عدم الاستقرار في دول الساحل الافريقي


وليد عبد الحي
في الندوة التي عقدها مركز الزيتونة في الايام الاولى من يناير هذا العام ، ذكرت 13 توقعا لعام 2023، وكان من بينها التوقع التالي” من المؤكد ان المنطقة الممتدة من السودان على البحر الأحمر الى موريتانيا والسنغال على المحيط الاطلسي وبخاصة ما يسمى دول الساحل ستكون منطقة عدم استقرار شديد خلال عام 2023 “، وها هي الاحداث تؤكد صحة ما توقعناه، فعلى ماذا تم بناء هذا التوقع؟
تمثل خمس دول قلب دول الساحل الافريقي، وهي الممتدة جنوب الصحراء الكبرى ، وتحديدا :مالي، التشاد،النيجر ،بوركينا فاسو ، وموريتانيا، وهذه الدول تضم حوالي 94 مليون نسمة، أكبرها هي النيجر(26 مليون نسمة) تليها بوركينا فاسو ومالي 22 مليون لكل منهما) ثم تشاد (18 مليون ) وأصغرها هي موريتانيا (حوالي 5 ملايين نسمة)، أي ان الفروق في الكتلة السكانية تكاد ان تكون متقاربة إذا استثنينا موريتانيا، أما من حيث المساحة فان كل منها يقارب مليون ونصف كيلومتر مربع تقريبا بتفاوتات بسيطة باستثناء بوركينا فاسو التي تبلغ مساحاتها 274 الف كليومتر مربع، أي أنها ذات كثافة سكانية اعلى من الدول الاخرى في المجموعة، اما التركيبة السكانية فان كل هذه الدول يغلب عليها الثقافة الاسلامية ، وتتراوح النسبة المئوية للمسلمين بين 58 في التشاد و 62 في بوركينا فاسو و95 في مالي و98 في النيجر واعلاها موريتانيا بحوالي 100.
وعليه فان التوازن السكاني والجغرافي الى حد كبير يولد مماحكات بين الدول ذاتها او يولد الاستقواء بالقوى الاجنبية وبخاصة الدولية ، مما يفجر النزاعات الداخلية والخارجية، وتكشف لنا دراسات أكاديمية مقارنة لمختلف الاقاليم الجيوسياسية ان عوامل عدة تفجر النزاعات الأقليمية بخاصة ” السعي بين الدول المتقاربة في المساحة والسكان الى ان تكون هي ” مركز الاقليم”( Core State )، وهنا تستثمر القوى الخارجية هذا النزوع للتغلغل في هذا الاقليم او ذاك ، ففي دراسة حول تراتبية الاقليم السياسي (Regional Hierarchies) انجزها مجموعة من الباحثين وتم نشرها في مجلة ((Politics عام 2017 تبين ان التنافس على الدولة المركز للاقليم يمثل أحد العوامل الاساسية في الصراعات الاقليمية وبنسبة تصل الى 80% في الأقاليم التي تتقارب فيها امكانيات القوة، كما ان هذه الدول تمثل مجتمعة نمطا من الأقاليم المخترقة طبقا لنظرية ليون كارل براون (Leon Carl Brown-Penetrated Systems ).
البعد الثاني في دول الساحل هو ان نسبة المسلمين فيها تصل الى حوالي 83% من مجموع سكانها، وقد وجدت التنظيمات الاسلامية المتطرفة بعد سلسلة هزائمها في مناطق مختلفة بخاصة في الشرق الاوسط أن هشاشة دول الساحل الافريقي سياسيا واجتماعيا وعسكريا، واتساع المساحات الصحراوية فيها ( اجمالي المساحة حوالي خمسة ملايين كيلو متر مربع منها 66% صحراء ) تمنحها بيئة مناسبة للحركة ، والمشكلة ان هذه الصحراء اتسعت على حساب المناطق الزراعية بمعدل 10% خلال القرن الماضي، وصحاري دول الساحل هي امتداد للصحراء الكبرى ( مجموع صحاري افريقيا 9.2 مليون كم2)، مما يجعل السيطرة عليها امرا متعذرا في ظل هشاشة هذه الدول والمساحة الصحراوية، وهذا ما فتح المجال للتنظيمات الاسلامية المتطرفة للتغلغل في المجتمعات (لاغلبيتها الاسلامية) ولهشاشة الدول، ولتمدد بعض التنظيمات الاسلامية الافريقة مثل بوكو حرام من نيجيريا الى هذه المنطقة.
المؤشر الآخر، التنوع الإثني ومحاولات قوى اثنية معينة للسيطرة على بقية الاثنيات، فهناك الاثنيات الزنوجية والعربية والبربرية وهناك المذهبيات من سنة وشيعة وقادرية و أحمدية ..زالخ ، وبينها إحن تاريخية ومعاصرة تظهر في تعاقب الانقلابات العسكرية والاضطرابات الاجتماعية ، ويترافق الاستبداد السياسي في هذه الدول مع عدم الاستقرار السياسي، فمن بين الدول الخمس هناك 3 دول(مالي والنيجر وبوركينا فاسو ) تتراجع فيها الديمقراطية منذ 2010 كاتجاه عام ، ودولتين( موريتانيا وتشاد) شبة ثابتة ، وكل هذه الدول تتراوح الديمقراطية فيها بين 1.67 وهي تشاد وبين 4.03 وهي موريتانيا، اما في الاستقرار السياسي فكل هذه الدول تقع في دائرة السالب، واعلاها مالي(2.35 -) وافضلها موريتانيا( 0.67 -)، مما يعني انها دول غير مستقرة بشكل واضح ، ونسبة عدم الاستقرار خلال العشرية الماضية شبه ثابتة تقريبا، ويتركز عنف التنظيمات المتطرفة في هذه الدول ،فقد بدأ قويا في شمال مالي أولا، ثم تغلغل في بوركينا فاسو والنيجر، وتزايد حجم العنف بين 2016 و 2019 بمعدل 450%، وبنسبة 180% في عام 2021 قياسا الى عام 2019.، ويتركز العنف في المثلث الرابط بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مما جعل معدل عدم الاستقرار في هذا الاقليم الفرعي حوالي 2 سالب (من 2.5 سالب ،وهو الاعلى في مقياس كوفمان)، بخاصة ان اعلى معدل لعدم الاستقرار وهو 2,35 في النيجر وهي الثانية في عدد السكان بين الدول الخمس، وشكلت الانقلابات العسكرية مظهرا واضحا في هذه الدول ، فقد تم قتل الرئيس التشادي بعد فوزه في الانتخابات (ادريس دبي في 2021) وفي نفس العام اعلن الاتحاد الافريقي تجميد عضوية مالي بسبب الاضطرابات فيها والانقلابات التي كان آخرها عام 2020( ضد ابراهيم ابو بكر) ، وها هو انقلاب النيجر يعزز الظاهرة، لقد عرف هذا الاقليم الفرعي خلال الفترة من 2010 الى الآن 10 انقلابات عسكرية ناجحة ، وخمسة انقلابات فاشلة.

اما موضوع التنافس الدولي فلفرنسا روابط تاريخية ولغوية في هذه المنطقة ناهيك عن حاجتها لمودها الخام بخاصة اليورانيوم ، والصين تعد هي الشريك التجاري والاستثماري الاول لافريقيا بما في ذلك هذه المنطقة ، وروسيا ازدادت حرصا على تطوير علاقاتها مع افريقيا منذ تزايد وطأة الحصار عليها بعد الحرب الاوكرانية ، ولعل المؤتمر الافريقي الروسي الاخير في نهاية الشهر الماضي دليل على السعي الروسي في هذا الاتجاه، أما امريكيا فان أهمية خليج غينيا لامن الطاقة يعزز من اهتمامها بالمنطقة ،لا سيما ان شركات موبيل وشيفرون تعمل في هذا الخليج ، ناهيك عن بداية وجود ايراني ولو أنه اقل اهمية . اما علاقات هذه الدول باسرائيل فان تشاد تمثل نقطة الانطلاق الاقوى للتغلغل الاسرائيلي، لكن رئيس نيجر محمد بازوم الذي تم خلعه في انقلاب عسكري الشهر الماضي شكل نكسة لاسرائيل نظرا لمواقفه المساندة لاسرائيل وبشكل قوي، أما موريتانيا فكانت حتى عام 2010 تسير في اتجاه العلاقة المتطورة مع اسرائيل لكن العدوان على غزة دفع لتلكؤ هذه العلاقة ،وتبدي اسرائيل اهتماما بمالي منذ استعادة العلاقات في 2017 ولسبب مركزي هو التواجد قرب الحدود الجزائرية الجنوبية، اما العلاقة مع بوركينا فاسو فتم اعادتها عام 2015،
والى جانب التنافس على دول الساحل لاعتبارات جيواستراتيجية ، فان الموارد في هذه الدول هي الاكثر جذبا بخاصة المواد الخام، فبوركينا فاسو منذ 2010 أصبح الذهب مصدر دخلها الرئيس، بينما شكل ظهور النفط منذ 2003 في تشاد الى جانب موارد شريط اوزو بخاصة اليورانيوم مصدرا آخر للجذب، – وتحتل مالي المرتبة الثالثة في انتاج الذهب في افريقيا الى جانب ظهور النفط واليورانيوم والفوسفات ،ويشكل اليورانيوم 72% من صادراتها ناهيك عن صادراتها من الذهب وبعض النفط، اما موريتانيا ففيها احتياطيات كبيرة من الحديد(1.4 مليار طن) والذهب( 780 طن من الذهب) ، وكل هذه المعادن في دول الساحل تزايدت اهميتها بعد الحرب الاوكرانية وحصار الصادرات الروسية للاسواق العالمية.
ودون دخول في التفاصيل التقنية، فقد تم حساب المؤشرات المركزية( الوضع الاقتصادي( خمسة مؤشرات) – التناحر الاثني والمذهبي(مؤشران) ، المتغير الجيو سياسي والمتغير الجيواستراتيجي( 3 مؤشرات)، التنافس الدولي المباشر( 4 مؤشرات)، فكان المجموع 14 مؤشرا، وعند حساب وزن كل مؤشر ، وحساب اجمالي مساهمته في كل دولة تبين ان الاضطراب الشديد سيكون خلال هذا العام في هذه المنطقة بين 82 الى 87 %، وهو ما دفعنا للتنبؤ بما سبق ذكره.
(ملاحظة: الدراسة تنتظر دورها في النشر).

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14263

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *