25 يناير المصرية.. يوم أن أضحى الإنجليز بين «كتائب الفدائيين» على خط القنال و«مجزرة الإسماعيلية».. وهتافات الشعب «نريد السلاح للكفاح»، فكان رد النحاس «كل شىء سيتم فى أوانه والله مع الصابرين». فكانت «كتائب التحرير» إلى أن انحنى قائد القوات البريطانية احترامًا لرجال البوليس المصري في الإسماعيلية
محمد عبدالرحمن عريف

هو العيد القومى لمحافظة الاسماعيلية (الموافق 25 يناير 1952 من كل عام) يوضح لنا قصة كفاح شعب مصر ضد الاحتلال البريطانى الغاشم بكل طبقاته من شرطة وفدائيين وعمال وطلبة ومفكرين.. الخ.. فلقد وصلت قمة التوتر بين مصر وبريطانيا إلى حد مرتفع عندما اشتدت أعمال التخريب والأنشطة الفدائية فى ضد معسكراتهم وجنودهم وضباطهم فى منطقة القنال فقد كانت الخسائر البريطانية نتيجة العمليات الفدائية فادحة، خاصة في الفترة الأولى، وكذلك أدى انسحاب العمال المصريين من العمل في معسكرات الإنجليز إلى وضع القوات البريطانية في منطقة القناة في حرج شديد. وحينما أعلنت الحكومة عن فتح مكاتب لتسجيل أسماء عمال المعسكرات الراغبين في ترك عملهم مساهمة في الكفاح الوطني سجل [91572] عاملاً أسماءهم في الفترة من 16 أكتوبر 1951 وحتى 30 من نوفمبر 1951. كما توقف المتعهدون عن توريد الخضراوات واللحوم والمستلزمات الأخرى الضرورية لإعاشة [80] ثمانون ألف جندي وضابط بريطاني فأنعكس ذلك فى قيام القوات البريطانية بمجزرة الاسماعيلية التى تعتبر من أهم الأحداث التى أدت إلى غضب الشعب والتسرع بالثورة فى مصر.
لقد أقدمت القوات البريطانية على مغامرة أخرى لا تقل رعونة أو استفزازًا عن محاولاتها السابقة لإهانة الحكومة وإذلالها حتى ترجع عن قرارها بإلغاء المعاهدة، ففي صباح يوم الجمعة 25 يناير 1952 فاستدعى القائد البريطاني بمنطقة القناة –”البريجادير أكسهام”- ضابط الاتصال المصري، وسلمه إنذارًا بأن تسلم قوات البوليس “الشرطة” المصرية بالإسماعيلية أسلحتها للقوات البريطانية، وتجلو عن دار المحافظة والثكنات، وترحل عن منطقة القناة كلها. والانسحاب إلى القاهرة بدعوى أنها مركز إختفاء الفدائيين المصريين المكافحين ضد قواته فى منطقة القنال. ورفضت المحافظة الإنذار البريطاني وأبلغته إلى وزير الداخلية ” فؤاد سراح الدين باشا ” الذي أقر موقفها، وطلب منها الصمود والمقاومة وعدم الاستسلام. فقد القائد البريطانى فى القناة أعصابه فقامت قواته ودباباته وعرباته المصفحة بمحاصرة قسم بوليس “شرطة” الاسماعيلية لنفس الدعوى بعد أن أرسل إنذارًا لمأمور قسم الشرطة يطلب فيه منه تسليم أسلحة جنوده وعساكره ، غير أن ضباط وجنود البوليس “الشرطة” رفضوا قبول هذا الانذار. ووجهت دباباتهم مدافعهم وأطلق البريطانيون نيران قنابلهم بشكل مركز وبشع بدون توقف ولمدة زادت عن الساعة الكاملة، ولم تكن قوات البوليس “الشرطة” مسلحة بشىء سوى البنادق العادية القديمة.
بطولة وشجاعة رجال البوليس “الشرطة” ضد البريطانيين
قبل غروب شمس ذلك اليوم حاصر مبنى قسم االبوليس “الشرطة” الصغير مبنى المحافظة في الأسماعيلية، سبعة آلاف جندي بريطاني مزودين بالأسلحة، تدعمهم دباباتهم السنتوريون الثقيلة وعرباتهم المصفحة ومدافع الميدان ، بينما كان عدد الجنود المصريين المحاصرين لا يزيد على ثمانمائة في الثكنات وثمانين في المحافظة، لا يحملون غير البنادق. واستخدم البريطانيون كل ما معهم من الأسلحة في قصف مبنى المحافظة، ومع ذلك قاوم الجنود المصريون واستمروا يقاومون ببسالة وشجاعة فائقة ودارت معركة غير متساوية القوة بين القوات البريطانية وقوات الشرطة المحاصرة فى القسم ولم تتوقف هذه المجزرة حتى نفدت آخر طلقة معهم بعد ساعتين طويلتين من القتال، سقط منهم خلالهما 50 (خمسون) شهيدًا و (ثمانون) جريحا وهم جميع أفراد حنود وضباط قوة الشرطة التى كانت تتمركز فى مبنى القسم ، وأصيب نحو سبعون آخرون، هذا بخلاف عدد آخر من المدنيين وأسر من بقي منهم.
أمر البريطانيون بتدمير بعض القرى حول الاسماعيلية كان يعتقد أنها مركز إختفاء الفدائيين المصريين المكافحين ضد قواته فقتل عدد آخر من المدنيين أو جرحوا أثناء عمليات تفتيش القوات البريطانية للقرى المسالمة. وانتشرت أخبار الحادث في مصر كلها، واستقبل المصريون تلك الأنباء بالغضب والسخط، وخرجت المظاهرات العارمة في القاهرة، واشترك جنود الشرطة مع طلاب الجامعة في مظاهراتهم في صباح السبت 26 من يناير 1952. وانطلقت المظاهرات تشق شوارع القاهرة التي امتلأت بالجماهير الغاضبة، حتى غصت الشوارع بالجماهير الذين راحوا ينادون بحمل السلاح ومحاربة الإنجليز.
معركة الأسماعيلية ، الشرارة لنار تشتعل وتغير مجرى التاريخ
بداية المعركة
في يوم الجمعه 25 يناير 1952 اقدم الاستعمار البريطاني علي ارتكاب مجزرة وحشية لا مثيل لها من قبل.. ففي فجر هذا اليوم تحركت قوات بريطانية ضخمة تقدر بسبعة الاف ضابط وجندي من معسكراتها الي شوارع الاسماعيلية وكانت تضم عشرات من الدبابات والعربات المدرعة ومدافع الميدان وعربات اللاسلكي واتجهت هذه الحملة العسكرية الكبيرة الي دار محافظة الاسماعيلية وثكنة بلوكات النظام التي تجاورها واللتين لم تكن تضمان اكثر من850 ضابطا وجنديا حيث ضربت حولهما حصارا محكما.
وقدم الجنرال اكسهام قائد القوات البريطانية في الاسماعيلية في منتصف الساعة السادسة صباحا انذارا الي ضابط الاتصال المصري، المقدم شريف العبد، طلب فيه ان تسلم جميع قوات الشرطة وبلوكات النظام في الاسماعيلية اسلحتها وان ترحل عن منطقة القناة في صباح اليوم نفسه بكامل قواتها, وهدد باستخدام القوه في حالة عدم الاستجابة الي انذاره, وقام اللواء احمد رائف قائد بلوكات النظام, وعلي حلمي وكيل المحافظة بالاتصال هاتفيا علي الفور بوزير الداخلية وقتئذ فؤاد سراج الدين في منزله بالقاهرة فامرهما برفض الانذار البريطاني ودفع القوة بالقوة والمقاومة حتي اخر طلقة واخر رجل. وفي السابعة صباحا بدأت المجزرة الوحشية وانطلقت مدافع الميدان من عيار 25 رطلا ومدافع الدبابات ( السنتوريون) الضخمة من عيار 100 ملليمتر تدك بقنابلها مبني المحافظة وثكنه بلوكات النظام بلا شفقة او رحمة. وبعد ان تقوضت الجدران وسالت الدماء انهارا امر الجنرال اكسهام بوقف الضرب لمدة قصيرة لكي يعلن علي رجال الشرطة المحاصرين في الداخل انذاره الاخير وهو التسليم والخروج رافعي الايدي وبدون اسلحتهم والا فان قواته ستستأنف الضرب باقصي شدة. وتملكت الدهشة القائد البريطاني المتعجرف حينما جاءه الرد من ضابط شاب صغير الرتبة لكنه متأجج الحماسة والوطنية وهو النقيب مصطفي رفعت فقد صرخ في وجهه في شجاعة وثبات:
-لن تتسلموا منا الا جثثاً هامدة
واستأنف البريطانيون المذبحة الشائنة فانطلقت المدافع وزمجرت الدبابات واخذت القنابل تنهمر علي المباني حتي حولتها الي انقاض بينما تبعثرت في اركانها الاشلاء وتخضبت ارضها بالدماء الطاهرة.
وبرغم ذلك الجحيم ظل ابطال الشرطة صامدين في مواقعهم يقاومون ببنادقهم العتيقة من طراز (لي انفيلد) اقوي المدافع واحدث الاسلحة البريطانية حتي نفدت ذخيرتهم وسقط منهم في المعركة 50 شهيدا و 80 جريحا, بينما سقط من الضباط البريطانيين13 قتيلا و12 جريحا واسر البريطانيون من بقي منهم علي قيد الحياة من الضباط والجنود وعلي رأسهم قائدهم اللواء احمد رائف ولم يفرج عنهم الا في فبراير 1952.
ولم يستطع الجنرال اكسهام ان يخفي اعجابه بشجاعة المصريين فقال للمقدم شريف العبد ضابط الاتصال:
– لقد قاتل رجال الشرطه المصريون بشرف واستسلموا بشرف ولذا فان من واجبنا احترامهم جميعا ضباطا وجنودا.
وقام جنود فصيلة بريطانية بامر من الجنرال اكسهام بأداء التحية العسكرية لطابور رجال الشرطة المصريين عند خروجهم من دار المحافظة ومرورهم امامهم تكريما لهم وتقديرا لشجاعتهم.
فى المسافة الواقعة بين قيام رئيس الوزراء مصطفى النحاس بإلغاء معاهدة عام 1936 ومروراً بتداعيات إلغاء المعاهدة التى اعتبرتها بريطانيا مبادرة من طرف واحد، وقيام إنجلترا بحشد قواتها لحماية حضورها على خط القنال اندلعت «المواجهة» غير المتكافئة بين قوات الاحتلال ونفر من رجال البوليس البواسل، فيما عرف بـ«مجزرة الإسماعيلية»، وانتهاء بالحريق الذى طال القاهرة على خلفية ما حدث فى الإسماعيلية.
فى هذه المسافة مرت الأحداث متدفقة متدافعة خاصة فى اليومين الأخيرين 25 و26 يناير حيث «مجزرة الإسماعيلية»، التى أصبحت عيداً للشرطة، ومن بعدها حريق القاهرة يكون قد مر نصف قرن وثلاث سنوات، مما استدعى الاحتفال من جانب والتذكر من جانب آخر أن ما حدث فى الإسماعيلية يستدعى التذكر لعل الذكرى تنفع «المصريين»، حينها كانت الشرطة والشعب «لحمة واحدة» ترفض الاستبداد من الداخل والاعتداء من الخارج.
البدايات مع ما حدث فى الثامن من أكتوبر عام 1951 حيث اجتمع البرلمان المصرى بمجلسيه النواب والشيوخ، وألقى مصطفى النحاس بياناً مستفيضاً عن سياسة الحكومة تجاه معاهدة 1936، وأعلن قطع المفاوضات السياسية مع بريطانيا لثبوت عدم جدواها، وهو القرار الذى استقبله الناس بفرحة غامرة وسيطرت روح الكفاح والجهاد على الجميع، وكان إلغاء المعاهدة بمثابة «مرحلة جديدة» تستلزم توحيد الصفوف، فقد كان أحد وجوه قرار إلغاء المعاهدة ينطوى على إعلان حرب على الاحتلال.
وظلت وزارة الوفد تؤكد أنها أعدت لكل شىء عدته فيما سيواجه مصر من جهاد شاق، وأنها أمضت الوقت فى الاستعداد للكفاح. ولما كان النحاس فى طريقه من القاهرة إلى الإسكندرية يوم 20 أكتوبر 1951 تعالت هتافات الشعب بمحطة العاصمة: «نريد السلاح للكفاح»، فكان يرد عليهم النحاس قائلاً: «كل شىء سيتم فى أوانه والله مع الصابرين».
على الجانب الآخر، وفى مجلس العموم البريطانى، كانت وزارة العمال تتولى الحكم فى بريطانيا، وأعلنت تمسكها بالمعاهدة، وقال وزير خارجيتها هربرت موريسون إن بريطانيا ستقابل القوة بالقوة، لبقاء قواتها فى منطقة القناة. وأعلنت السفارة البريطانية فى مصر عام 1951م بياناً يقضى بعدم قانونية إلغاء المعاهدة، واعتبرتها سارية المفعول ومضت الأحداث سريعاً.
فى مصر كان للشعب زمام المبادرة وليس للحكومة، فامتنع عمال وموظفو السكك الحديدية عن نقل الجنود البريطانيين ومهماتهم، وأخذت بريطانيا تستعد للمواجهة وبادرت بإرسال قوات حربية جديدة إلى منطقة القناة لتعزيز الحاميات البريطانية فى المنطقة، وبلغ حجم التعزيزات ثلاثة آلاف رجل وأضرب العمال المصريون فى المعسكرات البريطانية وانسحبوا جميعاً، وكانوا نحو 60 ألف عامل، وأضرب المتعهدون والموردون عن إمداد القوات البريطانية بما تحتاجه.
إلى أن كانت المواجهة الأولى فى الإسماعيلية فى 16 أكتوبر عام 1951 وقد كان يوماً عصيباً، بدأت مظاهرات سلمية تأييداً لإلغاء المعاهدة، وتحرش الإنجليز بالمتظاهرين وأطلقوا النار عليهم وسقط سبعة شهداء مصريين واحتلت القوات الإسماعيلية بدعوى الحفاظ على الأمن وحماية الرعايا البريطانيين. وفى اليوم ذاته، اندلعت مواجهات مماثلة فى بورسعيد، ووقع خمسة شهداء، وفى اليوم التالى تم احتلال كوبرى الفردان الذى كان فى حوزة الجيش المصرى وسقط جنديان شهيدين.
واحتل الإنجليز معظم المناطق والمرافق الحيوية فى المدينتين وقاموا بعزل منطقة القناة، وأقاموا فيها حكماً عسكرياً، وبدأت حركة تطوع بين المصريين للكفاح ضد الإنجليز وألفوا كتائب عرفت باسم «كتائب الفدائيين» و«كتائب التحرير»، التى تكونت فى القاهرة والقناة والقرى المجاورة، لها وأنشئت مراكز لتدريب الفدائيين فى الزقازيق ودمنهور، وتطوع فى هذه الكتائب ضباط مصريون وتولى الفريق عزيز المصرى تدريب بعض هذه الكتائب.
وبدأ الشعب حملة محمومة للتبرع لهذه الكتائب لتجهيزها إلى أن وقعت معركة الإسماعيلية الثانية بين 17 و18 نوفمبر من نفس العام والتى بدأت بقيام البريطانيين بإطلاق النار على رجال البوليس وهم فى ثكناتهم فاضطر زملاؤهم لرد العدوان وأبلوا بلاء حسناً، فاستدعى البريطانيون تعزيزات وأحاطوا بالجنود المصريين وسقط الكثير من الجانبين، كان معظمهم من رجال البوليس، إلى أن حدث اتفاق بين القائد البريطانى العام هناك «أرسكين» ومحافظ القناة «عبدالهادى غزالى».
ثم اندلعت معركة السويس فى 3 ديسمبر عام 1951 والتى سقط فيها 28 شهيداً منهم 7 من رجال البوليس وسقط 22 بريطانياً وتجدد القتال مرة أخرى فى السويس فى اليوم التالى. وفى 17 ديسمبر تم ضرب مبنى محافظة الإسماعيلية بالمدافع، وفى اليوم التالى تم تدمير حى «كفر أحمد عبده» وإبادته بالكامل.
وخرجت جموع الشعب فى 6 ديسمبر 1951 تهتف ضد الملك فاروق لأول مرة، وفى يومى 3 و4 يناير 1952 اندلعت معارك أخرى بين البريطانيين والمصريين بمن فيهم رجال البوليس، وتتابعت المواجهات فى أبى صوير والمحسمة، وصولاً للمجزرة الأكبر والمواجهة الأكثر سخونة وشهرة، ألا وهى «مجزرة الإسماعيلية» التى وقعت يوم 25 يناير عام 1952.
حاصرت القوات البريطانية برجالها ومصفحاتها، مبنى محافظة الإسماعيلية وثكنات بلوكات النظام. قصد ضابطان بريطانيان منزل البكباشى شريف العبد، وطلبا منه أن يذهب للقاء قائد القوات البريطانية بالإسماعيلية، «إكسهام»، فلما ذهب إليه، سلمه القائد البريطانى إنذاراً يطلب فيه تسليم أسلحة جميع قوات البوليس وجلاء تلك القوات عن مبنى المحافظة وسائر الثكنات على أن يتم ذلك فى السادسة والربع من صباح ذلك اليوم.
وأن ترحل كل القوات المصرية عن منطقة القناة، فقام الضابط شريف العبد بتسليم هذا الإنذار إلى قائد بلوكات النظام اللواء أحمد رائف وإلى وكيل المحافظة «علي حلمي» فرفضا الإنذار بلا تردد، وسارعا بالاتصال بوزير الداخلية آنذاك فؤاد سراج الدين فى تمام السادسة والربع صباحاً، فدعم سراج الدين موقفهما وطلب منهما عدم التسليم ومقاومة أى اعتداء يقع على دار المحافظة أو على ثكنات بلوكات النظام أو على رجال البوليس أو الأهالى، ودفع القوة بالقوة والصمود لآخر طلقة.وبعد دقائق، عاد القائد البريطانى، وأبلغ قائد البوليس المصرى بأنه إذا لم تقم القوات المصرية بتسليم أسلحتها فوراً، فسيتم هدم دار المحافظة والثكنات معاً على من فيها، فأصر القائد المصرى على موقفه الرافض للاستسلام، وأصدر أوامره إلى قواته بالمقاومة حتى النهاية. ولم تكد تمر دقائق قليلة أخرى حتى نفذ البريطانيون إنذارهم وأخذوا يضربون دار المحافظة والثكنات بالمدافع ويلقون عليها القنابل، وانهال الرصاص من الدبابات والسيارات المصفحة على جنود البوليس، فرد جنود البوليس على هذا العدوان وكانوا لا يزيدون على 800 جندى فى ثكنات بلوكات النظام وثمانين فى دار المحافظة فى مواجهة سبعة آلاف جندى بريطانى بالأسلحة والدبابات والمصفحات،
ونشبت مواجهة ضارية أبدى فيها رجال البوليس شجاعة كانت مضرب الأمثال فى البطولة والتضحية حتى نفدت آخر طلقة لديهم بعد ساعتين من القتال المتواصل، وعندئذ اقتحمت الدبابات البريطانية الثكنات وأسرت من كان حياً من رجال البوليس المصرى،
أما القوة المصرية الأخرى التى حوصرت فى دار المحافظة، فلم تقل شجاعة وبسالة عن نظيرتها فى الثكنات، فقد تحصنت وأبلت بلاءً حسناً حتى إن الإنجليز هددوهم بنسف مبنى المحافظة، لكن رجال البوليس رفضوا الإنذار وواصلوا القتال.
وفى هذه المواجهات، سقط من رجال الشرطة خمسون شهيداً ونحو ثمانين جريحاً، وقام الإنجليز بأسر من بقى على قيد الحياة من أولئك الجنود والضباط، وعلى رأسهم اللواء أحمد رائف، قائد بلوكات النظام، واليوزباشى مصطفى رفعت، ولم يتم الإفراج عنهم إلا فى فبراير من عام 1952، أما القيادة البريطانية، فقد قدرت خسائرها بـ13 قتيلا و12 جريحاً.
وكانت أول تجليات هذا السخط الشعبى، فى صبيحة يوم السبت السادس والعشرين من يناير عام 1952م، حيث تجمع فى مطار القاهرة الدولى عمال المطار وجنوده وموظفوه المدنيون وكلهم مصريون، تجمعوا حول أربع طائرات كبيرة لشركة الخطوط الجوية البريطانية تتملكهم روح السخط والاحتجاج على ما وقع فى الإسماعيلية ومنعوا نزول الركاب من الطائرات وكان عددهم يزيد على 100، كلهم من الأجانب وامتنع المصريون عن تزويد الطائرات بالوقود وقد بلغ هذا الوضع المسؤولين فى وزارة الداخلية فأوفدوا إلى المطار ضابطاً كبيراً استطاع أن يقنع المتظـاهرين بأن ما يقومون به ستكون له عواقب دولية وخيمة، فعادوا إلى عملهم بعدما عرفوا أنه يصب بالسلب فى مصلحة مصر.
وأمكن احتواء هذا الموقف وأعربوا عن السبب الذى دعاهم لهذا الإضراب وهو ما جرى لزملائهم فى الإسماعيلية غير أنهم لم يتحينوا الفرصة ليعربوا عن أمر آخر يثير سخطهم وهو أن أحداً فى االحكومة لم يستجب لشكواهم بخصوص وقف صرف بدل الطوارئ إليهم وأن رؤساءهم رفعوا هذه الشكوى لفؤاد سراج الدين فأشار بحفظها، وظل هذا «البدل» محبوساً عنهم زهاء الثلاثة أشهر، والغريب أنهم صرفوا البدل بعد أن ازدادت الأمور سوءاً واحترقت القاهرة.
من أقوال الزعماء
(الرئيس محمد نجيب):
“أبنائي واخوانى ضباط وجنود البوليس.. إننا نحتفل اليوم بذكرى شهدائنا الأبطال.. الذين سجلوا لمصر مجدًا وعظمة وفخرًا.. في كل يوم تظهر لنا الايام مثلًا جديدًا يضربه المصري في البطولة والشجاعة والتضحية.. وإننا إذا رجعنا إلى المثل الذي نحتفل بة اليوم فلا تجد له مثيلًا.. نفر قليل من المؤمنين من ابطالنا ضحوا إلى أخر نسمة من أرواحهم في سبيل الوطن أمام قوات تفوقهم قوة وعتادًا وعددًا.. إنهم قد فنوا عن بكرة أبيهم وفي هذا أقصى درجات المجد وكفاهم فخرًا أن واحدًا منهم لم يتزحزح عن مكانه.. أو يتخل عن موقعه.. فعلينا الا ننسى شهداءنا، وقد سبقهم غيرهم من الشهداء في فلسطين وفي غيرها من الميادين.. إنهم جميعا كانوا الطليعة لحركتنا المباركة.. كانوا نواتها التى بدأت تضع لنا الاسسس.. فحذونا حذوهم وسرنا على سنتهم.. فعلى أرواحهم وأرواح شهداء البوليس والجيش والشهداء جميعًا نقرأ الفاتحة”.
الرئيس جمال عبد الناصر:
“إننا كنا نرقب دائمًا أيام القتال كيف كان يكافح رجال البوليس العزل من السلاح رجال الامبراطورية البريطانية المسلحين بأقوى الاسلحة وكيف صمدوا ودافعوا عن شرفهم وشرف الوطن، كنا نرقب كل هذا وكنا نحس في نفس الوقت أن الوطن الذي يوجد فية هذا الفداء وتوجد فيه هذه التضحية لابد أن يمضى قدمًا إلى الأمام.. لابد أن ينتصر.. لقد راقبا معركة الاسماعلية وكنا نتلظى في الجيش، كنا نريد أن نفعل شيئًا ولكننا في تلك الايام لم يكن لنا حيلة ولكن كان هذا يدفعنا إلى الامام وذلك بدفاعهم واستشهادكم في الاسماعيلية”.
الرئيس أنور السادات:
“كانت حوادث القتال تتفاقم يومًا بعد يوم وكان شباب مصر يقوم بأعمال عظيمة وهو أعزل من كل سلاح الا وطنيتة وايمانة.. وكان رجال البوليس يتحملون العبء الأكبر من اعباء الجهاد ضد جيش كبير كامل التسليح… راحت أيام شهر يناير سنة 1952 تمضى والحالة تسوء يومًا بعد يوم الى أن كان يوم 25 يناير الذي ضربت فية قوات بريطانيا المسلحة -بأحدث الاسلحة والمدافع- دار المحافظة في الاسماعيلية حيث توجد قوات البوليس المصرى المجردين من كل سلاح اللهم الا بنادق الحراسة القديمة وهدمتها فوق ضباط وجنود البوليس البواسل الذين ابوا ان يسلموا كما طلب منهم”.
الرئيس حسنى مبارك:
“في هذا اليوم من كل عام يحتفل شعبنا الوفي بأحد اعيادة الوطنية التي يعتز بها كل مواطن ينتمى الى البلد الامين.. لقد جسدت الشرطة على مر السنين القيم الراسخة للشعب المصرى حين التزمت بالامانة والاخلاص في تحمل المسئولية مهما كانت تضحياتها.. وقد كان الولاء الاسمى لله والوطن والالتزام الصارم للواجب والمسئولية هما العنصران اللذان دفعا رجال الشرطة الى التفانى التام في عملهم ليل نهار.. وكان طبيعيًا أن يقف ابناء الشرطة في خندق واحد مع رجال القوات المسلحة البواسل وهم يتصدون للذود عن سلامة التراب الوطني والدفاع عن سيادة الوطن وسلامتة والتصدي لكل تهديد أو عدوان.. كما وقفت مع جماهير الشعب التي ثارت للخلاص من الاستعمار والاحتلال الاجنبي والسيطرة الخارجية وسقط منها شهداء ابرار في ساحة العطاء الأكبر فضربت بذلك اروع الامثال في الوعي الوطني ووضع حقوق الوطن فوق كل اعتبار لأن مصر الكنانة هى الغاية والأمل وهى مهد الحضارة الذي خصة الله بالذكر في كتابة الحكيم”.