مقدمة  the  introduction

 ان النظرية المثالية  تمل احدى أهم النظريات السياسية المعاصرة كونها اعتمدت في طرحها على دراسة كافة التجارب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها الجماعات الانسانية على اختلاف أصنافها وألوانها ومعتقداتها الدينية والفكرية  على السواء .

ويجب التذكير ان من بين الاشكاليات التي عالجتها النظرية  المثالية من خلال تأكيدها على حتمية انتصار مبدأ ” حكم الجماعة لنفسها ” اشكالية التسلط السياسي أو الهيمنة على مقاليد السلطة .  حيث أكدت فلسفة سلطة الجموع على  أن اساس هذه الهيمنة اللا منطقية وغير الشرعية  . والمتمثلة في   التباعد والانقسام الواضح مابين أطروحات الفكر السياسي وأهداف وطموحات السلطة بغض النظر عن حجمها وطبيعتها وشكلها . فالتباعد الموضوعي ساهم في خلق المعادلة غير المتوازنة بين دور الفكر السياسي تجاه السلطة وبين السلطة تجاه الفكر السياسي الأمر الذي أوجد فراغاً فكرياً ثقافياً استغلته جهات نخبوية قد تكون متمثلة في ” فرد ، حزب ، طائفة  ، ائتلاف أحزاب ….الخ ” في سبيل تحقيق مصالح ومآرب تخدم مصلحة تلك الجهات النيابية.

ووفق ما ذكر فإن هذه البحث العلمي يستند على الفرضية التالية :

((  إن اشكالية التسلط السياسي التي تعاني منها النظم السياسية المعاصرة هى نتاج العلاقة غير المتوازنه بين أطروحات الفكر السياسي المتضمنة لقيم الانسان في أهدافه في الحرية والعدالة  ،  وأهداف وتطلعات السلطة المطلقة المتمثلة في أدوات الحكم الجائرة   )) .

المحاور الرئيسة للبحث العلمي   :

المحور الأول  : مدخل نظري: حول اشكالية التسلط كمحدد أساسي لقضية السلطة

المحور الثاني  : إشكالية التسلط وفق منظور النظرية المثالية  .

المحور الثالث    : سلطة الجموع  … واقع مابعد  السياسة .

المحور الرابع :  سلطة الجموع  .. النموذج الأمثل والبديل للممارسة  السياسية  .

المحور الاول

إشكالية التسلط كمحدد أساسي لقضية السلطة

ان  النظرية المثالية ترى بان معظم الدراسات السياسية ” التقليدية / المعاصرة ”  تعمل على حل مسألة الصراع بشكل عام والصراع السياسي كجزئية تتصل بأداة الحكم انطلاقاً من  دورها المعروف  وما لهذا الصراع ” the conflicte ”  من تأثيرات عديدة تسهم بدورها في تعزيز سيطرة ” النخبة Elite  the” وتحكّمها  وما يترتب على هذا الصراع من أثار مدمره للمجتمع خاصة عندما يبلغ حد المواجهة المسلحة والعنف المرتبط بالدمار دائماً . (1)   كما إن تراكم وتنامي المشكلات السياسية في العالم المعاصر يجعل عصر الفوضى والغوغائية هي السمة المميزة لهذا العصر .  وهذا ماتعبر عنه أطروحة العولمة المستندة إلي قوة السوق والمال والشركات والتقنية وما تنتجه  من تنافس حاد وبما تمثله من تهديدات فعلية للبشر والبيئة وبما تخلفه من فقر وتهميش للشعوب رغم استنادها ”  فرضياً “ إلى خطاب عقائدي مزعوم يحتمي بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان ووعود انتخابية بارعة وخداع زائف في عمليات الممارسة السياسية التي يجرى تسويقها على نطاق واسع  من خلال الة إعلامية ودعائية قويه ومهيمنة     ( 2) .  ولهذا تمثل الصراعات السياسية ” كناتج للاحتكار ” وكتعبير عن مشكلة حقيقية واجهت البشرية على امتداد التاريخ  . وكانت على الدوام من أعقد المشاكل وأكثرها خطورة نتيجة للرؤى المختلفة والمصالح المتباينة والمواقف المتناقضة.

  • حسين بدر العامري ؛ السلطة والوجه الأخر ؛ ط1 ؛ القاهرة  ؛  منشورات الدار الجامعية للنشر والكتاب ؛ 2003 ؛ عن 71 .
  • توفيق أحمد البطراوي ؛ العولمة ومشكلات العصر ؛ ط1؛ الاسكندرية ؛  منشورات الدار الأهلية للنشر والطباعة ؛ 2004 ؛ ص 31 .

أو ما يمكن تعريفه بإشكالية التفاوت في المفاهيم بين الفكر والسلطة كإطار حقيقي حيث ينبغي تداول عمليات السلطة داخل كافة المجتمعات الانسانية  .وفق هذه العلاقة المتوازنة في  توزيع الأدوار الفعلية مابين أطروحات الفكر السياسي ومتطلبات وتطلعات وآليات وأهداف أداة السلطة ….

 وبناء على ذلك فان قيام المجتمعات الانسانية  بناء اختلاف اجناسها وألوانها ومعتقداتها الدينية وتنوع مذاهبها العقائدية بتطوير نظم سياسية قائمة على مبادئ  اهمها التفويض الإلهي المطلق أو فكرة القوة والاستبداد أو فكرة التمثيل ” الإنابة ” ..الخ  إلاّ دليل على محاولة هذه الشعوب على اعطاء الفكر السياسي قيمه مقدسة تحميه من وقوعه في معضلات تحول دون سيطرته على زمام المبادرة في الحكم والتوجيه لأدوات السلطة ومحاولة للحد من زيادة الانتقادات المحتمل وجودها داخل الأوساط الشعبية الرافضة لتطلعات ورؤى وأهداف أولائك القائمين على رأس السلطة  . كونهم الأقدر على تسيير شئون تلك الجماعات المغيبة دون سواهم  . (1)

ومع كل ذلك ظلت مشكلة الصراع ” التسلط ” قائمة وقويه ومتجدده بالرغم مما أنتجه الفكر السياسي من نظريات عديدة للدولة ووظيفتها وشكلها ومؤسساتها وأشكال عديدة  للسلطة  ومهامها وتركيبتها .  وترى فلسفة النظرية المثالية  ولم تحل مشكلة التسلط السياسي .  بل عمقت جذوره وأججت تناقضاتها  . وفي كل حالة تم تغييب وتهميش افراد المجتمع بشكل قسري وبطرق عديدة :

(1) تيسير راضي محمود ؛ التسلط السياسي ؛ ط1 ؛ بيروت ؛  منشورات المطبعة الحديثة  للنشر ؛ 2010؛ ص. 32 .

  • سلطة غيبيه مطلقة تستند إلي “الماورائيات الفلسفيه” والقوى الخارقة    “المفترضة”
  • سلطة قهرية مطلقة تستند ألي القوة القاهرة

                  ” الحزبية ؛ الطبقيه ؛  الائتلافيه ….الخ “.

  • سلطة تفويضيه قاهره تستند إلي مبدأ التفويض

 ” والإنابة  The Pocked  “

 وذلك من خلال الاستناد على المبررات التالية :

          (أ). عدم إمكانية تجميع الشعب في مكان  واحد ووقت واحد .

وهذا ما يعرف في الأدبيات السياسية التقليدية بإشكالية ” الزمان / المكان / التكلفة ” (1).

(ب) عدم قدرة الأفراد العاديين على ممارسة السلطة .

(ج) لايملك  الشعب الوقت الكافي للدفاع عن مصالحة  نظراً ل: التفاوت الفكري و الثقافي والعلمي ” .

(د) تعقد العلاقات التي ظهرت  بين الأفراد نتيجة الزيادة السكانية .

(ه) بروز ظاهرة التخصص التي دفعت بالافراد إلي البحث عمن يمثلهم في إداره الشؤون العامة ممن يملك الخبرة والمعرفة  . (2).

(1).  سويم العربي ؛ المفاهيم السياسية المعاصرة ؛ ط1؛  الدار البيضاء ؛  منشورات المركز الثقافي العربي ؛ 2014 ؛ ص 113 .

(2) .سويم العربي ؛ الديكتاتورية والاستبداد والديمقراطية ؛ ط1، الدار البيضاء ؛  منشورات المركز الثقافي العربي ؛ 2013 ؛ ص  134 .

و مما سبق يمكننا ان نبنى فكرة التسلط كمحدد أساسي لقضية السلطة داخل المجتمعات الانسانية وفق منظور النظرية المثالية على الأسس التالية :

  • تنتج فكرة التسلط تأثيرات سلبية مدمرة للمجتمع .
  • ناتج احتكار السلطة ” التسلط ” من قبل النخبة هو صراع متجدد دائماً .

ج. تتحدد أطرافه بصيغة ” الحاكم والمحكوم ” التي لا تعني تغير وتبدل الأدوات على السلطة بشكل ينهيها تماماً .

د.. التسلط يمتاز بمزايا تحققها السيطرة ” التسلط السياسي على الحكومة  ” كمؤسسة فوقية “

ه. الأنظمة السياسية الناتجة عن الصراع Conflict   the هي بطبيعتها أنظمة ديكتاتورية فاقدة لمبدأ التأييد الشعبي (1)

وتنطوي الاشارة أن مثل هذه الاشكاليات  وفق منظور النظرية المثالية هي بطبيعتها اشكاليات غير طبيعية . بل هي اشكاليات وضعيه تصنعها لغة التباعد مابين جوهر الفكر وتطلعات وأهداف النخب الصانعة للحكومات والمقيدة لحركتها .  وان تلك النخب الحاكمة هي خارجه  بطبيعتها عن قواعد الفكر ذو الطبيعة التلقائية . فتلك هي الإشكالية القائمة بين الفكر والسلطة . وبتالي فإن الشكل السياسي الحاكم في النظم السياسية التقليدية ” راسمالية / ماركسيه ” لأيمثل الآ جانباً واحداًمن المجتمع وذلك يتعارض مع جوهر الديمقراطية .

  • عمر سعيد الأحمدي ،   أزمة الديمقراطية المعاصرة  ؛ ط1 ؛ الكويت ؛ منشورات  دار الياقوت  للطباعة والنشر ؛ 2001 ؛ ص 54 .

                                                                                                                   

المحور  الثاني  :

إشكالية التسلط وفق منظور النظرية المثالية

ان النظرية المثالية تنظر إلي اشكالية التسلط أو ” الصراع ” في حد ذاته كمشكلة موضوعيه ذات أبعاد شمولية ينبغي الاهتمام بها وايجاد الحلول الموضوعية لها حتى يمكن تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي اللازم . لذلك فإن رؤية النظرية  المثالية لإشكالية التسلط داخل المجتمعات الانسانية تتمثل في الركائز القائمة على ثلاث أبعاد أساسية  معروفه داخل المجتمعات التقليدية من الناحية التفسيرية وهي كتالي :

( أ) . التسلط كحالة اختلاف وتنازع على أرض الواقع .

(ب) . تعدد وتنوع واختلاف أدوات التسلط بما يؤدي إلي تجذير الصراعات السياسية.

كما تتمثل رؤية النظرية المثالية تجاه إشكالية التسلط :

في كونه الصراع ينشأ حول قضايا متعددة وغير محددة .  وينشأ بسبب التسلط السياسي حول مؤسسات الدولة ” ألقاب ومناصب ” وهي بطبيعتها محددة على كراسي ومقاعد  أدوات الحكم النيابية وغيرها. (1)

  • أشقيه الطاهر ؛ الممارسة العملية للديمقراطية المباشرة ؛  مجلة دراسات ؛  لعدد 10 لسنة 2002  ؛     ص 41 .

وفى ذات السياق تري النظرية  المثالية ان المنافع والمزايا على كافة الأصعدة  في أدوات الحكم تمثل حافزاً من أجل التسلط وتشكل هذه المزايا والمنافع اللبنة الأساسية للنزاع من أجل السيطرة بدليل :

  • . ان الاحتكار يمثل جوهر التناقض والصراع اللا متناهي داخل المجتمعات الانسانية .
  • ان القوة تمثل إحدى الوسائل الأساسية في حسم الصراع وتحديد مستوياته ورمزاً للفئة التي تستخدمه وشعاراً لحقيقة اللا حوار .
  • ان التسلط يرتبط بالآثار السلبية المترتبة على البيئة ” Sting   the”      (  السياسية ،  الاقتصادية  ،  الاجتماعية  )  و ان حقيقة هذه الآثار تتمثل في المتابعات لنماذج الصراعات القبلية ؛ القومية ؛ الدينية ؛  العقائديه …
  • ان التسلط يرتبط بالتخلف كحالة شاملة ويتلازم معه  . ولا يعني التخلف هنا الحالة التقنية أو الفنية أو البنيه التحتيه  . بقدر ما يعني التخلف الحضاري الذي تمثله منظومة القيم الفكرية والثقافية والروحية ومقدار تسامحها وعدلها ومساواتها  . وبالتالي حالة العجز عن حل المشاكل والأزمات عبر الحوار (1)

وتنطوي الاشارة الى انه بالرغم من التنوع ما بين نوعين من الصراع ” السلمي / مسلح ”  إلا أن النظرية  المثالية تساوى بين مختلف الصراعات التسلطية  . وتعتبرها تؤدي الي نتيجة واحدة متمثلة في التأثير السلبي المدمر للمكونات الطبيعية للمجتمع  . بالإضافة الي تمزيق النسيج الاجتماعي لتلك المجتمعات الانسانية . فالصراعات ذات غاية واحدة متمثلة في التسلط  . وبغض النظر عن من يقوم بتلك الصراعات سواء أكانت طبقات أم أحزاب أم  طوائف أم  قبائل ….الخ

المحور  الثالث :

سلطة الجموع …. واقع ما بعد السياسة

ان النظرية المثالية عملت على تقديم افكارها كونها تمثل كخلاصة النظريات  الانسانية السابقة في كافة الجوانب ” السياسية ، الاقتصادية ،  الاجتماعية ”  وبما أن هذا البحث العلمي  يتناول الجانب السياسي فإن النظرية المثالية الذى ترى من خلاله الزامية تعديل   الانحراف القائم داخل الممارسات السياسية في العالم اليوم سواءُ أكانت نظماً رأسمالية او  ماركسية  . وذلك من خلال إثبات الحقيقة الموضوعية التالية :

((    ان النظم السياسية المعاصرة تعانى  من مشكلة التعارض في ممارسة العمليات السياسية وأدوات السلطة  . مما انعكس سلباً على مضمون الفكر السياسي الذي يسعى الى تحقيق الحرية والعدالة داخل المجتمعات الانسانية  )) .

وبالتالي ترى النظرية المثالية ان مثل هذا الواقع السياسي التقليدي قد ساهم في تهميش الفكر لصالح النظم السياسية الحاكمة ( النخب ) . كما ساهم في زيادة التعارض مابين الفكر وواقعة المعاش .  بل ساهم هذا الواقع السلبي في جعل الفكر السياسي يستجيب قسراً الي واقع السلطة ويتكيف معها ..

ولابد من الاخذ بعين الاعتبار إن مثل هذه الاستجابة قد تكون أمراً طبيعياً في مجتمعات إنسانية سيطرت فيها ”  المصلحة  ” أو ما يعرف بمصطلح ” مصلحة النخبة The Interest Elite   أو مصلحة أداة الحكم على منهجية الفكر السياسي بالإضافة الي الثقافة السائدة وقنوات التنشئة السياسية الداعمة لأركان تلك النظم السياسية . مما ساهم في انحراف الفكر عن أهدافه وقيمه الموضوعية

واقتصار ممارسة  ” السلطة The Authority ”  على أدوات الحكم النخبوية  وابتعدت مكونات الفكر السياسي عن الواقع الفعلى  . كونها اقتصرت في الأساس على عمليات التنظير والاستشراف  دون الاهتمام بالممارسة الفعلية في عمليات ممارسه السلطة بشكل عقلاني مبني على قواعد العقل والمنطق .

ويجب التذكير لقد كان مثل هذا الوضع غير الطبيعي دوراً فاعلاً في التعجيل بظهور مرحلة جديدة تعرف وفق مسميات هذه الدراسة بمرحلة ” مابعد التسلط السياسي ”    أو ما بعد السياسة تتمثل في وجود نمط سياسي جديدة يجمع بين الفكر وقيمه واقعياً ليشكل في النهاية نظاماً سياسياً يمتاز بكونه نظاماً مباشراً للممارسة السلطة بصورة جماعية خالية من أية تعقيدات فكرية أو نخبوية أو عقائدية أو مصلحية  .           فالفكر يصبح هو جوهر ممارسة السلطة ” الجماعية ” وبشكل ينسجم مع تجليات السلطة وبكل معانيها  فالمعادلة الطبيعية التي أكدت عليها أدبيات  النظرية المثالية في الركن السياسي تؤكد بانه .  لابد أن تتمشي ممارسة  السلطة وآلياتها مع مضمون الفكر… والفكر ينبغي أن ينسجم وتطبيقات السلطة فكلاهما وجهان لعملة واحدة هي    ” سلطة الجموع ”  لا سلطة نائبه عنه . ومن الطبيعي أن يتجسد ذلك في رؤية واضحة حول ممارسة السلطة على هذا النحو التطور يمكن لنا اختصارها في الفقرتين التاليتين :

أولا:  رؤية النظرية المثالية  حول ممارسة  السلطة :

     ان النظرية  المثالية ترى بأن  مسالة إنهاء الصراع السياسي وما ينتج عنه من    ” تسلط سياسي ” يتمثل في ضرورة تحقيق مبدأ ” السيادة الشعبية ”  أو ما يعرف وفق تجليات الفلسفة المثالية  بمفهوم ” سلطة الجموع ”  كونها تمثل  نمط ديمقراطي حقيقي ينتهي فيه الجدل القائم حول ” السلطة ” وحول العلاقة الطبيعية القائمة بين الفكر وتجليات السلطة . لذلك استبعدت كل الأدوات السياسية المحتكرة لعمليات تداول السلطة والتي تفصل بدورها بين معطيات الفكر ومتطلبات السلطة والمتمثلة في الأشكال التالية  ((  الفرد ،  الحزب ،  الطائفة  ، القبيلة   ، ائتلاف الأحزاب  ،  نظام الجمعية الوطنية ،  نظام الحزبين  ،  الأنظمة النيابية الرئاسية ….الخ  )) .

وذلك باعتبارها  تمثل أداة تسلط  . لا تنتج سوى ديكتاتورية فهي تمثل جزءاً من الشعب .  أو تمارس السلطة نيابة عن  بقية افراد المجتمع المحلى أو تمارس السيادة والوصاية على الشعب  بكامل أطيافه السياسية او الاجتماعية .

كما عملت النظرية  المثالية على فضح كل مبررات العزل والتغييب أو الاستبعاد بحجة العدد واستحالة الجمع دفعه واحدة (1) .

  • سالم حسين الزرقاني ؛ مقالات في النظرية المثالية  ؛ ط1؛ طرابلس ؛ منشورات الدار الجماهيرية ؛ 1988 ؛ ص 32 .

كما رفضت النظرية المثالية  كل عوامل استجابة الفكر السياسي للنظم السياسية المنتجة لمصالح النخب الحاكمه  . وأقامت الدليل العملي على إمكانية جمع الشعب بكافة أطيافه ليتدارس وينافس ويقرر”دفعة واحدة وفي مكــــــان ليس واحداً ” فهذه الآلية الجماعية “الطبيعية  ” تجعل ممارسة السلطة حقاً من الحقوق الطبيعية التي يقرها الفكر الإنساني . حيث تنقل كافة الامتيازات والمهام ذات الطابع السياسي والسيادي التي كانت حكراً على أدوات الحكم النيابي ” التمثيلي” مــــن خلال تجمعات شعبية تقرر ولجان محلية تنفذ .(1)

وبالتالي يمكننا القول وفق هذا السياق إن إشكالية التسلط السياسي وفق منظور النظرية المثالية ناتجة عن عزل الشعب وفصله عن ممارسة شؤونه وسلب سيادته  . واحتكار السياسة والسيادة من قبل تلك الأدوات المتعاقبة والمتصارعة على الحكم  وما ينتج عن هذا التسلط من رد فعل جماعي ” سلمي أو / غير سلمي ” للمطالبة بالإصلاح والتهذيب أو توسيع الخيارات ” Options   the ” أو مطالبته بزيادة حجم المشاركة السياسية . (2)

  • حسني عبدالعزيز الفلاح ؛   ا لإدارة الشعبية “دراسة تحليلية   ؛ ط1 ؛  طرابلس  ؛  منشورات   الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والإعلان ؛   1988 ؛ ص. 34
  • نفس المرجع السابق ؛ ص. 36 .

 ثانياً : رؤية النظرية المثالية حول تنفيذ القرارات في النظم المختلفة

ان موقف النظرية المثالية تجاه الممارسة السياسية لكل من  النظامين الرأسمالي والماركسي في آليات وأبعاد تنفيذ القرارات  . بانها تعانى من مشكلة ذات أبعاد كثيرة تواجه علم الاجتماع السياسي بشكل خاص والنظم السياسية المعاصرة بشكل عام كونها تخضع لمزاج Mode ” the  ” ومصالح Interest  the  وتحالفات Analysis  the   السلطة القائمة The politics Order    والحكومة  كجهاز تنفيذي تلجأ إلي مؤسسات متخصصة والإدارة الحكومية government   The Management ” في النظام السياسي الحكومي ذات نفوذ تسلطي واسع النطاق في مسالة اتخاذ القرار و تنفيذه باعتبارها تدير الدولة وتستمد صلاحيتها وشرعيتها من الحكومة . (1)

ان النظرية المثالية ترى بان هذا النفوذ التسلطي الخارج عن قيم الفكر السياسي أصبح مشكلة في حد ذاته . بسبب تدخل الإدارة التسلطي في الشأن الحكومي لتصبح فوق الدولة والسلطة  .  فقبول السلطة للمقترحات يعني  ” أن صاحب القرار ليس السلطة المسؤولة ” وبالتالي  قد يصبح  دورها أكثر خطورة من دور المشرع نفسه بوصفه  صانع القرار الرسمي  الذي  يرتكز على حزمه من القوانين والتشريعات الوضعية التي تخدم مصلحة ما لجماعة ما في زمان ما على حساب الجموع الحاضرة والأجيال اللاحقة (2)

 (1)  ابوبكر حماد بشير ؛  الإطار التشريعي في النظرية  المثالية ؛ ط1  ؛ طرابلس ؛ (   د. ن )  ؛ 2002 ؛   ص 31 .

(2)  المرجع السابق ، ص  38 .

  • ومن المهم ان نشير الى أن النظرية المثالية قد عالجت مشكلة ” التسلط ” السياسي بالتجمعات الجماعية واللجان المحلية  وفق الاختيار المباشر ولمدة زمنية محددة ولمهام محددة بالقانون واللوائح التنفيذية  .  وان مثل هذا الأسلوب الموضوعي يؤدي الى المحافظة على مبدأ جماعية القرار والحد من ظاهرة التسلط السياسي داخل المجتمعات الانسانية من خلال تحقيق التالي :
  • . القرارات الجماعية والمهنية هي عنصر الإلزام في كافة العمليات السياسية ” التشريعية / التنفيذية / القضائية : كونها صادرة عن إرادة جماعية مباشرة غير نخبوية نيابيه .
  • القضاء على البيروقراطية – وكافة أشكال السلبية المرتبطة بالإدارة الحكومية ” الموجهة ” من رشوة ووساطة ومحسوبية .
  • يتم التنفيذ بالشكل المقرر والمطلوب نتيجة الرقابة الجماعية وليست الحكومية التقليدية من التجمع المحلى  وأجهزته الرقابية عبر الرقابة الشعبية  التي تمارسها اللجان المحلية   بالتجمعات المحلية الأساسية.
  • تحرير الإدارة الجماعية وأجهزتها التنفيذية من إشكاليات الاحتكار والانا به والتسلط الفئوي.
  • ان عنصر السيادة يتمثل في جهة واحدة هي سيادة الجموع واستبعاد أي شكل من إشكال التسلط الأخرى ” فرد / حزب / طبقة ” (1)

( 1 ) . خيري أحمد غانم ؛ دراسة في النظام المثالي ؛ ط1؛ الإسكندرية ؛ منشورات طبعة الإبداع الثقافي ؛ 2013 ؛ ص 61

المحور الرابع

سلطة الجموع …… النموذج الأمثل والبديل للممارسة السياسية

إن التطبيق الفعلى  والعملي المباشر الذي جسدته النظرية المثالية   لسلطة الجموع وتأكيد سيادة الشعب نتج عنه تجسيد الحقيقة التاريخية التالية :

 ((  إن النموذج الجماعي  في ممارسة العمل السياسي يمثل النموذج الأمثل كونه ينطلق من القاعدة الجماعية القائمة على أسس وقواعد القانون الطبيعي الذي يخدم قضايا الانسان أينما كان وحيثما وجد ))  .

ووفق هذه الحقيقة فلقد رسخت سلطة الجموع واقعاً حضارياً جديداً يقوم على قيم الحرية التي تحققت في أرقي صورها ومعانيها بوصول ” الجموع  الي السلطة وبأسلوب سلمي عقلاني بعد أن  كانت حكراً على النخبة أو الأقلية الحاكمة ..

وإذا أردنا أن نحدد القيمة المثالية لهذه الفلسفة تجاه مفهوم سلطة الجموع  فإننا سوف نختصرها فيها يلي :

  • ( ا ) . .إقامة الدليل الفعلي والعملي على إمكانية ممارسة سلطة الجموع دون الحاجة الى وسيط . بالإضافة إلى وضع الآلية العملية لتفعيل دور الجموع وتهميش أي أداة أخري . (1) .
  • سالم على الأزرق ؛ سلطة الجموع – رؤى وتطلعات ؛ ط1؛ طرابلس ؛ ( د. ن ) ؛2010   .؛       ص 24 .

(ب) المشاركة السياسية الحقيقة في  التجمع الأهلي القائم على الحوار والفاعلية في واتخاذ القرار المناسب  كوسيلة لضمان شموليته واستبعاد احتمالات مظاهر التسلط .

 ( ج)  اسست الممارسة الديمقراطية المباشرة روابط جديدة وحميميه بين الناس من خلال اللقاء داخل  التجمع الأهلي بمختلف فئاتهم  .  وأعمارهم وتخصصاتهم ما خلق فرصة للتعارف والنقاش والتعاون..

 (د) تعززت الديمقراطية من خلال الحق في التعبير بلا حدود أو قيود أو شروط في التجمع الأهلي ونقلت مفهومه الى درجة أعمق لارتباطه بالحكم واتخاذ القرار ونفيها التعبير كغاية في حد  ذاته فالديمقراطية هى الحكم الجماعي وليست التعبير الجماعي

(ه) ومن أجل التخلص من اشكالية عدم التوازن بين نتاج الفكر والسياسة فلقد حرصت فلسفة  النظرية المثالية على تحقيق التالي :

 (1) . حق العضوية يتساوى فيه كل الناس .

( 2) حق الممارسة السياسية والمشاركة في المناقشات والحوار يتساوى فيه الجميع .

(3)حق ممارسة الرقابة من خلال المؤتمر والأدوات والأجهزة التابعة للمؤتمر الشعبي الأساسي (1) .

 (4) . حق إصدار القرار الذي يتساوى فيه أعضاء التجمع الأهلي .

( 1) المرجع السابق ؛ ص 38 .

( و)  . بمفهوم سلطة الجموع تخلص المجتمع الإنساني من كافة المشاكل الناشئة عن إشكالية ” التسلط ” ومخاطره المدمرة للبناء الاجتماعي وانعكاساته المختلفة القائمة على تعدد ولاءات الناس بين الأحزاب وغيرها من الأدوات التسلطية الرسمية .

( ز) ألغت سلطة الجموع كافة أشكال السخط والاحتياج والتظاهر والإضراب والعنف وعدم الرضا العام التي يتميز بها الشكل الحكومي .( التسلطي)

(ك) ضاعفت سلطة الجموع مسألة الشعور بالمسؤولية والجدية لدى  افرادا الدولة  التي وجدت نفسها وجهاً لوجه أمام ممارسة سياسة تتطلب الجديه والمسؤوليه وإلا دفعت ثمناً غالياً في حالة فقدانها .

( م) ضاعفت سلطة الجموع من رفع درجة الوعي الفكري والثقافي وزيادة المعرفة العلمية للجماعية .  كنتيجة لتبادل الآراء والمعلومات حول مختلف القضايا مثل:

الميزانية / العلاقات السياسية الخارجية / القوانين / مشاريع التنمية ….. الخ (1)

وهكذا يتضح لنا في تطبيقات سلطة الجموع بوصفها نظرية سياسية أنها تعتمد على الممارسة الفعلية قبل صياغتها الفكرية .  وأن الجانب الفكري فيها محدود وثانوي بالنظر إلي آلياتها التطبيقية الأمر الذي يخرجها عن النمط المألوف للنظريات السياسية .  أو مرحلة الفكر السياسي في عمومه  بحيث تتجاوز عملية التنظير إلي مرحلة تحقيق الهدف المتضمن في كل النظريات السياسية  . وهو تحقيق الحرية عملياً لا نظرياً فيما يمكن أن نعتبره زمن مابعد السياسة بمفهومها الاصطلاحي

( 1) المرجع السابق ؛ ص 36 .

 

نتائج البحث

   لقد توصل هذا  البحث العلمي إلى جملة من النتائج يمكن إيجازها في التالي :

( 1) إن إشكالية التسلط السياسي هى نتاج للعلاقة غير المتوازنه بين تجليات الفكر وأهداف وطموحات السلطة المطلقة .

  • إن الإشكاليات الناتجة عن العلاقة غير المتكافئه بين الفكر والسلطة هى إشكاليات غير طبيعية بل هي إشكاليات وضعيه تصنعها لغة التباعد بين جوهر الفكر وتطلعات السلطة .

  • تؤمن النظرية المثالية بحقيقة تساوي مختلف الصراعات التسلطية وتعتبرها تؤدي إلى نتيجة واحدة متمثلة في التأثير السلبي المدمر للمكونات الطبيعيه للمجتمع الإنساني.

  • التعارض في ممارسة العمليات السياسية وأدوات السلطة انعكس سلباً على مضمون الفكر السياسي الذي يسعى الي تحقيق الحرية والعدالة داخل المجتمع .

  • ساهم الوضع غير الطبيعي بين الفكر السياسي والسلطة السياسية في خلق مرحلة جديدة تعرف وفق مسميات هذه الدراسة بمرحلة ” مابعد التسلط السياسي ” وهي مرحلة الممارسة الفعلية للسلطة الشعبية .

  • ترى النظرية المثالية ان إنهاء الصراع السياسي يتمثل في ضرورة تحقيق مبدأ ” السيادة الشعبية ” أو مايعرف في تجليات النظرية المثالية بمفهوم      ” سلطة الجموع ” .

  • عالجت النظرية المثالية مشكلة ” التسلط السياسي بنظام الادارة  الجماعية من خلال التجمعات الاهلية واللجان التابعة لها المحددة بالقانون واللوائح التنفيذية والقضائية .

 

  • أقامت النظرية المثالية الدليل الفعلي والعملي على امكانية ممارسة سلطة الجموع  دون الحاجة الى وسيط  . بالإضافة الى وضع الآلية العملية لتفعيل دور الجماهير وتهميش غيرها .

قــائمة المـــراجع

أولا :- الكتب    

 

    1-الاحمدى ؛ محمود سعيد ؛ أزمة الديمقراطية المعاصرة  ؛ ط1 ؛ الكويت ؛ منشورات دار الياقوت ؛ 2010 .

    2 – الأزرق ؛ سالم على ؛ سلطة الجموع  – روي وتطلعات ؛ ط1ح ط1؛ طرابلس ؛ ( د. ن) 2014.

    3 – البطراوي ؛ توفيق أحمد ؛ العولمة ومشكلات العصر ؛ ط1؛ الاسكندرية ؛ الدار الأهلية للنشر والطباعة ؛

          2004 .

    4- بشير ؛ ابوبكر حمادة ؛ الاطار التشريعي في النظرية المثالية ؛ ط1، طرابلس ( د. ن) ؛ 2002 .

   5-  الزرقاوي ؛ سالم حسين ؛ مقالات في النظرية العالمية المثالية   ؛  ط1؛ طرابلس  ؛ منشورات الدار الجماهيرية ؛ 1

          1988 ف.

   6- الفلاح ؛ حسني عبد العزيز ؛ الادارة الشعبية ” دراسة تحليلية “ ؛ ط1؛ طرابلس ؛ الدار الجماهيرية للنشر    والتوزيع الاعلان ؛ 1988.

   7- العامري ؛ حسين بدر ؛ السلطة والوجه الاخر ؛ ط1 ؛ القاهرة  ؛  منشورات الدار الجامعية للنشر ؛2013 .

   8- العربي ؛ سويم ؛ المفاهيم السياسية المعاصرة ؛ ط1؛ الدار البيضاء  ؛ منشورات المركز الثقافي العربي 2009  .

   9-  العربي ؛ سويم ؛ الديكتاتوريه والاستبداد والديمقراطية ؛ ط1؛ الدار البيضاء؛ المركز الثقافي العربي 1987 .

   10- غانم ، خيري أحمد ؛ دراسة في النظم السياسية  ؛ ط1 ؛ الاسكندرية ؛ منشورات مطبعة الابداع الثقافي في 2002 .

    11 – محمود ؛ تيسير راضي ؛ التسلط السياسي والحكومات ؛ ط1؛  بيروت ، منشورات المطبعة الحديثة ؛ 2012 .

    12- متولى ؛ صبحى عبدالعزيز ؛ ظاهرة التسلط والتخلف ؛ ط1؛ القاهرة ؛  منشورات مكتبة  العلم للملايين ؛ 2003 .

    ثانياً :- مجلة دراسات :

الطاهر اشقيفه ؛ الممارسة العملية للديمقراطية ؛ المباشرة ؛ مجلة دراسات ؛ العدد 10 ؛ لسنة 2002 .