16 اكتوبر 2022 الصيني

وليد عبد الحي

هل يمكن أن يكون منتصف شهر أكتوبر القادم مؤشرا مركزيا على طبيعة السعي للقوى الكبرى لتحديد بنية النظام الدولي القادم ؟ فعلى الارجح فان انعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني في 16 اكتوبر القادم سيمثل في تقديري تحديدا لجدول اعمال كيفية الانتقال من نظام دولي احادي القطب الى نظام دولي متعدد يقوم على قوى مركزية من ناحية وعلى شبكات ترابط تتجاوز الجوار الجغرافي وتأخذ طابع قطبية تكتلات اقتصادية أمنية فضفاضة نسبيا دون اتساق آيديولوجي من ناحية ثانية .

وستتحدد توجهات هذه التكتلات الفضفاضة بشكل رئيس على طبيعة القوى المركزية في كل تكتل، وإذا كان الانشغال الامريكي لن يعرف تغيرا جوهريا خلال الشهرين القادمين ،كما ان وتيرة الفعل الروسي ستبقى في حدودها القائمة حاليا بشكل عام ، فان الصين ومن خلال مؤتمر حزبها الحاكم ستمثل بوصلة الطبيعة القادمة للنظام الدولي.

فما هي الملامح المركزية التي سيطرحها الحزب الشيوعي الصيني في مؤتمره القادم؟

أولا: سيكون موضوع مستقبل الازمة التايوانية هو الاساس، وطبقا للمعطيات المتوفرة من أدبيات الحزب والنخبة الفكرية والبيانات الرسمية فان تايوان ستكون الشغل الشاغل للصين ، وسيتم التاكيد على موضوع السيادة الصينية التامة على تايوان ، لكن قد تبدو اشكال تحقيق ذلك متعددة، لكننا نعتقد ان السياسة الصينية ستتجه نحو احد الخيارات التالية:

أ‌- طرح فكرة ” دولة بنظامين” على غرار ما جرى مع هونغ كونغ، اي ان تكون السيادة على تايوان للصين الكبرى، مع احتفاظ تايوان بنظامها الاقتصادي وبقدر من نظامها الاداري المحلي، اي ان الهدف الصيني هو محو الشخصية الدولية لتايوان .

ب‌- قد يتم طرح النموذج البيلوروسي والاوكراني ايام الاتحاد السوفييتي، أي ان يكون لتايوان مقعدا في الامم المتحدة مع اعتبارها جزءا من الصين على غرار ما كان عليه وضع اوكرانيا وبيلاروسيا(روسيا لبيضاء) زمن الاتحاد السوفييتي، وهو امر يتسق مع القبول الامريكي بمبدأ ” صين واحدة”.

ت‌- اللجوء للحصار السياسي والاقتصادي بشكل تصاعدي بل والعمل على التغلغل الحزبي داخل تايوان للعمل على دفع المجتمع التايواني لمواجهة مع السلطة التايوانية وتدخل الصين بحجة المساعدة على لجم الاضطرابات.

ث‌- العمل العسكري وفرض حالة الطوارئ حتى على تايوان باعتبارها جزء من الصين “الواحدة”.

ومن المؤكد ان رد الفعل الامريكي سيتناسب مع طبيعة السيناريو الذي تختاره الصين من بين السيناريوهات السابقة، وهو ما سيساهم في تحديد المشهد الدولي.

ثانيا: العلاقة الصينية مع الكتلة الاوراسية:: منذ تفكك الاتحاد السوفييتي تبلور مفهوم “أوراسيا” حول عدد من الاقاليم الفرعية مثل:روسيا، آسيا الوسطى،القوقاز،الشرق الاوروبي(اوكرانيا وبيلوروسيا،ومولدافا،) ومنطقة البلطيق. لكن روسيا تشكل المحور الاكثر عناية من جانب الصين سياسيا وتجاريا وطاقويا وعسكريا، تليها منطقة آسيا الوسطى والقوقاز لاهميتها الطاقوية من ناحية واعتبارها عاملا امنيا – بخاصة آسيا الوسطى-لضبط بعض محاولات اثارة الاضطراب في المقاطعات الغربية الصينية ذات الاغلبية المسلمة في سينكيانغ، وهو ما يتجسد في المكانة المتقدمة لهذه المنطقة الجيواستراتيجية في استراتيجية مبادرة الحزام والطريق رغم ما يراه بعض المفكرين الغربيين من ان هذه المنطقة قد تكون موضع “شكوك” متبادلة بين روسيا والصين حول نفوذ كل منهما، لكن مستوى الرشد الاستراتيجي لروسيا والصين يجعلني لا اوافق على هذا التقييم نظرا لقاعدة العلاقات الاستراتيجية بين القوتين العظميين بخاصة انها تسير للوصول الى حوالي 200 مليار دولار في التبادل التجاري، ناهيك عن الاتكاء الاستراتيجي كل على الآخر في بعض محطات الاستشراف المستقبلي

ثالثا: مدى الاستقرار في هيئات صنع القرار السياسي الصيني: يفوق عدد اعضاء الحزب الشيوعي الصيني ال 92 مليون عضو، ويمكن القول بان المكتب السياسي(25 عضوا) ولجنته الدائمة(7 اعضاء) هما مركز القرار الصيني، وسيكون موضوع التمديد للرئيس تشي تشنغبنغ (Xi Jinping’) امرا شبه مؤكد لا سيما منذ الغاء الاقتصار على فترتين للرئاسة منذ 2018، وهو ما يوحي بأن السياسة الداخلية والخارجية الصينية لن تعرف تغيرا جوهريا على الاقل حتى عام 2027.

ذلك يعني ان ليس امام الولايات المتحدة إلا أن تدخل في مواجهة عسكرية لا تتوفر شروط الانتصار المؤكد فيها، او ان تقبل بتسوية على غرار هونغ كونغ ولو بشكل تدريجي وعبر مساومات في جبهات مختلفة ، ولا شك بأن 16 اكتوبر سيساعدنا على استجلاء ما هو قادم بشكل افضل..

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14263

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *