قضايا سياسية

17 تموز 1968 في العراق.. إنقلابات تأكل بعضها بعض

د.محمد عبدالرحمن عريف

توظيف نكسة العرب في حزيران/ يونيو 1967

  بعد نكسة حزيران/ يونيو المؤلمة عام ١٩٦٧ بدأ الشارع العربي يغلي غضبًا على الأنظمة العربية التي اُعتُبِرت مسؤولة بصورة مباشرة عن الهزيمة المخزية. ولم يكن الشارع العراقي بالمختلف، حيث نشطت الاحزاب السياسية غير الرسمية وصعدت من فعالياتها. وبدأ واضحًا آنذاك أن ثلاث تيارات كانت لها نفوذًا في الشارع العراقي.

  الأول هو التيار الشيوعي الذي نجح في الفوز بأكبر عدد من المرشحين في الانتخابات التي حصلت في الجامعات العراقية عام ١٩٦٧. كما أن المظاهرات التي حركها الحزب الشيوعي وخاصة في البصرة ونشاط الطرف المنشق عن الحزب والذي عرف بجماعة الكفاح المسلح بدأ يكون له صدى في الشارع العراقي. من ناحية أخرى، ولقطع الطريق على الحزب الشيوعي كثف الاتجاهين القومي العربي والبعثي محاولاتهما للوصول إلى الحكم عن طريق إنقلاب عسكري اعتمادًا على ما يملكونه من مؤيدين وكوادر في القوات المسلحة، العامل الذي لم يكن متوفرا بنفس الثقل للشيوعيون خاصة بعد التصفيات الشاملة التي تعرضوا لها بعد عام ١٩٦٣.

  أمير الحلو، الذي كان أحد قياديي حركة القوميين العرب، سبق وقال بأنهم كانوا على وشك التحرك للإطاحة بنظام عبد الرحمن عارف عندما فوجئوا بوصول البعثيين إلى السلطة. وفِي الحقيقة فإن البعثيين كانوا أكثر تنظيمًا من الاتجاهين الآخرين ويمتلكون قيادة عسكرية واضحة تمثلت بأحمد حسن البكر وحردان عبد الغفّار التكريتي وصالح مهدي عماش، وقيادة مدنية فاعلة تمثلت بعبد الله السلوم السامرائي وصدام حسين وعبد الخالق السامرائي وغيرهم. وكان أهم تعبير على قوة هذا الطرف هو التظاهرة الشعبية الكبيرة التي دعى لها الحزب بعد نكسة حزيران/ يونيو، والتي قادها الثلاثي البكر وحردان وعماش، واخترقت شارع الرشيد الرئيس في بغداد من بدايته حتى نهايته. وبدا واضحًا أن حزب البعث كان يخطط لتغيير نظام الحكم، الأمر الذي تم في ١٧ تموز/ يوليو ١٩٦٨.

دخول القصر بالدبابة

 هنا يصف (منفذو 17-30 تموز) انفسهم بالثوار وهم دخلوا القصر الجمهوري بدبابتين وسيارة وكان عدد الذين يعرفون فعلاً بحركتهم من كل العراقيين ومن اعضاء حزبهم 137 شخصاً بينهم عبد الرحمن الداود امر الحرس الجمهوري والدرع العراقي لرئيس الجمهورية عبد الرحمن محمد عارف (وهو ابن رجل دين من هيت) وعبد الرزاق النايف معاون رئيس الاستخبارات العسكرية (من مواليد الفلوجة ومن قبيلة الجميلة من ابناء عمومة عارف) وسعدون غيدان امر كتيبة في الحرس الجمهوري الموكل بالباب النظامي ذلك المساء وفاروق عمر الكتيبة الثانية وصديق النايف -الداود- غيدان كان هؤلاء الضباط هم الذين فتحوا الباب للبكر ورجاله من أمثال عبد الله سلوم السامرائي عضو القيادة القومية وعبد الخالق السامرائي وصالح مهدي عماش وحردان عبد الغفار وناظم كزار وطه الجزراوي وصدام حسين واخيه غير الشقيق برزان التكريتي وسواهم، وكان خوف هؤلاء شديداً من رجال السلطة العارفية الضعفاء حتى انهم اعتقلوا شرطي مرور كان يقوم بواجبه في الشارع واصعدوه معهم في سيارة خشية أن يحذر من هم في الحكم.

  ما حدث هو أن أحمد حسن البكر كان قد بدأ سعيه إلى السلطة منذ أيلول/ سبتمبر 1958 حيث شارك في حركة سرية ضد حكم عبد الكريم قاسم وألقى القبض عليه واحيل إلى التقاعد برتبة عقيد وظل يشترك في نشاطات القوميين والبعثيين طمعاً في الحصول على فرصة أخرى حققها على يد علي صالح السعدي أمين السر الجديد الذي اختاره لرئاسة الوزراء في 8 شباط/ فبراير 1963، وقد ادعى بعد حركة 18 تشرين التي قادها عبد السلام عارف رئيس الجمهورية ضد البعثيين ابتعاده عن السياسة وانصرافه إلى شؤونه الخاصة بإعتراف موقع نشر بخطه في صحف بغداد لكنه عاد وشارك البعثيين في تجربتهم الدموية الطويلة الثانية في انقلاب 17 تموز/ يوليو، متفقاً هذه المرة مع عدة قوى سياسية يمينية بينهم جماعة المقدم عبد الرزاق النايف الذي مكنهم من دخول القصر الجمهوري.

  في الساعة المتفق عليها وهي الثانية بعد منتصف الليل ليلة 16/ 17 ادخل سعدون غيدان بسيارته الخاصة إلى مقر كتيبة دبابات الحرس الجمهوري التي كان يقودها كل من أحمد حسن البكر وحردان التكريتي وصالح مهدي عماش وأنور عبد القادر الحديثي وسيطروا على مقدرات الكتيبة التي كانت اساساً تحت امرة غيدان واحتل الداود مبنى الاذاعة وسيطر عبد الرزاق النايف على وزارة الدفاع.

  عندما اوقِظ الرئيس عارف الساعة 3.30 فجراً كان طاهر يحيى رئيس  الوزراء وغيره من كبار الشخصيات رهن الاعتقال وبعد حوار تلفوني بين عارف- النايف وعارف- البكر ادرك عبد الرحمن عارف أن كل شيء قد انتهى بهدوء وأن بطانته باعته إلى سواه. وهنا سارعت خمس طلاقات تحذيرية له من الدبابات المحيطة بالقصر في استسلامه وسفره بعد ساعات مع زوجته المريضة إلى بريطانيا ومن هناك إلى تركيا.

 الحقيقة أنه كان البيان الأول للانقلاب غامضاً بدأ بآيات قرآنية ووعد بالسلام في كردستان وتحقيق العدالة الاجتماعية وخدمة الشعب وما إلى ذلك من عبارات عامة طنانة لا تكشف عن النوايا، وبقدر عدم فرح الجماهير او حزنها برحيل عارف فإنها استقبلت تعيين البكر رئيساً للجمهورية بكثير من الحذر والتخوف من مآس قادمة فقد كانت تجربة العراقيين مع زمرة البعث مريرة ولا تريد تكرارها، وكان البعث اليميني (وهو مصطلح سياسي عراقي يطلق على جناح (عفلق – البكر) مكروهاً بين الناس وقد استطاع تيار سورية أن يحصل على بعض التعاطف لإستنكاره مجازر الشيوعيين والديمقراطيين وعقده اتفاقات سياسية انتخابية للنقابات وغيرها ضد مجموعة عفلق.

  لقد كان التفكير بإزاحة النايف والداود هاجس قيادة البعث منذ الأيام الاولى. وكانت تتحسب للنايف أكثر وتعتبره ذَا صلات مشبوهة مع دوائر مخابرات خارجية. (تاكدت هواجسهم عندما قام بترشيح وضم وزراء لوزارته كانت تثار حولهم شبهات الارتباط باجهزة مخابرات خارجية، كما ادعت قيادة البعث بعد الإطاحة به أنه طرح بل وأصر على فكرة إلغاء شركة النفط الوطنية، مما يعني الغاء كل مكاسب القانون رقم ٨٠ الذي جرد الشركات الأجنبية من ٩٠٪‏ من الأراضي العراقية غير المستثمرة.   

الانقلاب يأكل بعضه بعض

   ما حدث هو أنه بالفعل تم إسقاط نظام عبد الرحمن عارف.. واجبر على مغادرة البلاد.. ولم يتم فيه إراقة دماء حسب الاتفاق بين طرفي الانقلاب.. وهما كتلة احمد حسن البكر وكتلة القصر الجمهوري إبراهيم الداوود (آمر الحرس الجمهوري) وعبد الرزاق النايف (معاون مدير الاستخبارات العسكرية).. وأطلق على ذلك الانقلاب اسم (الثورة البيضاء ).. لكن لم يمض سوى 13 يوماً حتى استطاعت كتلة البكر (حزب البعث) السيطرة على السلطة.. وإقالة وزارة عبد الرزاق النايف وتسفيره خارج العراق.. وقد برر البكر والبعث ذلك بأن إبراهيم الداوود حنث الاتفاق.. وأخبر النايف بالعملية وموعدها ففرض النايف نفسه علينا قبيل ساعات من تنفيذ الانقلاب.. فكان لابد من طردهما الإثنين في أقرب وقت ممكن..

الدور الدولي في الانقلاب

  فعلاً كانت أوضاع العراقية الاقتصادية آنذاك سيئة.. يقول عبد الرحمن عارف خلال حديثه مع الدكتور غالب الناهي: (زارني السفير البريطاني في التاسع من كانون الثاني 1968 ووعدني بحل كل مشاكل العراق الاقتصادية وتقديم مساعدات مالية للخزينة العراقية وعروض أخرى اقتصادية وثقافية ونفطية لمساعدة العراق شرط أن يتم ترسيم الحدود مع الكويت في موعد أقصاه عيد استقلال الكويت في شباط/ فبراير 1968).. حينها أكد عارف للسفير البريطاني: (إن مسالة الكويتية – العراقية معلقة.. ولا أريد أن أثيرها فدع الأمور على ما هي.. وسوف ازور الكويت قريباً ليكون ذلك اعترافاً ضمنياً باستقلالية الدولة الكويتية ضمن قناعتي.. أما إذا كانت تلك الحدود مشروطة من قبلكم فإننا لا يمكن تلبيتها على حساب التلاحم العراقي).. عندها ابتأسً السفير البريطاني وانتفض ليخرج منزعجاً ووجهه كله شؤم وغيض.. وقال: (لابد أن تأخذ الكويت حقها الحدودي آجلًا أم عاجلًا.. وهذه قناعة كل المسؤولين العاملين تحت التاج البريطاني).

 لكن استمرار العراق في تعزيز علاقاته النفطية خاصة مع فرنسا أجبرت السفير البريطاني في العراق على معاودة اللقاء بعبد الرحمن عارف.. وحذره من إن بريطانيا لا تتورع في استعمال أية طريقة لإيقاف التعاون مع فرنسا أو غيرها من دون بريطانيا.. فكان جواب عارف للسفير (العراق عراقنا.. والأرض أرضنا والنفط نفطنا فأية اتفاقية لا تنسجم مع شعبنا نحن غير ملزمين بتوقيعها أو تنفيذها أو حتى مناقشتها.. وإننا بصدد تدريب ملاكاتنا بفرنسا لنستثمر نفطنا بأيدي عراقية مستقبلاً).

  إن الأمور الاقتصادية.. وخاصة النفطية مع فرنسا أفقدت وزير الخارجية البريطاني صوابه وهدد علناً في السابع من نيسان/ أبريل عام 1968 بإنزال القوات المظلية البريطانية في العراق لحماية الآبار البترولية المنتجة والمنتشرة في أنحاء العراق.

   يتحدث جلال طلباني القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني.. في هذا الموضوع لمجلة الوسط الصادرة في لندن في 16 -11- 1968 قائلاً (كانت هناك مجموعة من الضباط تخطط للقيام بمحاولة انقلابية.. ومن هؤلاء عبد الرزاق النايف وإبراهيم الداوود وبشير الطالب.. واتصلوا بعبد الستار عبد اللطيف الذي تربطني به علاقة.. والتقينا في بيته.. وكان من بين الحضور إضافة إلى عبد الستار أنا فؤاد ألركابي.. واقترحوا أن يكون ألركابي رئيساً للوزراء.. لكنه رفض العرض.. عندئذ عرضوا مشروعهم على مجموعة البعث (البكر- صدام).. ويضيف الطالباني قائلاً (في تلك الفترة جرى لقاء بين بشير الطالب الملحق العسكري في بيروت مع الملحقين العسكريين (البريطاني والإيراني).. وقرروا الاتصال بمجموعة عبد الرزاق النايف وإبراهيم الداوود من اجل القيام بانقلاب في العراق.. وهو ما أخافنا من التعامل مع هذه المجموعة.. فذهبتُ إلى الرئيس عبد الرحمن عارف وأبلغته بما يجري فقال ليَ (استدعيتُ إبراهيم الداوود وعبد الرزاق النايف وسعدون غيدان (آمر كتيبة الدبابات في القصر الجمهوري ).. وأقسموا أمامي بالقران الكريم (إنهم لن يتآمروا عليّ).

  يتحدث احمد ألحبوبي وزير العمل والشؤون الاجتماعية آنذاك: (انه في أواخر شهر تشرين الأول العام 1967 سافرتُ الى بيروت بعد وعكة صحية ألمت بي.. وقد زارني ناصر الحاني – سفير العراق آنذاك في بيروت- ودعاني للغذاء في زحلة للحديث في أمور هامة -حسب تعبيره- وبدأ حديثه باستفزازي قائلاً: لماذا تقاطعون أمريكا…؟ فاندهشتُ.. وقاطعني قبل إتمام ردّي بقوله: مهما يقال بهذا الخصوص.. فالمصلحة تقتضي الاصطفاف مع أمريكا وإعادة العلاقة معها لمصلحة العراق ولا مصلحة في معاداة أمريكا.. ويجب أن تغيّروا سياستكم.. وإنه ينتهز هذه الفرصة ويتكلم مع وزير مسؤول.. ويرجوني أن انقل حديثه إلى طاهر يحيى (رئيس الوزراء).. لم اخفِ استغرابي من حديثه الصريح.. وعزوته إلى عدم رضاه عن مكانه في بيروت سفيراً بعد أن كان سفير العراق في واشنطن.. فقلتُ له: ألا تعلم أنك تعارض سياسة حكومتك؟!! ضحك وأجاب: إنني لم اختلف مع سياسة حكومتي بل أعارضها.. وأرجوك يا أستاذ أن تنقل حديثي هذا إلى طاهر يحيى لتعديل الموقف من أمريكا قبل فوات الأوان.. أجبته.. وقد استفزتني عبارة فوات الأوان.. إنني لا انقل رسائل منك أو من غيرك.. لكنني سأناقش هذا الموضوع الخطير مع طاهر يحيى.. وعند عودتي ناقشتُ الموضوع مع طاهر يحيى.. وكان تعليقه هذا يخروت!!

  أما حردان التكريتي فيتحدث عن الدور الدولي في الانقلاب قائلاً: (أعلن الرئيس عبد الرحمن محمد عارف.. قبل انقلابنا بشهرين عن تعديل في اتفاقيات النفط لصالح شركة أيرب الفرنسية.. وقد طلبني أبو هيثم (أحمد حسن البكر) عشية إعلان الحكومة عن هذا التعديل.. وشرح ليً أهمية هذا الإعلان.. وآثاره السيئة على علاقات كل من العراق – بريطانيا.. والعراق – أميركا.. وذكر أن علينا أن نستغل هذا الوضع الجديد للقيام بعمل ما..

  وجرت بعد ذلك اتصالات بيننا وبين صدام حسين.. الذي كان آنذاك في بيروت.. وأخبرناه بضرورة إقامة حوار عاجل بينه وبين السفارة الأمريكية هناك.. وأخبرناه بإجراء اتصال مع عفلق بهذا الشأن.. بعد أقل من أسبوع أخبرنا صدام بأن الحكومتين (الأمريكية والبريطانية) أبدتا استعدادهما للتعاون إلى أقصى حد بشرطين، الأول أن نقدم لهما تعهداً خطياً بالعمل وفق ما يرسمونه لنا. والثاني أن نبرهن على قوتنا في الداخل.

  وتقرر أن يقوم حزب البعث بتنظيم تظاهرة ضد عبد الرحمن عارف.. كدليل على القوة.. وفعلاً نظم الحزب مظاهرة ضخمة بالتعاون مع الشيوعيين والدينيين.. في ذكرى نكسة الخامس من حزيران/ يونيو.. وكان يمشي أمامها أبو هيثم (أحمد حسن البكر).. وأنا.. وصالح مهدي عماش وبعض الرفاق.. وقد أخبرتنا السفارة الأمريكية في بيروت أنها على استعداد للتعاون على أن «نتساهل» بعد نجاح الانقلاب في مسألة النفط مع الشركات الأمريكية.. ووافقنا على الشرط.. وبعد ثلاثة أيام جاءنا من السفارة الأمريكية من يقول: إن علينا أن نتعاون مع آمر الحرس الجمهوري إبراهيم عبد الرحمن الداوود.. ومدير الاستخبارات العسكرية عبد الرزاق النايف.. وأن علينا أن نمشي وفق الخطة التي سيرسمونها لنا.. وقد التقينا بالنايف في سيارته الخاصة ليلة (13 تموز/ يوليو 1968).. واتفقنا معه على كل شيء مع النايف..

  على الفور تم إبعاد الرئيس عبد الرحمن عارف خارج العراق.. يقول قيس نجل الرئيس عبد الرحمن عارف غادرتٌ مع الوالد إلى لندن على متن طائرة خاصة من الخطوط الجوية العراقية.. ومن مطار المثنى صعدنا إلى الطائرة مباشرة وبكل بساطه.. وغادرنا وكان خط الطائرة بغداد اسطنبول لندن.. وهبطت في مطار اسطنبول لمدة 45 دقيقه للتزود بالوقود.. وقد نزلنا (الوالد وأنا) إلى استراحة المطار.. والتفً حوله الصحفيون.. واعتذر الوالد عن الإدلاء بأي تصريح.. وقال لهم: اعتذر انتهت مهمتي.. وغادرتُ السياسة.. فانصرفوا).. ويضيف قيس عبد الرحمن عارف قائلاً (وكان أيضاً في المطار أعضاء القنصلية العراقية في اسطنبول.. سلموا على الوالد وحمدوا الله على سلامته.. ثم وصل وزير الخارجية التركي وسلم على الوالد.. وقال له: إني مبعوث من الرئيس جودت صوناي.. ويرسل تحياته لك.. وإذا ترغب أنت ضيفنا في تركيا.. قال له الوالد: انه ذاهب إلى لندن لأن زوجتي في المستشفى.. وإذا قررتٌ الاستقرار في تركيا سوف أخبركم.. وبلغ تحياتي وشكري إلى الرئيس جودت صوناي..

خدعة تسمية الإنقلابات بـ”الثورات”

  هي قصص ما سُمي “ثورات”؟ ويحتفل البعض بمناسباتها، ويخرج العامة يهتفون ويرقصون. فهل هذه التحركات -هذا يقود الأخر ويده على الزناد والأخر يطلع من طيارته وهذا يقتل والأخر يُختطف…الخ- توحي بتقلابات سياسية؟ أليست هي الأقرب إلى المخيلة من صورة حركات سياسية؟. والعامة الموهومة تلهث وراء هذه العائلة او تلك ويتصارعون ويتذابحون والناس تعيش في أوهام, وتقحم في الصراعات، وسط عبارات طنانة مثل تحرير الأوطان. هنا نستذكر ما جرى في تلك الليلة من تاريخ العراق وما سبقها من أحداث حيث تسلل إلى الواجهة السياسية خلالها وبعدها تحالفات وتواطؤات مشبوهة وحفلات اعدام تمت بليل لعناصر متعددة لتزيح الطريق تدريجياً امام البعض للقفز إلى سدة الرئاسة والتمكن من رقاب العباد ومقدرات البلاد.

  في العراق كان يتم الاحتفال بذكرى انقلاب 17 تموز/ يوليو 1968 المصبوغ بالبياض زوراً، لقد اسماه احمد حسن البكر، احد (العقول) المدبرة له بـ(الثورة البيضاء) تمييزاً له عن انقلاب 8 شباط/ فبراير 1963 الدموي الذي بدأ بالهجوم على وزارة الدفاع عرين عبد الكريم قاسم قائد 14 تموز/ يوليو، مروراً بحفلة الاعدام الدموية في الإذاعة في اليوم التالي حيث قتل (ثوار رمضان) عبد الكريم قاسم وفاضل المهداوي وكنعان حداد وطه الشيخ أحمد بعد (محاكمة) صورية سريعة ثم باشروا بهدر المزيد من دماء العراقيين والعراقيات من شيوعيين وديمقراطيين غير منتمين ومؤيدين لعبد الكريم، وعرف العراق لأول مرة تجربة الحرس القومي الدموية واعتقال الناس بدون إذن والطرد من الوظائف والأنكى من ذلك اعتقال الآنسات والسيدات وتعذيبهن والاعتداء الجنسي عليهن ثم اعدامهن.

  المهم أن العراقيين صحوا من تجربة رمضان الدموية على انقلاب عبد السلام عارف رئيس الجمهورية على البعثيين يوم 18 تشرين الثاني/ نوفمبر، وقبول أحمد حسن البكر بمنصب نائب رئيس الجمهورية ثم اعلانه اعتزال السياسة برسالة موثقة وموقعة حيث استلمت الحكم طائفة من الضباط والساسة الأقل شراسة ودموية والأقرب إلى فهم الواقع العراقي الساعي نحو السلام والعدالة الاجتماعية ولكن بسلام تقرره الطبقة الحاكمة وبعدالة تراها هي تفصلها على مقاساتها ولا تعطي الجماهير منها شيئاً.

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock