وليد عبد الحي

بتعريف فضفاض يمكن اعتبار الثائر السياسي شخصا لا يقر بتوازنات القوى في الواقع القائم، لذلك يعمل على تغيير الواقع رغم الخلل في موازين القوى لغير صالحه، فهو إذن لا يعترف بالواقع القائم ويبدع آليات اجتماعية وسياسية للتغيير وكثيرا ما ينجح في مسعاه.
لكن هذا الثائر، ما أن يستولي على السلطة حتى يتنكر لفكرة تغيير الواقع ولا يرى الواقع إلا حالة استاتيكية قارة لا يجوز تغييرها، ويبدو لي ان الثائر لا يعترف بأي واقع إلا ذلك الواقع الذي من صنع يديه، ويراه حالة ابدية، وتتعزز هذه الحالة بنجاح الثائر في تغيير الواقع السابق واستبداله بواقع جديد، وعليه يرى الثائر أنه انجز مهمة تغيير الواقع للواقع المطلوب او الواقع ” الحلم”.
لكن مشكلة الثوار أنهم لا يدركون أن الواقع الذي انتجوه هو ” حلقة” في سلسلة التطور الانساني ، وأن لكل حلقة في هذه السلسلة متطلباتها وآلياتها ومفاهيمها التي تتجاوز منظومات الثوار المعرفية وقابليتها للتطبيق، ومن هنا يتشبث الثوار بمواقعهم وكأن رحلة التطور انتهت عند شواطئهم، وهم في ذلك ضحية قصور في مفهوم التطور ، نظرا للوهم في منظومتهم المعرفية بأن ” ثورتهم” أوصلت الواقع لمرحلته الاخيرة، ومن يصنع واقعا يصبح اسيرا لصنعته.
إن النظر في المآل الذي انتهت له أغلب الثورات لم يخرج عن هذه القاعدة، فالثورة البلشفية والماوية والكوبية والفيتنامية والجزائرية والفلسطينية والبوليفارية والفرنسية والإيرانية انتهت في مرحلة ما بعد الثورة الى ثلة من الطغاة المتشبثين بمواقعهم السلطوية ، فتراهم يقتلون او ينفون او يعتقلون أو يتآمرون على بعضهم بعضا، بل إن الانقلابات ذات المسحة الثورية انتهت لمثل هذا كما هو الحال في التجربة الناصرية والبعثية …الخ.
ان سيطرة اوهام ” الفكر العلمي ” التي زرعها ماركس وتلاميذه في عقول الثوار ، لا تختلف كثيرا عن أوهام الحركات الدينية المختلفة التي تظن ان وعيها الاجتماعي هو الحقيقة المطلقة التي على الجميع ان يلتزم بقواعدها، ووهم ان آخره لا يصلح الا بما صلح به أوله هو تكبيل لقانون التطور، ولا تختلف عن أوهام الليبراليين القدامى والجدد بأن سُلَّمَهُم القيمي مشروط بخصوصيات تاريخية وغير تاريخية ولا يصلح خارج هذه الشروط.
وثمة مسألة أخرى وهي الخلط بين القواعد الاخلاقية التبسيطية وبين ملابسات تعقيد الحياة الاجتماعية لاسيما في نطاق مستوياتها المتصاعدة من المحلية الى الاقليمية الى الدولية وبمتغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتكنولوجية ومناهج معرفية دفعت رائد الفضاء الامريكي آرميسترونغ للقول ” الوصول الى القمر ايسر من فهم سيكولوجية شخصيات وليام شكسبير”.
عند اطلاعي على تفاصيل نموذج المحاكاة الذي صممه العالم الأمريكي المشهور باكمنستر فوللر عام 1961 تحت اسم ” World Game” أدركت عمق التعقيد في العالم وصعوبة اجتراح حلول للمشكلات الدولية، فقد صنع باكمنستر فوللر خريطة للعالم مقامة على ارض ملعب كرة سلة، وعلى الخريطة كل دول العالم ، وتم ربط كل دولة بكومبيوتر(في مرحلة لاحقة بعد تطوير النموذج) ، وفي الكومبيوتر أكبر قدر من المعلومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية والجغرافية ….الخ عن كل دولة ، وطلب من كل زائر(وأغلبهم من القادة والمفكرين والعلماء..الخ) ان يختار مشكلة عالمية(كالفقر او الحروب او التلوث او الركود الاقتصادية…الخ) ويضع لها حلولا مستفيدا من الكم الهائل من المعلومات عن كل دول العالم، وكانت النتيجة ان أسوأ النتائج كانت من السياسيين، وأن اغلب العلماء تبين لهم ان حل أي مشكلة ينطوي على خطوات يمكن اعتبارها ” غير اخلاقية” بالمعايير البسيطة، لكنها تنطوي على تغيير تقدمي في الواقع .
خلاصة القول، على الثوار في كل ميدان ان يدركوا أنهم ” مرحلة ” وليسوا ” مصيرا”…ربما.