أربعة سيناريوهات: ما الاتجاهات المتوقعة لتصعيد “تحريك طالبان” ضد باكستان؟

تُمثل تجربة حركة طالبان في أفغانستان، نموذجاً مُلهماً لمختلف التنظيمات والحركات الإسلاموية التي تنتهج العنف، من خلال تصعيد وتيرة النشاط العملياتي إلى حد تشكيل حالة ضاغطة على الحكومات، بصورة تدفع إلى الدخول في حوار ومفاوضات ثنائية لنزع فتيل العنف وعودة الاستقرار والهدوء في الدول المختلفة. وفتح وصول حركة طالبان للحكم في أفغانستان (أغسطس 2021)، بما لديها من علاقات مع حركة “تحريك طالبان”، واستغلال التقارب مع السلطات الباكستانية، مجالاً لتسوية أزمة العنف والمواجهات بين الطرفين في المناطق الغربية من باكستان على الحدود مع أفغانستان، بيد أن تلك المحاولات رغم استمرارها لما يزيد عن عام تقريباً، لم تُسفر عن تقدم ملموس في سبيل التقارب وإنهاء الأزمة ووقف دائرة العنف. وشهدت المناطق الغربية من باكستان، التي تُعد مناطق نفوذ لحركة “تحريك طالبان”، حالة من التصعيد من قبل الحركة، ومواجهات مع السلطات الباكستانية خلال الشهرين الماضيين، مع إعلان الحركة إلغاء الهدنة بين الطرفين.

محددات رئيسية

على مدار ما يزيد عن عام من محاولات التقارب والحوار بين السلطات الباكستانية من جهة وحركة “تحريك طالبان” من جهة أخرى، برعاية حركة طالبان في أفغانستان، يمكن تحديد عدد من المحددات الرئيسية في العلاقة بين الأطراف الثلاثة، وأبرزها:

1- تصعيد مستمر بين الحكومة و”تحريك طالبان”: على الرغم من دخول الحكومة الباكستانية في هدنة مع الحركة حينما كان عمران خان رئيساً للوزراء عام 2021، وعقب أشهر قليلة من سيطرة حركة طالبان على السلطة في أفغانستان، فإن المواجهات والتصعيد المتبادل لم يتوقف، سواء خلال فترات الاتفاق على سريان الهدنة ووقف إطلاق النيران لإعطاء فرصة للحوار والمفاوضات بين الجانبين، أو في أوقات تعثر التوصل إلى اتفاق للهدنة.

وتشير بعض التقديرات الغربية، إلى إحصاءات المعهد الباكستاني لدراسات السلام، بشأن “حصر نحو 207 هجمات إرهابية خلال عام 2021، بزيادة قدرها 42% مقارنة بعام 2020، ونُسب إلى “تحريك طالبان” 87 هجوماً بزيادة قدرها 84% مقارنة بعام 2020″، في حين نسبت حركة “تحريك طالبان” لنفسها نحو 282 هجوماً خلال عام 2021، وادعت تنفيذ نحو 42 هجوماً خلال يناير 2022. في المقابل، فإن استهداف عدد من قيادات “تحريك طالبان” منذ بدء الحوار ومفاوضات تسوية الأزمة في المناطق الغربية، مثل مقتل قيادي يُدعى “عمر خالد الخرساني” في المنطقة الشرقية بأفغانستان (أغسطس 2022)، كان سبباً في توجيه الاتهامات للحكومة الباكستانية بالضلوع بعمليات الاستهداف، وفقاً لتقارير إعلامية.

2- إلغاء “تحريك طالبان” الهدنة من طرف واحد: رغم تعثر المفاوضات بينالحكومة الباكستانية و”تحريك طالبان” أكثر من مرة منذ العام الماضي، بوساطة قبلية من باكستان، وبرعاية من حركة طالبان أفغانستان، فإن الطرفين تمكنا من الاتفاق على هدنة تشمل وقف إطلاق النيران ليست محددة المدة (يونيو 2022)، أي بعد نحو شهر تقريباً من حكومة شهباز شريف، وهي الهدنة التي كانت مؤشراً على إحراز تقدم في مسار المفاوضات، إلا أن إلغاء الهدنة من طرف واحد متمثل في “تحريك طالبان” (28 نوفمبر 2022)، يعكس تأزم المفاوضات، إضافة إلى إشارة بيان “تحريك طالبان”، إلى أن وقف الهدنة يأتي بعد “مواصلة العمليات العسكرية في مختلف المناطق”.

3- غياب الثقة في المفاوضات المتكررة بين الطرفين: وفقاً للتجارب التاريخية، فإن مسار المفاوضات مع تنظيمات التمرد المسلح، تتسم بالبطء، وقد تستمر فترة زمنية ليست قصيرة، قد تمتد إلى بضعة أعوام، كما حدث مع طالبان أفغانستان على سبيل المثال، ولكن يتضح من خلال إلغاء الهدنة من قبل حركة “تحريك طالبان” ومسار المفاوضات خلال الأشهر الماضية، عدم موثوقية الموقف التفاوضي بين الطرفين، وربما يرتبط ذلك باحتمالات، أولها شعور الحركة بمماطلة السلطات الباكستانية؛ إذ لم يتضح خلال الأشهر الماضية رغم تجديد الهدنة أكثر من مرة، إحراز تقدم ملموس ميدانياً، في ظل استمرار المناوشات بين الطرفين، وعدم تلبية مسار المفاوضات الحد الأدنى من مطالبات الحركة.

وثانيها اتهامات باستهداف قيادات الحركة واستمرار العلميات العسكرية؛ فربما كان أحد المحركات الرئيسية لإلغاء “تحريك باكستان” الهدنة من طرف واحد، تصاعد الاتهامات باستهداف قياداتها سواء في أفغانستان أو باكستان خلال الأشهر القليلة الماضية، بما يشير إلى عدم جدية المفاوضات. وثالثها انفتاح أقل من الحكومة الجديدة، رغم توقيع اتفاق الهدنة في يونيو الماضي، أي عقب وصول حكومة شهباز شريف، ولكن تشير بعض التقديرات إلى أن الحكومة الجديدة ليست منفتحة على المفاوضات مع الحركة، مثل الحكومة السابقة برئاسة عمران خان، وربما انعكس هذا على مسار المفاوضات. ورابعها صعوبة تنفيذ المطالب الرئيسية لكلا الطرفين؛ حيث يضع الطرفان شروطاً لإنهاء العنف في المناطق الغربية من باكستان، يصعب تحقيقها؛ إذ ترغب الحكومة في اعتراف الحركة بالدستور ونزع السلاح، في المقابل ترغب الحركة في إنهاء الوجود العسكري والأمني في مناطق نفوذها، والإفراج عن قيادات وعناصر الحركة.

4- عودة التوترات بين باكستان وطالبان الأفغانية: شهدت العلاقة بين باكستان وحركة طالبان التي تسيطر على الحكم في أفغانستان، وترعى الوساطة بين السلطات الباكستانية و”تحريك طالبان”،حالة من التوتر خلال الأشهر القليلة الماضية، على خلفية استمرار عمليات “تحريك طالبان” غرب باكستان، سواء شمالاً أو في الوسط؛ إذ زارت وزيرة الدولة للشؤون الخارجية الباكستانية حنا رباني خار العاصمة “كابول” والتقت وزير الخارجية بالإنابة أمير خان متقي (29 نوفمبر 2022)، وربما ارتبطت الزيارة بمطالبات لحركة طالبان بالضغط على “تحريك طالبان” لوقف عملياتها. وبرزت التوترات بعد سحب البعثة الدبلوماسية من أفغانستان (2 ديسمبر 2022)، عقب استهداف السفارة في أفغانستان من قبل تنظيم “داعش”، ربما لاستمرار محاولات الضغط على أفغانستان، بشأن ملف المفاوضات مع “تحريك طالبان”.

5- ضبابية العلاقة بين طالبان أفغانستان و”تحريك طالبان”: تتمتع حركة “طالبان” أفغانستان بعلاقات تاريخية وعميقة مع “تحريك طالبان” التي ظهرت كامتداد للحركة في أفغانستان، لتحكيم الشريعة الإسلامية،وفقاً لرؤية الحركة الباكستانية؛ ولذلك فإن لعب حركة طالبان أفغانستان دور الوسيط بين الحكومة الباكستانية و”تحريك طالبان” يمثل عاملاً مهماً في الضغط على الأخيرة لقبول تسوية الأزمة، وإن كانت هذه العلاقة باتت مثار هجوم من باكستان، خاصة بعد تصريحات وزير الداخلية الباكستاني رانا ثناء الله خان، ضد طالبان أفغانستان، التي أشار فيها إلى أن “المزاعم الأخيرة لطالبان الباكستانية أكدت التهديد المتمثل في تحول أفغانستان إلى ملاذ للمسلحين، بالرغم من إعلان حكام طالبان أنهم سيمنعون انطلاق مثل هذه الهجمات من أراضيهم”. ويشير التقرير الـ(30) للجنة مراقبة العقوبات التابعة لمجلس الأمن، “أن تحريك طالبان” تمتلك 3 آلاف إلى 4 آلاف مقاتل أجنبي في أفغانستان.

اتجاهات النشاط

بالنظر إلى المتغيرات في مسار المفاوضات والتصعيد العملياتي لـ”تحريك طالبان” في باكستان، يمكن تحديد اتجاهات التصعيد والنشاط العملياتي، كالتالي:

1- تزايُد معدل عمليات الحركة دون كثافة في الاستهداف: يشير معدل عمليات حركة “تحريك طالبان” إلى تزايد معدل العمليات خلال الأشهر القليلة الماضية حتى قبل إلغاء الهدنة من طرف واحد مطلع شهر ديسمبر الجاري؛ فعلى سبيل المثال، استهدفت الحركة قافلة للشرطة الباكستانية (29 نوفمبر 2022)، أسفرت عن مقتل 3 أشخاص وإصابة نحو 23 آخرين، وفي (17 نوفمبر 2022) قتل مسلحو الحركة 6 عناصر شرطية في إقليم خيبر بختونخوا. ولكن لا يعكس معدل العمليات كثافة عالية في الاستهداف، وإن كان إلغاء الهدنة من قبل “تحريك طالبان” قد يؤدي إلى زيادة معدل العمليات عن الأشهر القليلة الماضية، ولكن زيادة معدل العمليات بشكل كبير يرتبط بالأساس بحدود قدرات الحركة، وموقفها من إمكانية الدخول في مفاوضات جديدة مع الحكومة الباكستانية، وممارسة حركة طالبان أفغانستان ضغوطاً عليها، إضافة إلى استجابة الجيش والشرطة الباكستانية لضغوط الحركة، والتراجع عن تسيير دوريات في المناطق الغربية وعلى الحدود مع أفغانستان.

2- تنوع عمليات الحركة بين النمطين الهجومي والدفاعي: بالنظر إلى عمليات “تحريك طالبان” التي تبنتها، فإنه يتضح تنويع النشاط العملياتي بين نمطين هجومي وآخر دفاعي، وهو ما يتوقع استمراره بعد إلغاء الهدنة من قبل الحركة؛ حيث نفذت الحركة عدداً من العمليات الهجومية خلال شهر نوفمبر الماضي، مثل الهجوم على قافلة شرطية في كويتا كانت ترافق قافلة طبية، وأخرى لكمين استهدف دورية شرطية. في المقابل، فإنها نفذت عمليات بنمط دفاعي، مثل الاشتباك مع قوات الجيش في شمال وزيرستان (6 سبتمبر 2022)، بما أسفر عن مقتل خمسة عسكريين بينهم ضابط، خلال عملية مداهمة للجيش على مواقع للحركة.

وتهدف الحركة من خلال تنفيذ عمليات بنمط دفاعي إلى استهداف قوات الجيش أو الشرطة التي تشارك في عمليات ضد مواقع نفوذها وتمركزات عناصرها، بحيث تهدف إلى تحجيم نشاط الدولة في المناطق الخاضعة لنفوذها، خاصة أنها تطالب بإنهاء وجود قوات الجيش في تلك المناطق، ومن ثم يتوقع حال استمرار التصعيد، توالي استهداف القوات المشاركة في العمليات، بما يؤدي إلى زيادة معدل النشاط العملياتي، كما أن تنفيذ عمليات بنمط هجومي بتخطيط منسق، يأتي لرغبة الحركة في تنفيذ عمليات ذات طابع “ثأري” لعناصرها المستهدفين في عمليات الجيش والشرطة. وبشكل عام، فإن الحركة تهدف إلى خلخلة سيطرة الدولة على المناطق الغربية وتحديداً باتجاه الحدود مع أفغانستان.

3- التركيز على استهداف العسكريين دون المدنيين: منذ تعديل حركة “تحريك طالبان” استراتيجيتها في عدم استهداف المدنيين بشكل متعمد، فإن الحركة رغم تصعيد العمليات، سواء خلال عام 2021، وفقاً لحصر عملياتها، أو خلال الأشهر القليلة الماضية، ركزت على استهداف العسكريين ورجال الشرطة، دون تنفيذ عمليات ممنهجة لاستهداف المدنيين، وإن كانت بعض العمليات قد تؤدي إلى سقوط مدنيين، كأثر جانبي لتنفيذ العملية، مثل عملية استهداف قافلة شرطية في كويتا، التي أدت إلى سقوط ضحايا من المدنيين بينهم طفل، ويتضح هنا أنها تسير على نهج تنظيمات السلفية الجهادية، وتحديداً تنظيم “القاعدة”، وفقاً لتفسيرات قاعدة “التترس”، التي تشير إلى جواز استهداف من يصفهم بـ”العدو” بغض النظر عن سقوط قتلى من “المسلمين”.

4- تركز العمليات بشكل أساسي في المناطق الغربية لباكستان: يشير التصعيد العملياتي لـ”تحريك طالبان” إلى التركيز على نطاق جغرافي يرتبط بالمناطق الغربية سواء شمالًا أو باتجاه الوسط، دون امتداد النشاط العملياتي حتى بعد أيام من إلغاء الهدنة إلى خارج هذه النطاقات الجغرافية، في مناطق أخرى أو باتجاه العاصمة “إسلام أباد”، هذا على الرغم من توجيه عناصرها لتنفيذ عمليات في جميع أنحاء البلاد، وربما يتعلق هذا بعدد من العوامل، أولها عدم الرغبة في تصعيد عملياتي كبير على الساحة الباكستانية خلال الفترة الحالية، قد يكون لها انعكاسات سلبية على أي مسار تفاوضي مستقبلي، وثانيها أولوية تأمين مناطق النفوذ بالنطاق الجغرافي غرب البلاد.

أما ثالثها فعدم إثارة الجيش الباكستاني بصورة تدفعه لشن عملية عسكرية كبيرة خلال الفترة المقبلة، من شأنها إضعاف الحركة وتصفية عدد كبير من عناصرها وقيادتها، بعد أن تمكنت من الصمود خلال الأعوام الماضية، وبناء القدرات منذ العام الماضي، مع الاتجاه إلى توسيع النفوذ، وفرض الإتاوات بالمنطقة الغربية، وفقاً لتقارير إعلامية غربية، ورابعها عدم تصدير الضغوط إلى حركة طالبان أفغانستان خلال الفترة الحالية من قبل الحكومة الباكستانية، في ظل توترات على خلفية تصعيد عملياتي لـ”تحريك طالبان” مؤخراً، وظهور بوادر توترات بين الحكومة الباكستانية و”طالبان أفغانستان”.

5- اقتصار أنشطة الحركة على الصعيد المحلي: كان لافتاً في بيان “تحريك طالبان”الإشارة إلى استعادة النشاط العملياتي على “الصعيد الوطني”، وهذا يضعنا أمام عدد من الاحتمالات لتأكيد هذه الجزئية، أولها عدم إثارة المجتمع الدولي، بالإشارة إلى أن أهداف الحركة محلية، ولا تُشكل تهديداً للأمن والسلم الإقليمي والدولي، خاصة بعد إدراج الولايات المتحدة الرجل الثاني في الحركة مفتي حضرة ديروجي المعروف بقاري أمجد، على قائمتها للإرهاب المشمول بعقوبات، وثانيها التمايز عن مجموعات عنف إقليمية ودولية، في ضوء العلاقات التاريخية بين الحركة وتنظيمات منها “القاعدة” وحركة طالبان أفغانستان، فإنها ترغب في الفصل بينها وبين أي ارتباطات مع تنظيمات إقليمية ودولية، خاصةً أن عدداً من قيادات وعناصر الحركة انشقوا وانضموا إلى “داعش”، وثالثها عدم تنفيذ عمليات لاستهداف المصالح الغربية؛ فربما كان الهدف من تأكيد تنفيذ عمليات على الصعيد الوطني، الإشارة إلى عدم استهداف المصالح الغربية في باكستان، سواء كانت سفارات أو أنشطة اقتصادية.

سيناريوهات مُحتملة

في ضوء طبيعة المشهد المعقد للعلاقة بين الحكومة الباكستانية وحركة “تحريك طالبان”، واتجاهات النشاط العملياتي للحركة، وطبيعة دور الوساطة لحركة “طالبان” أفغانستان، يمكن تحديد عدد من السيناريوهات لمسارات التصعيد خلال الفترة المقبلة؛ وذلك كالتالي:

1- استبعاد خيار “التصعيد الفائق” في الفترة الحالية: يفترض هذا السيناريو،تصعيداً عملياتياّ لـ”تحريك طالبان” تقابله عملية عسكرية كبيرة للجيش الباكستاني،والتحول إلى نمط المواجهات المفتوحة، ولكن هذا يرتبط بحالة انسداد في المسار التفاوضي، وخيارات الحكومة الباكستانية، والجيش مع تولي قائد جديد “الجنرال عاصم منير”،إضافة إلى محدودية دور حركة طالبان أفغانستان كوسيط. ولكن هذا السيناريو مستبعد خلال الفترة القلية المقبلة، في ضوء إمكانية إعطاء فرصة للوساطة من قبل وسطاء قبليين من باكستان وحركة طالبان أفغانستان، خاصة بعد ضغوط باكستانية على الحركة، خاصةً أن باكستان ربما ليست مستعدة لخيار التصعيد الفائق، في ضوء الأزمات المالية التي تواجهها، إضافة إلى أزمات داخلية سياسية مع رئيس الحكومة السابق عمران خان، فضلاً عن إبداء الحركة رغبة في تسوية الأزمة عن طريق المفاوضات.

2- إمكانية حدوث تصعيد متوسط بعد انهيار الهدنة: يشير هذا السيناريو إلىاحتمالات تصعيد متوسط، يرتبطباتجاه الجيش الباكستاني لتنفيذ دوريات مكثفة غرب البلاد، في مناطق نفوذ حركة “تحريك طالبان”،اعتماداً على ضرورة الرد على تصعيد الحركة خلال الفترة الحالية، واستهداف قوات الجيش والشرطة، خاصة بعد إلغاء الهدنة من طرف واحد، بما يضع الجيش الباكستاني أمام خيار تصعيد محكوم، منعاً لتفاقم الوضع، بما يستدعي في المقابل مواجهة الحركة دوريات وعمليات الجيش الباكستاني، وتكثيف العمليات في إطار نمط دفاعي بشكل أساسي لمواجهة أي محاولات لتعزيز الوجود العسكري والشرطي في مناطق نفوذها.

3- توقعات بمواجهات متقطعة واستهداف متبادل: يرتبط هذا السيناريو بإبقاء المواجهات والتصعيد المتبادل في حدود يمكن السيطرة عليها، كما هو الحال منذ شهر نوفمبر الماضي، مع تنفيذ عمليات من قبل الحركة ضد الجيش والشرطة بوتيرة ثابتة، وفي المقابل استمرار تسيير دوريات للجيش في اتجاه الحدود الأفغانية، واستهداف بعض تمركزات الحركة. وبشكل عام، فإن هذا السيناريو كان قائماً قبل سيطرة حركة طالبان على الحكم في أفغانستان، ولعب دور الوساطة بين الطرفين.

4- احتمالية حدوث تهدئة لوقف التصعيد العملياتي: ويشير هذا السيناريو إلى تهدئة محتملة بين الطرفين في المدى المنظور، ولكن هذا يتوقف على إمكانية وفاعليةحركة طالبان أفغانستان في الضغط على “تحريك طالبان” لوقف التصعيد العملياتي، وإقرار هدنة جديدة، وضمان التزام الطرفين بوقف الخروقات خلال مدة سريان الهدنة، والعودة إلى مسار المفاوضات.

وختاماً، يمكن تفسير الخروقات خلال فترة الهدنة التي كانت سارية بين الحكومة الباكستانية وحركة “تحريك طالبان”، قبل إلغائها من قبل الحركة مطلع شهر ديسمبر الجاري، في إطار محاولة توظيف النشاط الميداني، سواء بالعمليات العسكرية للجيش أو عمليات الحركة، في تعزيز موقف كلا الطرفين خلال مسار المفاوضات التي ترعاها حركة طالبان أفغانستان. وبشكل عام، فإن الفترة القليلة المقبلة، قد تشهد اختبار السيناريوهين الثالث والرابع، في ضوء إبداء الطرفين الرغبة في حل الأزمة عن طريق المفاوضات، وإدراك حركة “تحريك طالبان” أن مسار الحوار والمفاوضات قد يؤدي إلى حل دائم ومستقر؛ إذ إن فشل مسارات التهدئة، مع استمرار التصعيد المتبادل، قد يؤدي إلى أحد السيناريوهين الأول والثاني، ولكن هذا سيكون مرهوناً برؤية قائد الجيش الجديد، وحدود الخيارات المتاحة للتعامل مع الموقف.


Ahmed Abdel-Alim – إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14257

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *