أعلن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكين يوم ٦ يناير ٢٠٢٢ تعيين السفير ديفيد ساترفيلد مبعوثاً خاصاً للولايات المتحدة في القرن الأفريقي، ليكون بديلاً للسفير جيفري فيلتمان بعد حوالي تسعة أشهر فقط منذ شغله منصبه.
لاحظت أن ضمن الفروق بين الإثنين، أن المبعوث السابق للقرن الأفريقي (فيلتمان) تركزت خبراته في العمل الدولي في شؤون الأمم المتحدة والعلاقات الدولية متعددة الأطراف سواء في وظائف بوزارة الخارجية الأمريكية أو أثناء انتدابه في الأمم المتحدة، ولخبراته في التفاوض والوساطة وقدرته على تسخيرها لتطوير وتنفيذ استراتيجية أمريكية متكاملة، حيث كان أهم دور لفيلتمان هو معالجة قضية القرن الإفريقي من منظور دولي وإطار إقليمي يتركز أكثر على القرن الإفريقي ذاته.

أما المبعوث الأمريكي الجديد (ساترفيلد) فخبراته الإقليمية الأوسع تعد أكبر من سلفه، فمنذ الثمانينيات وهو يعمل في الشرق الأوسط في قضايا متعلقة بالخليج والعراق ولبنان وإسرائيل وفي سفارات بلاده في سوريا وتونس والسعودية، من جانب آخر نجد وزير الخارجية الصيني وانغ يي قد أعلن، عقب إعلان نظيره الأمريكي مباشرةً، أنه سيتم تعيين مبعوث جديد للصين في القرن الأفريقي، وذلك كأول مبعوث دبلوماسي رسمي في الإقليم. وارتبط إعلان وانغ يي بتعيين مبعوث الصين في القرن الأفريقي بإعلانه الذي حث فيه دول القرن الإفريقي على عقد مؤتمر للسلام ( تماماً كما فعل في الأزمة الإيرانية بإعلانه ضرورة إنشاء منصة حوار متعددة الأطراف بين إيران ودول الخليج والقوى الأخرى المتدخلة في الأزمة). حيث قال إن المبعوث الصيني في القرن الأفريقي قد يوفر ”الدعم الضروري لهذه العملية”.. لاحظ أن الصين لم تسمي مبعوثها أو تحدد موعد توليه منصبه وقت الإعلان وحتى الآن، أي أنها لم تكن تخطط لتعيبنه في الوقت الحالي.

نقاط وجب وضعها في الاعتبار:
١- جاء الإعلانين الأمريكي وتلاه الصيني في الوقت الذي نجد فيه المبعوث الأمريكي المنتهي ولايته يزور إثيوبيا على أمل الاستفادة من الهدوء النسبي في الصراع المسلح هناك للضغط على أديس أبابا من أجل وقف إطلاق
النار، وإحلال السلام من خلال ترتيبات أمريكية (صٍرفة). وأيضاً عقب زيارة وزير الخارجية الصيني مباشرةً لإريتريا، الدولة المجاورة لإثيوبيا.
٢- أن الصين تدعم موقف إثيوبيا وأريتريا في حربهما ضد متمردي التيجراي، في الوقت الذي تقوم الولايات المتحدة بتوجيه اتهامات للبلدين بارتكاب أسوأ الفظائع في الصراع ضد التيجراي.
٣- أن أكثر ما يثير قلق الأطراف في القرن الأفريقي خمس قضايا رئيسية وهي: الوضع المتقلب في إثيوبيا بما في ذلك الصراع في إقليم تيجراي، وتصعيد التوترات بين إثيوبيا والسودان، والنزاع المصري الإثيوبي حول سد النهضة الإثيوبي، والإرهاب خاصةً في الصومال، وزيادة حجم التسلح في الإقليم. وجميعها تؤثر على أمن المسارات البحرية في بحر عمان والبحر الأحمر.
٤- أن التدخل الأمريكي ليس بجديد في القرن الأفريقي وكذا في الأقاليم المحيطة، أما التدخل الصيني بتعيبن مبعوثاً لها في القرن الأفريقي فيُعد التدخل الدبلوماسي الرسمي الأول في الإقليم الهام (والواقع في شرق أفريقيا مطلاً على مضيق باب المندب والبحر الأحمر) كمناظر للدور الأمريكي، ولكنه يُعد أيضاً التدخل الدبلوماسي الصيني الثالث في المنطقة برمتها بعد تدخلها في الأزمة الإيرانية في نهاية عام ٢٠٢٠ وفي أفغانستان منتصف عام ٢٠٢١.
٥- أن هذه الأمور تحدث في إطار انقسام إقليمي بين جانبين أحدهما داعم لإثيوبيا سياسياً واقتصادياً وعسكرياً ويتضمن تركيا وإيران والسعودية والإمارات وإريتريا، وجانب آخر يهمه كسر شوكة إثيوبيا وحرمانها من دورها الإقليمي المؤثر على مصالحها وأمن دوله وعلى رأسه مصر والسودان وجيبوتي ودول أفريقية أخرى محيطة.

لاستنتاجات:
أولاً: أن الولايات المتحدة ربما تسرع بانتقالها للمرحلة التالية في استراتيجيتها في القرن الأفريقي من مجالها الضيق المنحصر في قضايا القرن الأفريقي بدوله الأربع إلى نطاق إقليمي أوسع وأكثر تركيزاً واضعة في اعتبارها أهمية الأدوار الإقليمية الفاعلة في القرن الأفريقي وعلى رأسها تركيا وإيران والإمارات والسعودية وقطر ومصر، وذلك في محاولة منها لإعادة ضبط إيقاع التنافس بين القوى الإقليمية والدول الفاعلة في القرن الأفريقي بشكل يمكن من وضع ضوابط وقواعد تحقق استقرار القرن الأفريقي بآلية أمريكية وربما أوروبية، وبما يجهض أي فرص تتيح للصين فرص تنفيذ أي ترتيبات لاستقرار منطقة القرن الأفريقي بآلية صينية.
ثانياً: أن الصين، ورغم أنها تبدو وكأنها تتحرك في إطار رد الفعل أمام الولايات المتحدة، كإعلان تعيين مبعوثاً لها بالقرن الأفريقي عقب الإعلان الأمريكي المماثل مباشرة، إلا أن الصين ربما تبني استراتيجيتها الحالية لإفساد أو عرقلة تحركات الولايات المتحدة في الإقليم بالتعاون مع روسيا، بدلاً من المبادرة بتحركات قد يصعب عليها إحكام تنفيذها أمام التحركات الأمريكية الأقدم والأكثر اتساعاً وتأثيراً.
ثالثاً: أن من أهم الأهداف الإستراتيجية الأمريكية في العالم بشكل عام وفي القرن الأفريقي بشكل خاص “السيطرة الكاملة على إجراءات تأمين المسارات الملاحية والمضايق، بما فيها البحر الأحمر بصفته المدخل الشرقي للشريان الرئيسي للملاحة البحرية (قناة السويس)، وذلك بين المحيطين الهادي والهندي شرقاً والبحر المتوسط والمحيط الأطلنطي غرباً، وبما يمنح الولايات المتحدة فرص الاستمرار في السيطرة على حركة النقل والانتشار العسكري عبر البحار كضامن أساسي للهيمنة الاقتصادية والعسكرية عالمياً ضمن الاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة “التوازن من خلف البحار – Offshore Balancing”، ومن ثم السيطرة على تدفق النفط الضامن الأساسي للصناعة والتطور التكنولوجي في دول آسيا والباسفيك خاصةً دول شرق آسيا (وعلى رأسها الصين)، حيث تمتلك هذه الدول أكبر مراكز الصناعة والتكنولوجيا في العالم بجانب الولايات المتحدة وأوروبا. الأمر، الذي بدوره، يستهدف حرمان الصين من ميزة السيطرة على هذه المقدرات ويعرقل مبادراتها العالمية “الحزام والطريق”، كما يحرم روسيا من رواج تجارتها للسلاح في الإقليم.

د. سيد غنيم
دكتوراه في العلوم السياسية
زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا ، مصر
IGSDAرئيس معهد الأمن العالمي وشؤون الدفاع ، الإمارات العربية المتحدة