عامر مصباح
جامعة الجزائر 3
قامت إيران بتجربة إطلاق ناجحة لصاروخ باليستي قادر على حمل قمر صناعي إلى الفضاء الخارجي، والتي أثارت حفيظة الولايات المتحدة والدول الأوربية الرئيسية؛ لكن ما يهم هو الغايات الاستراتيجية من وراء الخطوة الإيرانية دون العبء بالعقوبات الأمريكية. من الناحية النظرية، تعتبر القوة الفضائية المجال الاستراتيجي الرابع من بين خمسة مجالات استراتيجية للقوة العسكرية وهي: القوة البحرية، البرية، الجوية، الفضائية، والسايبيرية. تتضمن نوعين من القوة: الأقمار الصناعية للمعلومات والتصوير وكذلك الاتصالات العسكرية والمدنية والبث التلفزيوني والإذاعي؛ وهناك الأقمار المضادة للأقمار الصناعية ذات طابع هجومي تقوم بمهمة تدمير الأقمار الصناعية المعادية، وهي التي تتضمن بدورها ثلاثة أنواع من الأسلحة الفضائية: أقمار المدار المشتركCo-Orbital Satellites ، أسلحة الصعود المباشرDirect Ascent Weapons ، وأسلحة الطاقة الموجهةDirected Energy Weapons.
بعيدا عن الخوض في تفاصيل القوة الفضائية، يبدو أن الأولويات الاستراتيجية الإيرانية واضحة في كسب عوامل المجال الاستراتيجي الرابع وهو القوة الفضائية بشقيها المدني والعسكري؛ والسير بثبات نحو إنجاز أولوياتها بواسطة تطوير الأبحاث العلمية، تحمّل أعباء رد الفعل السلبي الغربي، والقيام بالتجارب التطبيقية من أجل اختبار الفرضيات والأفكار النظرية. من الناحية التاريخية، حاولت مجموعة 5+1 إدراج صناعة الصواريخ ضمن الاتفاق النووي في مفاوضاتها مع إيران، إلا أن هذه الأخيرة نجحت في إبقائها خارج الاتفاق؛ وبعد عامين من الاتفاق النووي، نجحت في إرسال مركبة إلى الفضاء الخارجي، مع التذكير أن تجربة الإطلاق التي جرت أمس هي الثانية في برنامج كسب القوة الفضائية. إن النجاحات المتسارعة في عوامل القوة والقدرات في المجالات الاستراتيجية الخمسة للقوة العسكرية، تعكس أساسا وضوح الأولويات الاستراتيجية لدى القيادة الإيرانية مع توفر إرادة سياسية ثابتة للعمل من أجل إنجازها.
وعندما تكون الأولويات الاستراتيجية غير واضحة أو معدومة، تنتج سياسات مضللة أو مضطربة وغير وظيفية، تقود البلاد نحو الخلف من فترة زمنية لأخرى. إذا تحررنا من عقدة التصنيف التقليدي (سنة/شيعة) وعاهات التفكير السياسي، نجد أن القوى العربية الرئيسية في المنطقة التي تنظر إلى إيران أنها عدو رئيسي لأمنها القومي، عالقة في معارك وهمية لا تجري في المجالات الاستراتيجية الخمسة، وإنما في فنجان الانهاك الذاتي للقدرات المجتمعية ونشر الخوف عبر المجتمعات. ففي الوقت الذي تركز فيه إيران اهتمامها على كسب القوة الفضائية؛ فإن القوى العربية الرئيسية منشغلة بالصراع المذهبي، ومواجهة التهديد الاستراتيجي الذي يمثله الإخوان المسلمون، واحتواء القوة العظمى لقطر؛ وتسليط القضاء على المعارضين لإصدار أحكام الإعدام الجماعية التي هي حالة حصرية وخاصة فقط بهذه الدول في العالم، وتنفيذ الإعدامات الميدانية خارج القضاء تحت ذريعة الحرب على الإرهاب ومكافحة التطرف.
إنها الأولويات الاستراتيجية عندما تكون واضحة تنتج الأداء النوعي للسياسة. أرجو أن يساهم هذا المقال في إعادة تصويب السياسة العربية نحو الأولويات الاستراتيجية الحقيقية المرتبطة بمفهوم الأمة.

 

Print Friendly, PDF & Email
اضغط على الصورة