريب وتقديم المأوى لقادة الحركة، مقابل توفير الحركة الحماية للأقلية الشيعية، والتوقف عن مضايقتها، ومما ساعد سليماني على تحقيق هذا الاتفاق ظهور تنظيم الدولة في أفغانستان بوصفه تحدياً مشتركاً لطالبان وإيران على حد سواء.

إيران وعودة طالبان للحكم

مع عودة حركة طالبان إلى الحكم في أفغانستان وسيطرتها على العاصمة كابل في أواخر شهر أغسطس/آب الماضي، تبلور توجهان في أروقة السياسة الإيرانية للتعاطي مع الحركة؛ حيث ينظر التوجه الأول بإيجابية إلى دور الحركة في رحيل القوات الأمريكية بالمقاومة المسلحة، وهذا يتوافق مع تصور الحكومة الإيرانية للتعامل مع الوجود الأمريكي في المنطقة، ومن ثم إمكانية التعاطي مع طالبان بناءً على هذه الخلفية.

أما التوجه الآخر فينظر إلى حركة طالبان من وجهة نظر عقائدية؛ على اعتبار أنها حركة دينية سنية سلفية تحتكر السلطة بمفردها، وتقصي الأقليات، خاصة الشيعية منها، ومن ثم يتجنب التعاطي معها.

وأياً كانت توجهات السياسة الإيرانية إزاء حركة طالبان فإن وجودها في السلطة أصبح أمراً واقعاً لا مناص من التعامل معه حفاظاً على المصالح الحيوية لإيران في أفغانستان، المتمثلة في حماية الأقلية الشيعية هناك، وحماية الحدود التي تمتد نحو ألف كيلومتر بين الجانبين، حيث تتطلع إيران إلى وجود حكومة مستقرة وقوية في أفغانستان من أجل المساهمة في حماية هذه الحدود من الجانب الأفغاني، ومنع الحركات الانفصالية المناوئة لإيران من تنفيذ عمليات عبر هذه الحدود، ومنع شبكات تهريب المخدرات من العبور للأراضي الإيرانية، إلى جانب ضمان تدفق المياه اعتيادياً عبر نهر هلمند إلى الأقاليم الإيرانية المحاذية لأفغانستان، وعدم المغامرة  بالسوق الأفغانية حيث تعد إيران المصدر الرئيس للسلع المصدرة إلى أفغانستان وبنسبة تصل إلى حوالي 80%.

الخيارات الإيرانية في التعامل مع حركة طالبان

بقراءة تاريخية سريعة يلاحظ إخفاق الغزو العسكري لأفغانستان حتى من القوى الدولية العظمى كالاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم فليس بوسع إيران الانخراط بمواجهة عسكرية مباشرة مع حركة طالبان، خاصةً في ظل العقوبات الاقتصادية والاضطرابات الداخلية، وكل ما يمكن لإيران فعله هو دعم الحركات المناوئة لحركة طالبان كالشيعة الهزارة ولواء الفاطميين الذي دربه الحرس الثوري من أجل القتال في سوريا إلى جانب نظام الأسد، ومن ثم دفع البلاد مجدداً إلى الحرب الأهلية، لكن المحيط الإقليمي لأفغانستان أصبح- على ما يبدو- أكثر قناعة بضرورة وجود حكومة مستقرة تضع حداً للفوضى في البلاد، وتمنع الحركات المسلحة المتشددة من اتخاذ أفغانستان منطلقاً لتنفيذ عمليات ضد الآخرين، كما أن هذا الخيار يفتح المجال أمام الحركة لتضييق الخناق على الأقلية الشيعية، وإفساح المجال أمام الحركات الانفصالية المناوئة لإيران لتنفيذ عمليات عبر الحدود، وعرقلة تدفق المياه عبر نهر هلمند، وعدم التعاون في حل مسألة اللاجئين الأفغان في إيران، الذين يصل تعدادهم إلى زهاء ثلاثة ملايين.

من يحتاج من؟

بعد صفحة العداء الطويلة بين إيران وحركة طالبان تبلورت القناعة لدى الإيرانيين بأهمية الحركة في ضرب المصالح الأمريكية والتسبب بإزعاج كبير للقوات الأمريكية والقوات المتحالفة معها، إلى أن انتهى الأمر برحيل القوات الأجنبية عن البلاد، ومع استكمال الانسحاب العسكري فإن قيام حكومة مستقرة في أفغانستان يعد مصلحة كبيرة للجوار الأفغاني، ومن ضمنه إيران، ومع تبني حركة طالبان خطاباً تصالحياً في البعدين الإقليمي والدولي فإن ذلك يشجع العديد من الفاعلين الإقليميين والدوليين على التنافس هناك من أجل الحفاظ على المصالح والنفوذ، والحصول على حصة في إعادة إعمار البلد بعد أربعين عاماً من الحرب والدمار، ومن ثم فإن مناصبة إيران العداء للحركة لا يخدم مصالحها، ويفتح الباب أمام المنافسين الإقليميين الآخرين، خاصةً باكستان، وهذا يجعل الحكومة الإيرانية مضطرة إلى إبداء قدر كبير من المرونة تجاه طالبان، والتعاطي معها إيجابياً، ومما يقوي موقف الحركة في التعامل مع إيران انفتاحها على دول إسلامية مؤثرة كتركيا وقطر.