هواجس الأمن في المنطقة العربية.
في عام 610 م، ظهرت الدعوة الإسلامية في مكة لينتشر الإسلام بعد ذلك ليس في شبه الجزيرة العربية فحسب ولكن في العراق والشام ومصر وشمال إفريقيا بالإضافة إلى مناطق أخرى.
لقد ساهم الدين الإسلامي مساهمة كبيرة في تشكيل هوية عربية، موحدة وصارت المنطقة العربية لا تشترك في الجغرافيا فحسب، ولكن يجمعها تاريخ مشترك، بالإضافة إلى وحدة المصير الساكنة في أعماق الوجدان العربي .
غير أن العرب عانوا ولفترة زمنية ليست بالقصيرة من الاضطرابات والفتن، ومن الاحتلال العثماني أساسا في العصر الحديث، وعند نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ستشهد المنطقة العربية تنافسا كبيرا بين القوى الامبريالية من أجل اقتسام الإقليم العربي والحصول على مناطق نفوذ توفر لهذه القوى ما تحتاجه من مواد أولية وأسواق لتصريف منتجاتها.
لقد توالت بعد ذلك الأحداث الأليمة التي عملت على تفتيت وتفكيك الروابط التاريخية بين العرب، وتجلى ذلك في اتفاقية سايس ببكو(9 مايو 1916) بين الفرنسيين والإنجليز، وهذا ما مهد لوعد بلفور الشهير(02 نوفمبر 1917)، الذي تضمن تأييد الحكومة البريطانية لإقامة وطن قومي لليهود، وبمباركة من الولايات المتحدة الأمريكية وعصبة الأمم تم فرض الانتداب البريطاني على فلسطين الذي دخل حيز التنفيذ في 29 سبتمبر 1921، و ما أعقب ذلك من تأسيس لدولة إسرائيل على أرض فلسطين.
هذه الأحداث جعلت العرب يستشعرون الخطر ويسعون لإيجاد حل يمكنهم من مواجهته، فكانوا سباقين إلى إنشاء بيت يجمعهم تمثل في الجامعة العربية التي تأسست عام 1945، معلنة بذلك الميلاد الفعلي والمؤسساتي للنظام الإقليمي العربي، لكن حجم التحديات كان كبيرا خاصة في ظل تنوع الأخطار المحدقة بالأمن العربي، لاسيما بعد الحرب العالمية الثانية.
وسيحاول هذا الموضوع تناول قضية الأمن في المنطقة العربية من خلال المبحثين الآتيين:
• المبحث الأول: الأخطار المحدقة بالآمن العربي.
• المبحث الثاني: السبل الكفيلة لتحقيق مطلب الأمن.

المبحث الأول: الأخطار المحدقة بالأمن العربي:
لعل من سخرية التاريخ أن تكون المنطقة العربية، ، مهد الرسالات السماوية المقدسة، والتي عرفت على مر التاريخ حضارات عريقة كالبابلية والفرعونية، محط أطماع الدول الكبرى والتي تسعى جاهدة للسيطرة على مقدرات الإقليم العربي بشتى الوسائل، ووعيا من العرب بخصوصية اللحظة التاريخية التي يمرون منها ، كانت لحظة إنشاء الجامعة العربية نقطة مفصلية في تاريخهم ، وكان إنشاء الجامعة العربية في ظل بنية إقليمية ودولية تموج بصراعات الحرب الباردة، والأدهى من ذلك أن تأسيس الجامعة جاء محايثا لإنشاء كيان يهودي في قلب الأمة العربية، غير أن تطورات الأحداث التي أعقبت نهاية للحرب الباردة، أفرزت تحديات جديدة على الأمن العربي في أوائل الألفية الثالثة.
المطلب الأول: الأخطار التقليدية المهددة للأمن العربي.
شكل تأسيس دولة إسرائيل خطرا حقيقيا على الإقليم العربي، خاصة في ظل الدعم و الرعاية التي تحظى بها إسرائيل من قبل الغرب، و رغم ان الدول العربية نالت استقلالها عن المستعمر القديم، فواقع الأمر يؤكد على تبعية مقيتة له مما يشكل تهديدا جديا للأمن العربي.
الفقرة الأولى: الخطر الإسرائيلي.
جاء وعد بلفور ترضية لخواطر اليهود و كعربون وفاء لهم في مقابل الدعاية الصهيونية في الولايات المتحدة، وذلك لكي تمول هذه الأخيرة النفقات البريطانية الخاصة بتكاليف الاستمرار في الحرب العالمية الأولى ، وبذلك تشابكت مصالح اليهود مع الإمبرالية الأوروبية والهدف واحد هو تقسيم تركة الإمبراطورية العثمانية ( أو ما عرف بالرجل المريض) ومنها فلسطين، وذلك سعيا وراء مكاسب اقتصادية وطموحات توسعية، هكذا جاءت الصهيونية وليدة السياسة كما كانت وليدة لها منذ أقدم عهودها” .
وبمباركة بريطانيا القوة الإمبريالية التي فرضت انتدابها على فلسطين، أصدر مجلس الأمة المؤقت في تل أبيب في 14 مايو 1948 إعلان الاستقلال لدولة إسرائيل على أساس سابقة تاريخية مفادها وجود دولة إسرائيل المستقلة في المنطقة، وهو التبرير الذي تم تقديمه من أجل احتلال أرض فلسطين، وبصرف النظر عن مدى صدق هذا الطرح، وقلب الحقائق التي اعترت للدراسات اليهودية في هذا الصدد، والتي كان الهدف منها إنشاء دولة على أساس ديني، فإن هذا التأسيس جاء في ضرب صارخ لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.
هذه السابقة التاريخية تظل موضع إشكال إبستيمولوجي يتمثل في موضعة الظاهرة التاريخية ومدى حياد الباحثين التوراتيين، وهذا ما يجعل من هذا الحق مجرد رواية إيديولوجية الهدف منها إضفاء طابع سياسي على واقع تاريخي مضى وانقضى وتفصلنا عنه حقبة ليست بالقصيرة.
لقد أحالت بريطانيا قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة سعيا وراء صيغة مؤسساتية تضمن إنشاء دولة يهودية على أرض فلسطين، وتمخض عن ذلك فرض مشروع التقسيم الذي طرحته اللجنة الدولية وأخذت به الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد ضغط أمريكي رهيب على الدول الصغيرة، وبعد القرار البريطاني القاضي بإنهاء الانتداب على فلسطين، أعلن بن غوريون عن قيام دولة إسرائيل. في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ المنطقة وجدت الدول العربية نفسها أمام جغرافية سياسية جديدة تحمل في طياتها أخطار متعددة، فكان خيار الحرب مع إسرائيل حتمية فرضتها مجريات الأحداث ، ولم تسفر فقط عن الهزيمة وإنما كذلك عن سيطرة إسرائيل على مساحة إضافية أخرى قاربت50% من المساحة التي أقرها مشروع التقسيم .
لقد توالت بعد هذا التاريخ النكبات على النظام العربي الذي تجرع مرارة الفشل لمرات عديدة ، عام 1956، قادت القوى الاستعمارية الثلاث بريطانيا ، فرنسا وإسرائيل عدوانا على مصر، وذلك بعد أن أقدمت على تأمين شركة قناة السويس، كإجراء سيادي يسعى إلى تمكين الدولة المصرية من تسيير مواردها بعيدا عن أية وصاية، هذا الأمر لم يرُقْ للدول الاستعمارية، ورغم الهزيمة العسكرية فإن جمال عبد الناصر خرج منتصرا على المستوى السياسي، وصارت حرب السويس ملهمة لقوى التحرير في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
كانت حرب السويس بمثابة جسر عبور نحو حرب الخامس من يونيو عام 1967 بين إسرائيل من جهة ، ومصر والأردن وسوريا من جهة أخرى ، وتمخض عن هذه الحرب احتلال الضفة الغربية، وقطاع غزة، وشبه جزيرة سيناء، وهضبة الجولان، بالإضافة إلى القضاء على الروح المعنوية للجيوش العربية ، وجاءت حرب أكتوبر عام 1973 كرد فعل على نكسة 1967، حرب أكتوبر بين كل من مصر وسوريا في جهة وإسرائيل في الجهة الأخرى، وتمخضت هذه الحرب عن استعادة جزء كبير من شبه جزيرة سيناء، والضفة الشرقية لقناة السويس.
ورغم توقيع اتفاقية كامب ديفيد في سبتمبر 1978 بين مصر وإسرائيل وبرعاية أمريكية، وذلك في إطار خطة للسلام في الشرق الأوسط، فإن الصراع العربي –الإسرائيلي ولعقود طويلة مضت لا زال لم يعرف طريقه نحو السلام العادل و الشامل.
يمكن القول أن الدول العربية نالت استقلالها المشروط عن الدول الاستعمارية الكبرى، ولكن الامبريالية الغربية أنشأت إسرائيل كخليفة لها في منطقة تمتاز بعمقها الإستراتيجي ، وذلك لحماية مصالح الغرب في المنطقة، هذا الخطر الإسرائيلي يعد سرطانا يلتهم أمن المنطقة العربية.
الفقرة الثانية: التبعية للغرب.
منذ أواسط العقد الثالث من القرن العشرين، نالت بعض الدول العربية استقلالها عن الإمبريالية الغربية، وفي فترات لاحقة لهذا التاريخ ستحصل الأقطار العربية الأخرى على استقلالها، لكن رغم ذلك فقد ظلت المنطقة العربية خاضعة لهيمنة القوى المسيطرة على النظام العالمي، في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، حيث عرف العالم ثنائية قطبية قسمت العالم إلى معسكرين، الأول غربي- رأسمالي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ، والثاني شرقي- اشتراكي، بقيادة الإتحاد السوفياتي (السابق)، والمنطقة العربية لم تشد عن قاعدة التجاذب هذه التي عرفها العالم، وظلت الأنظمة العربية تحاول حل أزماتها من خلال اللجوء إلى الولايات المتحدة الأمريكية أو روسيا (الإتحاد السوفياتي السابق) باعتبارهما حليفين استراتيجيين، وقادرين على حل الأزمات التي تعترض الدول العربية وفي مقدمتها الأمن.
فعلى المستوى السياسي، ولقياس التبعية السياسية للدول العربية اعتمد إبراهيم العيسوي على مؤشرين وهما:
1- موقف الدولة المعنية من المشاركة في أحلاف سياسية أو في مؤسسات خاضعة للمنظومة الرأسمالية.
2- مساهمة الدولة المعنية في جهود المنظمات والمؤتمرات الدولية والإقليمية المناهضة للإمبريالية.
ونظرا لتداخل هذين المؤشرين فقد تم اعتمادهما كمؤشر واحد، على أن يكون المدى الخاص بفترة الانتقال على هذا المؤشر هو من 20% إلى أقل من 40%، وفي فترة ما بعد 1974 دخلت مصر منطقة التبعية ، حيث نهجت مصر سياسة عنوانها الانخراط في الأحلاف الرسمية مع تقوية روابط التعاون مع التجمعات الخاضعة لدول القلب الرأسمالي، مع دور سلبي أو مضاد لحركات التحرر الوطني وعدم الانحياز، وبلغ المؤشر في هذه المرحلة من تاريخ مصر أكثر من 60%.
وعلى المستوى الاقتصادي تم اعتماد عدم مؤشرات تدل على التبعية الاقتصادية، ومن بينها مؤشر نسبة الصادرات إلى الناتج المحلي الإجمالي فهناك دول عربية عديدة تحصل على نسبة كبيرة من دخلها القومي من إنتاج سلعة أولية تصديرية واحدة أو عدد قليل جدا من هذه السلع ، فبلغت هذه السنة بالنسبة للجزائر 28% عام 1982.
وفي المغرب تفاقم العجز التجاري للسلع خلال سنة 2016 بحوالي 19.4في المائة بالمقارنة مع سنة 2015، حيث بلغ 184.6 مليار درهم، ونتيجة لذلك فقد عرفت نسبة تغطية الواردات عن طريق الصادرات توقفا للمنحنى التصاعدي المسجل على مدى السنوات الثلاث الماضية، حيث تراجعت من 58.6 في المائة سنة 2015 إلى 54.8 في المائة سنة 2016 ، على الرغم من ارتفاع تحويلات المغاربة المقيمين في الخارج.
وفي ما يخص حجم الدين الخارجي العمومي للمغرب فقد بلغ حوالي 312.5 مليار درهم نهاية عام 2016 .
وبلغ مؤشر الدين الخارجي العمومي نسبة إلى الناتج الداخلي الخام30.8% مقابل 30.5% عام 2015، وفي ما يخص بنية الدين حسب المقرضين، وفي متم عام 2016 بلغ الدين المستحق للمقرضين متعددي الأطراف حوالي 143.4مليار درهم، أي يعادل 46% من حجم الدين الخارجي العمومي، وبلغ حجم الدين اتجاه البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية والبنك الأوروبي للاستثمار 82% من الدين متعدد الأطراف للقطاع العمومي، و في 2016 تصدر البنك الدولي قائمة المقرضين متعددي الأطراف بحجم دين بلغ 43 مليار درهم أي 33% من مجموع الدين متعدد الأطراف، يليه البنك الإفريقي للتنمية بحجم دين بلغ 40.9 مليار درهم أي بنسبة 29%، والبنك الأوروبي للاستثمار بحجم دين يقارب 28.8 مليار درهم أي بنسبة 20% .
وبخصوص القرض الثنائي الأطراف بلغ حجم الدين الخارجي العمومي90.4 مليار درهم أي ما يعادل 29% من إجمالي الدين الخارجي العمومي لسنة2016، وبشكل الدين ثنائي الأطراف المستحق لدول الاتحاد الأوروبي نسبة 68%، وتهيمن ثلاث دول من هذه المجموعة على حوالي 61.9 مليار درهم أي ما يعادل 68% من حجم الدين الثنائي، ففرنسا تعتبر أول مقرض ثنائي للمغرب بحجم دين بلغ 35.8مليار درهم، أي ما يعادل 40% من حجم الدين الثنائي، تتبعها ألمانيا بحجم دين قدره 14.4 مليار درهم( 16 % ) .
هذه الأرقام تدل بجلاء على أن الدول العربية ستكون مسلوبة الإرادة أمام الدائنين، وفي مقدمتهم البنك الدولي والإتحاد الأوروبي، فما يهم الدائنين هو استخلاص ديونهم والفوائد المرتبطة بها، ولو كان الثمن الزج بالعديد من الدول العربية في سياسات التقويم الهيكلي والعصف بالأمن الاجتماعي للمواطن الذي يشكو الفقر النقدي والهشاشة.
في الفترة الفاصلة بين 1983-1993خضع المغرب لخطط التقويم الهيكلي، مما جعل السياسة الاقتصادية المغربية خاضعة للاشتراطات الخارجية، ومن أبرز تجليات سياسية التقويم الهيكلي التخفيض من الإنفاق العام وتجميد الأجور والتقليص من التشغيل المباشر في القطاع العمومي، والرفع من أسعار بعض المواد الأساسية كالماء والكهرباء.
ومن البديهي أن اتخاذ هذه الإجراءات سيؤدي إلى اختلال عميق يمس الحياة الاجتماعية للسكان، سواء على مستوى الخدمات الصحية أو ميدان التربية والتكوين والتشغيل والسكن.
المطلب الثاني: الأخطار المستجدة على الأمن العربي:
في العقد الثاني من الألفية الثالثة يعرف النظام الدولي حالة سيولة واضحة في تفاعلاته، سواء في ما يخص علاقات التعاون أو الصراع، ويتمثل ذلك بوضوح في فشل كل محاولة تسعى لبلورة القواعد الضابطة له ، هذه السيولة أصبحت تهدد الأمن العالمي وخاصة الأمن في الإقليم العربي.
الفقرة الأولى: الطائفية وصناعة الكراهية.
في البداية لابد من الإشارة إلى أن الكراهية تعد مكونا بنيويا في الثقافة العربية وتمتد جذورها التاريخية لحقب خلت ورغم الاحتجاجات الشعبية التي عمت المنطقة العربية والتي أطاحت برؤوس العديد من الأنظمة الاستبدادية في الإقليم العربي، ساعية إلى التغيير ، فإن الكراهية ستجد بيئات حاضنة لها في الفترة اللاحقة لما اصطلح عليه بالربيع العربي ، لقد نمت معدلات الكراهية في المنطقة العربية، حيث اتخذت أبعادا جغرافية أو دينية أو قبلية.
فمصر بعد ثورة 25 يناير عرفت فئوية مقيتة واستقطابا مدنيا ودينيا هدد بنية المجتمع المصري، وبعد أربع سنوات من الثروة استفاقت مصر على خطر داهم تمثل في تزايد نفوذ الجماعات الإرهابية التكفيرية، التي اشتد عودها بسبب الكراهية المنتشرة في البيئة المصرية ، والعراق بدوره نال حقه من كيمياء بغيضة عنوانها الكراهية وإقصاء الآخر، فبعد إنشاء ميليشيات الحشد الشعبي من قبل رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي في 10 يونيو 2014، حذرت منظمة هيومان راينتس ووتش من الخطر الداهم والحال بالعراق جراء إنشاء المالكي لجيش احتياطي ودمج الميليشيات الشيعية في قوات الأمن، لقد ارتكبت قوات الحشد الشعبي جرائم بشعة في حق السكان السنة ، وقامت بالعديد من عمليات الاختطاف والإعدام الميداني في بلدات بوحريز و مدائن والهيتاوى، وطالبت هذه المنظمة الحكومة العراقية يوقف قتل الناس لا لجرم ارتكبوه سوى لانتمائهم الطائفي ، و قد نبهت منظمة العفو الدولية إلى خطورة الوضع في العراق جراء الأعمال التي تقوم بها الميليشيات الشيعية .
ولقد تعاظم خطر هذه الميلشيات ليس فقط على وحدة العراق، ولكن على الأمن العربي ككل، فوجود مثل هذه القوات يحول دون تأسيس جيش وأمن وطنيين قادرين على تحقيق الأمن للساكنة في العراق، الأرقام تكشف عن كراهية مدمرة لا تبرح مكانها قبل أن تفتك بكل لون مخالف لهواها، وقد وثقت هيومن رابتس وونش مقتل 61 رجلا سنيا بين 01 يونيو و 09يوليوز 2014، ومقتل 48 على الأقل من الرجال السنة في شهري مارس وأبريل في القرى والبلدات المجاورة لبغداد والمعروفة باسم ” حزام بغداد” ، وأفاد شهود عيان ومصادر طبية وحكومية عن كون ميلشيات عصائب أهل الحق هي المسؤولة عن جميع حالات القتل.
لقد دفع التعصب والحقد هذه الميلشيات الشعبية التابعة للحكومة العراقية إلى ارتكاب جرائم القتل والتعذيب والتهجير الطائفي في حق الأسر السنية، بالإضافة إلى نهب ممتلكاتهم وتدمير مساجدهم وهي جرائم ضد الإنسانية، وأفعال محظورة استنادا إلى نظام المحكمة الجنائية لعام 1998 ( نظام روما).
وبما ان المصائب لا تأتي فرادى فاليمن بدوره اكتوى بنيران الصراع على السلطة، هذا الصراع لم يشمل فقط الفاعل السياسي الداخلي وإنما امتد ليشمل دولا ومنظمات تقع خارج اليمن، يتعلق الأمر هنا بمجلس التعاون الخليجي وإيران والسعودية بالإضافة إلى جامعة الدول العربية والأمم المتحدة.
وجراء الأوضاع المضطربة في اليمن أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 2216 في 14 أبريل2015، وذلك استنادا إلى مقتضيات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، حيث أدان بأقوى العبارات استمرار الإجراءات الانفرادية من قبل الحوثيين والتي تهدد ليس فقط وحدة وسلامة اليمن ولكن الأمن والسلم الدوليين، مطالبا إياهم بالإفراج عن جميع الأشخاص الموضوعيين رهن الإقامة الجبرية أو المحتجزين تعسفيا.
وقد حذرت منظمة العفو الدولية في تقرير حول اليمن 2017/2016 جميع أطراف النزاع من خطورة الوضع في اليمن مشيرة في ذات التقرير إلى أن جميع أطراف النزاع ارتكبت جرائم حرب وانتهاكات خطيرة للقانون الدولي، وقد اعتقل الحوثيون منتقديهم ومدافعين عن حقوق الإنسان وأشخاص يعتنقون الديانة البهائية، وأخضعوا العشرات للاختفاء القسري، وكان الفاعل الأساسي في هذه العمليات ” أنصار الله” الذي يضم رجالا مسلحين يمثلون الجناح السياسي للحوثيين، وقام هذا التنظيم باعتقال العديد من الأشخاص في أماكن عامة كالمساجد.
مما سبق يتضح مدى التشرذم الذي أصبحت تعيشه العديد من الأقطار العربية بسبب الصراعات الطائفية التي تغذيها أطراف دولية تحاول إعادة هندسة الخريطة السياسية للمنطقة العربية بما يخدم مصالحها، وفي مقدمة المتدخلين هناك الولايات المتحدة الأمريكية التي تلجأ في سياستها الخارجية مع الإقليم العربي إلى معايير مزدوجة هادفة إلى ضمان تفوق إسرائيل على سائر الدول العربية.
وبالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية هناك أطراف أخرى تعمل على تغذية هذا الصراع الطائفي وفي مقدمتها إيران حيث تقدم دعما غير مشروط للميلشيات الشيعية المنتشرة في العديد من الأقطار العربية كما هو الحال بالنسبة للحوثيين في اليمن ، ولحزب الله في لبنان والذي يعد أداة طيعة في يد إيران لتنفيذ سياستها الإقليمية في لبنان وسوريا وكذا مواجهة إسرائيل، كما قدمت دعما لوجيستيا وسياسيا وماليا لفيلق القدس (الشيعية) والتي تقاتل مع النظام السوري ، ولا تبخل إيران بدعمها عن الجماعات الشيعية المنتشرة في البحرين والمناوئة للنظام القائم، كما تقدم دعمها اللامحدود لنظام بشار الأسد في سوريا والذي ينتمي للأقلية العلوية، وبفضل التأييد الإيراني الذي عرف كيف يلعب عل وتر الطائفية في العديد من أقطار بلدان الربيع العربي، استطاع النظام السوري الحفاظ على وجوده دون إغفال دور روسيا الاتحادية والصين الشعبية، لكن الثمن كان باهظا، فمعدل القتلى وصل إلى نحو ربع مليون شخص ومئات الآلاف من الجرحى .
ومنذ عام 2011 فر أكثر من 5 ملايين شخص من سوريا بحثا عن الأمان في دول الجوار ،
غير أن سلاح الطائفية لم يوظف فقط من قبل الدول ولكن استغله فاعلون آخرون أصبح تهديدهم خطرا على الأمن العربي ويصعب تجاوزه من قبل دولة عربية واحدة.
الفقرة الثانية: فواعل غير دولية مهددة للأمن العربي:
عرف العالم في العقدين الأخيرين من القرن العشرين أحداثا متسارعة تمثلت أساسا في انفراط عقد الإتحاد السوفياتي وتفكيكه إلى مجموعة من الدول المستقلة، فقد عجز الاتحاد السوفياتي عن مسايرة شروط الحرب الباردة التي أثقلت كاهله بفواتير ضخمة لم يستطع تحمل تكاليف أدائها، أضف إلى ذلك حرب أفغانستان التي خاضها الاتحاد السوفياتي ضد تنظيم جهادي أممي بقيادة أسامة بن لادن، وبمساعدة أمريكية، لقد استطاع هذا التنظيم إرغام الاتحاد السوفياتي على الانسحاب من أفغانستان، في هذه الأجواء كان الظرف مواتيا لتعلن أمريكا عن بزوغ نظام عالمي جديد، هذا النظام المتميز بالسرعة الهائلة في تدفق المعلومات وتعقد وتشابك العلاقات الدولية، حيث أضحى من المستحيل ضبط إيقاعها وآلياتها وإخضاعها للدراسة، كما أن مفهوم الخطر لم يعد خاضعا للمقاربة التقليدية المرتبطة بالخطط الإستراتيجية والجيوش الجرارة، والسباق نحو التسلح ومراكمة العتاد ، لقد تغيرت التهديدات الأمنية خاصة بعد أحداث11 سبتمبر 2001 التي شكلت لحظة فارقة في تاريخ العلاقات الدولية، لتتخذ أشكالا غير تقليدية خاصة في الإقليم العربي الذي تأثر كثيرا بهذه الأحداث، لكن التأثير الكبير خلقته تداعيات ما بعد الربيع العربي، وأصبحت المنطقة العربية يعيش حالة الدولة الرخوة أوغياب الدولة، وشهد المشهد تنظيمات إرهابية شكلت تهديدات عابرة للحدود، وشكل ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام أو ما يعرف ب ” داعش” عام 2014 لحظة مفصلية وتطورا نوعيا في تنظيمات العنف الجهادية في الشرق الأوسط، وإذا كان الجيل الأول والثاني قد قاتل العدوين القريب والبعيد سعيا وراء تأسيس دولة إسلامية، فإن الجيل الثالث قد اعتقد اعتقادا راسخا أن الوقت قد حان لإعلان دولة الخلافة.
غير أن الأمر الذي لا ينبغي إغفاله أن ظهور داعش جاء نتيجة حتمية لشروط الاستبداد التي تمارسها مجموعة من الدول العربية على مجريات الحياة السياسية وكذا نتيجة مواجهة الحركات الاحتجاجية بقوة الحديد والنار، وهنا كانت الظروف مهيأة لتنظيم داعش ليسوق نفسه كمشروع قادر على مواجهة تحديات المرحلة والعبور إلى شاطئ الأمان.
لقد أسهم الاستبداد في إذكاء نار التطرف، كما زرع بدور اليأس في نفوس الشباب، خاصة المتعطشين للحرية والكرامة والديمقراطية
وبالإضافة إلى ذلك هناك غياب تام لمشروع الدولة الوطنية في العراق بإمكانه أن يتعالى على التقسيمات الطائفية المشار إليها أعلاه، وما يزيد الوضع قتامة تهميش الحكومة لعشائر العرب السنة مع اعتمادها لمقاربة تعتمد على الإقصاء وتغييب لفرص التنمية الاقتصادية، غير أن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 وما رافقه من إحساس عربي بالمهانة، ساهم بدوره أيضا، في نشأة العديد من التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيم داعش.
لقد استطاع تنظيم الدولة الإسلامية وفي فترة وجيزة السيطرة على مناطق واسعة في سوريا والعراق بعد أن أزال الحدود بينهما، كما نجح في استقطاب العديد من الأنصار القادمين من أوربا والساعين حسب زعمهم إلى الإقامة في دولة الخلافة التي أسسها أبو بكر البغدادي، لقد تحول تنظيم الدولة الإسلامية وغيره من تنظيمات الجهاد الوظيفي التي تنشط في الإقليم العربي إلى تحدي سياسي وأمني كبير يهدد كافة دول المنطقة.
وحسب التقارير الصادرة عن الاستخبارات الأمريكية في فبراير 2015، بلغ عدد المقاتلين 20.000 في سوريا وفي أواخر عام 2014 أفادت وكالة المخابرات المركزية أن العدد ارتفع من 10.000إلى 31.000 ويقدر العدد الإجمالي للأجانب ب 12000، ومعظمهم يأتون من مختلف الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية، وأستراليا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط.
إلا أن ما ينبغي الإشارة إليه أن تنظيم الدولة الإسلامية أفاد من التناقضات الاقتصادية والاجتماعية التي يرزح تحت نيرانها فقراء و مهمشو الأرياف والمدن المنتمين للطائفة السنية، جراء سياسة اقتصادية إقصائية معتمدة من حكومة بغداد، وكذا التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، مما جعلهم يشعرون بالغبن. خطاب المظلومية السنية عرف كيف يوظفه تنظيم الدولة الإسلامية، وهو ما وفر له غطاء إيديولوجيا مهد له الطريق للحصول على مزيد من المناصرين.
لقد نجح تنظيم الدولة الإسلامية منذ إعلانه عن قيام دولة الخلافة في يونيو 2014 في السيطرة على مساحة بلغت وفق تقديرات كردية إلى غاية سبتمبر 2015 نحو 250 ألف كلم2، ويقطن بهذه المناطق ما يتراوح بين 10 و 21 مليون شخص ، لقد أصبح لهذا التنظيم فروعا عديدة في العالم العربي في اليمن والصومال والجزائر ، وأضحى يقوم بعمليات نوعية على الأرض ، تختلف منهجيا عن العمليات التي كانت تقوم بها الجماعات الجهادية في الربع الأخير من القرن العشرين.
لقد وظف الطائفية وخطاب المظلومية التاريخية من أجل ربح المعركة الإعلامية والدعائية والتي نجح فيها بشكل كبير وأضحى خطابه يحظى بجاذبية لدى العديد من البؤساء في الوطن العربي، صحيح أن مصادره الفكرية تنهل من أفكار تجاوزها مختبر التاريخ، كانت مركونة في الرف لعقود خلت، وهو ما جعله يتماشى مع مراحل تاريخية انقضت وولت ويحاول جاهدا إلباسها ثوب الحاضر، والأسئلة كثيرة في هذا الباب انطلاقا من اعتماده مؤسسة الحسية وفرضه الجزية وبيع النساء الإبزيديات في سوق النخاسة، كلها مؤشرات تدل على غياب البوصلة لتحديد إحداثيات الزمان والمكان، مما نتج عنه إدارة مشوهة لواقع مأزوم ، رغم ذلك فهذا التنظيم أضحى لحظة فارقة في تطور الإرهاب العالمي وصار يهدد بشكل لافت أمن الإقليم العربي، بل أصبح كذلك مهددا حقيقيا للنظام ما بعد الكولونيالي جاعلا تأسيس دولة الخلافة حقيقة واقعية ويعمل على تجسيدها باستيلائه على الأراضي.
المبحث الثاني: الآليات الكفيلة بتجاوز المعضلة الأمنية.
منذ تأسيس النظام العربي والأمة العربية تعيش النكبات والأزمات، ولعل أقساها كان تأسيس وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، مرورا بالحرب العراقية الإيرانية والتي استنزفت أموالا ضخمة كان بالإمكان توظيفها في مشاريع تنموية، غير أن احتلال العراق للكويت كانت له تداعيات كبيرة ليس على المستوى العربي فقط ولكن كذلك على مستوى العلاقات الدولية، لتتطور الأحداث بعد ذلك وتتجه نحو الطريق المسدود خاصة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وكانت أحداث الربيع العربي بمثابة العاصفة التي أعلنت عن وجود أزمة بنيوية في الأنظمة العربية، فكان لزاما البحث عن مخارج تجنب الأمة العربية مخاطر الفوضى، وهذا لن يتأتى بدون ثقافة سياسية تحترم الخيار الديمقراطي، وذلك في أفق إعادة الاعتبار لمؤسسة الجامعة العربية، وذلك بعد الهزات العنيفة التي تعرضت لها والتي أثبتت بالملموس أن مطلب الإصلاح صار أمرا حتميا في ظل تحديات المرحلة الراهنة.
المطلب الأول: الديمقراطية خيار أساسي لتحقيق الأمن العربي.
تعيش المنطقة العربية حالة من التفكك والهوان في العديد من ربوعها، فالوضع الأمني بعد أحداث الربيع العربي لا يبعث على التفاؤل، لكن هل الفوضى تعد قدرا محتوما على الإقليم العربي؟ ألا تستحق المنطقة أن تعيش الأمن والاستقرار؟ تعددت المقاربات وتنوعت بل تضاربت الرؤى أحيانا، وكلها ناقشت قضايا الحروب الأهلية والصراعات الطائفية والتمزق المذهبي وصراعات الهوية المميتة، لكن يمكن القول أن الاستبداد يشكل فاعلا أساسيا وسببا موضوعيا في ما آلت إليها الأوضاع في المنطقة العربية، صحيح أن هناك عوامل موضوعية تتمثل أساسا في ارتباط المنطقة العربية بالنظام العالمي ورغبة القوى الكبرى في السيطرة على منطقة الشرق الأوسط وعلى مقدراتها، ولكن هذا الأمر لا ينبغي أن يحجب حقيقة مفادها أن العرب مسؤولون عما آلت إليه الأوضاع، إن الاستبداد بقلب حسب عبد الرحمان الكواكبي حال الأمة من التقدم إلى التأخر، كما أنه يسلب إرادتها ، فالعديد من الأنظمة العربية متمسكة بالمناصب والامتيازات ولا يهمها تحقيق الأمن للمواطن، ولتجاوز حالة الخوف تعد الديمقراطية بمثابة طوق نجاة، فتغييب الممارسة الديمقراطية أدى إلى تراجع معدلات التنمية وإقصاء الإرادة الوطنية، وانكشاف الأمن القومي ، والتجارب علمت الإنسانية كيف يمكن للديمقراطية أن تدير تضارب المصالح واختلاف وجهات النظر في إطار الدولة الواحدة أو على مستوى المنظمات غير الحكومية، فقد استطاعت الديمقراطية ترشيد الحياة السياسية ومواجهة التحديات المتسارعة وإجراء مصالحات تاريخية، وذلك في البلدان التي أخذت بالديمقراطية كنظام حكم بعمل على تدبير الشؤون العامة، ويمكن الاستئناس بتجارب عديدة، أثبتت فيها الديمقراطية على أنها المنقذ من شرور الفوضى ( تجربة ماليزيا مثلا).
صحيح أن المنطقة العربية تعرف خلال فترة ما بعد الربيع العربي مخاطر الانقسام والتفكيك ، وهناك مخططات ترمي إلى تفكيك المفكك وتجزئ المنطقة العربية إلى دويلات على أسس عرقية أو طائفية أو اعتبارات تاريخية، وهو المخطط الذي تسعى إليه الولايات المتحدة الأمريكية من خلال دراسات قام بها مجموعة من الإستراتيجين كبرنارلويس و رالف بيترز. لكن ذلك لا ينبغي أن يصادر إرادة الشعوب ودورها في المشاركة السياسية، فالأحداث التي أعقبت اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية ، وصعود الحزب الجمهوري اليميني إلى الحكم في الولايات المتحدة الأمريكية، دون إغفال الآثار السلبية للأزمة الاقتصادية العالمية، كشفت للجميع عن ترهل العديد من الأنظمة العربية التي استعاضت عن الشرعية والخضوع للمحاسبة بقبول الوصاية الخارجية، والمحاسبة تقتضي تنحيتها عن السلطة وهو ما تحقق فعلا خلال الربيع العربي.
لقد نبه التقرير السنوي لحال الأمة العربية 2009 -2010 إلى مجموعة من الظواهر السلبية التي تعيق العملية الديمقراطية في الحالات المصرية والليبية واليمنية وأخطرها على الإطلاق قضية التوريث، والدول الثلاث كانت في طليعة الدول التي قامت فيها الثورة، وفي حالتي مصر وليبيا فإن الثورة كشفت عن الوجه البشع ل ” الوريث” الذي كان يتم تسويقه باعتباره رجل التوافقات، في حين كان هذا الوريث مساندا لقمع المحتجين والتنكيل بهم، علما أن الرؤساء ” الآباء” قضوا سنوات عديدة في الحكم: 30 سنة في مصر و 42 سنة في ليبيا.
المطلب الآني الذي ينبغي العمل على تحقيقه بطريقة منهجية هو تجسيد انتقال حقيقي نحو الديمقراطية تعصم المنطقة العربية من مزيد من الفوضى المدمرة والعنف الذي لا يستثني أحدا، وذلك من خلال توسيع دائرة الحريات وحقوق الإنسان، والسماح للأفراد على اختلاف انتماءاتهم ومستوياتهم الثقافية والاجتماعية في التفكير الجماعي الحر لتجاوز أخفاق وحماقات الماضي، هذا الانتقال الديمقراطي سيجنب المنطقة مزيدا من الكوارث وسيحقن الدماء وسيبلور حلا سياسيا للحروب الأهلية التي تمزق أوصال العديد من الدول العربية ، فأزمة الديمقراطية في هذه الدول أدت إلى تفتت الدولة الوطنية ومؤسساتها، وتهاوي السلم الأهلي، وتعرض المواطن لانتهاكات جسيمة مست حقه في الحياة.
ولتجاوز هذا الوضع الكارثي تبقى الديمقراطية طوق نجاة لاستعادة الأمن وإعادة الاعتبار للمواطن ولحقه المقدس في الحياة.
إن العالم العربي يعيش بعد أحداث الربيع العربي واقعا جديدا بدأت إرهاصاته مع أفول نظام الثنائية القطبية في نهاية القرن العشرين، فلم يعد مقبولا مع قوانين العولمة الجارفة أن تستمر النظم الشمولية في المنطقة، لأنها أنظمة شاخت ولا تمتلك أجوبة لهواجس تؤرق بال المواطن خاصة في الدول التي تعتمد على الرخاء الريعي، ولذلك فالسبيل الوحيد هو توسيع سبل المشاركة الجماعية من أجل تدبير رشيد للشأن العام وذلك من أجل بناء دولة وطنية قادرة على مواجهة التحديات وفي مقدمتها بطبيعة الحال مطلب الأمن.
لقد أثبت الربيع العربي تهاوي الرؤية الحالمة للقومية العربية والتي سادت إلى عهد قريب، فمجريات الأحداث خلال السنوات الست الماضية تؤكد أن الدولة الوطنية في كل من مصر وتونس قد تجاوزتا ما يعرف بأزمة بناء الأمة وأزمة بناء الدولة، وعملتا على تثبيت دعائم الدولة الوطنية العريقة، وقي الحالة السورية لا تزال الدولة الوطنية قائمة رغم تنبؤ البعض بانهيارها ، خاصة في ظل الدعم الدولي والإقليمي للمعارضة، ولا تزال المرافق العمومية تقدم خدماتها للمرتفقين السورين، وذلك في المناطق التي ظلت تحت سيطرة الحكومة المركزية في دمشق.
إن الحراك الشبابي الذي عرفته المنطقة العربية بعد لحظة فارقة تؤسس لإعادة بناء العروبة كأفق مستقبلي مدعوم بالشرعية الديمقراطية، هذا الحراك بعد فرصة تاريخية لتحقيق ما سماه البعض” الأمة الديمقراطية ” وذلك في إشارة إلى تجارب الدول الناجحة أو نصف الناجحة، والتي لم تعتبر وحدة العرق عنصرا حاسما في انتقالها الديمقراطي، ومثال ذلك كندا وبلجيكا واسبانيا والبرازيل وجنوب إفريقيا.
المطلب الثاني: إصلاح الجامعة العربية.
في الثاني والعشرين من مارس 2017 يكون قد مر على تأسيس الجامعة العربية اثنين وسبعين سنة، ففي شهر مارس 1945اجتمعت سبع دول عربية وهي مصر والعراق والأردن ولبنان والمملكة العربية السعودية وسوريا واليمن في القاهرة للتوقيع النهائي على ميثاق الجامعة، فتأسست بذلك الجامعة العربية، معلنة بذلك عن قيام النظام الإقليمي العربي، وعلى مدار العقود السابقة راكمت الجامعة العربية تجربة مهمة وهي بصدد تحقيق أهدافها، وطبعا في طليعة الأهداف الحرص على دوام الأمن والسلام في المنطقة العربية، وهو ما أكدته الدول الموقعة على معاهدة الدفاع العربي المشترك في مادتها الأولى حيث أبدت تشبثها بفض جميع منازعاتها الدولية بالطرق السلمية، سواء في علاقاتها المتبادلة في ما بينها أو في علاقاتها مع الدول الأخرى.
غير أن مجريات الأحداث وتوالي النكبات التي عرفتها المنطقة العربية كما تمت الإشارة إليه أعلاه، جعلت الأصوات ترتفع بضرورة إعادة النظر في آليات عمل الجامعة العربية ليكون أداؤها ناجعا، وتستطيع بالتالي مواجهة تحديات الأمن التي أصبحت تهدد أو تلغي وجود الدولة الوطنية.
فميثاق الجامعة العربية أشار في المادة السادسة إلى أنه ” إذا وقع اعتداء من دولة على دولة من أعضاء الجامعة ، أو خشِي وقوعه فللدولة المعتدى عليها، أو المهددة بالاعتداء، أن تطلب دعوة المجلس للانعقاد فورا، ويقرر المجلس التدابير اللازمة لدفع هذا الاعتداء، ويصدر القرار بالإجماع، فإذا كان الاعتداء من إحدى دول الجامعة ، لا يدخل في حساب الإجماع رأي الدولة المعتدية”، وأوردت المادة السابعة حكما تفصيليا مهما: ” ما يقرره المجلس بالإجماع يكون ملزما لجميع الدول المشتركة في الجامعة وما يقرره المجلس بالأكثرية يكون ملزما لمن يقبله ، وفي الحالتين تنفذ قرارات المجلس في كل دولة وفقا لنظمها الأساسية”.
هذا التحديد الأخير فتح الباب أمام عاصفة من الانتقادات في مجلس الجامعة عقب اجتياح القوات العراقية الكويت، وهو ما جعل الأصوات تتعالى بضرورة إعادة النظر في الميثاق، وضرورة تعديل شرط الإجماع و الاكتفاء بالأغلبية.
فمن خلال الممارسة أصبح واضحا أن شرط الإجماع يعد عقبة كأداء أمام إصدار قرارات تعبر عن المصالح العربية وهواجس العرب، وفي مقدمة هذه المصالح يأتي الأمن.
لقد أصبح لزاما تعديل ميثاق الجامعة بما يتماشى وتحديات العصر خصوصا في ظل نظام عالمي تهاوت فيه المقاييس التقليدية لمفهوم السيادة، فعصر العولمة يشكل تيارا جارفا لا يرحم من يجهل قواعد اللعبة، ولتجاوز حالة الإخفاق هذه، كانت هناك عدة مشاريع قدمتها الدول العربية بهدف تعديل آليات عمل الجامعة، ومن الدول التي قدمت مقترحاتها في هذا الصدد هناك المملكة العربية السعودية واليمن وهناك المبادرة المصرية التي دعت في 2003 إلى إنشاء مجلس أمن عربي، لأن الأمن العربي يعد قضية وجودية ولها الأولوية القصوى ، خاصة وأن التجربة أثبتت أن تحديات الأمن فرضت على الأنظمة العربية الاستعانة بالقوى العظمى وهو ما زاد من تأزيم الوضعية، ومجلس الأمن العربي ستسند له المهام الرئيسية في نظام الأمن العربي، ولتجاوز سلبيات الماضي ينبغي أن يتوفر المجلس على سرعة التحرك والقدرة على اتخاذ القرار الحاسم مع تجاوز عراقيل الإجماع أو الفيتو، إضافة إلى القيام بالعمل المباشر في بعض الحالات ، مع إمكان متابعة ما يصدره المجلس من قرارات من خلال الآليات والوسائل التي ينشئها لهذه الغاية.
وهناك أيضا إشكال ينبغي تجاوزه ويرتبط بعدم تنفيذ القرارات الصادرة عن الجامعة العربية على مستوى القمة، فأكثر من 40% من قرارات الجامعة يظل بدون تنفيذ ، رغم خضوعها للدراسة والمناقشة بل وإقرارها في بعض الأحيان مثل مشروع الأمن العربي الذي طرح بعد تحرير الكويت عام 1991 ، وقرار إنشاء قوة أمن عربية بعد عاصفة الحزم في اليمن ، فدائما ما يتم التأجيل ، وهو تأجيل يعكس في حقيقة الأمر غياب الإرادة السياسية ، أي أن المشكل في النفوس لا في النصوص، ولقد أكدت المبادرة المصرية أن ضعف الجامعة يرتبط أساسا بطبيعتها كمنظمة لا تملك سلطة فوق الدول الأعضاء، وبالتالي فالخلل لا يعود إليها وإنما للآليات القانونية التي تشتغل وفقها، صحيح أنها نشأت وعلى غرار التنظيمات الإقليمية وفقا لمقتضيات الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة ولكن سلطاتها لا تتجاوز سيادة الدول الأعضاء، وفي مقابل ذلك شكل الاتحاد الأوروبي تجربة رائدة في هذا المجال فجميع الدول الأعضاء تخضع لقراراته.
ولهذا ينبغي إعادة النظر في طريقة التصويت من خلال اعتماد نظام التصويت المتدرج، ومقتضى ذلك:
– اشترط توافر أغلبية ثلاثة أرباع المجلس لإصدار القرارات المهمة، في مقابل ذلك الاكتفاء بالأغلبية المطلقة، أي نصف الأعضاء زائد واحد للقرارات الموضوعية والإجرائية.
وبخصوص تحديد إشكال ما يمكن اعتباره قرارا مهما، يمكن تطبيق القاعدة العامة في اللوائح الداخلية ومفادها أن البث في هذا الأمر يعد قرارا إجرائيا يصدر بالأغلبية.
ولا بأس من الاسترشاد بتجربة الاتحاد الأوروبي في هذا المقام رغم وجود اختلاف كبير بين الجامعة العربية والاتحاد الأوروبي، ولكن نجاح التجربة الأوروبية يفرض على البحث الموضوعي الاستئناس بها واستخلاص العبر، فقد بدأ باتفاقية محدودة لصناعة الفحم والصلب ضمت سن دول أوروبية هي فرنسا وألمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا وإيطاليا، وذلك في 18 أبريل 1951، لتنضج التجربة بعد ذلك وتتهيأ الظروف لتشكيل الاتحاد الأوروبي الذي أصبح يضم في العقد الثاني من الألفية الثالثة 27 دولة بعد انسحاب بريطانيا من الاتحاد على إثر استفتاء 23 يونيو 2016.
وما يميز سياسة الاتحاد الأوروبي هي مواقفه المتناغمة بين مختلف مكوناته في قضايا الأمن الأوروبي، وكذا في علاقاته مع المنظمات الدولية كالأمم المتحدة، ومع الولايات المتحدة الأمريكية.
صحيح أن هناك فروقا شاسعة بين الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية، فالأول تنظيم يسعى للوحدة بطريقة عملية إجرائية، أما الثانية فهي صيغة توافقية يطغى عليها البعد الشكلي وتغيب فيها الفعالية والجرأة في اتخاذ القرارات، غير أن التحديات التي يفرضها الأمن العربي تفرض على الأنظمة العربية التفكير مليا قبل الإقدام على حل الجامعة العربية، فبناء موجود يحتاج إلى تعديل خير من فراغ قاتل.
وقبل هذا وذاك لابد من الإشارة إلى قضية مهمة تتمثل في أن يعبر الديبلوماسبون المعتمدون في الجامعة العربية على تطلعات شعوبهم، وأن يكونوا ممثلين حقيقيين لشعوبهم وليس للأنظمة القائمة، وعلى الأنظمة بالتالي أن تستجيب لحركية التاريخ، وأن تستحضر وعيا تاريخيا بالمرحلة الدقيقة التي تعيشها المنطقة العربية، فالاستبداد والاستفراد بالقرار وقمع الحركات الاحتجاجية لم يخلف سوى تفكك الدولة الوطنية، وما كان البعض يخشى زواله حصل بقوة الواقع.
ختاما، عرفت المنطقة العربية تحولات نوعية بعد نهاية الحرب الباردة، وفي الألفية الثالثة تسارعت الأحداث، و أصبح الجميع لا يستطيع حبس أنفاسه نتيجة السيولة الشديدة التي تسيدت المشهد العام بعد الربيع العربي، و هو ما يفرض مخاطر شتى على الأمن في المنطقة العربية.
هذه التحديات تفرض على الأنظمة العربية مقاربة نوعية جديدة تقطع مع ممارسات الماضي، وتفتح المجال أمام الشعوب العربية لتساهم بشكل فعال في تدبير الشأن العام، فالديمقراطية تبقى خيارا استراتيجيا لا محيد عنه، و ذلك لإيجاد حل توافقي لمشكلة الأمن، و لتجنيب المنطقة العربية المزيد من الحروب التي امتهنت كرامة الإنسان العربي.

أحمد حجازي.