هل يُمكن للصين أن تُغيّر النظام الدولي؟ دورُ القيادة الأخلاقية
دِبورا ويلتش لارسون، المجلة الصينية للسياسة الدولية، 17 فبراير 2020، المملكة المتحدة

إعداد وترجمة: جلال خشّيب، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية

تُقدّم الكاتبة في هذه الدراسة قراءة لآخر الكتب التّي نشرها الأكاديمي الصيني الشهير يان شيتونغ (Yan Xuetong) “القيادة وصعود القوى العظمى” (2020)، مُركّزةً بالضبط على مسألة صعود الصين، طبيعة هذا الصعود، تأثيراته على النظام الدولي، والأهمّ مدى إمكانية إضطلاع الصين بدورٍ قياديٍ أخلاقيٍ مختلفٍ عمّا مارسته القوى الغربية المهيمنة في التاريخ لاسيما الولايات المتحدة.
هناك آراءٌ متباينةٌ بخصوص الصعود الصيني بين من يرى بأنّ الصين تريد قلب النظام الدولي القائم على نحوٍ جذريٍ ما إن تصير قوةً عظمى رائدة، وبين من يرى بأنّ الصين تستفيد من النظام الدولي القائم وتُفضّل الإندماج فيه بعمقٍ أكبر، أمّا أكثر الآراء إعتدالاً فهي التّي تُحاجج بأنّ الصين ترغب في قلب بعض جوانب النظام اللبيرالي الراهن وفقاً لما يتماشى مع مصالحها، لكنّها لا تنوي الإطاحة بالنظام.
يفترض يان أنّه إذا كان للصين الصاعدة قيادة ذات عقلية إصلاحية فعّالة في وقتٍ لا تمتلك فيه القوة المهيمنة ذلك، فسوف تتفوّق القوة الصاعدة على المهيمنة من حيث القدرات الشاملة، إلاّ أنّ ذلك لن يكون متاحاً ما لم تتمكّن الصين من جذب أتباعٍ مقتنعين بأنّ الدولة الرائدة دولةٌ خيريةٌ وعادلة، الأمر الذّي يتطلّب صياغةً ودفاعاً عن إيديولوجيةٍ تجذب الثقافات الأخرى، وهذا ما يسميه يان بالسلطة الإنسانية (Human Authority) التّي تختلف عن الهيمنة وهذا المصطلح هو جوهر الدراسة. ومع التراجع النسبي للنفوذ الأمريكي والدعم العالمي لليبرالية، فضلاً عن الفراغ الذّي يخلّفه قرار ترامب بالإنسحاب من الإتفاقيات الدولية لاسيما في منطقة آسيا-الباسفيك، فإنّ للصين فرصةٌ سانحةٌ لملء هذا الفراغ، لذا على بيجين أن تتبّع بإستمرار القيم الأخلاقية في كلّ سياساتها الداخلية وعلاقاتها الدولية، وهو مطلبٌ ضروريٍ للقيادة الأخلاقية.
تنقسم هذه الدراسة إلى خمسة محاور أساسية، يمثّل المحور الأوّل مدخلاً نظرياً إعتمده كتاب يان أو ما يُسميّه “بالواقعية الأخلاقية” (Moral Realism) متأثّراً بتيار الواقعية الكلاسيكية، وفيه يؤكّد الكاتب على “المصداقية الإستراتيجية” بإعتبارها الصِفة الأهمّ للقيادة الأخلاقية الدولية (الوفاء بالوعود والإلتزمات تجاه الأصدقاء والخصوم وبناء الثقة) فهي السبيل إلى جعل الدول التابعة مستعدةً لتنفيذ رغبات الدولة القائد بطريقة طوعية، محاولاً هنا إستحضار المفهوم الصيني للسلطة (Quanwei) الذّي يعني “الهيبة والثقة الشعبية” والمختلِف عن المفهوم الغربي للسلطة (Power) المرتكز على التهديد الضمني بإستخدام القوة. فإعتماداً على الفكر الصيني القديم يصّك يان مصطلح “السلطة الإنسانية” الذّي يعتبره أعلى أشكال القيادة الدولية نظراً لما يبعثه من مصداقيةٍ وثقةٍ لدى الأتباع وما يخلقه من تأثيرٍ عليهم من خلال تكريس تفاعلاتٍ مفيدةٍ بينهم بدلاً من التهديد والإكراه، يُشير يان إلى سلوك الرئيس روزفلت إبّان الحرب العالمية الثانية حينما قرّر تقديم الدعم الطوعي للحلفاء ثمّ المساهمة بقوة في إنشاء الأمم المتحدة بإعتباره مثالاً تاريخياً من الغرب عمّا يقصده بالقيادة الإنسانية التطوعية (Benevolent Leadership).
يُفصّل القسم الثاني للدراسة في مسألة القيادة الداخلية وكيف تصنع هذه القيادة مكانة القوى العظمى، يُحاجج يان بأنّ الصين تتفوّق على الولايات المتحدة في “جودة القيادة المحليّة”، يأتي تركيزه على جودة القيادة ليؤكّد أهميّة الإختيار البشري وقدرة القادة على تشكيل فرص السلام أو الحرب، مُقوّضاً بذلك التنبؤات البنيوية (التّي يتنبّناها الواقعيين البنيويين) بإحتدام صراعٍ حتميٍ بين القوتيْن. وبعدما يُحدّد أنماط القيادة التّي تعرفها القوى الصاعدة، يرى الكاتب بأنّ للصين قيادةً نشطةً مُبادِرة (Proactive Leadership)، فهو النمط الذّي يهدف إلى تحسين وضع الدولة من خلال الوسائل السياسية عبر إجراء إصلاحاتٍ محليّةٍ تزيد من قوتّها، مُشيراً إلى مجموعة من الأدلّة العملية التّي تُثبت ذلك على غرار مشروع “حلم الإحياء العظيم للأمة الصينية” الذّي أعلن عنه القائد تشي جي بينغ سنة 2012. وفقا للكاتب، تسعى القيادة النشطة للصين إلى تعزيز مكانة البلد الدولية من خلال توسيع دائرة المؤيّدين، توفير الدعم والحماية لهم، وهذا ما تفعله الصين عبر إنشاءها لمؤسّسات إقليمية ودولية تهدف بواسطها لتحصيل القبول في نادي القوى العظمى على غرار إنشاء بنك الإستثمار الآسيوي للبنية التحتية (AIIBA) أو منظمة شنغهاي للتعاون، وهي آلية ذكية لا تستوجب الإمتثال المطلق للمعايير الدولية السائدة (التّي أرساها الغرب طبعا)، تُحافظ على الصفة الأخلاقية لقيادة الصين ولا تُظهرها بأنّها قوةٌ صاعدةٌ تريد قلب النظام القائم في المقابل.
يُناقش المحورين الثالث والرابع مسألة الأحلاف والتنافس الصيني الأمريكي، محاججاً بأنّ الصين كانت رافضةً عبر التاريخ لمسألة إنشاء أحلافٍ عسكريةٍ كونها تحمل عقلية الحرب الباردة وتعزّز إحتمالية حدوث التوتّرات والحروب، بينما تُفضّل في المقابل التركيز على بناء شبكة شَرَاكات إستراتيجية، معتمدةً في ذلك على قوتّها الإقتصادية المتنامية، إذ وقّعت الصين رسمياً بحلول يوليو 2019 شَرَاكات إستراتيجية مع 110 دولة ومنظمة إقليمية. تُساعد هذه المقاربة الصين على خلق بيئة تعاونية متعدّدة الأقطاب مواتية لها ومعادية لنزعة الهيمنة الليبرالية الأمريكية، فمن خلال آلية الشراكة الإستراتيجية بدلاً من الأحلاف تُوصل بيكين رسالةً للعالم ودول الجوار مفادها بأنّ العلاقات ما بين الدول لا ينبغي أن تتأثّر بالإختلافات في القيم أو المؤسّسات أو شكل الحكومات أو النظم الإجتماعية، إذ يُسمح لكلّ دولةٍ أن تُحدّد مسارها التنموي ونظامها الإجتماعي والسياسي الخاصّ بعيداً عن أيّ تدخّلٍ خارجي، وهنا تنظر الكاتبة إلى روسيا بإعتبارها أكثر الدول ترشيحاً للإنخراط في هذا النمط من الشراكات الإستراتيجية التّي تدعو لها الصين رغم ما بين الدولتيْن من خلافات.
وفي تعريفه للتنافس الصيني-الأمريكي، يستبعد يان أن يتكرّر سيناريو الحرب الباردة بينهما على الطريقة الأمريكية-السوفياتية، فشروط الحرب الباردة غائبةٌ في حالة الصين والولايات المتحدة، حيث لا تدور الإختلافات القائمة بينهما حول قضايا إديولوجية، تُساعد الأسلحة النووية على منع صراعٍ عسكريٍ بينهما، تُقلّلُ العولمة من تعرّض الصين أو الولايات المتحدة لفقدان المواد الخام أو الأسواق، يُشجّع الإنترنت وأجهزة الكمبيوتر الإبتكارات التكنولوجية وتنقل التنافس إلى الفضاء السيبراني لدرجة لا تمتلك فيها أيٌّ من الدولتين حوافزاً لغزو أراضي الآخرين، تتفاعل القوتيْن اليوم على نحوٍ مكثّفٍ وعلى نطاقٍ أوسع مقارنةً بحالة الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي ممّا يُقلّل عدم الثقة بينهما ويُوفّرُ حوافزاً إيجابيةً لإرساء علاقاتٍ جيّدة، كما يُعزّز التشابك الإقتصادي بينهما ذلك ويجعل من الحرب العسكرية وفكّ الإرتباط أمراً لا عقلانياً، مُكلفاً ومضّراً بهما وبالعالم أجمع. مع ذلك، ترى الكاتبة بأنّه إذا وُجدت حربٌ باردةٌ جديدةٌ بين القوتيْن فستكون ساحتها الرئيسية هي التنافس حول المكانة (التّي يصنعها المجال الإقتصادي والإبتكار التكنولوجي أساسا) بدلاً من القوة العسكرية، لذا تدعو الكاتبة البلدين إلى نزع صفة الأمن عن الإبتكارات التكنولوجية وعدم عسكرتها نظراً لما للأخيرة من إستخدامٍ مزدوجٍ قد يدفع للصدام.
تُسلّط الدراسة الضوء في القسم الأخيرة على مساهمة كتاب يان في أدبيات “إنتقال القوة” والتّي يرفض فيه النظريات الغربية المرتكزة على عامل الحرب بإعتباره محور هذا الإنتقال، وذلك نظراً لتقديمه لعامل القيادة التّي بإمكانها جعل الإنتقال أكثر مرونة، لذا يدعو كلّ من الكاتبيْن القوتيْن العظمتيْن إلى التفكير المسبق في كيفية ممارسة القيادة الدولية المشتركة بإعتبارها أكثر الخيارات عقلانية وفائدة لكلاهما على المدى البعيد.


إعداد وترجمة: جلال خشِّيب، البوصلة الجيوبوليتكية، مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية، المجلّد الأول، العدد الثامن والعشرين، 12 يونيو 2020، إسطنبول-تركيا – مركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية 2020، 

نظرا لوجود مراجعة تقنية بموقع المركز، يمكنكم تحميل العدد الثامن والعشرين لاحقا باللغات الثلاث العربية، الإنجليزية والتركية.
http://www.geopoliticalcompass.com/

Print Friendly, PDF & Email