آفاق الحوار السياسي في تونس

انفجرت في تونس أزمة سياسية حادة بسبب تصريحات رئيس الجمهورية قيس سعيّد الرافضة لمبادرة الإصلاح الوطني التي طرحها الاتحاد التونسي للشغل، داعياً فيها إلى الرجوع لدستور 1959 الذي يُكرِّس نظاماً رئاسياً يتمتع فيه رئيس الجمهورية بصلاحيات قوية على عكس الدستور الحالي الصادر سنة 2014. وقد اندلعت هذه الأزمة في سياق اجتماعي مُعرَّض للانفجار، وانعكست في صراع المواقع والمواقف والاستراتيجيات الذي يطبع العلاقة بين المكونات السياسية التونسية.

تُناقش هذه الورقة خلفيات ورهانات وآفاق الأزمة السياسية الحالية وانعكاساتها على الوضع السياسي الداخلي في تونس.

مبادرة الحوار الوطني: السياق والخلفيات

في خضم التجاذب السياسي الحاد القائم في تونس منذ سقوط نظام زين العابدين بن علي في يناير 2011، فرضت المركزية النقابية (الاتحاد التونسي للشغل) نفسها وسيطاً أساسياً بين الفرقاء المتصارعين، فهي نقابة قوية ومنظمة، لها رصيد نضالي طويل منذ مرحلة الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي، وقد حافظت على بعض الاستقلالية خلال عهد الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، وأدت دوراً فاعلاً في انتفاضة التغيير.

ونجح الاتحاد التونسي للشغل، بالتعاون مع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، في رعاية حوار وطني جامع أفضى عام 2013 إلى التوافقات الأساسية حول الدستور الجديد والنظام الانتخابي الذي على أساسه نُظِّمت الانتخابات التالية، ما ضمن لهذه الأطراف الأربعة الحصول على جائزة نوبل للسلام عام 2015.

وأعلن الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل نور الدين طبوبي في نوفمبر 2021 مبادرة جديدة لحل الأزمة السياسية الداخلية في تونس، عرضها على القيادات الفاعلة في الحقل السياسي من رئاسات السلطات والكتل البرلمانية والأحزاب السياسية. ومع أن بنود المبادرة لم تدخل في التحديدات التفصيلية، إلا أنها تقوم على مرجعية الشرعية الانتخابية ومعايير دولة القانون وفصل المؤسسات والحوار الاجتماعي لتسوية المعضلة الاقتصادية والمعيشية المتفاقمة منذ استفحال جائحة كوفيد-19.

وفي لقاء أمين عام الاتحاد التونسي للشغل مع الرئيس قيس سعيد في مارس 2021، اقترح أن تجري لقاءات الحوار الوطني بإشراف رئيس الجمهورية الذي أعرب عن موافقته المبدئية على المبادرة. وأبرز الأفرقاء السياسيين وبصفة خاصة رئيس الحكومة ورئيس مجلس الشعب أعلنوا موافقتهم على مبادرة المركزية النقابية ولكن دون حماس جلي. وأظهر الرئيس قيس سعيد في الآونة الأخيرة بعض التحفظات على مبادرة الاتحاد التونسي للشغل، ففي لقائه مع رؤساء الحكومات السابقين ورئيس الحكومة الحالي (علي العريض ويوسف الشاهد والياس الفخاخ وهشام المشيشي) في 15 يونيو 2021، ألمح الرئيس سعيد إلى أنه في طور التحضير لحوار وطني بأجندة مغايرة، مُعتبراً أن هذا اللقاء يشكل جلسة تمهيدية له، وهو ما فُسِّر أنه تنصُّل من مقاربة الاتحاد التونسي للشغل.

وفي 17 يونيو 2012 صرَّح الرئيس قيس سعيد أنه ليس مع الصيغة المطروحة للحوار الوطني من الاتحاد التونسي للشغل، مُعتبراً أن تكرار لسيناريو 2013 وليس مناسباً لتونس، لأنه لم يكن حواراً حقيقياً ولم يكن حواراً وطنياً. وأثارت تصريحات الرئيس قيس سعيد امتعاض قيادة المركزية النقابية التي لوَّحت بسحب مبادرتها للحل السياسي، وذهبت إلى القول بأن البديل عن الحوار السياسي هو انتخابات مبكرة تُخرِج البلاد من أزمتها السياسية.

وطرح الرئيس قيس سعيد مجدداً مشروعه للإصلاح الدستوري، متجاوزاً أفكاره التقليدية حول الديمقراطية المباشرة من أجل الدعوة الصريحة إلى العودة لدستور 1959 الذي يُكرِّس النظام الرئاسي القوي بدل الدستور الحالي الذي يقيم توازناً مؤسسياً بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والبرلمان المنتخب. وانضم عدد من الشخصيات السياسية والقانونية المهمة إلى مبادرة الرجوع إلى دستور 1959 (الذي عُدِّل عدة مرات في عهدي الرئيسين بورقيبة وبن علي) من بينهم الصحبي بن فرج أحد مؤسسي “حركة وطن عادل”، والمحامي شوقي الطبيب الرئيس السابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وحسام حامي منسق “ائتلاف صمود”، والوزير السابق المحامي محمد الفاضل محفوظ العميد السابق للهيئة الوطنية للمحامين.

ويتمثَّل ما تطرحه هذه الشخصيات في تنظيم استفتاء شعبي لتخيير التونسيين بين النظام شبه البرلماني الحالي والنظام الرئاسي القوي الذي تراه الأنسب للوضع الداخلي التونسي. إلا أن هذه المبادرة اصطدمت برفض قوي من حزب النهضة الإسلامي وأحزاب اليسار، كما رفضتها المركزية النقابية، ورأت فيها هذه الأطراف عودةً إلى الاستبداد والديكتاتورية وإلغاءً عملياً لتمايز السلطات الدستورية. وتظل العقبة الأساسية التي تعترض الإصلاح الدستوري ضرورة حصوله على أغلبية نيابية، وتمريره عن طريق المحكمة الدستورية التي لا يزال الرئيس قيس سعيد رافضاً التوقيع على قانونها الذي صادق عليه البرلمان.

آفاق الأزمة السياسية التونسية وفرص الحوار الوطني

يمكن تلخيص مظاهر الأزمة السياسية التونسية في العناصر الثلاثة الآتية:

  • القطيعة المتزايدة بين الأجنحة الثلاث للحكم، أي رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة من جهة ورئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان من جهة أخرى، والأمر هنا يتجاوز مجرد الاختلاف في مسطرة القرار والتسيير، ويصل إلى حد التنازع في تأويل الصلاحيات الدستورية وفي نمط الشرعية الانتخابية، بما انعكس مؤخرا في رفض رئيس الجمهورية قبول التعديل الوزاري الذي تم في يناير 2021، مُحجِماً عن دعوة الوزراء الجدد إلى أداء اليمين الدستورية أمامه كي يتسلموا مسؤولياتهم، وتأويله لإشراف رئيس الجمهورية على الأجهزة الأمنية قياساً على المؤسسة العسكرية.
  • استفحال الصراع السياسي داخل البرلمان بين كتله الثلاث الكبرى: كتلة الإسلام السياسي (حركة النهضة وحلفاؤها)، والكتلة الدستورية (الحزب التونسي الحر)، والكتلة اليسارية التي انضمت إلى مبادرة تنحية راشد الغنوشي من رئاسة البرلمان.
  • القطيعة المتزايدة بين القوى السياسية المنظمة بمختلف توجهاتها والشارع التونسي المحبط الذي يعاني بحدة من أزمة سياسية ومجتمعية طاحنة، بما يعزز الدور السياسي للمركزية النقابية (الاتحاد التونسي للشغل) التي تُشكِّل طرفاً حاسماً ومؤثراً في الصراع السياسي القائم.

ومن هنا يمكن استجلاء سيناريوهين أساسيين في رصد واستشراف آفاق الحوار الوطني في تونس:

الأول، سيناريو نجاح الحوار الوطني الذي تدفع نحوه قوى سياسية ومدنية نافذة وأطراف دولية عديدة، ويتطلَّبه الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتردي. ووفقاً لهذا السيناريو، ستتولى المركزية النقابية تسهيل الحوار وبلورة أجندته بإشراف رئيس الجمهورية ومشاركة أهم الفرقاء السياسيين. غير أن سقف الحوار لن يصل إلى تعديل الدستور كما يريد رئيس الجمهورية وبعض السياسيين والقانونيين الداعمين لرأيه، وإن كان من المحتمل أن يفضي إلى مراجعة النظام الانتخابي والتحضير لانتخابات مبكرة تعيد بعض التوازن للساحة السياسية، مع وضع خطة عاجلة للخروج من الأزمة الاجتماعية الخانقة. ولئن كان رئيس الجمهورية قيس سعيد وحزب النهضة غير متحمسين لتسوية سياسية على أساس انتخابات جديدة، إلا أن الضغوط المحلية (النقابات والجمعيات الحقوقية والمدنية) والضغوط الخارجية قد تفرض سيناريو الحوار الوطني على غرار حوار 2013.

والثاني، سيناريو فشل الحوار الوطني واستمرار الأزمة السياسية الذي يبدو المشهد الأرجح راهناً، ومن مؤشراته انعدام الثقة كلياً بين الأفرقاء السياسيين الرئيسيين، وتشبُّث رئيس الجمهورية بمطلب الإصلاحات الدستورية الجذرية. وفي هذه الحالة ستستمر حالة شلل المؤسسات السياسية وتتصاعد الأزمة الاجتماعية، وينتقل الصراع إلى الشارع، بما يخلق وضعاً يمكن أن يصبح خارج التحكم ومفتوحاً على أخطر الاحتمالات.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14402

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *