د.محمد عبدالرحمن عريف

   لقد ذهبت آمال الانفراج السياسي في السودان مع الريح عقب قيام قوات الأمن بفض اعتصام القيادة العامة للقوات المسلحة بالخرطوم بالقوة. فمنذ أن خلع الجنرال البرهان بزّته العسكريّة، واستبدلها بأُخرى مدنيّة، ومُشاركته في تمثيل بلاده في قمّتي مكّة العربيّة والإسلاميّة، مُحتَلًّا مِقعد السودان، دون وجود ممثّل واحد من الحِراك ضمن وفده، بدا واضحًا أن الرجل يسير على خُطى الرئيس السابق عمر البشير، وبطريقةٍ أكثر دمويّة، ويُريد الاستئثار بالسّلطة، وكُل الاتّهامات التي وجّهها إلى سلفه بأنّه كان يُخطّط لإنهاء الحِراك بالقوّة، محض أكاذيب لتسهيل وصوله إلى قمّة الحُكم، وخِداع الحِراك والشعب السوداني الذي يُمثّله.

  الجنرال البرهان كان يتصرّف مُنذ اليوم الأوّل كديكتاتور مُتعطّش للسّلطة باتّخاذه قرارات سياديّة استراتيجيّة، وبمعزلٍ عن الحِراك، ودون أن يملك أيّ شرعيّة أو تفويض، تمثّلت في الاستمرار في البقاء في إطار التّحالف السعودي الإماراتي في حرب اليمن، والسّير على نهج التّجربة المِصريّة، والوقوف في الخندق الأمريكيّ في مُواجهة محور المُقاومة، وصفقة القرن.

   الثورة المدنية السودانية ستزداد اشتعالًا خاصّةً بعد إعلان حزب الأمّة بقيادة السيّد الصادق المهدي مُعارضته لفض الاعتصام، في انقلابٍ كاملٍ على مواقفه السّابقة التي كانت تُؤيّد قيادة المجلس العسكري للبِلاد في مرحلةٍ انتقاليّة، وهذا الموقف الحاسِم لأكبر الأحزاب السودانيّة، يأتي اعترافًا بفشل سياسات المُهادنة ومسك العصا من المُنتصف التي سار على نهجها مُنذ بداية الحِراك، اعتقادًا منه بوطنيّة المجلس العسكري وصدّق نواياه، وهو ما ثَبُت خطأه.

  نعم هو المجلس العسكري الانتقالي في السودان قد ما قد من الذرائع التي اعتادت البدء منها غالبية أنظمة الاستبداد في العالم العربي، أي اتهام ساحات الاعتصام الشعبي بتشكيل «خطر على أمن السودان القومي» ونشر الفوضى والتحول إلى «وكر للجريمة». وضمن ما لوح تدريجياً أنه اقتداء بسابقة فض الاعتصامات، يحدث ذلك دائمًا بأوامر من قادة الانقلابات العسكرية، وإن كان في الخرطوم تتوجه أصابع الاتهام اليوم إلى الفريق حميدتي في إرسال وحدات من قوات الدعم السريع الخاضعة لقيادته، لاقتحام أجزاء من مناطق الاعتصام أمام مقر القوات المسلحة في العاصمة السودانية الخرطوم.

   هو ذاته الفريق حميدتي قد مهد للخطوة بسلسلة تصريحات شدد فيها، من موقعه كنائب لرئيس المجلس العسكري الانتقالي، على أن المجلس سيحسم أي فوضى في البلاد، وأن «حكومة مدنية بالأوضاع الحالية ستكون فوضى». وبهذا فإنه أجهز عملياً على المطلب الرئيسي لقوى التغيير الديمقراطية، والنقطة الأهم العالقة على جدول التفاوض مع المجلس العسكري، أي نقل السلطة إلى الشعب عبر حكومة مدنية في غالبية أعضائها خلال المرحلة الانتقالية وريثما يتم استكمال الإجراءات الدستورية الاخرى لنقل البلاد إلى نظام ديمقراطي سليم.

   الحقيقة الحزينة أنه لم يكن يكفي حميدتي ما أثاره من شكوك الشارع الشعبي حين زار السعودية واجتمع مع محمد بن سلمان وتلقى منه الدعم المالي للمجلس وكذلك التشجيع على كسر الحراك وفض الاعتصام، بل تعمد إثارة النعرات بين أبناء المجتمع السوداني، فاجتمع مع عدد من زعماء القبائل التي نظمت مسيرات مؤيدة للمجلس، وألقى خطبة لوّح فيها بالعصا والقبضة الغليظة ضدّ الاعتصام وقوى التغيير. وبالطبع لم يكن حميدتي يغرد وحيداً بل كان سلوكه يتكامل تماماً مع إجراءات أخرى اتخذها المجلس، بينها التضييق على وسائل الإعلام المحلية وإغلاق المكاتب في الخرطوم، وإدخال المفاوضات مع قوى إعلان الحرية والتغيير في طريق مسدود.

   الأخبار الحزينة تأتي بالمعلومات التي تشير إلى سقوط  عشرات القتلى ومئات الجرحى بالرصاص الحي الذي استخدمته القوى الأمنية في أجزاء مختلفة من محيط الاعتصام بما في ذلك اثنتان من المشافي، وهذا تصعيد خطير ينذر بعواقب وخيمة خاصة إذا كان جنرالات المجلس العسكري الانتقالي يعتزمون بالفعل الاقتداء بمجازر ممثالة.

  هنا في القلب من هذه الأحداث السريعة لعل السفارة الأمريكية في الخرطوم قد استشعرت هذا الأمر بالذات فأصدرت بياناً واضحاً في تحميل المجلس مسؤولية التصعيد بالذخيرة الحية، ليس حرصاً على آمال الشعب السوداني في الحرية والديمقراطية بل إدراكاً للأخطار الكبيرة التي يمكن أن تسفر عنها مغامرات دامية غير محسوبة. وكان حرياً بالسفير الأمريكي أن يطلب من حكومته ممارسة الضغط على رعاة الثورة المضادة، أمثال بن سلمان وبن زايد، كي يوقفوا تحريض جنرالات السودان على انتهاج العنف.

  لا أحد ينكر أنه أمام سقوط الأقنعة عن وجوه بعض جنرالات السودان الذين يحاولون تغيير الأسماء فقط مع الإبقاء على جوهر نظام الاستبداد والفساد الذي قاده عمر حسن البشير طوال عقود، يتوجب على قوى التغيير الشعبية في السودان أن تتحلى بأقصى درجات الوعي والصمود والمقاومة والإبقاء على جذوة الحراك الشعبي، وأن تحسن في الآن ذاته قراءة التناقضات التي يمكن أن تعصف بالمجلس العسكري الانتقالي ذاته وتوظيفها لصالح الشعب الثائر.

   يحدث ذلك مع انتهاء «قمم مكة» التي شارك فيها رئيس المجلس العسكري عبد الفتاح البرهان، نعم نفذ «المجلس العسكري» في السودان، المدعوم من السعودية والإمارات، «مجزرة» بحق المتظاهرين المطالبين بتسليم السلطة للمدنيين، لماذا هاجمت قوات من «الدعم السريع» والشرطة والجيش، مقر الاعتصام قرب وزارة الدفاع؟، لماذا قامت بفضه تماماً؟، بعد أن قتلت عدداً من المحتجين، فضلاً عن تنفيذها عمليات تعذيب وحرق خيام. وفي وقت أعلنت فيه لجنة أطباء السودان المركزية، مقتل 30 من المعتصمين، وإصابة العشرات خلال فض الاعتصام.

   لقد نقلت مواقع سودانية عن مصادر طبية، قولها إن «عدد القتلى أكثر من العدد المعلن لأن بعض المعتصمين قتلوا حرقاً داخل الخيام»، فيما أوضح شهود عيان، وفق المواقع نفسها، أن قوات الدعم السريع أخذت بعض الجثامين وألقت بها في النيل الأزرق. أمريكا تدين «القمع الوحشي»… وبريطانيا: المجتمع الدولي سيحاسب المنفذين… و«الاتحاد الافريقي» يدعو لتحقيق «فوري» القوات المهاجمة نفذت هجومها صباحاً، مستخدمة الرصاص الحي والغاز المسيل للدموع، وعمدت إلى محاصرة بعض المباني الحكومية والتعليمية المطلة أو المجاورة لساحة الاعتصام، والتي تضم مستشفيات ميدانية.

   على أرض الميدان الحزين ووفق الشهود، تفرق المعتصمون في أحياء الخرطوم، هرباً من بطش قوات المجلس العسكري. ومع اشتداد الهجوم ناشد تجمع «المهنيين السودانيين»، لـ«التدخل العاجل لإسعاف المصابين المحاصرين في ميدان الاعتصام وفي المنازل وفي بعض المستشفيات التي تحاصرها قوات الدعم السريع والقوات النظامية بعد المجزرة التي ارتكبها المجلس العسكري بحق المعتصمين السلميين وسقوط العديد من الشهداء وعدد من الجرحى لم يتم حصرهم».

  لقد ذكرت مصادر من مقر الاعتصام أن القوات التي هاجمت الاعتصام منعت إسعاف الجرحى. وأظهرت تسجيلات مصورة بثها ناشطون إطلاق قوى الأمن النار بكثافة في محيط الاعتصام، فيما يغادر المحتجون المكان، وظهر تسجيل آخر تظهر فيه عناصر أمنية تعتدي بالضرب على محتجين وهم يغادرون ميدان الاعتصام.

  في قوى «الحرية والتغيير»، التي سارعت إلى إعلان وقف التفاوض مع المجلس الانقلابي والدعوة للعصيان المدني. قالت «نعلن في قوى الحرية والتغيير عن الإضراب السياسي والعصيان المدني الشامل والمفتوح اعتباراً من 3 يونيو/ حزيران ولحين إسقاط النظام». وعلى أثر ذلك أعلن تجمع الطيارين السودانيين العصيان المدني الشامل. وقال ستيفان دوجاريك المتحدث باسم الأمم المتحدة في بيان إن الأمين العام للمنظمة الدولية أنطونيو غوتيريش يندد بقوة بالعنف وبتقارير عن استخدام قوات الأمن السودانية القوة المفرطة ضد المدنيين.

   يبقى أن ن البرهان ونائبه “حميدتي” يقودان البِلاد إلى حالةٍ من الفوضى وعدم الاستقرار، والتّأسيس لنظامٍ عسكريٍّ قمعيٍّ ديكتاتوريٍّ، وهذا يعني العودة بالبِلاد إلى المُربّع الأوّل، وسرقة كُل إنجازات الحِراك الشعبي، وتدميرها، وهذا تصرّفٌ لا يُمكن أن يقبله الشعب السوداني الصّابر الطيّب المثقف الواعي، ولهذا لن يُفرّط بحراكه السلميّ، وسيُصعّد حتى الإطاحة بالمجلس العسكري، وبناء الدولة الديمقراطيّة المدنيّة، التي قدّم الشّهداء للوصول إليها.

   لا شك أنه انقلاب المجلس العسكري على الحِراك الشعبي بهذه الصورة الدمويّة، أسّس، ويُؤسّس، لخسارته للشعب السوداني وثقته ودعمه، ولا نستبعِد انقلابًا ثالثًا أو رابعًا، أو حُدوث انشقاقات وتمرّد في الجيش على قيادته، لأنّ الجيش السوداني الذي انحاز للحِراك ومَطالبه العادلة، لن يقبل بهذا الغدر وسفك دماء الشعب السوداني وثورته السلميّة الحضاريّة، ومطالبها العادِلة في الحريّة والمُساواة والعدالة الاجتماعيّة في إطار الدولة المدنيّة الديمقراطيّة.

   لقد أصدر المجلس العسكري الانتقالي في السودان بياناً أعلن فيه إيقاف التفاوض مع قوى المعارضة السودانية والدعوة لانتخابات عامة خلال 9 أشهر على الأكثر بتنفيذ وإشراف إقليمي ودولي. والنيابة العامة بالسودان تفتح تحقيقاً في “أحداث الاعتصام”.. كما دعا برهان النيابة العامة للتحقيق في أحداث العنف ومقتل المتظاهرين بساحة الاعتصام أمام مقر وزارة الدفاع في الخرطوم. وأكد رئيس المجلس العسكري على الاستمرار في محاسبة واجتثاث كل رموز النظام السابق. هي المسرحيات العربية القديمة الحديثة مع فريق من العسكر قضى على تقدم واخذ البلاد نحو تأخير يتبعه تأخير لحين عودة الغائب…

 

 

Print Friendly, PDF & Email
اضغط على الصورة