ما مصير الجزائر؟ هل سيحدث الربيع العربي بدولة الجزائر مثلما حدث في مصر وتونس وليبيا؟ أم أن هناك رأي أخر للجزائرين؟ وما دور النخبة في الجزائر بعد إعلان بوتفليقة عدم ترشحه لفترة رئاسية قادمة؟ وما الدور الحقيقي للقوات المسلحة الجزائرية؟ ما الأسماء التي يمكن طرحها للفوز بكرسي الرئاسة الجزائرية؟ وما الأدوار المختلفة للقوى الخارجية التي كانت ساكنة في عهد بوتفليقة؟ إلى أي مدى يمكن تجميع القوى الداخلية للحفاظ على استقرار الجزائر؟ كيف يمكن حل التحديات التي تواجة الشعب الجزائر والتي تتعلق بالصحة والتعليم والبنية الأساسية؟ وكيف يمكن إدارة الدولة خلال المرحلة الانتقالية؟.

مع بداية 2019 يستقبل العالم تحركات شعبية يعلو صوتها منذ أسابيع في العاصمة الجزائرية، كما يبدو أن شهر مارس هو الفيصل في خريطة التحولات في دولة الجزائر ، ويبدو أيضاً أن عصر الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قد انتهى مع تصريحات الرئيس بأنه لا ينوي الترشح لفترة رئاسية خامسة، كما يبدو أن عهداً جديداً في الأفق سوف يظهر على الساحة السياسية في الجزائر، وأصبحت علاماته غامضه، فليس في الأفق أي بوادر لظهور شخصية يلتف حولها الشعب الجزائري مثلما ألتف الشعب الجزائري حول الرئيس بوتفليقه عام 1999

 فالجزائر التي نعمت بالاستقرار في عهد الرئيس بوتفليقه مع تدهور قطاعات أساسية أصبحت تستيقظ على احتجاجات حينما أراد بوتفليقة الترشح قبل أن يعيد حساباته ويعلن عدم الترشح ؛ لحماية شعبه من سلاسل الدماء التي ستغمر البلاد إذا تمسك الرئيس بترشحه. وبات التضخم وقلة الموارد والأسعار والقضاء على البطالة هم الشبح الحقيقي للحكومات المختلفة ومقياس صعب لاختبار هذه الحكومات في التعامل مع هذه الأزمات بطريقة ليست تقليدية.

 كما يرى مراقبون أن صدوعا وتشققات بدأت تظهر فيما يوصف بـ”حصن بوتفليقة المنيع”، وذلك بعد تغير لغة الجيش الجزائري وأعضاء في الحزب الحاكم والحرس القديم تجاه “مستقبل” الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، الذي يواجه تحديات و مطالب شعبية حاشدة بالتنحي والتخلي عن كرسي الرئاسة، وعدم الترشح لولاية خامسة.

 كما  أصبحت تصريحات رئيس الأركان الجزائري، بشأن اصطفاف الجيش وتوحده في صف الشعب الجزائري، منعطفاً في الاحتجاجات التي تشهدها البلاد ضد ترشح بوتفليقة فترة رئاسية قادمة.  فيما اعتبر محللون أن تصريح رئيس أركان الجيش يعتبر أوضح مؤشر على وقوف قادة الجيش مع المحتجين من الجزائريين الذين سعدوا بعدم ترشح بوتفليقة لفترة رئاسية خامسة. فيما انسحب رئيس حزب عهد 54، علي فوزي رباعين، من السباق الانتخابي الرئاسي قبل يومين من الفصل النهائي في قائمة المرشحين للانتخابات الرئاسية من قبل المجلس الدستوري. ويأتي هذا الإنسحاب بعد انضمام أكثر من ألف قاض إلى احتجاجات قادها المحامين ضد ما وصفوه بالاعتداء على الدستور.

 ولقد أشار معظم القضاة الجزائرين ، بالاضافة إلى الاتحاد العام للعمال الجزائريين بأنهم سيشكلون “اتحادا جديدا”، فيما يمثل إحدى كبرى الضربات القاسية للرئيس بوتفليقة منذ بدء الاحتجاجات منذ أكثر من أسبوعين ضد سعيه لتمديد ولايته، وأشاروا إلى أن التغيير ضروري لكن يجب أن يكون سلمياً في الدولة التي تشهد تظاهر عشرات الآلاف من الأشخاص ضد بوتفليقة. فمن الواضح أن الاتحاد العام للعمال الجزائريين يعتبر الحاجة إلى التغيير ملحه، لكن يجب أن يكون ذلك من خلال الحوار والنقاش.

فيما غادر الرئيس بوتفليقة الجزائر في 24 فبراير المنصرم للعلاج، وسط احتجاجات عارمة ضد ترشحه للانتخابات الرئاسية لولاية خامسة. وعلماً بأنه لم يظهر الرئيس بوتفليقة في العلن إلا نادرا منذ إصابته بجلطة دماغية في 2013، حيث دفع قرار بوتفليقة خوض الانتخابات الرئاسية إلى إشعال الاحتجاجات في الجزائر على مدار الأسابيع الأخيرة. ومن جهتهم استقال العديد من الشخصيات العامة ومنهم أعضاء في حزب جبهة التحرير الوطنية الحاكم، ونواب بالبرلمان للانضمام للاحتجاجات العامة.

 وكأن التاريخ يعيد نفسه ففي عام 1988 انطلقت تظاهرات واحتجاجات عارمة في الجزائر، أدت إلى الإطاحة بالرئيس الراحل الشاذلي ، فيما استحوزت الجبهة الإسلامية للإنقاذ على المقاعد الانتخابية.وفي ديسمبر عام 1991، ألغى الجيش الجزائري نتائج الانتخابات، ودخلت البلاد في نفق مظلم، بعدما اندلعت أعمال عنف واسعة، خلفت مئات الآلاف من القتلى والمصابين والمفقودين، ودمارًا هائلاً في الاقتصاد، وعُرفت تلك الحقبة بـ”العشرية الحمراء”. فيما ظهر عبد العزيز بوتفليقة خلال فترة “العشرية الحمراء”، والتف حوله الشعب الجزائري المستميت، وانتخب رئيسًا للبلاد في عام 1999، لتنتهي أصعب حقبة دموية في تاريخ دولة الجزائر. ويرى محللون أن “المنقذ” الذي التف حوله الشعب الجزائري في نهاية حقبة الثمانينات، أصبح حالياً مصدر لأزمة عاصفة تمر بها البلاد، بعدما اندلعت احتجاجات تناهض ترشحة لفترة أخرى .

السيناريوهات المطروحة

التأجيل

من الممكن أن يلجأ الحزب الحاكم في الجزائر إلى حيلة تأجيل الانتخابات ما يمنحه مزيدًا من الوقت للتخطيط  والتنظيم لإعادة ترتيب البيت من الداخل قبل انتهاء فترة إغلاق الترشح، للدفع بمرشح أخر ليخوض الانتخابات الرئاسية.

الدفع بمرشح أخر

هناك تكهنات وإرهاصات، بأن يدرج الحزب الحاكم اسم عبد المجيد تبون، الوزير الأول الأسبق، بدلاً من الرئيس بوتفليقة، لأنه يحظى بجماهيرية وشعبية عارمة.

الورقة الأخيرة

فيما يرى مراقبون أن سعيد بوتفليقة وهو أخو الرئيس بوتفليقة، هو الورقة الأخيرة التي سيتم طرحها في اللحظة الأخيرة، وعلماً بأن شقيق الرئيس لا يريد أن يتم الزجّ به إلا في النهاية، لأنه لا يحظى بتأييد معظم القوى السياسية.

القوى الدولية

 إن تأثير دولاً أوروبية  مثل فرنسا من جانب والولايات المتحدة من جانب أخر سيكون له باع كبير في مستقبل دولةالجزائر، فرغم أنهما لم يتدخلا في الأزمة بشكل مباشر، ولكنهم قادرين على إحداث تغيير.

القوات المسلحة

إن الجيش الجزائري  يدير الأوضاع بشكل غير مباشر داخل الدولة الجزائرية، لافتًا إلى أن هناك اتصالات على أعلى مستوى داخل القصر الرئاسي وخارجها أيضاً في إدارة الأمن. فإن سيناريو تدخل الجيش سيكون الأقوى إذا انفلتت الأمور في حالة الحراك الشعبي المتزايد.

والذي لا شك فيه أن هناك تغيراً استراتيجياً ستشهده البلاد فور انتهاء الحقبة البوتفليقية، والذي يحدد مصير دولة الجزائر هو الشعب الجزائري نفسه الذي قاد التغيير ، لكن الأهم هو كيفية المرور من بوتقة المرحلة الانتقالية.

بقلم / محمد بغدادي    باحث دكتوراة – كلية الاقتصاد والعلوم السياسية