وليد عبد الحي

أبدأ بالسؤال الأول : هل لو لم يحرق البوعزيزي نفسه لكان الربيع العربي لم يحدث؟ ام أن الواقع العربي كان ناضجا ومهيئا للحريق لكنه بحاجة لعود الثقاب –أي عود ثقاب -؟
يمكن تحديد ثلاث فترات زمنية شكلت نقاط تحول في التاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي المعاصر للمنطقة، والجسر الرابط بين هذه القناطر الثلاث أوصل المنطقة الى ” الربيع العربي” .
أولا: القنطرة الأولى: 1979
أزعم ان عام 1979 شكل نقطة تحول (turning point) في الشرق الاوسط بشكل عام والوطن العربي بشكل خاص، ويكفي ملاحظة ان هذا العام هو الذي وقعت فيه الاحداث التالية(بالترتيب) والتي لا يمكن فصل “الربيع العربي عنها”:
أ‌- عام 1979: قيام الثورة الايرانية بكل التداعيات التي ترتب عليها تغير في توازنات القوى وتحولات آيديولوجية وحرب عراقية ايرانية أيقظت الثنائية الشيعية السنية من سباتها التاريخي ناهيك عن كل ما تلا ذلك من التحول التدريجي من الجبهة الغربية العربية(فلسطين) الى الجبهة الشرقية(إيران).
ب‌- عام 1979: اول معاهدة ” سلام بين اسرائيل وبين أكبر دولة عربية (مصر) وهو ما فتح الباب لتحول جديد في موزاين القوى وبدء تراجع الموضوع الفلسطيني تدريجيا .
ت‌- عام 1979: تولي صدام حسين منصب رئيس جمهورية العراق بكل ما ترتب على وصوله للسلطة من تداعيات ابرزها الحرب العراقية الايرانية واحتلال الكويت والحرب الخليجية الثانية والتغلغل الامريكي في المنطقة بطريقة عنيفة.
ث‌- عام 1979: استيلاء جهيمان العتيبي ومجموعته على الحرم المكي بكل ما ترتب على ذلك من زيادة الجذب للاسلام السياسي المسلح والتنبه الأمريكي بخاصة لامكانيات استثمار الثقافة الموغلة في المحافظة لاغراض سياسية .
ج‌- عام 1979: دخول الجيش السوفييتي الى افغانستان واحتلالها بكل ما نتج عن ذلك تعزيز توجهات الاسلام السياسي المسلح بخاصة بظهور ظاهرة بن لادن وما ترتب عليها.
ما يجمع كل هذه الظواهر هو ” أن تداعياتها في الاتجاه الأعظم كان تعزيز ظاهرة الاسلام السياسي وصعوده التدريجي ونزوعه التدريجي ايضا نحو العسكرة “.
ثانيا: القنطرة الثانية: انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991.
وتعززت ظاهرة الاسلام السياسي –بخاصة المسلح – بانهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 والذي كما عزز الثقة الرأسمالية بآديولوجيتها( نهاية التاريخ –فوكوياما) فقد حقن هذا الحدث الهام التيار الاسلامي السياسي بجرعة من ثقة لامست حدود الصلف والغرور، لكنه عمق الظواهر المرافقة والتي حدثت عام 1979.
القنطرة الثالثة: الازمة الاقتصادية العالمية عام 2008
كان للأزمة المالية العالمية في عام 2008 والتي بدأت شرارتها بأزمة الرهن العقاري الأمريكي دورها، فقد كلفت الاقتصاد العربي- ما يهمنا في هذا المقام- في صدمتها الاولى طبقا لما قاله وزير الخارجية الكويتي في حينها( محمد صباح السالم) في 17 يناير 2009 لوكالة الانباء الكويتية ان الازمة العالمية كلفت الاقتصاد العربي حوالي 2.5 تريليون_ اثنان ونصف تريليون) دولار ، وأدت لإرجاء حوالي 60% من مشروعات التنمية العربية المشتركة وانخفاض العمالة العربية في الدول العربية النفطية لصالح العمالة الآسيوية من 72% الى 23% وهو ما رفع البطالة العربية حينها الى 14%.
إن العوامل الداخلية والعوامل الخارجية تضافرت لصنع هذا الربيع المسموم ، لكن موعد هذا الربيع ليس هو المهم ، ففي المباراة الرياضية يمكن توقع الفريق الفائز، لكن موعد تسجيل الاهداف أمر أكثر تعقيدا..، وقد نبه الباحثون لما هو قادم قبل ” عود الثقاب البوعزيزي”، وكان لكل باحث متغيراته ، فالباحث Yaneer bar-yam صاحب نظرية complex systems ورئيس New England Complex Systems Institute نبه الحكومة الامريكية في دراسة له قبل واقعة البوعزيزي ، وقد كشف عن هذه الدراسة مع اندلاع الربيع العربي وعنوانها : The food crisis and political instability in north Africa and the middle east، وارتكزت هذه الدراسة بشكل جوهري على عدد من المتغيرات لكن ابرزها هو اسعار المواد الغذائية(والذي هو نتيجة لشبكة من المتغيرات الفرعية) ، وهو نفس المتغير الذي بنى Michael Gordon دراسته عليه للتنبؤ بمستقبل الشرق الاوسط تحت عنوان forcasting instability…كما أنني رجحت سيناريو سقوط حسني مبارك وتحديدا في عام 2011 في دراستي عن ايران والتي انتهيت منها عام 2008، ثم نشرت في عدة طبعات وتم توظيف اربعين متغيرا لرصدها.
أما Philipe Fargues و Jack Goldstone فقد توقعا الانفجار العربي استنادا لمتغير “الهرم الديموغرافي” مركزين على نسبة الشباب المؤهل علميا لكنه عاطل عن العمل ، وتوقعا ان الفترة بين 2010 و 2012 هي الفترة الاكثر احتمالا للانفجار وهو ما وقع فعلا.
وفي تقديري ان بناء مصفوفة التأثير المتبادل –كأحد أهم تقنيات الدراسات المستقبلية- هي التي تحلل اكبر عدد من المتغيرات استنادا للاصول المنهجية لهذه التقنية، لتحدد محركات( Drivers) الظاهرة موضوع الدراسة،فمثلا تشير دراسة استندت لفكرة “تروتسكي” عن ان مصير الثورات مرتهن لموقف “المؤسسة العسكرية” ، ووصلت تلك الدراسة الى ان مصير الربيع العربي(الدراسة عام 2012) الى ان الربيع العربي سيفشل بسبب مواقف المؤسسات العسكرية والتنظيمات غير المدنية..وهو ما نراه ماثلا امامنا.
استنادا لكل هذا ارى بشكل أولي- وهو ما يحتاج مزيدا من النقاش العلمي المتزن والحذر -:
1- ظاهرة الاسلام السياسي المسلح ظاهرة عابرة –بما فيها داعش- ، ويجب التمييز بين العمليات العشوائية التي تسعى لاثبات وجود مادي اندحر تماما (كدولة الخلافة) وبينالقدرة على اقامة كيانات سياسية قادرة تستطيع الحفاظ على ديمومتها ، فالظواهر الاجتماعية تموت على مراحل بل وتُدفن على مراحل وليس كالظاهرة البيولوجية، اما الفكر- متطرفا او غير متطرف- فما زلنا بعد 25 قرنا على موت افلاطون ندرسه ونسمع الاستشهاد باقواله بين الحين والآخر..
2- أن الحريق العربي ليس معزولا عن التعقيد الهائل في تفاعلات النظام الدولي بسبب آليات العولمة التي هشمت أغلب البنيات القديمة وتُلح على بناء تنسجه الكيانات ما فوق الدولة وما دونها بعد تزايد التخلي التدريجي للدولة عن وظائفها التقليدية وهو ما يتضح في الخصخصة المتزايدة حتى وصل لبعض المؤسسات العسكرية.
3- أن الترابط العضوي المتزايد في المجتمع الدولي(الترابط الاقتصادي والمالي والتقني والمعرفي) سيعيد صياغة كل قنوات الترابط الآلي( وهنا عبقرية العالمين دوركهايم وكوندرسيه)، أي ان القبيلة والقومية والدين واللون والجندر ..الخ في طريقها للتكيف ” طوعا أو كرها” مع ثقافة العولمة وهو ما ينطبق على عالمنا العربي…ربما.

Print Friendly, PDF & Email