يوافق 1 ماي من كل سنة اليوم العالمي للشغل و ذلك للإحتفال بمكاسب الطاقات الشغيلة حول العالم. إذ تمثل نقابات الشغل المدافع الرسمي عن حقوق الشغالين في كل دولة من دول العالم. و ذلك إما بالقوة عن طريق الإضراب العام أو سلمية عن طريق المسيرات العمالية المطالبة بالإصلاحات الهيكلية العامة و التي تشمل المطالبة بالزيادة في الأجور أو تحسين الخدمات الإجتماعية و الرعاية الصحية و التعليم. يمثل هذا الحدث اليوم نقمة كبيرة لدي الطبقة الشغيلة الفرنسية نظرا لتردئ جميع المرافق الحيوية الراعية للمكاسب الوطنية لهذه الشريحة الكادحة. إذ منها ما هو مادي أو خدماتي, علي الرغم من المفاوضات التي تجري كل سنة بين الحكومة الفرنسية و النقابات العامة لإجراء الإصلاحات الهيكلية الراعية لمصالح العمال. هذا اليوم العالمي الموافق 1 ماي 2018, سيذكره التاريخ الوطني الفرنسي, حيث إنفجرت خلال هذا اليوم قنبلة الكبت و القمع الحكومي لهذه الطبقة من العمال الكادحة. إذ وفق التقديرات الأولية يشارك في هذه المسيرة ما يقارب من 20 ألف عامل و حسب تقديرات نقابات الشغل الفرنسي تقدر ب 50 ألف مشارك.

بالتالي يعتبر هذا الرقم ضخم جدا حيث بدأت هذه المظاهرة سلمية من ساحة الباستيل متوجهة إلي ساحة إيطاليا للتحول أحيانا إلي أعمال عنف و حرق و تخريب و صراع مع قوات الأمن الفرنسي. كما شهدت أيضا بعض الولايات الفرنسية الأخري مسيرات سلمية لكن التطور الخطير أن هذه المظاهرات المطالبة بتحسين ظروف الطبقات الشغيلة تحولت إلي أعمال تخريب و تصادم مع قوات الأمن الفرنسي حيث سجلت بعض أعمال التخريب في العديد من الولايات الأخري خاصة منها مرسيليا.

أما الحكومة بقيادة الرئيس الفرنسي إيمانيال ماكرون فهي غير مهتمة أو مبالية لهذه المطالب التي إنطلقت منذ بداية شهر أفريل من هذه السنة عن طريق إضراب عام عمال السكك الحديدية ثم بعد ذلك عمال أغلبية الشركات الخاصة و أيضا عمال الخطوط الجوية الفرنسية. و من المعروف عن دور النقابات الفرنسية في إحداث فجوة كبيرة في الخدمات من خلال قرارها إعلان الإضراب العام الذي أحيانا يشل جميع الحركات الإقتصادية أو تنقل الأشخاص مما يسبب خسائر مالية ضخمة لخزينة الدولة. إذ تحول إيمانيال ماكرون إلي إستراليا ثم مقرر له أن يتحول إلي جزيرة كالدونيا, بالتحديد خلال هذا اليوم العالمي للعمال يعتبر تهرب من المسؤولية و عدم مواجهة هذا الحدث الذي كان مبرمج له سلفا. بالإضافة إلي أنه يعتبر نوع من الإهانة المباشرة لهذه الطبقة الكادحة الذي من واجبه الوطني أن يكون متواجد فيها بإلقاء خطاب رسمي إحتفالي و تقديم مراسم الإحتفال لنقابات الشغل العامة بفرنسا.

إن هذا التهرب يعتبر ضعف من قبل الحكومة الفرنسية و التي هي غير قادرة علي مجابهة الأزمات و الدخول في مفاوضات جادة مع نقابات الشغل الفرنسية. كما تدل جميع المؤشرات علي تحول هذه المظاهرات إلي ثورة حقيقية بفرنسا ممكن أن تطيح بالحكومة خاصة إذا لم تسارع هذه الأخيرة بالعودة السريعة إلي طاولة التفاوض حول الزيادة في الأجور التي تعتبر نوعا ما متدهورة مقارنة مع الأجر الأدني لبعض الدول الأوروبية الأخري مثل ألمانيا و إسبانيا و بريطانيا. إن هذا الإنفجار العمالي للمطالبة بتحسين الظروف الإجتماعية له إنعكاسات سلبية علي الإقتصاد الفرنسي, إذا ما قررت نقابات الشغل الفرنسية في الدخول في إضراب عام متواصل أو خروج بعض الفئات المهمشة خاصة في الأحياء الشعبية و الضواحي في الليل للقيام بأعمال نهب و تخريب.

إذ تعد هذه الأحداث فرصة لهم للدخول في صراع حقيقي مع قوات الأمن و الحكومة التي لم تقدم لهم شئ خاصة منهم الجاليات العربية من أصول جزائرية و مغربية و تونسية. إن الأحداث التي تشهدها فرنسا حاليا و التي بدأت شعلتها مع أوائل شهر أفريل 2018 تمثل جرس إنذار لحدوث عصيان مدني خاصة و أن عمال السكك الحديدية و جميع النقابات الشغيلة متمسكة بمطالبها التي تعد من أولياتها تحسين الظروف الإجتماعية و التوزيع العادل للثروة الوطنية. أما بخصوص قطاع التعليم فهو أيضا مهمش نظرا لتدهور الأجور و التغطية الإجتماعية خاصة منها التأمين الصحي و أيضا غلاء المعيشة بفرنسا.

بالتالي يمثل الأجر الأدني عائق مالي لدي بعض الطبقات الشغيلة التي لا يمكن لها المعادلة بين المقدرة الشرائية و الرواتب الشهرية. عموما, يعتبر اليوم العالمي للعمال إحتفال و ليس إعتصام و سعادة و ليس نقمة و ما تشهده حاليا فرنسا من أحداث عنف و حرق و تخريب و الدخول في صراع مع قوات الأمن مؤشر واضح علي تدهور المعيشة بهذا البلد المتقدم الذي أصبح يعاني من عديد المشاكل الإقتصادية و الإجتماعية و السياسية. أما بالعودة إلي حقبة الماضي فالتجربة الإشتراكية التي إنطلقت مع الجنرال ديغول و تواصلت في عهد فرانسوا ميتيرون و خاصة خلال حقبة فرانسوا هولاند تعد ممتازة مقارنة مع حقبة حكم اليمين الفرنسي الليبرالي و الرأسمالي الذي لا يراعي بالحد الكافي للحقوق الإجتماعية للطبقات الفقيرة.

إذا يمكن القول اليوم أن الأحزاب الإشتراكية و اليسار الفرنسي مع تحالفها مع نقابات الشغل العامة تمثل البديل الوحيد لتوحش النظام الرأسمالي الذي أفقر تلك الطبقات الكادحة بفرنسا و لم يراعي بالحد الكافي لحقوقهم في العيش بكرامة وطنية و مداخيل مادية محترمة شهريا و تغطية إجتماعية و صحية جيدة. فهل ستتواصل خلال الأيام القادمة هذه الإحتجاجات المطالبة بإصلاحات هيكلية خاصة من قبل عمال السكك الحديدية و النقابات العامة للشغل؟. و هل ستتحول إلي صراع داخلي بين الحكومة و النقابات من جهة و الطبقات الشغيلة الفرنسية و نظام الحكم من جهة أخري؟. أو أن الرئيس الفرنسي ايمانيال ماكرون سيرضخ لهذه المطالب و يدخل في مفاوضات مباشرة مع هذه الجهات لإيجاد حلول جذرية لهذه الأزمة الإجتماعية و الإقتصادية؟.

فِؤاد الصباغ باحث اقتصادي