Print Friendly, PDF & Email

هل يستعد العراق لتحول في منظوره الاستراتيجي
وليد عبد الحي

تدل قراءة التاريخ الجيواستراتيجي العراقي على ربط بين أمن ” بلاد الرافدين” وبين فلسطين منذ نبوخذ نصر ، بل ان التاريخ الحديث والمعاصر يعزز هذه الفرضية، ففي العهد الملكي قاتل الجيش العراقي في فلسطين، وفي فترة الشيوعيين تبنت العراق جيش التحرير الفلسطيني، بل ان قادة الانقلاب عام 1958 كانوا من الضباط العراقيين العائدين من فلسطين، وفي عهد الاخوين عارف قاتل الجيش العراقي في فلسطين، وكان الامر ذاته مع البعثيين الذين قاتل جيشهم على جبهات الجولان وقناة السويس.
وبعد سقوط بغداد 2003، تم حل الجيش العراقي، وطفت على وجه مياه دجلة والفرات طبقة سياسية يغلب عليها ” النزعة الدينية بقدر من النزعة المذهبية” والمشبعة بقدر من الثقافة ” الثأرية”، كما اصبحت القوى الكردية نقطة الترجيح بين توازنات القوى السياسية العراقية، كما اضفى الدستور العراقي نوعا من ” اللبننة” في العراق، فاصبح رئيس الجمهورية كرديا، ورئيس الوزراء شيعيا، ورئيس مجلس النواب سنيا، وهو تكريس لبنية سياسية ستجعل من مفهوم المواطنة امرا قد يستعصي على التطور على غرار النموذج اللبناني.

لكن المنظور الاستراتيجي للنخبة الجديدة في الجسد السياسي العراقي يدل على بداية ” تحول هادئ ومريب” نحو توجهات ثلاثة:

أ‌- التلميح بالتناغم مع التوجه العربي للتطبيع مع اسرائيل، ولعل تصريحات وزير الخارجية العراقي الجديد عن ” القبول بحل الدولتين، ثم التأكيد على قبول المبادرة العربية ثم التأكيد من قبل رئيس الوزراء على استعداد العراق لبناء علاقات سلمية وتعاونية مع ” جميع” دول المنطقة ، وعدم استخدام الجيش العراقي للاعتداء على ” أي” من دول المنطقة تدل على ان هناك مخاضا في العقيدة الجيواستراتيجة للدولة العراقية الجديدة.
ويبدو ان رئيس الجمهورية ” برهم صالح” المعروف بانه من أكثر القيادات الكردية رغبة في إدارة الظهر العراقي للموضوع الفلسطيني يعطي نفسه مساحة أوسع للحركة الدبلوماسية ، فرغم انه يتولى منصبا ” شرفيا” طبقا للدستور العراقي، الا ان تصريحات برهم صالح مع الرئيس التركي مؤخرا تشير الى نوع من ” التوسع” في تفسير الحدود الدستورية لصلاحياته بشكل قد يجعل منه لاعبا أكثر اهمية مما يمنحه الدستور.
وبالمقابل، لا تشي تقلبات رئيس الوزراء العراقي بقدر من الاطمئنان لتوجهاته، فهو شخص انتقل من اسرة كان والده وزيرا في العهد الملكي إلى الانضمام للبعث العربي وتبني القومية ثم تحول للتوجهات الماوية اليسارية لينتهي في حضن قوة سياسية دينية تقوم على التوريث في قيادتها( الحكيم واولاده).
وعند متابعة الأدبيات السياسية العراقية الراهنة، يتبين ان شحنة الارتباط العراقي بالموضوع الفلسطيني بدأت تخبو تدريجيا، رغم بعض الاصوات من هنا او هناك.

ب‌- الوجود الامريكي في العراق: إن وجود قوات وقواعد عسكرية أمريكية في العراق ، وعدم طرح فكرة فك الارتباط العراقي مع الولايات المتحدة امر يشير الى ان هناك ” إما اتفاقات سرية” او تفاهمات ضمنية بين النخبة العراقية الحاكمة والعسكرية وبين الولايات المتحدة، ويبدو ان الصراع الإيراني الامريكي يضيق من مساحة القرار العراقي المستقل، ومن غير الممكن تصور أن الوجود الامريكي في الاراضي العراقية منفصل عن أركان الامن الاسرائيلي.

ت‌- استمرار الفساد وعدم الاستقرار في العراق يعزز ظروف تبرير انفصال العراق عن المشكلات العربية بل وتبرير الانقلاب المحتمل في التوجهات الاستراتجية، فالعراق وان تحسن الوضع فيه من 2016- 2018، الا ان العراق ما يزال ضمن أعلى 11 دولة في العالم في مستوى ” الهشاشة” السياسية.
كل ذلك يوحي بأن العراق يقف على مفترق طرق، لكن المؤشرات الأولية لا توحي بالاطمئنان للتوجهات الاستراتيجية التي تبدو أقلام القوى السياسية الجديدة تخطها بهدوء .