جامعة محمد خيضر بسكرة

ملتقى دولي حول:

الحكامة والسياسات العامة في المغرب العربي

24-25 فيفيري2019

استمارة المشاركة:

الاسم: لبنى.

الللقب العلمي.

المؤهل العلمي: سنة أولى دكتوراه- سياسة عامة- جامعة محمد خيضر بسكرة.

الوظيفة: موظفة.

مكان الوظيفة: مديرية الادارة المحلية ولاية أم البواقي.

الهاتف الشخصي: 0696306345.

البريد الالكتروني: khawla041990@gmail.com

نود المشاركة بمداخلة في المحور الثالث:” السياسات العامة في الدول المغاربية: بين فرص النجاح وتحديات تضمين معايير الحكامة”.

عنوان المداخلة: ” واقع صنع وحوكمة السياسة العامة في الجزائر”

ملخص المداخلة:

تتناول هذه الدراسة، وتهتم بكشف واقع صنع وحوكمة السياسة العامة في الجزائر، من خلال التركيز على تأثير البيئة الداخلية والخارجية على عملية صنع السياسة العامة، كما تضمنت الدراسة اشارة موجزة الى أهم متطلبات تطبيق الحكامة الجيدة ومكافحة الفساد في الجزائر.

أما اشكالية الدراسة فتمحورت حول: ”  ما هو واقع صنع السياسة العامة في الجزائر؟، وما هي متطلبات تحقيق الحكامة الجيدة؟”.

هذه الورقة البحثية هي عبارة عن اسهام متواضع للتأكيد على ضرورة مراعاة صانع القرار للظروف البيئة الداخلية والخارجية أثناء عملية صنع السياسة العامة، والدعوة الى ضرورة تقبل فكرة الشريك الاجتماعي من خلال فتح المجال وإحداث توازن بالإشراك الفعلي لجميع الفواعل الرسمية وغير الرسمية في عملية صنع السياسة العامة، ومن ثم التركيز عل البعد الاستراتيجي والإصلاح الشامل للنهوض بأداء الحكومة وتحسين و تطوير أساليب الحكم ومكافحة الفساد.

Abstrait :

L’étude porte sur l’impact de l’environnement interne et externe sur le processus d’élaboration des politique, Inis qu’une brève référence aux exigences les plus in portantes pour l’application de la bonne gouvernance et la lute contre la corruption en Algérie

La problème de l’étude tourne autour : « Quelle est la réalité de la l’élaboration des politiques en Algérie ? et quelle sont les conditions pour parvenir à une bonne gouvernance ?.

Ce document est une modeste contribution visant a souligner la nécessité pour les décideur de prendre en compté les conditions environnementales internes et externes lors du processus d’élaboration des politiques et de plaider en foreur de la nécessité d’accepter l’idée de partenaire social en ouvrant la voie  et en équilibrant, la participation effective de tous les acteurs officiels et  non officiels à la prise de décision, en suite concentrez-vous sur la dimension stratégique et la réforme globale.

مقــــــــــــــــــــدمــــــــــــــــــة

يدعو نموذج الحكامة الى ترشيد السياسية العامة من خلال الانفتاح على دور الفواعل غير الرسمية وإشراكها في عملية صنع السياسة العامة الى جانب دور الفواعل الرسمية، فنجاح السياسة العامة لأي دولة يعتمد بالأساس عل قدرة النظام على الاستيعاب والاستجابة الفعلية لمتطلبات واحتياجات المجتمع من جهة، وقدرته على احداث التوازن بين مختلف توجهات القوى الاجتماعية داخل النظام، فهي تتويج لتضافر مجموعة من الجهود من أجل صنع سياسة عامة ملائمة.

ان المتأمل في مخرجات السياسة العامة في الجزائر، يجد أنها تخرج من صلب النظام السياسي وليس من عمق البيئة المحلية للمجتمع، ففي كثير من الأحيان لا تعكس تلك المخرجات استجابة لمتطلبات المجتمع بقدر ما تعكس توجهات ورؤى صانع القرار، كما أن واقع صنع السياسة العامة في الجزائر يعكس خضوع صانع القرار الى مجموعة من التأثيرات والضغوطات الداخلية والخارجية خاصة، كما يبين مجموعة السياسات الاصلاحية التي تبناها صانع القرار بغية تحسين وتطوير الأداء الحكومي في سبيل انجاح السياسة العامة.

وهذا ما يؤدي بنا الى طرح الاشكال التالي: ” ما هو واقع صنع السياسة العامة في الجزائر؟، وما هي متطلبات تحقيق الحكامة الجيدة؟.”

وعليه سنحاول الاجابة على هذا الاشكال من خلال التعرض الى:

  • تأثير البيئة الداخلية على عملية صنع السياسة العامة في الجزائر.
  • تأثير البيئة الخارجية على عملية صنع السياسة العامة في الجزائر.
  • حوكمة السياسة العامة في الجزائر.
  • متطلبات تفعيل حوكمة السياسة العامة في الجزائر.

أهـــــــــــــداف الدراســـــــــــــــــــــة:

  • تهدف الدراسة الى عرض واقع عملية صنع السياسة العامة في الجزائر.
  • تهدف الدراسة الى تحديد معوقات حوكمة السياسة العامة في الجزائر.
  • تهدف الدراسة الى اقتراح متطلبات تفعيل حوكمة السياسة العامة في الجزائر.

منهجيـــــة الدراســـــــــــــــــــة:

تفرض علينا طبيعة الموضوع الاعتماد على: منهج دراسة حالة، المقترب النظمي.

تمهيد:

تحتاج صياغة سياسة عامة ناجحة الى بيئة مخصبة لها، حيث أنها تتأثر وتؤثر في البيئة المحيطة بها، تنظيميا، سياسيا، اقتصاديا واجتماعيا، وعليه سنحاول من خلال هذا المبحث تبيان تأثير البيئة الداخلية والخارجية على عملية صنع السياسة العامة في الجزائر.

أولا/ تأثير البيئة الداخلية على عملية صنع السياسة العامة في الجزائر.

1/ تأثير البيئة التنظيمية على عملية صنع السياسة العامة في الجزائر.

ان الدستور هو الهيكل الذي ينظم الدولة وعلاقاتها بالمجتمع، وعلاقة المواطنين ببعضهم داخل المجتمع، حيث يحمي الحقوق والواجبات، ويلزم الحاكم والمحكوم بتنفيذ ما جاء فيه.(سعيد بوالشعير،ص،07).

وعليه فان للدستور دور مهم في صياغة وصناعة السياسة العامة وحتى تنفيذها، فهو ينظم عملية اتخاذ القرار ويحدد من يقوم بصنع السياسة العامة ومن ينفذها، وكيف تتم عملية صنع السياسة العامة، دون الخروج عن القواعد والقوانين التي تحكمها، كما يحدد العلاقة بين السلطات ويحدد الأشخاص والهيئات الحاكمة التي لها القدرة على التصرف واتخاذ القرار.

ولذلك خصص دستور 2016 للجزائر، مجموعة من القوانين والقواعد التي تمهد لصياغة وصناعة السياسة العامة، وذلك من خلال اقراره في جملة من المواد على ضرورة الزام صانع القرار في الجزائر بتطبيق ما جاء في الدستور لضمان السير الحسن لعملية صنع السياسة العامة الى غاية تنفيذها، وضرورة اشراك كل الفواعل في عملية صنع السياسة العامة وتحقيق الحكم الراشد.

حيث أقرت المادة (34) من الدستور، على أن كل المواطنون والمواطنات متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، بإزالة جميع العقبات التي تحول دون تفتح شخصية الإنسان، وتحول دون مشاركة الجميع الفعلية في الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية،(دستور2016، ص،10).

كما أقر الدستور وفق المادة (49) حرية التظاهر السلمي في اطار القانون(دستور 2016،ص، 11)، وتفعيل دور الهيئات الاستشارية في تطوير الحكم الراشد وفق المادة (170) من الدستور(دستور 2016،ص،30)، وذلك بمنح الاستقلالية للمؤسسات التي تساهم في تطوير الحكم الراشد، وفي تسيير أملاك الدولة، والجماعات الاقليمية والمرافق العمومية وكذا رؤوس الأموال التجارية التابعة للدولة.

كما كفل الدستور الجزائري حرية الإعلام وإنشاء الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات، وبالتالي كفل حرية نتنقل وتبادل المعلومات والأفكار والآراء في اطار قانوني، يحترم ثوابت الأمة وقيمها الدينية والأخلاقية والثقافية، وفق المادة (50).( دستور 2016،ص، 11).

كما حدد الدستور الجزائري الفواعل الرسمية التي لها حق اقتراح السياسة العامة، والتصويت عليها ومناقشتها ثم المصادقة عليها متمثلة في كل من السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، حيث ألزم الحكومة حسب ما تنص عليه المادة (98) من الدستور على ضرورة تقديم بيان سنوي للسياسة العامة الى المجلس الشعبي الوطني، حيث تتم مناقشته والمصادقة عليه اما بالقبول أو بالرفض(دستور 2016،ص،19)، حيث نظم الدستور وفق المواد( 51 الى غاية 57) طريقة الاقتراح والمناقشة  والتصويت على اللوائح المتعلقة بالسياسة العامة(دستور 2016،ص،13،12)، كما أشرك مجلس الأمة في المبادرة، ومكن السلطة التشريعية ممثلة في المجلس الشعبي الوطني من مراقبة عمل الحكومة من خلال مناقشة برامجها، واستجوابها، وسحب الثقة.

الى جانب ذلك كفل الدستور حق المعارضة البرلمانية للنواب، حيث مكن البرلمان من المشاركة الفعلية في الحياة السياسية، ومنحه حرية ابداء الرأي والتعبير والاجتماع وحق المشاركة الفعلية في الأعمال التشريعية ومراقبة عمل الحكومة.(المادة53، دستور2016، ص12)

ومن خلال ما سبق، نجد أن البيئة التنظيمية من حيث ترسانة القوانين والقواعد التي أقرها الدستور الجزائري، لها تأثير مباشر على عملية صنع وتنفيذ السياسة العامة، ويمكن القول نسبيا أن القوانين  والقواعد المعمول بها تساعد على نجاح السياسة العامة من الناحية الشكلية، غير أن الواقع الفعلي الممارساتي يعكس بعض الثغرات التي تشوب قوانين الدستور خاصة من حيث تداخل الصلاحيات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، كما حصر مجالات تدخل البرلمان حسب اما تشير اليه المادتين(132و135) (دستور 2016،ص،25،24)،وهمش دور البرلمان في المجالات الأساسية، وقيد دور البرلمان من حيث عملية التشريع خاصة في أحكام المناقشة والتصويت، اضافة الى احتكار الرئيس لصلاحية الاصدار.

2/ تأثير البيئة السياسية على عملية صنع السياسة العامة في الجزائر

يتوقف نجاح السياسة العامة على مدى استقرار الحياة السياسية في الدولة، وعلى مدى انسجام النظام وعلى مدى انسجام النظام السياسي وتفاعله مع مختلف الفواعل الاجتماعية المحيطة به، وكذلك قدرته على الاستجابة لمتطلبات واحتياجات المجتمع، وللتحديات والرهانات المطروحة عليه سواء فرضتها عليه البيئة الداخلية أو الخارجية، كما أن نجاح السياسة العامة ما هو إلا انعكاس لوجود مصالحة حقيقية بين مشروع السلطة ومشروع المجتمع (كريمة بقدي،ص،12)، من خلال التجانس والتناسق الفكري والثقافي والإيديولوجي بين القوى السياسية والاجتماعية المتفاعلة داخل النظام السائد، حيث أن هذا التجانس والانسجام يؤدي الى خلق مؤسسات سياسية تتلائم وتتكيف مع التغييرات الاجتماعية والتحولات الخارجية، وتمد الهيئة الحاكمة بالشرعية في صناعة السياسة العامة وتنفيذها، محدثة بذلك توازنا بين النظام السياسي والقوى الاجتماعية.

وعن الحديث عن تأثير البيئة السياسية على عملية صنع السياسة العامة في الجزائر، سنتطرق الى دور ثلاث فواعل اساسية، والتي لا بد أن يكون لها دور بارز في عملية صنع السياسة العامة الى جانب النظام السياسي والمتمثلة في:

الأحزاب السياسية.

المجتمع المدني.

الجماعات الضاغطة.

2-1/ دور الأحزاب السياسية في عملية صنع السياسة العامة في الجزائر:

يشير مفهوم الحزب السياسي الى ذلك التنظيم الديمقراطي، الذي يعمل في اطار قانوني هدفه الوصول الى سدة الحكم أو المشاركة فيها، من خلال ممارسة السلطة التمثيلية وفق برنامج الحزب السياسي والاقتصادي والاجتماعي( خليفة الفهداوي،ص،224-225).

ويعود تأسيس القاعدة التعددية الحزبية في الجزائر الى دستور 1989، حيث نص صراحة على الانفتاح على التعددية الحزبية تحت مسمى الجمعيات ذات الطابع السياسي( المادة 40 من دستور 1989)، وعبر فترات ومراحل عديدة مر بها النظام السياسي، تطور شكل الأحزاب السياسية الى ما هو عليه اليوم، حيث كفل دستور 2016 وفق المادة 62 حرية انشاء الأحزاب السياسية، ومنحها حق التعبير عن الرأي والاجتماع بكل حرية كما منحها حق ممارسة السلطة على الصعيدين المحلي والوطني(دستور 2016،ص،13) .

وعليه فمن الناحية القانونية نجد أن حق انشاء الأحزاب السياسية في الجزائر مكفول، غير أن دورها مقيد ومحصور وجعل منها فقط تعددية حزبية لا تعددية سياسية، كما أن الدستور ألغى أي شكل من أشكال تأسيس أحزاب سياسية على أساس لغوي، أو ديني، أو عرقي(المادة52 دستور 2016،ص12)، وهذا ما يقصي حقوق الأقليات الدينية والعرقية واللغوية الموجودة في الجزائر، وفي ذلك اقصاء وتهميش لحقوق هذه الفئات التي تمثل الأقلية في الجزائر تحت شعار حماية القومية الوطنية.

وبما أن الأحزاب السياسية كما ذكرنا سابقا تمثل توجه رأي عام أو الفئة التي تمثلها، وتحاول ايصال احتياجاتها ومطالبها الى صانع القرار السياسي مقصية بالأساس فكيف تمثل هذه الفئات وأين هو حظها من برامج السياسة العامة.

من جهة أخرى وفي اطار حديثنا عن دور الأحزاب السياسية كوسيط بين أفراد المجتمع والسلطة، لما لها من دور مهم في نقل مشاكل واحتياجات جماهيرها، ومن ثم تقديم مقترحات لحلها الى الجهات الوصية في اطار القانون( بلقيس أحمد منصور،2004،ص،74-76)، نجد أن الأحزاب السياسية في الجزائر تسعى الى تعزيز مواقفها اتجاه بعض السياسات، والتي تكون في معظمها متوافقة مع مواقف القاعدة الجماهيرية الواسعة، إلا أن دورها  لا يزال ذو تأثير ضئيل في عملية صنع السياسة العامة( نور الدين زمام،ص، 209)، وهذا ربما يعود الى السياسة المنتهجة من طرف نظام الحكم في الجزائر، الذي وفق الدستور كفل حرية تأسيس الأحزاب السياسية، لكنه في الواقع لم يوفر الأرضية الخصبة والمناخ الملائم للعمل الحزبي ما جعل منها تعددية حزبية لا تعددية سياسية.

2-2/ دور المجتمع المدني في عملية صنع السياسة العامة في الجزائر:

يشير مفهوم المجتمع المدني الى ذلك النظام الطوعي المستقل وغير الربحي، الذي يهدف الى الدفاع والاهتمام بالقيم والمصالح الخاصة بالأشخاص المنضمين إليه، اذ أنه يعتبر هيكلا من هياكل الادماج السياسي والاجتماعي بانفتاحه على المشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية (ابراهيم مشورب،2004، ص، 11).

وبناءا عليه فقد أقر المشرع الجزائري بموجب المادة (39،48)، حرية انشاء الجمعيات، وحق الدفاع الفردي أو عن طريق الجمعية عن الحقوق الأساسية للإنسان وعن الحريات الفردية والجماعية( دستور 2016،ص، 10-11).

غير أن المجتمع المدني في الجزائر قد لا نجد له أثرا ملموسا في صناعة السياسة العامة، بقدر ما نجده نشطا على شكل جمعيات خيرية وثقافية، تعكس نوعا من التكافل والتضامن الاجتماعي داخل أوساط المجتمع الجزائري.

كما نلحظ وجود اجراءات ادارية معقدة فيما يتعلق بإنشاء الجمعيات، وهذا راجع الى سياسة النظام الذي شدد القوانين والإجراءات المتعلقة بإنشاء الجمعيات، ما جعلها تعمل في اطار قانوني ضيق ولا تكاد تخرج عن كونها مجرد جمعيات خيرية وثقافية.

ان مثل هذه الاجراءات والقوانين قيدت نشاط المجتمع المدني داخل الجزائر، حيث لم يرقى دوره بعد كمؤسسة هدفها بناء مجتمع قوي ودولة قوية، حيث تعتبر الجزائر وفق مقترب علاقة الدولة بالمجتمع، دولة قوية ومجتمعا ضعيفا، حيث هيمن النظام على القوى الاجتماعية ليحقق أكبر قدر من السيطرة، رافضا مفهوم الشريك الاجتماعي، ولم نصل بعد الى مرحلة التنسيق بين مجموعات المصالح فيما بينها ومع الحكومة من أجل تحديد ورسم السياسة العامة، في اطار عقد اجتماعي بين مختلف مصالح الطبقات الاجتماعية والسلطة للتفاوض من أجل تحديد سياسة عامة قادرة على الاستجابة لمختلف احتياجات المجتمع، ومن هنا تتجلى قدرة النظام على ادارة الصراع وتحقيق توازن بين مختلف القوى الاجتماعية في المجتمع.

2-3/ دور جماعات الضغط في عملية صنع السياسة العامة في الجزائر:

تتمثل الجماعات الضاغطة في تلك الجماعات التي تقوم بالضغط على الحكومة لتحقق مصالح أعضاءها باستخدام الوسائل المشروعة، وقد تتعداها الى استخدام الوسائل غير المشروعة كرفض القانون  الرشوة، الاغتيال، التهديد..الخ ( احمد السيد كردي،2010،ص،1).

وتتمثل جماعات الضغط النشطة في الجزائر في المنظمات النقابية المستقلة التي حررها دستور 1989 من أي وصاية سياسية أو سيطرة حزبية، كما كفل دستور2016 الحق النقابي (المادة 70، من دستور 2016)، وهي تسعى لتحقيق مصالح أعضائها المنخرطين فيها، وتكون درجة تأثيرها بحسب وزنها وموقعها داخل النظام السياسي وحسب بعدها الاستراتيجي في تحقيق مطالبها.

ولهذه المنظمات النقابية في الجزائر دور وتأثير واضح على عملية صنع السياسة العامة، حيث استطاعت في أكثر من مرة التأثير على صانع القرار في الجزائر وارضاخه للاستجابة الى مطالبها الشرعية المتعلقة بتعزيز الحماية الاجتماعية ( مسعود بوديبة،)، ولعل أبرز النقابات في الجزائر نجد cnapeste algerie- unpef-stef-snapepe-.، وتطرح هذه النقابات اختلافا في طبيعة الرؤى والمطالب، وهنا تظهر قدرة النظام على احداث التوازن في تحقيق مطالب الحركات الاجتماعية المختلفة، إلا أن الهيئة التنفيذية في الجزائر لا تزال في كثير من الأحيان تحاول تقييد عمل هذه النقابات بحجة تضارب المصالح واختلاف الرؤى والأهداف، هذا الأمر الذي يعكس عجز السلطة على وضع تصور عام وواضح وإستراتيجية طويلة المدى تهدف الى الاستجابة للمطالب المطروحة أمامها، وعليه لا بد من العمل على  تعزيز لغة الحوار والتفاوض بين النقابات المستقلة كجماعات ضغط أو كشريك اجتماعي والسلطة داخل اطار قانوني لتحقيق الصالح العام( محمد بوخطة،)..

2/تأثير البيئة الاقتصادية على عملية صنع السياسة العامة

نحتاج لتنفيذ قرارات السياسية العامة في الواقع العملي، الى استخدام المصادر الاقتصادية المادية والبشرية في سبيل تحقيق مقاصدها، اذ تعتبر الأداة التطبيقية لتنفيذ السياسة العامة، طبعا الى جانب توفر سياسة رشيدة تعمل على الاستغلال الأمثل والتسيير الجيد للثروات والموارد الاقتصادية سواءا المادية أو البشرية وذلك للحصول على قدر كبير من الربح بأقل تكلفة.

والجزائر كباقي الدول لها بيئة اقتصادية تؤثر وتتأثر بمخرجات السياسة العامة، فكل سنة تدرس الميزانية من حيث قيمة الدخل والإنفاق العام تجري مقارنتها بالسنة أو السنوات السابقة، لتضع مؤشر النمو الاقتصادي وتعد ميزانية شاملة تقسم سب احتياجات كل قطاع.

وبما أن الاقتصاد الجزائري هو اقتصاد قائم بالدرجة الأولى على تصدير المحروقات، اذا فهو يعتمد عند صياغته للسياسة العامة على الدراسات والإحصائيات المتعلقة بقيمة العائدات من المحروقات حيث كثيرا ما تتأثر السياسة العامة للدولة بسوق النفط، وبذلك تتحدد مشاريع المالية وتتأثر بشكل مباشر بقيمة تلك العائدات حيث كان لانتكاسة انهيار أسعار النفط جملة من التداعيات على السياسة العامة في الجزائر، ما جعل صانع يلجأ الى الاعتماد على الفوائض الموجودة في المالية العامة والمتاحة في صندوق ضبط الايرادات للحد من تراجع أسعار النفط، كما قام بتخفيض سعر الصرف وترشيد الانفاق العام والتوجه نحو سياسة التقشف التي شملت تجميد التوظيف في المرافق العامة وتخفيض الاستثمار العمومي، وقد نجحت هذه السياسات فقط على المدى القصير، حيث بدى جليا غياب البعد الاستراتيجي لصانع القرار في الجزائر حيث جاءت معظم هذه السياسات كرد فعل وقائي غير فعال على المدى الطويل وغير مدروس اتجاه الأزمة.( عبد الحميد مرغبت،2015،ص،03).

 ما يبقي برامج السياسة العامة في الجزائر رهينة سوق النفط والمحروقات، رغم مساعي الدولة الهادفة الى تقليص الاعتماد على تصدير المحروقات، من خلال دعم الصناعات والانتاج المحلي، وتشجيع الاستثمار المحلى والأجنبي، وتخفيض نسبة الاستيراد.

كما اتجهت الجزائر الى عملية الخوصصة كحلقة من الاصلاحات الاقتصادية الطويلة، والتي تهدف الى الحد من تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية وفتح المجال أكثر أمام اقتصاد السوق ( مبارك بوعشة، 1997، ص، 149)، غير أن  القطاع الخاص في الجزائر لا يزال دون المستوى المطلوب في ظل غياب الميزة التنافسية والإجراءات المعقدة التي تحول دون توسيع الاستثمار داخل الوطن، وفي ظل تبني الجزائر للسياسة الاجتماعية وغياب ثقافة الاقتصاد الحر، وكذا اقصاء القطاع الخاص من المشاركة في عملية صنع السياسة العامة .

أما من ناحية الموارد البشرية، تسعى الجزائر الى تثمين العنصر البشري باعتباره فاعلا أساسيا ومؤثرا في عملية صنع وتنفيذ السياسة العامة، حيث سعت جاهدة الى تطوير نظام التكوين، والتحفيز، والترقية والضمان الاجتماعي لتشجيع المورد البشري على الابداع والابتكار والتميز داخل العمل والنهوض بقيمة العنصر البشري ( نبيلة مرماط،2009،ص،194)، في اطار اقامة علاقات أكثر شفافية  تقوم على المشاركة والمساءلة حيث مكن الموظف من الانخراط في النقابات العمالية والعمل الجمعوي بهدف ترسيخ الكثير من القيم الهادفة والجادة  ( صالح زياني، ص،05).

3/  تأثير البيئة الاجتماعية على عملية صنع السياسة العامة في الجزائر.

البيئة الاجتماعية هي مجال التفاعل بين كافة الوحدات الحية، المحيطة بالانسان من طبيعة ومجتمعات بشرية ونظم اجتماعية وعلاقات إنسانية ( مسفر القحطاني،ص،4)، اذا هي محصلة التفاعل والتعامل الانساني القائم بين أفراد المجتمع، حيث تكتسب  نمطا خاصا بها من حيث الثقافة، القيم، العرف، والتقاليد السائدة، مشكلة ما يعرف بالنسق الاجتماعي وهذا الأخير يختلف من مجتمع لآخر باختلاف العوامل المشكلة له.

ويتشكل النسق الاجتماعي من نظام معين من الطبقات والتي هي عبارة عن مجموعة من المفاهيم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تسود في كل مجتمع، ومن خلالها يتم تصنيف أفراد المجتمع وفقا لفئات اجتماعية هرمية، وبالتالي يتم تقسيم المجتمع الى مجموعة من الفئات حيث يشترك أفراد كل فئة في المستويات الاقتصادية والاجتماعية ( غني القريشي،2011،ص،1)، وعليه من الطبيعي  أن يكون هناك تأثير كبير للبيئة الاجتماعية على عملية صنع السياسة العامة.

        وبالعودة الى تأثير البيئة الاجتماعية في الجزائر على عملية صنع السياسة العامة، لابد أن نعرج الى التذكير بالطبقات الاجتماعية الموجودة في الجزائر، حيث نجدها مكونة من ثلاث طبقات: الطبقة العليا، الطبقة الوسطى، الطبقة الدنيا، وتمثل الطبقة الوسطى الفئة الغالبة في المجتمع(غني القرشي،2011،ص،1) .

ان المتأمل في مخرجات السياسة العامة في الجزائر يجد أنها تحرص على احداث التوازن داخل المجتمع، باهتمامها أكثر بالطبقة الوسطى فمن المعروف أنه كلما ضاقت الطبقة الوسطى كلما زادت احتمالية حدوث صراع( نور الصباح عكنوش،2018،ص2)، وعليه فصانع القرار في الجزائر يحاول الاستجابة أكثر لمطالب الطبقة الوسطى في المجتمع لتحقيق الاستقرار، حيث أنه ترصد لأهم توجهات المواطنين وحاول فهم طبيعة القوى الاجتماعية التي لها تأثير على السلطة، وعمل على التعرف على خريطة المصالح والقوى المتنافسة والمتصارعة، من أجل تحديد آليات التعامل مع المطالب المتنوعة، ومدى قدرته على اشباعها وامتصاص غضب المواطنين ازاء سياسات معينة ( عمار معمر، 2011، ص، 8).

كما أن مخرجات السياسة العامة في الجزائر تراعي ثوابت المجتمع ومعتقداته وقيمه وتقاليده، رغم تطور وتغير النمط الثقافي بفعل العولمة يحاول صانع القرار من خلال مخرجات السياسة العامة التماشي مع التطورات الايديولوجية والفكرية الحديثة في النسق الاجتماعي دون المساس بثوابت وقيم البيئة الاجتماعية، كما تحاول السلطة من خلال مخرجات السياسة العامة تحقيق أكبر قدر من العدالة الاجتماعية.

ثانيا/ تأثير البيئة الخارجية على عملية صنع السياسة العامة في الجزائر.

تعكس البيئة الخارجية مكانة الدولة على الساحة الدولية، وعلاقتها مع مختلف الدول وقوتها على الصعيدين الاقليمي والعالمي، وهذا ما يؤثر على عملية صنع السياسة العامة، حيث كثيرا ما نجد دولا تخضع فيها سياساتها العامة الى قرارات وسياسات تتلقاها في شكل أوامر قابلة للتنفيذ، فتكون بذلك سياساتها العامة صناعة آيادي خارجية، وكثيرا ما تكون تلك السياسات لا تتلائم ولا تتوافق مطلقا مع متطلبات البيئة الداخلية فتدخل الدولة في حالة اضطراب قد يهدد أمنها واستقرارها الداخلي لوجود قوى اجتماعية رافضة لتلك السياسات التي لا تستجيب لمتطلبات البيئة المحلية، بقدر ما هي استجابة لسياسات خارجية مفروضة على صانع القرار كما تتأثر السياسة العامة للدولة بظروف الدول المحيطة بها اقليميا وعالميا، اذ أن ما يحدث على مستوى هذه الدول يؤثر على السياسة الداخلية للدولة.

وعليه يتجلى تأثير البيئة الخارجية على عملية صنع السياسة العامة من خلال قدرة صانع القرار على صياغة وصنع سياسة عامة تراعي الظروف الدولية المحيطة بها وتلبي احتياجات البيئة المحلية.

وبالعودة الى تأثير البيئة الخارجية على عملية صنع السياسة العامة في الجزائر، نجد أن الجزائر تحتل مكانة مهمة على الصعيد الإفريقي، الإقليمي، والدولي، حيث تميزت الدبلوماسية الجزائرية بحنكتها وقوتها منذ قيام الثورة التحريرية عام 1954 والى غاية اليوم، حيث لعبت الجزائر أدوارا مهمة للحفاظ على السلم والأمن اقليميا وعالميا، برزت من خلالها في دور الوسيط السياسي والفاعل الدبلوماسي في أكثر من مناسبة كأزمة مالي حيث قطعت عدة أشواط دبلوماسية للخروج بحلول ميدانية وسياسية لحل الأزمة، كما تمسكت الجزائر بمبادئها الثابتة كسياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ودعمها لحق الشعوب في تقرير مصيرها ومرافعتها من أجل القضايا العادلة ( مواقف الدبلوماسية الثابتة للجزائر،2013،ص،1)، كما تمتلك الجزائر علاقات تعاون وشراكة وصداقة مع عديد الدول التي تربطها معها مصالح مشتركة سواء اقتصاديا، اجتماعيا، ثقافيا،..الخ.

الا أن ما يعيشه العالم اليوم من حالة فوضى وتغير في موازين القوى، بصعود قوى عالمية جديدة متنافسة على السيطرة وتغيير الخريطة الجيوسياسية لتعظيم مصالحها، وقيام الاحتجاجات الشعبية بسبب الاحتياج وغياب العدالة الاجتماعية في الدول الديمقراطية الكبرى المتمسكة بالمبادئ النيوليبرالية،  كمظاهرات أصحاب السترات الصفراء في فرنسا، و في لندن،  وما عايشته بعض الدول الاقليمية المجاورة تحت ما يسمى بالربيع العربي الذي بدأ بانتفاضات شعبية بسبب تزايد الضغط السياسي على الحريات العامة، وتقلص دائرة المشاركين في صنع القرار وما أنتجته افرازات سياسات الاصلاح الاقتصادي والذي فرضه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي( الربيع العربي،2015، ص،1)، وانتهت الى ما هي عليه اليوم من حالة اللأمن واللااستقرار كان له الأثر البالغ على السياسة الداخلية للدولة الجزائرية التي سبق لها وأن عاشت تجربة مماثلة لمدة عشر سنوات عرفت بالعشرية السوداء تكبدت فيها الدولة الجزائرية خسائر بشرية ومادية جسيمة، خرجت منها بميثاق المصالحة الوطنية أو ما يعرف بالوئام المدني، هذا كله جعل الجزائر تعتزم عدم تكرار مثل هذا السيناريو المؤلم خصوصا بعد قيام مجموعة من الاحتجاجات الرافضة لسياسة التهميش كتلك الاحتجاجات التي رفعتها اللجنة الوطنية للدفاع عن حقوق البطالين بمدينة ورقلة في مارس سنة2013، بغية الحصول على حقوق العمل في المؤسسات النفطية المتواجدة على تراب ولاية ورقلة، الى جانب احتجاجات ولاية الوادي في الثلاثون من مارس من نفس السنة تحت شعار مليونية لاقامة دولة القانون ( عبد الناصر جابي، 2016)، الى جانب ارتفاع حدة الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية المطالبة بمكافحة الفساد، ما جعل صانع القرار يعدل في كثير من السياسات في محاولة منه لشراء السلم المجتمعي مست التعديلات بخاصة نظام الأجور، والسياسة التشغيلية حيث منحت قروضا هائلة على شكل enseg.cnac، لفئة الشباب ذوي الحرف لإنشاء وتكوين مشاريع ومؤسسات صغيرة ومتوسطة، كما فعلت نظام الادماج المهني بمنح عقود ما قبل التشغيل ك das.daip.sif.، للشباب المتعلم الحاصل على شهادات جامعية أو شهادات معادلة لها للتوظيف والعمل في الادارات العمومية، كما مكنت الشباب الحاصل على الشهادات الجامعية التطبيقية من العمل ضمن القطاع الخاص في اطار عقود ما قبل التشغيل، كما عمدت الدولة الجزائرية الى تعزيز نظام الحماية الاجتماعية وذلك بتقديم منح مالية لذوي الاحتياجات الخاصة  والمرضى الذين يعانون من أمراض مزمنة،كما عززت نظام الخدمات الاجتماعية بالنسبة للعمال والموظفين بأسلاك الادارة العمومية، كما عملت على تعزيز دور المؤسسة العسكرية لحفظ الأمن الداخلي خاصة على الحدود الإقليمية، الى جانب مجموعة من السياسات  المعدلة والمستحدثة هدفها الحفاظ على استقرار الدولة والمجتمع.

فنلاحظ من خلال ما سبق كيف أن الأوضاع الاقليمية ضغطت على صانع القرار في الجزائر وجعلته يعيد النظر في السياسة الداخلية للحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي بالدرجة الأولى، ومن ثم تطوير السياسة العامة للدولة بجعلها أكثر استجابة لمتطلبات البيئة المحلية وأكثر حرصا على تحقيق العدالة الاجتماعية.

ان ما يحدث اليوم على مستوى الساحة الدولية، من صراع من أجل بسط النفوذ وتعظيم المصالح بين الدول الكبرى، والصراع العربي الاسرائيلي، والصراع العربي العربي، وتضارب المصالح والرغبة في السيطرة وانهيار الأنظمة وتشتت المجتمعات، جعل الجزائر تعيد النظر في سياساتها الداخلية وتحاول قدر الامكان المحافظة على امنها واستقرارها الداخلي، كما تسعى الجزائر الى تفعيل وتعزيز سياسة الجوار وتحرص على استقرار الوضع الداخلى للدول المجاورة.

ثالثــا/ حوكمــــــــــــــــــــة السياسة العامة في الجزائر

ان الحكم الراشد ما هو إلا انعكاس لمجموعة من التطورات الفكرية والإيديولوجية والتغييرات الحديثة في أساليب الحكم ويعني الحكم الجيد أو الحكم الصالح، ظهر مفهومه بالموازاة مع ظهور المفاهيم الحديثة المرتبطة بالتنمية، الشفافية، المساءلة، ويقارب في مفهومه مفهوم اعادة هندسة الدولة بحيث تستطيع أن تؤدي وظائفها بكفاءة أعلى وتكلفة أقل، أو بمفهوم الرشادة في السياسة العامة، اذ أن الحكم الراشد يعبر عن الادارة الجيدة للدولة والمجتمع من خلال ادخال أساليب ادارة الأعمال في المنظمات العامة، أو بمعنى آخر ادارة الجودة الشاملة( سعد الكواز،ص،1).

ويرتبط تطور مفهوم الحكم الراشد بمجموعة من العوامل السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية.

فمن حيث العوامل السياسية ارتبط بما يلي:

– العولمة كمسار بمعنى عولمة الديمقراطية، تزايد دور المنظمات غير الحكومية.

– عولمة الاقتصاد.

– عولمة المعرفة.

– فشل الدولة بالمفهوم القديم.

– عدم الاستقرار السياسي.

من حيث العوامل الادارية ارتبط بما يلي:

– تضخم الجهاز البيروقراطي نتيجة استمرار الأساليب التقليدية.

– ضعف البنية المؤسسية والسياسية والإدارية.

– غياب آلية المحاسبة والشفافية.

من حيث العوامل الاقتصادية ارتبط بما يلي:

– الأزمات المالية والاقتصادية العالمية.

 من حيث العوامل الاجتماعية ارتبط بما يلي:

– ضعف التنمية البشرية.

– أزمات البطالة.

– حراك القوى الاجتماعية.

وعليه فالجزائر تمشي بخطى حثيثة على طريق تحسين ادارة الحكم ومكافحة الفساد، فمن الناحية التشريعية والتنظيمية خصص دستور 2016 الفصل الرابع منه للحريات والحقوق، كفل من خلاله حرية انشاء الجمعيات وحق الدفاع الفردي أو عن طريق الجمعيات، كما كفل حرية واستقلالية الإعلام، وحق انشاء الأحزاب السياسية وحرية ابداء الرأي والاجتماع كما كفل مشاركة المرأة في الحياة السياسية.

أما من ناحية مكافحة الفساد، فقد جرم المشرع الجزائري الفساد بأنواعه من خلال قانون مكافحة الفساد 01/06، واعتبره جريمة يعاقب عليها القانون، حيث حرص  المشرع الجزائري على اصلاح المنظومة التشريعية والقضائية، وعصرنة العدالة، وتثمين المورد البشري (المخطط الخماسي) الى جانب اعادة صياغة الهياكل والمهام الادارية والقضاء على البيروقراطية، من خلال اعادة هيكلة المؤسسات الادارية ودمج المصالح ذات الصلة وممارسة المشاركة الادارية(R.khelloufi.p.238)، اضافة الى تجديد وسائل التسيير العمومي لجعلها تتوافق مع مفاهيم النجاعة  والفعالية وتقييم نتائج الانفاق العمومي( سعيد مقدم،2007،ص،19).

كما عزز المشرع الجزائري دور مجموعة من الهيئات والأجهزة المهمة لتتبع أفعال الفساد ومواجهتها ( عبد العالي حاحة،2013،449)، كمجلس المحاسبة باعتباره مؤسسة قضائية ادارية تتمتع بالاستقلالية في التسيير تعمل في اطار مكافحة الفساد من خلال التدقيق في شروط استعمال الموارد والوسائل المادية والأموال العمومية المستغلة من طرف الهيئات التي تدخل في نطاق اختصاصه (الامر رقم10 /02 المؤرخ في 20/08/2010 المتعلق بمجلس المحاسبة) الى جانب تفعيل دور المفتشية العامة للمالية حيث تم استحداثها كهيئة رقابية دائمة تحت السلطة المباشرة لوزير المالية، والديوان المركزي لقمع الفساد كمؤسسة تبحث وتتحرى في جرائم الفساد  وتكافحه( عبد العالي حاحة، 2013،ص،449).

غير أن الجزائر ورغم ما قامت به من اصلاحات بهدف النهوض بأداء الحكومة وإشراك جميع الفواعل الرسمية وغير الرسمية في عملية صنع السياسة العامة، إلا أن هناك ما يشوب تلك الاصلاحات التي أثبت الواقع أنها مجرد اصلاحات شكلية، حيث أن الدستور سمح بقيام تعددية حزبية لا تعددية سياسية كما أنه قيد حيزها العملي، وهذا انعكس على الدور المنوط للأحزاب السياسية التي كان من المفترض أن تساهم في بناء الصرح المؤسساتي.

الى جانب ضعف مستوى التأطير، وعدم ملائمة الاستراتجيات المطروحة لطبيعة الهياكل التنظيمية وعدم تمتع الأجهزة الرقابية بالاستقلالية الفعلية لأداء مهامها، وكذلك اقصاء وتهميش الجهات الرسمية ومنعها من ممارسة حقها في الرقابة.

هو الأمر ذاته بالنسبة لنشاط مؤسسات المجتمع المدني التي لا تكاد تنشط إلا في المجال الخيري والثقافي، أما الاعلام في الجزائر هو اعلام موجه ولم يشهد أي استقلالية في بث الأراء والأفكار السياسية، كما أن دور الاعلام تقلص بسبب الاقبال الكبير للمواطنين على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي وجد من خلالها المجتمع الجزائري  بكل فئاته وتوجهاته الفضاء المناسب للتعبير عن آرائهم.

وما يلحظ كذلك على الاصلاحات التي اعتمدتها الجزائر للسير نحو تحقيق وتفعيل الحكم الراشد، هو التداخل الكبير بين صلاحيات المؤسسات السياسية الثلاث وصل الى حد هيمنة وسيطرة مؤسسة واحدة وتهميش دور وسلطة المؤسسات الأخرى، في غياب واضح لمبدأ فصل السلطات الذي يعد أهم وأبرز آلية لتحقيق الحكم الجيد.

رابعا/ متطلبات تفعيل حوكمة السياسة العامة في الجزائر

 يحتاج تحقيق الحكم الراشد في الجزائر الى مجموعة من التغيرات والإصلاحات الجذرية الشاملة والى ضرورة توفر النية الحقيقية والإرادة لدى صانع القرار والمؤسسات االفاعلة في الجزائر نحو التغيير وتفعيل آليات الحكم الجيد، والنهوض بأداء الحكومة والمنظمات العامة.

وعليه لتحقيق الحكم الراشد في الجزائر لا بد من تضافر الجهود والعمل على تحقيق جملة من المتطلبات أهمها:

– اعادة تفعيل دور القطاع العام من أجل استقطاب استثمار وطني خاص وأجنبي.

– تهيئة البيئة الملائمة لعمل القطاع الخاص حيث أنه يعاني من:

        – ضعف الاطار القانوني التشريعي الذي يحمي المستثمر.

         – تعقد الاجراءات المتعلقة بالاستثمار الوطني والأجنبي.

       – التعقيدات البنكية والمصرفية.

– ترقية دور المجتمع المدني كمؤسسة فاعلة تعمل بمحاذاة الدولة لأداء أفضل خدمة عامة، وتحقيق أكبر قدر من العدالة الاجتماعية والمساواة وتعبئة الرأي العام للمشاركة في الشأن العام.

– ارساء مبادئ الديمقراطية التشاركية( صالح زياني،2010،ص،5).

 – منح قدر كاف من الحرية والاستقلالية لضمان عمل الإعلام والعمل على وضع سياسة اعلامية تفاعلية ناجحة من خلال فتح فضاءات ابداء الرأي والتعبير بكل حرية.

– تعزيز ثقافة التغيير والإصلاح.

– تعزيز دور البرلمان كمؤسسة فاعلة في عملية صنع السياسة العامة.

– تعزيز دور المؤسسات الاستشارية.

– تعزيز دور مؤسسات ومراكز مكافحة الفساد بأنواعه، وضمان الشفافية.

– اطلاع الرأي العام على جرائم الفساد وانتهاك المال العام، ومحاسبة الفاعلين.

– اصلاح وعصرنة قطاع العدالة، والمتابعة الميدانية لهذه الاصلاحات.

– ادخال تقنيات التسيير العمومي الحديث، والعمل بها داخل المنظمات العامة.

الخــــــــــاتمـــــــــــة

من خلال ما سبق، يتضح لنا أن عملية صنع السياسة العامة تحتاج الى بيئة مخصبة وعوامل مساعدة على نجاحها، حيث لابد أن يتمتع النظام الحاكم بالشرعية والسيادة والاستقلالية في التسيير، كما لابد لصانع القرار أن يكون رشيدا وعقلانيا في قراراته بأن يمتلك مجموعة من التصورات المستقبلية التي تستحضرها المنظمات الادارية في شكل خطط وسياسات عامة، تترجم الى آليات وتقنيات وممارسات تمكنها من مواجهة المستقبل والتعامل مع تحدياته وتهيئة مستلزماته ، مع ضرورة مراعاة كامل الظروف المحيطة سواء الداخلية أو الخارجية، الى جانب العمل على ادخال أساليب وتقنيات الحكامة الجيدة للنهوض بأداء الحكومة وإشراك كافة الفواعل في عملية صنع السياسة العامة.

أما واقع صنع السياسة العامة في الجزائر، فقد عكس لنا أنها تتأثر نسبيا وبشكل متفاوت بمختلف العوامل المشكلة للبيئة الداخلية سواء تنظيميا، سياسيا، اقتصاديا واجتماعيا، غير أن للظروف الخارجية الأثر الأكبر عليها خاصة في ظل الأوضاع العالمية والإقليمية الراهنة لما لها من تداعيات على برامج السياسة العامة.

وعن حوكمة السياسة العامة في الجزائر، فبالرغم من  محاولة صانع القرار القيام بمجموعة من الاصلاحات في سبيل النهوض بأداء الحكومة وتحسين وتطوير الادارة العمومية ومكافحة الفساد،  إلا أنه لا يزال بعيدا عن الهدف المنشود بسبب غياب تضافر الجهود، الى جانب عدم توفر النية والرغبة الحقيقية في التغيير وهذا مرده الى تضارب القوانين وتعارض المصالح سواء بين المسؤولين في السلطة أو بين القوى والحركات الاجتماعية داخل المجتمع.

قائمـــــــــة المراجـــــــــــــــــــــــــــــع:

  • الدساتير:

دستور 1989.

دستور 2016.

2-الأمر رقم 10/02 المؤرخ في 20/08/2010، المعدل والمتمم للقانون رقم 95/20 المتعلق بمجلس المحاسبة، الجريدة الرسمية، العدد 2016.56.

3ابراهيم،مشورب. المؤسسات السياسية والاجتماعية في الدولة المعاصرة. بيروت: دار المنهل اللبناني للطباعة والنشر،2004.

4اسامة،غزالي. حرب الأحزاب السياسية في العالم الثالث. الكويت: سلسلة المعارف للنشر،1987.

5بلقيس،أحمد منصور. الأحزاب السياسية والتحول الديمقراطي: دراسة تطبيقية على اليمن. القاهرة، مكتبة مدبولي،ط2004،1.

5سعيد،بوالشعير.القانون الدستوري والنظم السياسية المقارنةج2.الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية.

6فهمي،خليفة. السياسة العامة منظور كلي في البنية والتحليل. عمان، دار المسيرة للنشر والتوزيع،2007.

7 عمار،معمر. السياسة العامة في الجزائر دراسة وصفية تحليلية في البنية والمؤسسات .الجزائر، دار ابن بطوطة للنشر،2011.

8 نورالدين،زمام. السلطة الحاكمة والخيارات التنموية في المجتمع الجزائري 1962-1998. الجزائر، دار الكتاب العربي،2002.

9 سعيد،مقدم.”التنمية والإدارة في ظل تحديات العولمة –حالة الجزائر”-.مجلة إدارة العدد2007،31.

10 صالح،زياني. “تفعيل العمل الجمعووي لمكافحة الفساد وإرساء الديمقراطية التشاركية في الجزائر”. باتنة، 2010.

11 عبد الحميد،مرغبت. “تداعيات انخفاض أسعار النفط على الاقتصاد الجزائري”. جيجل،2015.

12 عبد الناصر،جابي. “الخوف من التغيير السياسي في الجزائر”. دمشق، المركز العربي للأبحاث والدراسات،2016.

13 مبارك،بوعشة. “الخوصصة باعتبارها احدى الأدوات الأساسية للإصلاح الاقتصادي”. مجلة العلوم الإنسانية قسنطينة، العدد 1997،08.

14 كريمة،بقدي. الفساد السياسي وأثره على الاستقرار السياسي في شمال افريقيا- دراسة حالة الجزائر-، جامعة تلمسان،2012.

15 عبد العالي، حاحة. الآليات القانونية لمكافحة الفساد الاداري في الجزائر. جامعة بسكرة،2013.

16 مسفر،القحطاني. أثر البيئة الاجتماعية على الدعوة. السعودية، الجامعة الاسلامية، 1426ه.

17 نبيلة،مرماط. فعالية نظام التحفيز في المؤسسات ذات الطابع الإداري. جامعة الجزائر،2009.

18 نور الصباح،عكنوش. الجانب النظري والمعرفي لتأسيس الادارة العامة. جامعة بسكرة،2019.

19 سعد محمود،الكواز. تطور مفهوم الحكم الراشد وعناصر متطلبات الحكم الراشد. جامعة عنابة.

20 مواقف الدبلوماسية الثابتة كرست مكانة الجزائر الدولية. على الرابط التالي:

www.aldjazaires.com/2013.  23/01/2019- 11:¨26

21  ثورات الربيع العربي. على الرابط التالي:

http//www.alayam.ps//RTICHE.APS.   22/01/2019-19 :30

 22 مفاهيم أساسية. على الرابط التالي:

http//kenana online.com/user/ahmed kordy/2010. 13/01/2019-10:00

23 مسعود بوديبة، اضراب 21 جانفي 2019. على الرابط التالي:

http//www.ennaharonline.com. 13/01/2019-13:41.

24 محمد بوخطة، اضراب 21 جانفي 2019. على الرابط التالي:

http//www.ennaharonline.com. 13/01/2019- 14 :00.

25 أهداف المخطط الخماسي 2017. على الرابط التالي:

http//www.djazaires.com.   23/01/2019- 14 :30.

26 R.Kelloufi.Réfléxions sur la décentralisation a travers l’ avant projet du code de la wilaya.Revue idara.N30.2006.