أحدث قرار مجلس الوزراء برئاسة الرئيس تبون عبد المجيد، الخاص بتفعيل تدابير مكافحة الفساد والعمل بمبدأ “من أين لك هذا؟”، حالة استنفار وسط الكبار والصغار. لا أحد إلى الآن يعرف إلى أين ستصل هذه المبادرة لمكافحة الفساد والحد من انتشاره.

وتشير معلومات جمعتها “الخبر” من عدة ولايات إلى أن عددا كبيرا من الأشخاص محل شبهة بممارسات فساد سابقة، يعيشون أياما عصيبة وصعبة. الجميع يسأل عن الكيفية التي سيتم بها تنفيذ التدابير الجديدة، وهل يمكن أن يعود “كابوس 2019” بالنسبة للأشخاص محل الشبهة بالفساد؟ وأسئلة أخرى منها احتمال تشكيل لجان تفتيش أو لجان تحقيق، وهل ستتواصل الحملة لفترة طويلة أم أن الأمر قد يقتصر على أشهر فقط.

قال القاضي الذي كان في لحظة غضب واستياء لموظف متابع في قضايا رشوة “إن أبناءك سيلعنونك”، فرد الموظف على القاضي: “إن أبنائي أهانوني ولعنوني قبل سنوات عندما عجزت ذات شتاء عن شراء أحذية جديدة لهم، ومنذ ذلك اليوم تعلمت الرشوة، وتحولت إلى أكبر مرتشٍ.. بدأت من أجل شراء أحذية لأبنائي وانتهى بي الأمر بشراء شقق وفيلات”.. إنها قصة تختصر الكثير من حكايات الفساد.

الجهر بالمعصية أخطر من المعصية

في مكتب مدير عام شركة خاصة، يحاول صديق مدير وصاحب الشركة، ثني المدير عن قرار طرد أحد كبار موظفيه، الوسيط ألح في تكرار السؤال حول سبب طرد الموظف، لكن المدير رفض تفسير القرار، ومع إصرار الضيف على معرفة السبب، قال صاحب الشركة إن موظفه تحداه وهو لن يتسامح مع التحدي، فسأل الضيف عن طبيعة التحدي، فجاء الرد بأن الموظف اشترى قبل أيام سيارة أغلى من سيارة المدير نفسه، وتجرأ فوق هذا بالقدوم بالسيارة الغالية إلى مقر الشركة.

هذه القصة حقيقية وقد وقعت في شركة خاصة في ولاية بجاية عام 2002، وتصلح تماما للتعبير عن عشرات القصص لبعض موظفي القطاع العمومي الإداري الذي يتجرؤون يوميا ويمارسون التحدي، بسيارات لا تتوافق مع إمكاناتهم، ولا يمكن تبريرها بأجورهم الشهرية، وبعضهم يقيم في بيوت لا يمكنهم شراؤها.

في قصة ثانية لإطار إداري سابق تم تعيينه في منصب مسؤولية بولاية جنوبية، كانت كل ممتلكاته الشخصية عبارة عن شقة من غرفتين في حي شعبي بالجزائر العاصمة، لكن بعد 10 سنوات عمل في منصب مسؤولية، غادر المنصب ومعه شقتان في العاصمة وفيلا في منطقة العاشور، تم بناؤها وتأثيثها بأحدث وأفخم الأثاث. قصص كثيرة لا يمكن حصرها تعبر عن حالات عجز عن تبرير مصدر الثروة.

يقول فقهاء الدين إن الجهر بالمعصية قد يكون أعظم إثما من المعصية ذاتها، وهذه حالة الكثير من صغار وكبار الموظفين والمنتخبين التنفيذيين من أصحاب المسؤولية، الذين جهر بعضهم بإظهار الثراء غير المبرر بشكل مبالغ فيه، فبات من الطبيعي أن يمتلك موظف لا يتعدى راتبه الشهري 10 أو 15 مليون سنتيم شقة من 5 غرف ضمن عمارة ترقية عقارية في العاصمة أو وهران، بل وأحيانا فيلا في حي راق في مدينة ساحلية، وبات من الطبيعي أن يتنقل موظف أو إطار في الإدارة بسيارة يصل ثمنها إلى مليار سنتيم!

وفي إحدى البلديات الساحلية غربي ولاية مستغانم أقيمت فيلا راقية جدا تفوق تكلفتها 5 أو 6 ملايير سنتيم، في البداية اعتقد الفلاحون الذين يقيمون بالقرب من هذه الفيلا التي لا تبعد عن شاطئ البحر سوى بأقل من 500 متر بأن البناء يعود لجزائري مغترب، حيث درج الأثرياء المغتربون على بناء إقامات ساحلية هنا، لكنهم فوجئوا في النهاية بأن الفيلا يملكها أحد كبار موظفي شركة سوناطراك الذي يزور المكان مرة كل سنة.

وغير بعيد عن المكان بذات البلدية، شيد والي سابق فيلا لا تقل فخامة عن مثيلتها أقيمت على الطريقة الكولونيالية، وقد علق أحد منتسبي أجهزة الأمن على الموضوع قائلا: “يمكن بسهولة شديدة كشف المرتشين في أجهزة الإدارة، وذلك بإحصاء القصور والفيلات والشقق الفخمة التي أنجزت في السنوات العشر الأخيرة، وسنجد أن أغلبها يعود لمسؤولين في الدولة”.

كابوس 2019!

مجموعة كبيرة من الأسئلة يتداولها أشخاص أغلبهم على صلة بقضايا ثراء غير مشروع، ارتبطت بشكل أو بآخر بمناصب تنفيذية أو مناصب انتخابية، لكن هذه الأسئلة تبقى بلا إجابة، لأنه لا أحد يعرف طبيعة وكيفية تنفيذ المبادرة الجديدة لمواجهة الفساد في الجزائر.

ولعل السؤال الأكثر تداولا على مستوى 58 ولاية في الجزائر هو: متى تبدأ الحملة الجديدة على الفساد؟ وهل ستنحصر كما في عام 2019 على العاصمة ومحيطها وولايات كبرى مثل وهران وقسنطينة وعنابة فقط؟

يقول زمام ناصر، عضو سابق في المجلس الاقتصادي والاجتماعي الجزائري: “علينا انتظار تفعيل مبادرة رئيس الجمهورية، أو بتعبير أدق تحولها إلى إطار قانوني كامل وفعّال، وأي كلام الآن سابق لأوانه”، ويضيف: “يجب علينا أن نشير إلى أن رئاسة الجمهورية في الجزائر أكدت من البداية عزمها على مكافحة الفساد أو على الأقل وقفه نهائيا، وعلى الأغلب فإن الرئيس قرر دفع الأمور إلى الأمام الآن من أجل طمأنة المواطنين الذين يعانون من تبعات تراجع القدرة الشرائية بأن الصرامة هي عنوان المرحلة القادمة، والأهم حسب اعتقادي هو أن رئاسة الجمهورية والحكومة تريان أن أي اقلاع اقتصادي فعلي يحتاج لتفعيل تدابير أشد صرامة للقضاء نهائيا على الفساد، من جهة، ومن جهة ثانية استرجاع الأموال المنهوبة في الفترة قبل عام 2019، والتي استثمر جزء منها في الجزائر”.

ويتابع المتحدث: “من المهم الآن عدم اعتماد الإثارة في التعاطي مع مثل هذا القرار، لأن مفعوله قد يكون عكسيا، أو بمعنى آخر قد تؤدي الشائعات إلى إلحاق الضرر بالاقتصاد الوطني، بشكل خاص في حالة عزوف الموظفين الكبار عن العمل، أو عدم التوقيع على القرارات المهمة على أساس أن الأمر يتعلق بحملة جديدة وواسعة لمكافحة الفساد”.

تحقيق أمني بدأ في عام 2020

إلى اليوم لا تتوفر معطيات أو معلومات حول سبب الحملة الجديدة المقررة ضد الفساد بأمر الرئيس عبد المجيد تبون، بالرغم من أن بعض الشائعات تقول إن تقارير أمنية وُجهت إلى رئاسة الجمهورية من مصالح أمنية مختلفة، تضمنت بيانات كاملة حول مجموعة كبيرة من المسؤولين السابقين، وموظفين ومنتخبين، وممتلكات خاصة أغلبها محل شبهة.

وبالرغم من عدم توفر تأكيد رسمي حول هذه المعلومة، إلا أنها قد تعطي فكرة حول أسباب تحرك الحكومة الجزائرية الأخير ضد الفساد. وتشير المعلومة إلى أن مصالح الأمن تمتلك في الوقت الحالي بيانات كاملة حول عدد من الأشخاص محل الشبهة بتحقيق الثراء غير المشروع، سواء من الموظفين السابقين أو من فئة رجال الأعمال الذين يتم استخدام بعضهم كغطاء من قبل موظفين، أو من فئة رجال الأعمال الذين حققوا ثراء غير مشروع سواء بسبب معروف من قبيل مضاربة أو تجارة ممنوعات، أو عن طريق نشاطات إجرامية سابقا مباشرة مثل المخدرات، حبوب الهلوسة أو غيرها، ويتم التغطية عليها بأنشطة تجارية وهمية.

وتبدو هذه المعلومة منطقية جدا عند الأخذ في الاعتبار بأن مصالح الأمن المتخصصة سبق لها فتح تحقيقات معمقة حول شبكات الفساد الكبيرة والصغيرة في عام 2019، كما أن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون شدد في أكثر من مناسبة على أن مكافحة الفساد ضمن أولويات الدولة الجزائرية.

يقول المحامي الأستاذ شعيب عبد الحاكم: “في رأيي الخاص لا يمكن لمصالح الأمن فتح تحقيق حول ثروات المواطنين إلا في حالتين اثنتين، تعليمات قضائية نيابية مباشرة، أو توفر معلومات وقرائن تصل إلى مستوى الدليل تؤكد وجود شبهة فساد مباشرة، أو ثراء غير مشروع، أما بالنسبة لقرارات الحكومة والرئاسة الخاصة بمكافحة الفساد، فإنها لن تخرج عن دائرة الإحالة على القضاء، أو بتعبير أصح، أي إجراء قانوني ضد أشخاص محل شبهة بممارسة الفساد سيكون تحت رقابة القضاء الذي له الحق في ممارسة أي سلطة تتعلق بمكافحة الفساد، وهذا أمر ثابت”.

ويضيف المحامي “السلطات العمومية الجزائرية قد تتحرك، في اعتقادي، في اتجاه سن منظومة قانونية مشددة تعاقب على جرائم الثراء غير المشروع المتأتي بشكل خاص من أنشطة الاستغلال غير القانوني للسلطات والصلاحيات، وأن تعتمد السلطات العمومية قوانين وآليات جديدة لتتبع الوضع المالي للموظفين والمنتخبين مستقبلا بشكل يسمح بالرقابة الدائمة، أما أن تتجه الأمور إلى تنفيذ حملة واسعة مشابهة أو أكبر من تلك التي وقعت في عام 2019، فهذا أمر مستبعد حسب رأيي”.

التوقيت والسبب

القرار المعلن من رئاسة الجمهورية الجزائرية جاء في نهاية سنة 2021، السنة الصعبة صحيا واقتصاديا في الجزائر، وهي ذاتها السنة التي ثبت خلالها بالدليل أن كل الإجراءات المتخذة لاسترجاع الأموال التي تستثمر خارج الإطار الرسمية ضمن الاقتصاد الموازي، إضافة إلى الصعوبات التي واجهتها الحكومة لاسترجاع جزء من الأموال المنهوبة، بشكل خاص تلك التي تم تهريبها إلى الخارج، وحتى الجزء الأكبر منها الموجود إلى اليوم في الجزائر، وهذا رغم التحركات الواسعة للحكومة في هذا المجال، عبر وضع اليد على عدد من الأملاك المصادرة من رجال أعمال ومسؤولين سابقين كبار.. هذه المعطيات أدت إلى تأخر تجسيد أحد أهم تعهدات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون في حملته الانتخابية عام 2019، وربما كان هذا أحد أبرز أسباب التحرك الأخير الذي فاجأ الكثيرين في الجزائر، لأنه جاء عقب إجراءات “طمأنة الموظفين العموميين”، وهي تلك التي اتخذتها السلطات العمومية لتحرير المبادرة على مستوى الإدارة العمومية، بعد الجمود الكبير الذي أحدثته حملة محاربة الفساد في عام 2019، ومن ضمنها إجراءات تتعلق بكيفية إطلاق التحقيقات الأمنية والقضائية في قضايا الفساد، وعدم فتح تحقيقات إلا بعد الحصول على أدلة قوية ومتماسكة ضد أي شخص محل شبهة، والقرار الخاص بتصنيف الرسائل المجهولة كشكاوى كيدية.

يقول الدكتور مراز عثمان المتخصص في الإعلام: “قراءتي للتطورات الأخيرة في الجزائر، بشكل خاص قرار العمل بمبدأ من أين لك هذا؟ بالنسبة لموظفي ومنتخبي الدولة الجزائرية، هي أن القرار اتخذ على أعلى مستوى ومنذ عدة أشهر، وأن رئيس الجمهورية اختار الإعلان عنه في التوقيت المناسب، على الأغلب فإن إجراءات احترازية اتخذت قبل عدة أشهر، وقبل الإعلان عن مثل هذا القرار المهم تم التحضير له بشكل جيد، لأنه من المستحيل أن يأتي مثل هذا الإعلان الرسمي دون تحضير، على الأقل على مستوى التنسيق بين رئاسة الجمهورية ووزارة العدل والمصالح الأمنية”.

ويضيف الدكتور: “حسب قراءتي للأحداث، فإن تنفيذ هذا الإجراء أو القرار سيتم بالتدريج، أو خطوة خطوة، بفرض مجموعة من التدابير القانونية والإدارية، مثل مراجعة إجراء التصريح بالممتلكات، والتدقيق في حركة رؤوس الأموال في سنوات سابقة، بما في ذلك الاستثمار في العقار السكني الصناعي والتجاري، ونشاط تداول العملات الأجنبية في الجزائر، وإجراءات أخرى”.

ويضيف المتحدث: “أعتقد أننا أمام مرحلة جديدة تماما من الحرب على الفساد، قد تتضح ملامحها بعد صدور قوانين جديدة، الأمر المؤكد هو أن صانع القرار في الجزائر يكون قد اقتنع بأن المنظومة القانونية الحالية غير كافية أو ملائمة لمواجهة الفساد، من جهة، ومن جهة ثانية فإن القيادة السياسية في الجزائر الآن ترغب تأكيد عزمها على محاربة الفساد، بشكل خاص للأجانب الراغبين في الاستثمار في الجزائر وللجزائريين المغتربين، لأن الشفافية هي الشرط الأهم لجلب الاستثمار الأجنبي”.

آخر علاج الكي..

دفعت أزمة السيولة المالية التي عاشتها الجزائر في عام 2020 إلى التفكير أكثر في اتخاذ كل الإجراءات الضرورية لتقليص حصة السوق الموازي في الاقتصاد الوطني، خاصة بعد تقدير الرئيس عبد المجيد تبون قيمة السوق الموازي بنحو 75 مليار دولار، وتقدير بعض الاقتصاديين الخبراء للسوق الموازي في الجزائر بما بين 90 و100 مليار دولار. وبما أن أصحاب المليارات المستثمرة خارج الإطار الرسمي يرفضون التعاون مع الحكومة لبناء اقتصاد حقيقي، فإن الحل الوحيد المتبقي هو التشدد في مواجهة المال الخفي والسوق الموازي.

المال الفاسد لـ “تغذية” الأزمات

معطى آخر دفع الحكومة للتحرك، وهي كما يقول خبراء شبهات تشير إلى دور ما للمال “الخفي” في بعض الأزمات، ومنها المضاربة في بعض المواد الغذائية.

وفي هذا الموضوع يقول بن صالح ادريس، طالب دكتوراه قانون دولي وباحث في الشأن السياسي: “إن ما يقوم به أصحاب المال الخفي في الجزائر قد يرتقي في خطورته إلى مستوى الخيانة.. البلاد في أزمة اقتصادية طاحنة، وأزمة صحية، والحكومة تتوسل من أجل إدخال مال السوق الموازي إلى الاقتصاد الحقيقي، ورغم هذا لا أحد يستجيب بالرغم من كل الإجراءات التحفيزية التي بدأت منذ 6 أو 7 سنوات سابقة، وهذا يفسر تشدد الحكومة الآن، والذي يتوقع أن يزداد في أشهر قادمة، لأنه من غير المعقول أن تسمح أي دولة ببقاء جزء كبير من آلتها الاقتصادية خارج الرقابة”.

ويضيف المتحدث “الحكومة تدرك تماما بأن الجزء الأكبر من المال الخفي أو السوق الموازي متأتٍّ من عمليات غير قانونية، تبدأ بالتهرب الضريبي، وتنتهي بتجارة كل أنواع الممنوعات”، ويتابع ادريس بن صالح “قرار الرئيس تبون الأخير هو نتيجة طبيعية لرفض فئة من الجزائريين، من الذين يتحكمون في السوق الموازي والأموال الضخمة التي تتحرك خارج الإطار الرسمي، إدخال أموالهم الضخمة إلى البنوك، أو تحويلها إلى أموال شرعية، بالرغم من كل الإجراءات التي اتخذتها الدولة لطمأنتهم، وبالرغم من إقرار إجراءات خاصة مثل الصيرفة الإسلامية، والأوامر التي صدرت بعدم فتح تحقيقات مع كل من يودع مبالغ كبيرة في البنوك الجزائرية طواعية، إلا أن كل هذه الإجراءات، بما فيها وقف التعاطي مع الرسائل المجهولة، لم تحقق المطلوب من المصالحة المالية أو الاقتصادية، وبما أن كل إجراءات إعادة الثقة لم تفتح الباب وجب اللجوء إلى التشدد لأنه الحل الوحيد لإدخال المال السري إلى المنظومة الرسمية”.

قدسية المال العام

البدء بتطبيق مبدأ من أين لك هذا؟ لا يعني بالضرورة تنفيذ حملة واسعة وطنية لمحاسبة الموظفين السابقين والحاليين على ثرواتهم، بل قد يكون عنوانا بارزا لمرحلة جديدة تقوم على أساس قدسية المال العام وحرمة المساس به. الرئاسة ترغب أولا في تحذير الجميع من جديد، والتأكيد على أن أي تلاعب بأموال الدولة لن يكون محل تسامح.

مبدأ من أين لك هذا؟ قد لا يطبق بأثر رجعي حسب بعض الخبراء، بل سيكون تنفيذه ساري المفعول اعتبارا من بداية العمل به. ووجهة النظر هذه تقوم على أساس أن إعلان رئاسة الجمهورية الأخير حول الفساد لا يعني بالضرورة أن السلطات العمومية ستبدأ من فورها في محاسبة موظفي الدولة السابقين ومنتخبيها السابقين والحاليين على ثرواتهم، لكنه إنذار مشدد وأمر واجب النفاذ.

هذه هي وجهة نظر راجم عبد الرحمن، باحث سياسي وناشط في مجال النزاهة والشفافية: “لدينا واقع اقتصادي معقد بل بالغ التعقيد، وهذا يحتاج لعقلانية في التعاطي مع الأزمة الحالية، وأعتقد أن رئيس الجمهورية يرغب بالفعل في إرساء قواعد جديدة للنزاهة والشفافية، ليس من أجل عقاب موظف أو مجموعة موظفين، بل من أجل تحسين الأداء الاقتصادي، واسترجاع ثقة المستثمر الوطني والأجنبي، لأن تنفيذ حملات محاربة فساد عشوائية واسعة، ثبت بالدليل أنها تأتي بأثر عكسي على الاقتصاد الوطني، فكل ما تعانيه الجزائر من أزمات في التزود بالمواد الأساسية، وما يحدث من مضاربة، وأزمات السيولة وماء الشرب، سببه في رأيي خوف الموظفين الكبار والصغار من المساءلة، فالوثيقة التي كان توقيعها يتطلب ساعات صارت تحتاج لأسابيع وأشهر، لأن الجميع خائف، وإذا تم تخيير أي موظف أو منتخب بين العزل من المنصب بسبب التسيب والإهمال وبين السجن، فسيختار العزل والطرد، لهذا السبب فإن خطوات رئاسة الجمهورية الأخيرة وقائية أكثر منها ردعية، فهي من جهة إنذار مشدد لجميع العاملين في الدولة، ومن جهة ثانية رسالة طمأنة لكل من يرغب في استثمار أمواله سواء كان من الجزائر أو من الخارج”.

ويضيف المتحدث: “الجزائر اليوم تحتاج لبناء اقتصادها، أو بالأحرى ترميمه قبل بداية البناء الحقيقي، وهذا ليس وقت الحساب الشامل، يجب أن لا ننسى دوامة الأزمات الموروثة، والتي لها أسباب عدة بدأت بالمأساة الوطنية، ثم حالة التسيب في التسيير التي سادت آخر سنوات حكم الرئيس الراحل بوتفليقة، وأخيرا التغيير السياسي الذي أعقبته جائحة كورونا، كل هذه العوامل ليست غائبة بالتأكيد عن صانع القرار في الدولة الجزائرية، وهو يدرك تماما أن بعض الأزمات التي يعايشها المواطن العادي اليوم في الجزائر ناتجة عن كل العوامل سالفة الذكر مجتمعة”.

ما هي قيمة الأموال المنهوبة؟

إلى اليوم لا تتوفر معطيات واضحة ودقيقة حول قيمة العمولات والرشاوى التي دُفعت في الجزائر لموظفين ومنتخبين ومسؤولين سابقين في الجزائر، بالرغم من كل القضايا المعروضة أمام العدالة الجزائرية، والتي اتُهم فيها وزراء رؤساء حكومة ومسؤولون كبار سابقون، إلا أن الأمر المؤكد هو أن القيمة الإجمالية للرشاوى والعمولات التي دفعت في مستويات عدة قد تتعدى مليارات الدولارات، فمن غير المنطقي، مع وجود العدد الكبير للمتهمين في قضايا الفساد المفتوحة منذ عام 2019، وحجم الصفقات التي تم التحقيق بشأنها، وحجم القروض البنكية والتسهيلات، أن تقل قيمة العمولات عن عدة مليارات من الدولارات.

الموضوع كما يقول خبراء ليس فقط من اختصاص القضاء، بل من اختصاص خبراء في تتبع عمليات تبييض الأموال. يقول الدكتور جوادي نزيم، متخصص في العلوم السياسية: “الأموال المنهوبة غير الشرعية التي قدمت في شكل رشاوى وعمولات تنقسم حسب عدة تقسيمات: أموال تم استثمارها في مشاريع عقارية أو تجارية، وأموال تم صرفها في شراء منقولات وكماليات، وهي غير قابلة للاسترجاع، التقسيم الثاني يتعلق بالأموال المنهوبة التي ما تزال موجودة في الجزائر في شكل استثمارات أو عقارات أو أموال نقدية، والأخرى التي نقلت إلى الخارج، أو بالأحرى هربت، وإلى غاية الساعة لا تتوفر معلومات دقيقة حتى في القضايا التي قدمت أمام العدالة الجزائرية حول القيمة الإجمالية للأموال المنهوبة”.

ويضيف الدكتور: “المعضلة الآن في الجزائر لا تتعلق فقط باسترجاع أموال الرشوة أو الأموال التي قدمت كعمولات لموظفين، بل بتقديم قيمتها الحقيقية، في تقييمي فإن الأمر قد يحتاج لتحقيق طويل ومعقد، بل إن الجزائر قد تحتاج للاستعانة بخبراء دوليين متخصصين، لأن الموضوع يتعدى مجرد فتح تحقيق قضائي أو أمني”.

ويتابع المتحدث “السلطات العمومية الجزائرية تنبهت إلى هذا الموضوع في وقت مبكر، وقامت بتكوين قضاة جزائريين في مسائل تتبع قضايا غسيل الأموال، والفساد والجريمة المنظمة، ولكن المشكلة قد تتعلق بمسألتين: الأولى حجم وعدد القضايا التي قدمت للعدالة وتم التحقيق فيها في وقت قصير منذ عام 2019، والثانية هي أن التحقيق في الكثير من القضايا تم تأجيله بعد جائحة كورونا في الربع الأول من عام 2020، يجب أن نشير هنا إلى أن الوقت كان ضيقا للغاية، فالفترة الفعلية التي تم فيها التحرك على نطاق واسع لفتح ملفات الفساد الكبرى كانت تقريبا 10 أشهر من بداية النصف الثاني من عام 2019 إلى غاية مارس 2020، وقد تحتاج الجزائر لسنتين على الأقل لفتح أهم ملفات الفساد للتحقيق فيها، قبل بداية استرجاع الأموال المنهوبة والتي هرب جزء منها”.

مليار ونصف مليار رشوة!

يقول المثل العامي الشهير “الخدّام المحتاج يتعلم السرقة”، بمعنى أن الموظف أو العامل الذي يحصل على راتب شهري ضعيف يتعلم الفساد رغما عنه. في هذا الشأن قال كاتب ضبط في إحدى المحاكم، طلب عدم كشف اسمه ولقبه: “غريب أمر الحكومة، تعطينا راتبا شهريا لا يكفي لأسبوع، وتعطينا معه ختم الجمهورية الجزائرية الذي يساوي المليارات أحيانا”.

هذه العبارة الصادرة عن موظف في مصالح وزارة العدل تعطي فكرة واضحة حول صعوبة البقاء نظيفا مع وجود مغريات كبيرة، الموظف الذي يتقاضى راتبا لا يتعدى في أفضل الحالات 8 أو 10 مليون سنتيم، ويعول أسرة وأحيانا يقيم في بيت بالإيجار.

ويقول الموظف الذي يقيم في ولاية داخلية في منزل قديم من غرفتين “بالنسبة لي فإن الحصول على سكن اجتماعي غير ممكن لأن راتبي الشهري لا يطابق شروط منح السكن الاجتماعي، في ذات الوقت لا يمكنني شراء شقة جديدة لأنني لا أملك المبلغ الكافي، كما أنني واجهت مشاكل أثناء التسجيل للحصول على سكن عدل”.

ويضيف المتحدث “قد لا تصدق أنني شخصيا عُرضت علي رشوة بقيمة مليار ونص مليار سنتيم في قضية كانت معروضة على العدالة، وللأمانة فقد رفضت العرض ليس بسبب الوازع الديني وحده بل خوفا من الوقوع في مشكلة، والآن أفكر كثيرا في هذا الموضوع، تصوروا أن شخصا يقيم في شقة من غرفتين مع زوجته وأبنائه الخمسة، تعرض عليه رشوة تكفي لشراء شقة من 5 غرف”.

في ذات الموضوع تقول موظفة سابقة عملت في منصب مهم في وكالة “عدل”، طلبت بدورها إخفاء هويتها، إنها فشلت حتى في الحصول على شقة ضمن برامج وكالة عدل، هذا الواقع المزري الذي تعيشه طائفة من الموظفين قد لا يبرر لوحده لجوء موظفين عموميين إلى قبول مزايا غير مستحقة من خواص ومن رجال أعمال، لقاء منح امتيازات غير مستحقة أو لخرق القانون، لكنه يعطي صورة واضحة حول طريقة تغلغل الفساد في مفاصل الإدارة العمومية.

يقول بوجبل سعيد، موظف متقاعد شغل منصب مدير في أملاك الدولة: “في الحقيقة المغريات التي تواجه أي موظف بسيط كبيرة، بشكل خاص الموظف الذي لديه سلطة اتخاذ القرار أو الذي يمكنه تحرير وثيقة مهمة أو محضر أو المصادقة على منح صفقة أو غيرها، وبصراحة شديدة وفي ظل الظروف الحالية أو السابقة، فإن قبول الرشوة يصبح في بعض الأحيان الحل الوحيد أمام موظف عمومي لديه مشكلات منها السكن، العلاج الجيد له ولزوجته وأبنائه، وقضاء العطل وغيرها، وفي رأيي فإن الحل لا يتعلق فقط بتوفير الإمكانات بل أيضا بالخوف من الله، والاعتقاد بأن قبول الرشوة يعني إلحاق ضرر بالوطن ككل”.

270 ألف في سبعينات القرن الماضي

يرى طريف جلال، مدير ولائي سابق للطاقة، أن من المستحيل مكافحة الفساد وتطبيق مبادئ النزاهة دون توفير ظروف الحياة الكريمة للموظفين العموميين. ويقول المتحدث “من المستحيل منع الفساد في بلد ما دون أن يتم توفير راتب يسمح للموظف بالعيش بكرامة، وحتى نكون منصفين أكثر فإن الراتب الذي يسمح للموظف بالعيش بكرامة يحتاج لإصلاحات قانونية واقتصادية، وهذا أمر بعيد المنال الآن”، ويضيف طريف جلال “تخرجت من الجامعة في عام 1977، وطيلة فترة الدراسة كنا كطلبة نتقاضى 2700 دينار منحة الطالب في تلك الفترة، وكانت مبلغا ضخما لدرجة أن طلبة جامعيين وأنا من بينهم كنا نرسل منها النقود إلى عائلاتنا في البلاد، بعض الطلبة بلغت به الأمور حد التنقل إلى الخارج للسياحة بهذا المبلغ الذي كان بمقاييس تلك الفترة كبيرا جدا، كنا كطلبة نشعر بالفعل بأن الدولة حريصة على كرامتنا حتى قبل التوظيف، ربما لأن عدد الطلبة في تلك الفترة كان بسيطا، وأعباء الدولة لم تكن بمستوى الضخامة الموجودة الآن، لكن الفكرة التي أرغب في إيصالها هي أن الدولة يجب أن تعمل في ذات الوقت على مكافحة الفساد، مع تحسين وضعية العاملين في الإدارة العمومية، وهذا ليس بالأمر الصعب لكنه مهم وحيوي، لأن تحسين أداء المرفق الإداري العمومي غير ممكن دون توفير الرعاية للعنصر البشري”.