بسم الله الرحمن الرحيم

الدكتور محمد مراح

 قد يضيق بعضهم بقول قائل: إن جائحة كورونا عقاب إلهي للعباد على ما اجترحوا من معاصي وآثام . لكن ما لا يسعهم نكرانه أعاصير المظالم المتلاطمة على شواطئ وعباب الشعوب الضعيفة المستضعفة على ظهر الكوكب . ولا مبالغة في القول إن العرب والمسلمين هم أغلب  من أصابهم

 و يصيبهم هذا الظلم.

لكن العنصر المستجد في هذه التراجيديا الإنسانية الكبرى هو صناعة كثير منها بأيدي قوى دولية عريقة في الاستعمار ـ َسخَربدهاء وخبث كبيرين من هذه الأمة أبناء وإخوانا في العرق والنسب، والجوار ، واللغة والدين والمواطنة ،  والتاريخ والحضارة ـ فتولوا تنفيذ فصول كثيرة جدا من هذا الظلم، في حق إخوانهم ، وربما ذاقوا على أيديهم أبشع مما ذاقوا على أيدي تلك القوى الاستعمارية الكبرى العريقة في هذه الوظيفة .

لقد هدمت دول عربية كبرى تاريخا وحضارة ، و نضالا في سبيل القضايا العربية الكبرى منذ الحقبة الاستعمارية ، سُخَر المال العربي والجيوش العربية، والأرض العربية ،والأجهزة الإعلامية، والإعلاميين، والمثقفين، والهيئات الدينية الكبرى، ومنابر المساجد ، والجمعيات الخيرية في أداء هذه الوظيفة، وذاك التسخير باعلى مستويات الجودة ، وأقصى أحوال الإخلاص للمهمة !

وها نحن اليوم نشهد  تحققا حيا ــ مثلا ــ لقول هنري كسنجر :”وإذا باتت جملة دول متلاصقة في قلب العالم العربي عاجزة عن إقامة نظام حكم شرعي ـ وتحكم مطرد على حدودها ، فإن من شأن التسوية الإقليمية الشرق أوسطية لما بعد الحرب العالمية الأولى أن تكون قد وصلت إلى محطة أخيرة ” { كيسنجر،

النظام الدولي ، ص 144} .

وإن شكا الشاعر قديما ظلم ذوي القربى :

وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَـةً   عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّـدِ.

وربما لم تعدو الظلامة شأنا حقيرا مما كانت عليه العرب من خصومات ، وحروب وضغائن وثارات لأتفه الأسباب .

فكيف بشعوب فقدت نصفها ما بين هجرة وتقتيل ودمار واستئصال بأبشع ما يتصوره عقل بشري، كل هذا بدور مباشر أو غير مباشر من ذوي القربى على اتساع الدلالة ؟

وقبل هذا كله وخلاله وبعده فيما يبدو أن قصة فلسطين مع العرب جزءها الأكبر، صنعت مأساته، ولا تزال تصنع بأيد عربية خالصة العروبة؟ وها هو القدس بل وفلسطين قاطبة، تمزق إربا إربا على الخريطة { الترامب نتناهوية } بتصفيق عربي حضورا، وتهيئة لأكياس المال سخية بكل فرح وسرور، وطيب نفس وخاطر !

أليست الحال مدعاة  لغضب إلهي ـ وما يتبعه من عقاب يقدره سبحانه بما يليق بجلاله، وعظمته وحكمته؟ لا أعتقد أن عاقلا يجادل في الأمر .

لكن ما الذي يحول بين أولياء أمور العرب والمسلمين من يغتنموا الظرف العالمي الفريد من نوعه مما تمر به البشرية ، وبضريون {ضربة معلم} الصلف والكبرياء الغربي والصهيوني في مقتل، برفع شعار عزة وكرامة ونهضة، وأخذ زمام أمورهم بأيديهم ؟ شعار :

إنه  زمن القدس لا زمن كورونا

ألا يكون هذا أعظم مظهر تعبيري عن التوبة إلى الله تعالى مما اقترفوا في حق فلسطين والقدس ، وما تفرع عن مأساتها من دمار مبرمج لدول عربية ، والقائمة مفتوحة لما تبقى لولا العوائق ؟

أما أنا فسأل المولى  تعالى أن يجعل من هذا الابتلاء محطة لمراجعة العرب والمسلمين خاصة حكامهم وأولي الأمر فيهم أنفسهم وسياساتهم ومواقفهم إزاء شعوبهم وقضايا الأمة المصيرية وعلى رأسها قضية القدس رمز وروح الصراع مع العدو الأزلي الصهيونية المجرمة . فقد يكون في {البيات الكاروني} الذي يفرض على البشرية فرصة للاختلاء بالنفس ، وتأمل المصير الذي قد يؤولون إليه في خضم هذا العدو البيولوجي المدمر، فتنجلي عن بصائرهم غشاوة أوهام الصلح والتماهي مع عدو هو أشد فتكا بهم  و بشعوبهم و بمصيرهم من وباء كورونا البيولوجي، فيغتنمون فرصة غرق العالم في رعب كورونا، ويعلنون مواقف انعتاق من مخدر السلام الصهيوني الكاذب،معاهدين الله وشعوبهم والعالم على الشروع في بناء خطوات واضحة محددة كالآتي

 رفض الاعتراف بالكيان الصهيوني

نقض كل معاهدة معه

رفض أي تواصل معه مباشرة أو عن طريق أي وسيط

إعلان مصالحة كبرى شاملة بين كل الدول العربية والإسلامية، دون شروط.

إعلان أسلوب المقاومة المشروعة بكل أشكالها ومظاهرها أسلوبا وحيدا ضد السرطان الصهيوني

إطلاق عملة نقدية موحدة بين العرب والمسلمين تسمى { القدس } .

إضافة اسم القدس لكل السفارات العربية والإسلامية في العالم .

ابتداع صفة تشريف لسفرائهم في العالم ، فيصبح كل سفير يحمل الوصف الدبلوماسي كالآتي :

{ سفير القدس للجمهورية \المملكة  … العربية أو الإسلامية } بالولايات المتحدة الأمريكية ، وهكذا .

قد تكون هذه الأفكار حلما ، لكن التوبة والإنابة ، والإرادة ، والاتحاد تجعله بعون الحق تعالى حقيقة مشخصة .

والله يقول الحق وهو على كل شيئ قدير ، فأرخصوا أيها الحكام أنفسكم وعروشكم إليه تعالى برفع راية العزة والانعتاق، ينصيكم على قلوب شعوبكم ملوكا، وعلى قمة التاريخ تيجانا ، وفي ساحة العرض على الرحمن منارات نور