إشكالية التحديث السياسي بين التقعيد الغربي وواقع الدول النامية (الإصلاحات الدستورية والسياسية في المغرب كنموذج)

vote/تقييم

مقدمة:

ما من دولة في عالم اليوم إلا وتسعى إلى التحديث السياسي أو على الأقل تطمع في أن يكون لها وجود ضمن الدول الحديثة. بحيث ظل التحديث السياسي فكرة سامية تتطلع لها الشعوب و النظم السياسية بمختلف انتماءاتها و باختلاف تدرجها في الرقي للخروج من حالة التخلف إلى الإقلاع نحو التطور في جميع مناحي الحياة سواء الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية . 

لكن التحديث ليس مجرد موضة تتباهى بها الدول وليس مجرد بضاعة او سلعة تجلب من بلد آخر وليس مجرد تجربة يكفي نقلها من عند الآخرين لنصبح مثلهم حتى وإن كانت ناجحة في موطنها الأصلي بل التحديث هو حقيقة موجودة على أرض الواقع بالنسبة للدول والمجتمعات التي اقتنعت به، وله مقومات وشروط، لذالك عندما نطرح موضوع التحديث السياسي للنقاش لا بد من التمييز بين عالمين، عالم حسم في موضوع التحديث وأدى الثمن طبعا، وعالم يتردد على باب الحداثة والتحديث دون أن يلجه أو لم يحسم اختياره بعد، بحيث لا زالت أمامه إكراهات وعوائق وصعوبات لا من حيث الموضوع ولا من حيث المنهج.

وأهمية هذا التمييز سيجنبنا الوقوع في إسقاطات النتائج – في حالة التعميم – على أرضيتين مختلفتين. 
كما أن مناهج أو أنماط التحديث ليست واحدة وليس بالضرورة أن تكون موحدة، إلا أن القاسم المشترك بينها هو العلم، أي التحديث أو التغيير العلمي، تمييزا له عن غيره من مختلف أشكال الحراك الاجتماعي الاضطرارية في مواجهة الاستبداد والحكم بغير رضا الناس. 

الإشكالية 

الإشكالية الرئيسية التي تدور حولها هذه المقالة تتعلق بمدى قابلية استيعاب مفهوم التحديث السياسي وتعميمه على الدول النامية (حالة المغرب). 
كما تتفرع عن هذه الإشكالية العديد من التساؤلات نود طرحها ومناقشتها في هذه المقالة من قبيل: هل جوهر التحديث يتمثل في الانتقال من الحالة التقليدية إلى الحالة الحديثة، وأن المسألة مجرد مشكلة تقنية أو فنية ، وانه يمكن للدول التي تريد التحديث أن تتقدم بطلب خطي رسمي يوجه بالتحديد نحو دوائر النموذج الغربي؟ ومن ثم فإن التحديث السياسي يعني بالضرورة الرحيل إلى أروبا، أم أن الأمر أكثر مما نتصور ؟ ألم تجرب جل إن لم نقل كل الدول النامية التجربة الغربية؟ ومنها المغرب منذ دخوله الرسمي الشكلي للحداثة بدسترته للنموذج الليبرالي الغربي في السلطة والحكم سنة 1962. 
وهل آليات الإصلاح التدريجي للنظام كفيلة بالوصول إلى الدولة الحديثة ؟ فكيف يمكن الدخول في التحديث بدون الحسم في مقوماته وشروطه، وفي غياب هذا الحسم ألا يمكن معه اعتبار التحديث مجرد شعار أو متمنيات بعيدة المنال؟ هل التحديث إرادي ام اضطراري أم هما معا؟ 
نقلنا تجربتهم لكن لماذا تقدموا وتأخرنا؟ هل العيب فينا أم في تجربتهم؟ ما المطلوب؟ 

التناول المنهجي 

إن محاولتنا الإجابة عن هذه الأسئلة تهدف إلى الإسهام في النقاش العلمي الدائر حول مفاهيم الحداثة والتحديث السياسي بين عالمين مختلفتين مهما حاولنا التقريب بينهما وذلك باعتماد منهجية تحليلية مقارنة أخذا بالحسبان التمييز بين ما يمكن المقارنة بينه وما لا يمكن، مع توظيف بعض المناهج الأخرى بشكل متفاوت اعتقادا منا أن المناهج أصبحت تتكامل أكثر مما تتعارض. 
إن تناول هذه القضايا بتفصيل يقتضي منا الإحاطة بالنظريات والأطروحات التي تطرّقت لهذه الإشكالية، والتي تؤطرها الأطروحات الغربية اللبرالية ومفاهيمها، والتي تمثّل مختلف مدارس العلوم السياسية المعاصرة من حيث المنطلقات والأسس الفكرية والمعرفية. وهذا يتطلب منا وقتا لا نتوفر عليه، لهذا سنركز على أبرز ما طُرح من داخل مدارس العلوم السياسية، والاتجاهات الفقهية، مع استحضار تعقّد طبيعة الموضوع، )التحديث السياسي ( والمفاهيم المتداخلة ذات الصلة بهذا المجال كالتغيير السياسي والإصلاح السياسي والانتقال السياسي والحراك الاجتماعي…من جهة، وبين هذه المفاهيم كلها والواقع في الدول النامية من جهة ثانية، وذلك من خلال المحورين الآتيين: 
 
المحور الأول: الإطار الفكري والمرجعي للتحديث السياسي: الرحيل إلى أروبا لجلب التحديث 
 
المحور الثاني: اشكالية التحديث السياسي وعوائقه في المغرب: سياسة الاصلاحات الدستورية كنمط من أنماط التحديث 
 

المحور الأول: الإطار التاريخي والفكري والمرجعي للتحديث السياسي: (الرحيل إلى أروبا لجلب التحديث)

من الناحية التاريخية يشير التحديث إلى عملية التغيير نحو تلك الأنماط من النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي تطورت في غرب أروبا وأمريكا الشمالية من القرن 17 إلى القرن 19م ثم انتشرت إلى بلاد أروبية أخرى، كما انتشرت في القرنين 19 والعشرين – الى قارات امريكا الجنوبية واسيا وافريقيا[1]، فأصبح التحديث عملية ينتقل بها المجتمع من وضعه التقليدي إلى وضع جديد هو التحديث. 
فما هو مفهوم التحديث السياسي في التفكير الغربي؟ وما هي المفاهيم التي يتقاطع معها من خلال آراء بعض المفكرين؟ وما هي شروطه؟ 

1- مفهوم التحديث وشروطه في التقعيد الغربي 

لمفهوم التحديث معان ودلالات، في طريقة نهوض الشعوب وتقدمها، فالتحديث يأخذ معناه حسب ما يراد له من دور وما يحققه من نتائج فكرية أو على أرض الواقع، أو هما معا. 
يربط الكثير من الباحثين والمفكرين مسألة التحديث السياسي بالبيئة الغربية منذ بدئ نهضتها مع مرحلة عصر الأنوار والتي شكلت مصدر الهام للعديد من الأنظمة السياسية التي تسعى للتحديث، ولذلك يبقى الرحيل إلى اروبا أمر مفروض لمن يرغب دخول باب الحداثة والتحديث من بابه الواسع بالنسبة لمؤيدي هذا الاتجاه، بينما يرى آخرون أن النموذج التنويري الغربي يبقى نموذجا يمكن الاقتفاء به لكنه ليس النموذج الوحيد والأصلح[2]
ولعله من ابرز المنظرين الغربيين الأوائل نجد رواد العقد الاجتماعي طوماس هوبز، جون لوك، وجون جاك روسو، ومونتسكيو صاحب نظرية أو مبدأ فصل السلط 

أ – التحديث كمفهوم عام مرتبط بالتنمية والتغيير 

التحديث كمفهوم عام مرتبط بالتنمية 
التحديث كمفهوم يكتنفه الكثير من الغموض وذك بسبب تعدد التعاريف التي وضعت له واختلافها، وجزئيتها أحيانا، وعموميتها وتجريدها في أحيان أخرى. وهكذا يعرفه بعض الباحثين من خلال المقاربة الثنائية بين المجتمع التقليدي والمجتمع الحديث، مقدمين دراسات عبروا فيها عن المجتمعات التقليدية باصطلاح الزراعية، وعن الحديثة باصطلاح الصناعية. 
وتتسم عملية التحديث بكونها تتضمن تغيرا جذريا من التقليدي إلى الحديث، وبكونها عملية معقدة وشاملة لكل النظم المجتمعية، و بكونها عملية نسقية، حيث أن التغيير في عنصر يؤدي إلى التغيير في باقي العناصر، كما أن التحديث عملية طويلة المدى ومستمرة، فهو ليس انتقالا فجائيا من التقليدي إلى الحديث، بل عملية تدريجية تتم على مراحل،وتتطلب تراكما وانسجاما بن بنيات المجتمع المختلفة[3]. 
فالتحديث بمعناه العام إذن هو عملية متتالية متواصلة أي الانتقال من حالة إلى حالة أفضل في كل المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية…، وذلك بهدف تحكم الإنسان ببيئته وسيطرته على الطبيعة التي يعيشها من خلال الثورة العلمية، بحيث يرى احد الباحثين ان التحديث هو عملية التوسع السريع في السيطرة على الطبيعة من خلال التعاون الوثيق بين البشر[4]، لتصبح الثورة التكنولوجية في التصنيع والتنمية والاتصال والتنبؤ اقصى درجات هذا التعاون خاصة في المجتمعات الغربية، حيث نشأ وعرف تحولات كثيرة وعميقة تعبيرا عن تطورات عبر مسار يمكن القول معه بدأ بالتعبئة من اجل القضاء على عصر التيه والظلام والضياع “العصور الوسطى ” مرورا بعصر الأنوار والعقلانية، وما أفرزه من تمايز وتخصص في تقسيم العمل[5] ” الماكينة “، وصولا إلى العلمنة أي الفصل المؤسساتي بين الكنيسة والدولة من جهة، وبين مؤسسات التعليم والبحث العلمي من جهة ثانية، أي التمييز بين المعرفة الوضعية والمعرفة الدينية. 
بعد الحرب العالمية الثانية ومنذ خمسينيات القرن 20م، تم الربط ما بين التحديث والدول النامية بهدف مساعدة هذه الأخيرة على تحقيق الاقلاع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي من خلال دعم البرامج الاصلاحية والإنمائية فيها، لكن سرعان ما تم التراجع عنها لاحقا من طرف الجهات والهيآت المانحة، بل تمت اعاقتها بفرض شروط قاسية على الدول المستفيدة من الدعم الغربي خوفا من المنافسة وفقدان مناطق النفوذ وأسواق الاستهلاك…، فسقطت الدول النامية في أزمات جديدة همت إشكالية الدموقراطية وحقوق الإنسان وعلاقات الحاكم بالمحكوم، ولم تستطع الأجهزة الحاكمة ومؤسساتها قادرة على مواكبة التطور والتحديث 
وإذا كان من أبرز ما يميز المجتمعات الليبرالية الغربية هو التخصص وتقسيم العمل وأنشطة الأفراد والمؤسسات ليس بالاعتماد على علاقات القرابة والنسب والولاءات الطائفية والإقليمية أو الطبقية الاجتماعية…، وإنما على أساس نمو المؤسسات مثل دور الأسواق في الاقتصاد والتصويت في الانتخابات والنشاط الحزبي في السياسة والتنظيمات والآليات في مختلف دواليب الدولة وأجهزتها ووظائفها..، فإنه عكس ما سبق عجزت النظم السياسية في الدول النامية بشكل متفاوت ليس عن تحقيق التحديث في أجهزتها ومؤسساتها وممارستها السياسية ومحاكاة الأنماط الغربية التي اعتنقتها، وإنما أيضا عن مجرد البقاء أو الاحتفاظ بقدرتها على ان تحكم، وهو ما عكسه سقوط عدة أنظمة عالمثالثية بسبب ضعف وهشاشة نظامها السياسي، وهذا يحيلنا على التحديث كمصطلح دقيق في العلوم السياسية 
التحديث كمفهوم عام مرتبط بالتغيير 
كتب الكثير حول مفهوم التغيير، ويرى البعض انه لمعرفة دلالة التَّغْيير أن نعرف مدارَ مادة (غَيَّرَ) ومعناها في اللغة.حيث نجدها تدور على أصليْن، هما: 
– إحْداث شيء لم يكن قبلَه. 
– انتِقال الشيء من حالةٍ إلى حالة أخرى[6]. 
فمن الأصل الأول: (غَيَّرَه): جَعَلَه غَيْرَ ما كَانَ، و(غَيَّرَه): حَوَّلَهُ وبَدَّلَهُ.
ومن الأصل الثاني: (الغِيَر)؛ أَي: تَغَيُّر الحال وانتقالها من الصلاح إِلى الفساد، ومن بين مفاهيمه: 
– التغير الاجتماعي : 
بحيث كل تحول يطرا علي البناء الاجتماعي خلال الفتره من الزمن فيحدث تغير في الوظائف والأدوار والقيم والأعراف وأنماط العلاقات السائده في المجتمع ومفهوم التغيير الاجتماعي المرتبط بالمدرسة البنيوية structuralisme(6)، في محاولة لتجاوز المنظوريين النظريين في الدراسات السياسة القديمة وهما، المنهج القانوني التقليدي، ثم المنهج الماركسي. 
– التغيير الاقتصادي: 
هو ذلك النهج الإداري الذي يعنى برصد مؤشرات التغيير في بيئة منظمة الأعمال وفرز تلك المؤشرات التي لها علاقة بنشاط المنظمة ضمن أولويات امام إدارتها بهدف تكيف وتأقلم الإدارة في ممارستها لوظائف العملية الإدارية مع المتغيرات المتوقعة لتحسين أدائها وسلوكها . 
– التغيير السياسي: 
مفهوم التغيير السياسي يتسم بنوع من الشمولية والاتساع، وتشير لفظة التغير السياسي لغة إلى التحول، أو النقل من مكان إلى آخر ومن حالة إلى أخرى. ويقصد به أيضا :”مجمل التحولات التي تتعرض لها البني السياسية في مجتمع ما بحيث يعاد توزيع السلطة والنفوذ داخل الدولة نفسها أو دول عدة “. كما يقصد به الانتقال من وضع لا ديمقراطي استبدادي إلى وضع ديمقراطي. 
التغير السياسي السلمي قد يطلق عليه مصطلح (إصلاح) ويمكن اعتباره مرادفا للتغيير الدستوري في القيادة أو لإعادة بناء التأثير السياسي داخل المجتمع [7]

ب – التحديث كمفهوم دقيق في العلوم السياسية من خلال تحليلات ومقاربات بعض المدارس والرواد. 

إن مفهوم”التحديث السياسي” مفهوم شديد الغموض لأكثر من سبب.فكثيرا ما يقع الخلط بينه وبين مفاهيم أخرى قريبة منه مثل الانفتاح السياسي، والإصلاح السياسي، والانتقال السياسي، والتحول السياسي والتغيير السياسي[8]، كما أنه يضم مفاهيم فرعية غامضة بدورها، مفاهيم سياسية وإيديولوجية وأخلاقية وفلسفية غير قابلة للقياس الدقيق والملاحظة العلمية مثل العدل والمساواة ودولة الحق والقانون… وغيرها. 
ويوجد عموما اتجاهان رئيسيان في دراسة التحديث السياسي: 
الأول: الاتجاه الليبرالي: وينطلق في شرحه لمفهوم التحديث السياسي عن القيم الديمقراطية في المجتمع الليبرالي، إذ يرى إن الديمقراطية هي المسار الوحيد والنتيجة الطبيعية لعملية التحديث السياسي، كما شهدته الدول الأوربية تضمن: اتساع مركزية السلطة الحكومية، والتمايز والتخصص للأبنية والوظائف السياسية، والمشاركة الشعبية المتزايدة، والتي تستند إلى مبدأ المساواة السياسية بوجه خاص، والوحدة القومية ودمج الأفراد بصورة متزايدة في النظام السياسي وربطهم عاطفياً به [9]( 
الثاني: الاتجاه الماركسي: ينبع من الفلسفة الماركسية التي ترى أن الطريق الوحيد لعملية التحديث السياسي هو الصراع الطبقي الذي يؤدي إلى الثورة ويؤكد الماركسيون على أنهم لا يسعون إلى التحديث السياسي والاقتصادي فحسب بل إلى تحديث طبيعة الإنسان وإيجاد دور قيادي له في عملية التغيير، والتحديث السياسي الذي شهدته الدول الاشتراكية هو الثورة الشاملة التي تسعى لتغيير خريطة المجتمع تغييراً جذرياً، أي أن نقطة البدء هي إجراء تحديث في البناء التنظيمي للدولة ثم متابعة التحديث بالتوعية والتحديث الثقافي تحت قيادة الحزب الشيوعي[10]
فما هو مفهوم التحديث في العلوم السياسية؟ هذا ما سنحاول معرفته من خلال رصد تحليلات وآراء وأفكار ومواقف ومقاربات بعض المدارس والرواد، وهي في الحقيقة لا تخرج عن نطاق احد الاتجاهين او التيارين السابقين. 
لقد كان من بين نتائج التمييز بين النظام السياسي الحديث والنظام السياسي التقليدي ظهور محاولات كانت أبرزها: 
– تحليلات “روستو”” RUSTOW.D.A” 
التحديث هنا مرتبط بالنظام السياسي الحديث والنظام السياسي الحديث حسب روستو يتميز بمجموعة من الخصائص والتي يفتقر إليها النظام السياسي التقليدي[11]: 
· بنيات حكومية عالية التخصص ومحددة الوظائف. 
· درجة عالية من الاندماج داخل البنية الحكومية. 
· شيوع الإجراءات العلمانية والرشيدة في صنع القرار. 
· شيوع وفعالية الإحساس بالانتماء للتاريخ والأرض والدولة القومية. 
· تخصيص الأدوار السياسية على أساس معايير الإنجاز أكثر من المعايير الشخصية. 
· أساليب تنظيمية وقضائية قائمة على نظام قانوني علماني وغير شخصي. 
– تحليلات “لوسيان باي”Lucien Pye ” 
إن مفهوم التحديث السياسي عند لوسيان باي Lucian W. pye، مثل غيره من المفاهيم في علم السياسة، يعاني من كثير من عدم الوضوح، إذ ليس هناك اتفاق بين العاملين في حقل علم السياسية حول تعريف دقيق للمفهوم، شأنه شأن مفهوم التنمية السياسية، فعلى سبيل المثال، أورد لوسيان باي عام 1996 م عشرة معان وتعريفات لمفهوم التنمية السياسية، وحاول تقديم تعريف خاص به، وها الغموض دفع الباحث إلى التشكيك في قيمته، أي المفهوم، جملة وتفصيلاً[12]. 
وعموما، بالنسبة لـ”لوسيان باي” فإن التحديث السياسي يتشكل من عدة عناصر يجملها في الآتي[13]: 
· الاتجاهات العامة نحو المساواة في العملية السياسية والتنافس لتولي المناصب؛ 
· قدرة النظام السياسي على صياغة السياسات وتنفيذها. 
· التمايز والتخصص في العمليات السياسية من خلال التوسع والتكامل. 
· العلمانية وفصل الدين عن السياسة من حيث الأهداف والتأثير. 
– مقاربة “كابرييل ألموند””Gabriel Almond ” 
ينطلق “كابرييل ألموند” من أن هناك اتفاقا على كون عملية التحديث تفرز العديد من الأزمات التي تستوجب تحقيق التنمية السياسية للتغلب عليها. وقد حدد هذه الأزمات في: أزمة بناء الأمة، وتظهر في الانتقال من الولاء الأسري والقبلي إلى الولاء للدولة، وأزمة بناء الدولة، والتي تبرز أثناء تكوين الدولة الحديثة، حيث تتعرض الدولة الجديدة لتهديدات داخلية وخارجية، ثم أزمة المشاركة السياسية، أزمة التوزيع، وأزمة البناء الاقتصادي[14]. 
هذه الأزمات تعبر عن حالة طارئة يتعرض لها المجتمع في مرحلته الانتقالية، ويجب أن يتجاوزها لكي يحقق التحديث والتنمية السياسيين عن طريق القضاء عليها والوصول إلى مجتمع يقوم على الشرعية العقلانية[15]. 
– مقاربة ” صامويل هنتنغتون””S.Huntington ” 
ينتقد “هنتنغتون”التعريفات التي أعطيت لمفهوم التحديث السياسي، والتي ركزت على المقارنة الثنائية لصفات النظام السياسي الحديث والنظام السياسي التقليدي. وبالنسبة له فإن جوهر عملية التحديث السياسي هو مأسسة التنظيم السياسي والفعل السياسي، مما يكسب هذا التنظيم وذلك الفعل قيمته واستقراره وثباته[16]. 
من هنا يحدد”هنتنغتون”أهم أبعاد وأوجه التحديث السياسي في ثلاث محددات أساسية وهي: 
· ترشيد السلطة السياسية: بمعنى استبدال السلطات التقليدية المتعددة المرجعيات والمشروعيات (دينية، عائلية، عرفية…) بسلطة سياسية موحدة، علمانية وقومية/وطنية. 
· التمايز المؤسساتي لوظائف هذه السلطات الجديدة، أي تنمية بنيات متخصصة لممارسة وظائف السلطة. 
· المشاركة السياسية المتزايدة،أي فتح الباب أمام كل الجماعات الاجتماعية للتأثير على السلطة واختياراتها وقراراتها. 
– مقاربة “كارل دويتش” 
حاول “كارل دويتش” دراسة التحديث السياسي داخل المجتمعات من حيث مصدر التغير الذي قد يكون داخلياً نتيجة الصراع أو خارجياً نتيجة تحديات خارجية أو نتيجة لاحتكاك ثقافي بثقافات مختلفة، كما حاول دراسة التحديث السياسي من زاوية دينامية انتشار التجديدات كأن تبدأ من الحضر إلى الريف أو من العاصمة إلى الأقاليم، أو من الطبقات العليا إلى الطبقات الدنيا، هذا إلى جانب دراسة نوعية التغير هل هو تغير ثوري مفاجئ أم تدريجي بطيء؟ وما هي العلاقات بين المتغيرات السياسية وبين التغيرات في القيم والاتجاهات والسلوك السياسي داخل هذه المجتمعات؟[17]
انطلاقا مما سبق، يمكن القول أن الفرق الأساسي بين كل الأنظمة، لا يكمن في مدى قوة السلطة و تغلغلها داخل المجتمع فقط، بقدر ما يتعلق بالكيفية التي يستطيع المحكومون بها التأثير على الحاكمين، أو المشاركة الفعالة في عملية صنع القرار العام. 
فما ذا عن شروط التحديث السياسي؟ 

2 – شروط التحديث السياسي: 

التحديث السياسي في السياق الغربي يقوم على وجود عدة شروط كل من يعارضها يعارض التحديث، ومن بين أهمها: 
التعددية بمعانيها الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية…، وهذه المعاني لا قيمة لها إذا لم يكن هناك مناخ سياسي مفتوح يسمح بممارستها. 
الفصل ما بين التقليدي والعصري، أو غلبة العصري على التقليدي. 
العلمنة: أي الفصل المؤسساتي بين الكنيسة والدولة من جهة، وبين مؤسسات التعليم والبحث العلمي من جهة ثانية، أي التمييز بين المعرفة الوضعية والمعرفة الدينية، وليس التمييز بين حضور أو غياب الإيمان، وهي تعني انزال الحكم من السماء إلى وإخضاع العلاقة بين الحاكم والمحكوم لإرادة البشر من خلال آلية الانتخاب. 
تقسيم العمل أو التمايز والتخصص الوظيفي ” الماكينة “[18]. 
المواطنة، بحيث لا يمكن الحديث عن تحديث سياسي في ظل نظام لا يعترف بالمواطنة بمختلف أوجهها القانونية الحقوق والواجبات، والسياسية المشاركة في صنع القرار والشعور بالانتماء للوطن. 
الشعب مصدر السلطة وسيادة دولة القانون: شكلا باعتباره قانون مكتوب يشكل مصدرا للسلطة وللمواطنين، وبالتالي فهو نقيض للفوضى، وجوهرا باحترام المساطير وكيفية تطبيقه، وسيادة القانون تعني أنه لو وجد شخص ما بإمكانه أن لا يطبق عليه القانون فاعلم انه ليس هناك تحديث. 
فصل السلط لتفادي الاستبداد وعدم تجميعها في يد واحدة[19]
وكل من يعيق تطور هذه المبادئ أو تفعيل دور تلك المؤسسات إنما يعارض التحديث. 
فإلى أي حد يمكن القول بأن هذه الشروط قابلة للتطبيق في تحديث النظام السياسي المغربي؟ فهل يكفي توفر الإرادة والعزم لكي ننهل من منهال التقعيد الغربي للتحديث لنزود نظامنا السياسي بما يكفي من العدة والعتاد والصلاحيات والتنظيم ليصبح حديثا؟ أم أن المسألة أكثر من مجرد نقل تجارب الآخرين وان كل اقتفاء بأثر غير أثرنا سيجعلنا نعيش دوما وهم التحديث؟ ما هو البديل؟ هل الإصلاح التدريجي للنظام السياسي المغربي من الداخل عبر الإصلاح الدستوري والسياسي كفيل بتحقيق التغيير المطلوب؟ وبالتالي يصبح الإصلاح مرادفا للتحديث؟[20]

المحور الثاني: اشكالية التحديث السياسي في المغرب: (سياسة الإصلاحات الدستورية كنمط من أنماط التحديث)

في الغرب السياسة جاءت نتيجة التحديث من خلال المطالبين به، بينما في الدول النامية التحديث جاء نتيجة السياسة، بمعنى آخر السياسة كانت نتيجة أو استجابة للقوى التاريخية للمطالبين بالتحديث في الغرب، اما خارج اروبا فالعكس ليست السياسة استجابة للتحديث وإنما السياسة سبب التحديث، هذا يشبه كون الأحزاب هي التي خلقت الدولة في الغرب بينما العكس في الدول النامية الدولة هي التي خلقت الأحزاب لذا هذه الأخيرة تحكم بشروط الأولى 
ومن هنا نتساءل عن أهمية الإصلاحات الدستورية في المغرب كطريقة لتحديث النظام السياسي؟ وهل اتباع منهجية أو آليات الإصلاحات الدستورية والسياسية كفيلة بتحقيق التحديث المطلوب؟ 
إن النظام السياسي المغربي يعيش دائما سياسة الإصلاحات الدستورية لتحديث نفسه، إلا انه لم يصبح حديثا بعد، وقبل الحديث عن الإصلاحات الدستورية والسياسية وعوائق التحديث تجذر الإشارة إلى ملاحظتين الأولى تتعلق بنماذج التحديث كما جربها العالم، والثانية تتعلق بالتساؤل حول أي من تلك النماذج لا أقول جاهزة بل قابلة للتطبيق في الوضع المغربي: 
الملاحظة الأولى: مناهج التحديث السياسي وأنماطه: 
إن هذه المستويات الثلاثة من القراءة، أو هذه الكلمات الثلاثة، تشكل مفاتيح أساسية لكل عملية ذهنية أو تجريبية على حد سواء، تسعى لأن يكون لها قدر من الأهمية باعتماد أسلوب منهجي في التحليل، يسعى أو يهدف توظيف أدوات منهجية، للوصول إلى حقائق ونتائج، قد تكون أو لا تكون إيجابية. 
المنهج أقصد المنهج العلمي، والذي يقوم بثلاث وظائف رئيسة في أي نشاط بشري، وأية مؤسسة، والنموذج هنا هو المؤسسات السياسية التي من مجموعها يتكون النظام السياسي، من خلال عملها ووظيفتها وصلاحياتها ومختلف العلاقات التي تربط بينها، في التشريع والمراقبة الضيقة والواسعة، وهذه الوظائف هي:- التفسير- التبرير- التغيير. 
لقد قامت المناهج من خلال هذه الوظائف الثلاث بصناعة الفكر البشري عبر تجربة الإنسان علي هذه الأرض حتى الآن، وكل العلوم الحديثة لا تخرج عن نطاق وظائف المناهج الثلاثة، فأي علم جديد وأي ثورة جديدة في أي مجال هو إما تفسير، أو تبرير، أو تغيير، فصناعة قانون أو طرح سؤال على وزير من الوزراء، أو حتى تقديم ملتمس رقابة ضد الحكومة، أو إجراء انتخابات برلمانية، أو تشاور بين الفرق البرلمانية لتشكيل الأغلبية والمعارضة، أو تقديم رئيس الحكومة لحصيلته السياسية …..إنما هو تفسير، وتوضيح، وبيان، أو تبرير وتعليل لسياسة، أو تغيير يهدف إلى تغيير شيء بشيء، وضعية بوضعية، موقف بموقف، أو الانتقال من حالة إلى حالة…، وليس بالضرورة أن توجد هذه الوظائف متصلة فيما بينها في نفس الوقت، أو منفصلة عن بعضها البعض بفاصل زمني كبير، إنما الشرط هو التوظيف والاستخدام السليم والملائم لهذه الوظائف في المكان والوقت المناسبين من أجل التقدم والتطور. 
وكل وظيفة من هذه الوظائف تندرج تحتها كثير من الآليات التي تحقق الوظيفة الرئيسة بشكل كامل. 
فمشاريع القوانين ومقترحات القوانين مثلا، تحتاج إلى آليات كثيرة بهدف تفسيرها، وتبريرها، وكشف مزاياها، وعيوبها، ومن ثم وظيفة إقرارها وتغييرها وتعديلها أو إلغائها…، وهذه الآليات ليست دائما متوفرة، وقد تكون متوفرة ولكنها غير كافية، ومدى توفر الإمكانيات والآليات الكافية هو الذي يتحكم في الجودة والفعالية، مثلا جودة التشريع، ونجاعة الرقابة البرلمانية على أعمال الحكومة…، لا يمكن أن تكون فعالة ومفيدة في غياب الإمكانيات اللازمة. 
وفي ظل واقع مؤسستنا البرلمانية مثلا، وما يوفره أو يتيحه المناخ السياسي والدستوري وما يتطلع إليه المواطن المغربي، فهي أحوج ما تكون للوظيفة الثالثة من وظائف المناهج، وهي وظيفة التغيير، التي تقوم على النقد، الذي هو جوهر التغيير نحو الأفضل. فما هو التغيير؟ 
يرتبط التحديث السياسي في العلوم السياسية بشكل عام بدراسة المؤسسات السياسية ومدى تطورها الديموقراطي، ذلك انه عندما تضعف الديمقراطية وتختل، ما هي طريقة معالجتها؟ 
إن الجواب عن هذا السؤال يتم حسب التجارب المقارنة من خلال ثلاثة أشكال: 
أ _ التغيير الجذري. 
ب _ التغيير الديمقراطي. 
ج _ التغيير التدريجي أو المعتدل. 
الملاحظة الثانية: فأي من هذه النماذج أصلح وأنسب للتطبيق في النموذج المغربي؟ 
في إطار المفاضلة بين أي هذه الطرق أنسب لنظام سياسي يجمع بين الأصالة ومتطلبات العصر، والتطور مع الاستمرارية، والتقليد مع الحداثة، يمكن ترجيح ـ مرحليا ـ النمط الثالث وهو التطور التدريجي للنظام، خطوة خطوة، وإن كنا نأمل على الأقل نظريا تبني منهج التغيير الديمقراطي، والذي تبنته أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية في تطورها عبر المؤسسة البرلمانية وآلية الانتخاب. 
أما التغيير الجذري فقد تبنته الدول الاشتراكية ومن يسير في فلكها في أسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، وكثير من الدول العربية اليوم، لكن لم يستقر الوضع على نحو معين، بحيث لا زالت الشعوب تقاوم دون معرفة الاتجاه الصحيح ولا أين تسير، لأنه لا وجود لا لتقعيد ولا لتنظير، ولا لتصور استراتيجي للتحديث السياسي، الكل يريد تحديث العالم وتغييره، لكن لا أحد يريد تحديث وتغيير نفسه، وحتى المثقف والمفكر ترك مهمته في التنظير وإنتاج الأفكار ، وانحاز ولم يعد محايدا في عملية الصراع على السلطة…، وكذلك دول أوروبا الشرقية سابقا قبل أن تعتمد هذه الأخيرة منهج التحديث الليبرالي أو الديمقراطي، عبر تبني دساتير وأنظمة على شاكلة الدستورانية الغربية. 
مع استبعادنا لمنهج التغيير الجذري، وإقرارنا بمنهج التغيير التطوري لتلاؤمه مع الواقع المغربي، وطموحنا في تحوله مستقبلا من تطوري إلى ديمقراطي، فإن الحركة الدستورية الديمقراطية ذات التوجه الليبرالي التي نهل منها المغرب الكثير من مقومات تقدمه وتحديث نظامه، تنتهي إلى ضرورة الحل الديمقراطي، والديمقراطية في كل التجارب الإنسانية مسلسل، والأهم في هذا المسلسل أن يكون متواصل الحلقات دون انقطاع أو تراجع. 
فالديمقراطية عندما تختل وتصبح غير صالحة، فإن الطريقة الوحيدة لإصلاحها هي مزيد من الديمقراطية. 
ومدخل إصلاح وتحديث النظام السياسي في المغرب هو الإصلاح الدستوري والسياسي، وهذا الإصلاح تمليه عدة ضرورات، أهمها ضرورة مواكبة التطور في معانيه وأبعاده التنموية الشاملة، الداخلية والخارجية. 
ولعل المتتبع لمسار وتطور الحياة السياسية المغربية لتستوقفه ظاهرة الإصلاحات السياسية المتوالية بل يمكن القول ان حكم السلاطين العلويين في المغرب أقاموا حكمهم منذ البداية كحركة إصلاحية دينية، ليضاف إليها الإستحواذ بالمبادرة في مجال الإصلاحات السياسية منذ تاريخ دخول المغرب في الحياة الدستورية سنة 1962، إلى جانب مشاركة الفاعلين الآخرين بأشكال متفاوتة، إما بمبادرات محدودة، أو بالاقتصار على تثمين المبادرة الملكية، وسنشير في الموالي لأهم الإصلاحات الدستورية والسياسية من خلال ) كرنولوجية ( ترتيبية وصفية لأهم ما ميز كل محطة من محطات تحديث الدولة. 

1- كرونولوجيا لأهم محطات التحديث السياسي في المغرب عبر الإصلاحات الدستورية 

على غرار المجتمعات غير الأوروبية التي خضعت للاستعمار ، يقدم علم الاجتماع الاستعماري عن المغرب مجهودات فكرية حاولت الإحاطة بمختلف مكونات المجتمع المغربية التقليدي فظهرت أولى الدراسات عن النظام السياسي المغربي، حيث برزت مساهمات كل من J.Waterbury وR.Leveau وC.Palazzoli، والتي أسست للعديد من القراءات و التأويلات عن النظام السياسي المغربي أهمها كون الحياة السياسية المغربية: تجزيئية- توازنية، مما يحول دون ظهور تمايزات سياسية على مستوى الفاعلين. 
في مقابل هذا، برزت السوسيولوجيا الوطنية، ليصبح موضوع النظام السياسي المغربي وإشكالية السلطة السياسية خاصة، من بين المواضيع التي استأثرت باهتمام الباحثين المغاربة والذين ركز جلهم على المؤسسة الملكية أو الطبقة الحاكمة أو النخب السياسية كمداخل لفهم وتحليل مدى تطور أو جمود النظام السياسي المغربي. 
حين نطلع على جملة الأبحاث والدراسات التاريخية في موضوع التحديث السياسي،نكتشف أنها تتوقف عند تاريخ محدد هو 1844م، وهو تاريخ انهزام المغرب أمام فرنسا في معركة “إيسلي”[21]، هزيمة لها دلالتها الخاصة، فبالإضافة إلى بعدها العسكري فإنها عبرت بشكل واضح عن هزيمة حضارية، كشفت عن الحقيقة المغربية الكامنة في التأخر التاريخي للمغرب. فمنذ هذه اللحظة تبين للمغاربة ، دولة ونخبة، مدى تخلفهم وبعدهم الحضاري عن جارهم الأوروبي القريب[22]، و إجمالا يمكن القول أن هناك ثلاثة تواريخ أساسية أخرى سيكون لها تأثيرها الواضح في مسار التجربة الحداثية المغربية:هزيمة تطوان أمام اسبانيا سنة 1860، مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906، ثم إعلان الحماية الفرنسية على المغرب في سنة 1912. 
وباستثناء الفترة الممتدة من سنة 1912 إلى 1933 التي اعتبرت مرحلة للمقاومة الثقافية، الاجتماعية والسياسية، حيث انتشرت عن طريقها مفاهيم وقيم ومطالب: الإصلاح والوطنية والدعوة إلى التعليم وتحرير المرأة والحرية والانفتاح والتحرر والتقدم[23]، يمكن القول أن مسألة التحديث بالمغرب لم تأخذ موقعها الطبيعي والمتقدم خلال فترة الحماية الفرنسية في ظل انشغال الحركة الوطنية بمطلب الاستقلال كمقدمة لأية عملية تروم الإصلاح والتغيير. 
ولدراسة تجربة التحديث السياسي في مغرب ما بعد الاستقلال، نرى أنه من المفيد الوقوف على مختلف مراحل الفلسفة الدستورية المغربية المعاصرة كآلية حداثية أساسية توضح معالم النظام السياسي المغربي وكيفية توزيع السلط داخله، وكأداة ظلت تؤكد سمو المؤسسة الملكية المستندة في مشروعيتها على الدين والنسب والتاريخ، وكيف استطاعت أن تحسم لصالحها التوترات التي من شأنها التأثير على هيمنتها. 
إن ارتباط التحديث السياسي عبر التاريخ بالجهاز الممارس للسلطة من جهة، وخضوع النظام السياسي لواجبات الحداثة السياسية وللقواعد الديمقراطية، يعد عاملا محوريا لبلورة وترسيخ مقومات التنمية السياسية من جهة أخرى[24]، هو ما يجعلنا نتناول موضوع التحديث السياسي لمغرب ما بعد الاستقلال من خلال المحطات الآتية: ثلاثة محاور أساسية تبين كيف أن التجربة الدستورية المغربية الأولى عرفت نوعا من التوازن في مشروعية السلطة، توازن سرعان ما اختل في دساتير الممتدة من 1970 إلى 1996 بفعل الظرفية التي اجتازتها الملكية في هذه الفترة،على أساس أن دستور 2011 أعطى جرعات متفاوتة في مسار التحديث السياسي مع حفاظ المؤسسة الملكية على مكانتها داخل النسق السياسي المغربي عبر إعادة إنتاج مشروعيتها من داخل النص الدستوري نفسه. 
– تجربة دستور 1962 أو الحسم في المسألة الدستورية وتأسيس مشروعية السلطة الملكية: 
وهي التجربة السياسية والدستورية التي عبر عنها دستور 1962 كأول دستور للمغرب، والتي سعت إلى الحد من طغيان الطابع التقليداني للنظام السياسي المغربي ومنح حيز مهم للرؤية الدنيوية للحكم والسياسة[25]. 
لقد أكدت مرحلة ما بعد الاستقلال معطيين أساسيين: ارتبط أولهما بارتقاء الحياة السياسية إلى البحث عن التوافق حول تصور جديد للبناء المؤسساتي للدولة الحديثة، وثانيهما تجلى في ضرورة التوافق بين الفاعلين السياسيين حول شكل محدد للسلطة يضمن تطوير الممارسة السياسية. وفي الحالتين معا، خيم على الحياة السياسية المغربية خلال الفترة الممتدة من 1956 إلى 1962 جو من التوتر السياسي الإيديولوجي حول شكل السلطة السياسي ومشروعية نظامها بين القوتين السياسيتين في البلاد آنذاك:المؤسسة الملكية و حزب الاستقلال من خلال تصورين متناقضين لما يجب ان يكون عليه الحكم في المغرب بعد الاستقلال[26]
وللخروج نسبيا من هذا الصراع، فإن دستور 1962 يؤسس لما يمكن نعته بالتعايش التنازعي للمشروعيات[27]، حيث تضمن نمطين من المشروعيات:الأولى “مدنية” كما عبر عنها الفصل الثاني منه( السيادة للأمة تمارسها مباشرة بالاستفتاء وبصفة غير مباشرة عن طريق المؤسسات الدستورية)، والثانية “دينية” كما يجسدها الفصل 19( الملك هو أمير المؤمنين…)[28]. 
وجاء دستور 1962، ورغم انتقاده من طرف البعض بدعوى عدم وضعه من طرف سلطة تأسيسية أصلية منتخبة[29]، فقد احتضنه الكثيرون معتبرين إياه “حدثا عظيما” يستحق التنويه بفعل تحقيقه لقطيعة حقيقية مع الماضي السوسيوسياسي ل”المغرب القديم”. 
فإذا كانت السنوات الأولى للاستقلال قد عرفت بناء هياكل النظام السياسي المغربي انطلاقا من مقولة “المشروعية الوطنية” بكل زخمها التاريخي وامتداداتها السياسية والاجتماعية والنفسية، فإن هذه المشروعية ما لبثت أن تراجعت، ليس فقط في المجتمع المغربي وحده ولكن في كل المجتمعات الثالثية التي تبنت هذا النمط من المشروعية التاريخية لبناء النظم السياسية ( البورقيبية في تونس/البومدينية في الجزائر/ الناصرية في مصر…)ذلك أن الظرفية السياسية والمجتمعية أصبحت تفرض وتملي صياغة التنظيم السياسي على أسس مادية و مؤسساتية وليس رمزية، أي المشروعية الحداثية. 
وهكذا بدا دستور 1962 على أنه تضحية ملكية بالنجاعة والفعالية التي تتطلبها التنمية الاجتماعية والاقتصادية لمغرب ما بعد الاستقلال لصالح مسألة مأسسة نظام سياسي تعاقدي، انسجاما مع وجود قوة سياسية لا يستهان بها متمثلة في أحزاب الحركة الوطنية، لكن الممارسة السياسية في ظل دستور 1962 ما لبثت أن وضحت مدى الرغبة الملكية في إبعاد هذه الأحزاب السياسية عن الحكم، من خلال تقليص قواعدها الاجتماعية سواء في البوادي أو في المدن عن طريق إنشاء أحزاب سياسية إدارية تضمن للمؤسسة الملكية سطوتها على الممارسة السياسية بالمغرب. 
– تجربة دستوري 1970 و1972 : من اختلال كلي لتوازن السلط إلى توازن مختل بين الفاعلين، واستبعاد فكرة التحديث السياسي 
وهي التجربة التي عكسها دستور 1970 بشكل قوي، وأكدها دستور 1972 بدرجة كبيرة، وذلك من خلال الحجم المكثف للجوء الملكية لآلية الفصل 19 من الدستور مهما كانت طبيعة الأزمة التي كانت تواجهها. 
فإذا كانت الدساتير المغربية قد كرست إعادة إنتاج الفصل 19 دون أدنى تعديل، مما أفضى بالملك إلى السيطرة المطلقة على الحقل الديني والسياسي؛ فإن الخطابات الملكية كانت تأتي من حين لآخر لتدعم هذا التوجه عبر تأويلاتها الاستراتيجية لمضمون ودلالات هذا الفصل، سواء فيما يخص حصانة الظهير الملكي (كما قضت بذلك الغرفة الإدارية للمجلس الأعلى بخصوص الطعن في الظهائر الملكية، من خلال قرار مزرعة عبد العزيز،20 مارس 1970)، أو فيما يخص طبقة الوظائف المخولة للملك في المجالين السياسي والديني من خلال حق الملك في إخضاع كل حركة سياسية أو دينية من منطق أولوية الإمام، وهو ما أدى إلى إفلاس الخطاب الدستوري الذي يقيم تحليله على أساس مبدأ فصل السلط. 
من هنا نستنتج أن المؤسسة الملكية، وبفضل الدستور نفسه قد أصبحت تستمد قوة واستمرارية فاعليتها داخل الحقلين السياسي والسوسيوسياسي بالخصوص من تعدد وتكامل مشروعياتها. وهو المسار الذي مكنها من ترسيخ ترسانة من التقاليد السياسية والإدارية في تدبير شؤون الحكم والدولة، والتأقلم مع كل الظروف الطارئة والأزمات، من خلال جعل النظام الملكي بمثابة الثابت في سيرورة المتغيرات التي حملتها إكراهات كل حقبة تاريخية. ولعل هذه القدرة الهائلة للمؤسسة الملكية على التأقلم مع محيطها السوسيوسياسي، هو ما أصبح يثير استغراب العديد من الباحثين، وفي هذا الصدد يرى R.Leveau أن المغرب يتردد بين الانفتاح المحتشم والجمود الممل. 
وعموما، فقد كرست التجارب الدستورية المغربية وإلى حدود 1972 تنظيما يدفع نحو سمو وأولوية الملكية، ويحدد وضعية الحكومة في السلطة التنفيذية ويرسخ تبعية البرلمان لهذه السلطة، وقد تقرر هذا السمو بعرف دستوري لحقل إمارة المؤمنين باحتلال الملكية داخل هذا التنظيم مكانة سامية بين المؤسسات الدستورية بحيث توجد على قمتها، موظفة بذلك آليات الإصلاحات الدستورية ليس لتحديث النظام ولكن للتحكم فيه وتحصينه من اي خرق محتمل لقوى التحديث المحتملة، ومع ذلك شكلت نهاية دستور 1972 بداية لانفتاح المؤسسة الملكية على محيطها من الخصوم السياسيين، وهم ما ستعكسه تجربة دستور 1992، وتؤكده تجربة دستور 1996 وإن بشكل متأخر 
– تجربة دستور 1992 و1996: من الرغبة في الانفتاح السياسي إلى تأكيده 
دستور 1992 وإن كان لم يغير من ترسيخ أولوية المؤسسة الملكية لكنه اهتم بالوجه الحداثي للسلطة وأسس مفهوم” الملكية الدستورية”، ويطغى هذا الاهتمام على مضمون الوثيقة الدستورية مما يجعل مسألة تحديث النظام السياسي قد أصبحت هاجس المشروع الدستوري، تسعى أساسا إلى تكريس سلطة القانون وتوسيع مجال المؤسسات وخلق التوازن بين السلط وتكريس احترام الحقوق والحريات. 
إن دستور 1992 يأتي سياسيا وتاريخيا بعدما أصبحت مسألة أولوية الملكية موضوعا متجاوزا، وترسخت جذوره الدينية والتاريخية ولم تعد مشروعية السلطة الملكية تطرح أي نقاش جدي. فهذه الازدواجية الدستورية والسياسية بين التقليد والتحديث التي ظلت ثابتة في الوثيقة الدستورية، أصبحت بعد 1992 تنحو نحو ترسيخ الأسس الحداثية لبناء الدستورانية المغربية[30]. 
وبالفعل، ومن أجل تأكيد مسالة حسم المشروعية الدستورية لصالح المؤسسة الملكية بواسطة الدستور نفسه، جاء دستور 1992 وكذا تعديل 1996، كاستجابة ملكية جزئية لمطالب أحزاب المعارضة بإحداث مؤسسات دستورية جديدة[31]، بهدف تحرير وتحديث الحياة السياسية المغربية وتوسيع المشاركة السياسية. 
فإذا كان دستور 1996 في العمق يشكل امتدادا واستكمالا للنصوص الدستورية لسنة 1992، فإنه جاء لتكريس البعد السوسيواقتصادي لنصوص الدستور، والتي يمكن تصنيفها إلى مقتضيات دستورية ذات بعد سوسيواقتصادي مباشر، وأخرى ذات بعد غير مباشر تتعلق عموما بالتوجه الليبيرالي والتي تأتي نظريا لاستكمال بناء دولة الحق والقانون وتحديث النظام السياسي. 
وننتقل الان إلى الحديث عن رهان التحديث السياسي في دستور 2011 
– آمال دستور2011 في التغيير ورهان التحديث السياسي: 
منذ أن اعتلى الملك محمد السادس سدة الحكم، اختلف الباحثون والمهتمون بالنظام السياسي المغربي حول ما إذا كان المغرب قد دشن فعلا عهدا جديدا في مسار تحديث النظام السياسي ومؤسساته عبر مجموعة من الإصلاحات التي توجت بالمصادقة على دستور 2011، بعد حراك اجتماعي قادته حركة 20 فبراير، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون سوى تمويه يكرس احتكار السلطة من طرف المؤسسة الملكية وإعادة إنتاج مشروعيتها من داخل الدستور في إطار نظام حكم تقليدي، بواجهة تبدو حداثية، يعتبر استمرارية وفية لمبدأ إمارة المؤمنين. 
وبين الأطروحتين، يمكن اعتبار دستور 2011 حلقة أساسية في مشوار التحديث السياسي للنظام السياسي بالمغرب، بالنظر إلى محتواه المرتبط بتوزيع السلط وطريقة عمل المؤسسات الدستورية. وتتضح هذه النقلة من خلال مجموعة من المؤشرات، أهمها: 
– ممارسة المؤسسة الملكية لصلاحياتها الدستورية بناء على صفتين هما: أمير المؤمنين(الفصل 41) ورئيس الدولة (الفصل 42)؛ 
– تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها (الفصل 47)، ما يجعل الحكومة، حكومة بشرعية انتخابية قوية؛ 
– برلمان يمارس التمثيل ويحتكر التشريع ويراقب عمل الحكومة ويقيم السياسات العمومية (الفصل 70)؛ 
– التكريس الدستوري لاستقلال السلطة القضائية (الفصولمن 107 إلى 128)؛ 
– إحداث المحكمة الدستورية بدل المجلس الدستوري بصلاحيات جديدة و تسهر على احترام سمو الدستور. 
رغم هذه المؤشرات التي تندرج في إطار التراكم السياسي في أفق تحديث الحياة السياسية بالمغرب وبناء دولة الحق والقانون، فإن علاقة الديني بالسياسي فيما يخص سلطات المؤسسة الملكية في ظل دستور 2011 تظل مصدر قلق بالنسبة للكثيرين، حيث أن الفصل 19 من الدساتير السابقة بقي حاضرا بقوة في الدستور الجديد منشطرا إلى فصلين (41و42) حيث صار كل من الديني والسياسي يشتغل بنظام محدد بشكل يجعل التمييز بين صفة أمير المؤمنين وبين صفة رئيس الدولة باهت الدلالة، بل وكأننا أمام فصل يكمل الآخر ويتداخل معه في آن واحد[32]. من هنا يبرز التساؤل عن مدى تجاوز الحالة التي ظل فيها الملك الدستوري مجرد امتداد عصري لأمير المؤمنين، وظلت فيها إمارة المؤمنين تشكل الطبقة السامية من البناء الدستوري المغربي قياسا إلى الطبقة السفلى التي تضم الملك الدستوري[33]. 
إن مسألة التحديث السياسي بالمغرب تبقى مطروحة على جدول أعمال الفاعل السياسي وكذا النخبة المثقفة بالبلاد بالنظر للطلب الشعبي المتزايد على الديمقراطية في مختلف تجلياتها، وحتى لا تبقى مبادرات الإصلاح حكرا على المؤسسة الملكية، لأن كل ممارسة سياسية غير سليمة لا يمكن ان تكون إلا معرقلة للتحديث السياسي ومنافية لشروط التطور والتغيير، إذ ان العدو الأول لعملية التحديث السياسي ليس هو الموروثات التقليدية فقط، بل كذلك الوعي بمحاربة مقوماتها[34]، ولعله في الانتقال إلى النقطة الموالية توضيح لأبرز هذه العوائق في النظام السياسي المغربي 

2- عوائق التحديث السياسي: 

حقيقة هناك عدة مبادرات للتحديث ولكنها متأخرة ومحدودة، مثلا الإصلاحات الدستورية، هل هي فعلا إرادية وإستراتيجية لمواكبة التطور؟ أم جاءت كضرورة لاتقاء شر ضربات المحيط؟ والانحناء إلى حين مرور العاصفة؟ 
على أية حال يمكن رصد عدة عوائق على أساس تلخيصها في الأخير في جملة واحدة 
هذه العوائق منها ما هو منهجي، ومنها ما هو فكري وثقافي، ومنها ما هو اقتصادي واجتماعي وسياسي. 

أ – عوائق التحديث على المستوى المنهجي 

التحديث المنهجي العلمي يتطلب ثلاثة عناصر على الأقل: التفسير – التبرير ثم النقد العلمي من أجل التغيير والتحديث. 
فالتحديث ملازم للتغيير والتغيير مطلوب بشدة في وقتنا الراهن، ومن أهم عوامله أو آلياته ”النقد” وما أحوجنا إليه، نقد شامل وكامل، في تعليمنا وأفكارنا، في سلوكنا، في عملنا، في نقاشنا، في مؤسساتنا، في أغلبيتنا، في معارضتنا، في أحزابنا…، في نخبنا فالنقد أهم آلية من آليات التغيير والتحديث ، لكننا لا نعيره أي اهتمام، أو على الأقل لا نجعله من أدوات البناء، النقد الذي لازال الكثير منا يفهمه بمعنى الفضيحة، وليس بمعني التقويم والتعديل والمعرفة والوعي، نفهمه بمعنى التجريح والتحقير والشماتة، سواء من الناقدين أو المنتقدين، وهذا يعني أن التحديث السياسي القائم على النقد يتطلب توفير مناخ سياسي مفتوح وملائم، تحترم فيه الخصوصية والهوية، بعيدا عن الأنانية، لأنها لا تساعد على البناء المؤسساتي والتحديث. 
والنقد هو الذي على أساسه قامت التجربة الإسلامية لتعيد للإنسانية جمعاء روح التسامح والعدل والمساواة، والنقد هو الذي نقل أوربا من العصور الوسطى إلي عصر النهضة، في كل المجالات ….، والنقد هو الذي صنع النظم الديمقراطية[35]. 
لذا المقاربة الكمية لما تحقق أصبحت متجاوز، وأن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم على النظام السياسي ومحيط العمل السياسي، هو سؤال التحديث، كيف هو؟ سؤال النوعية، سؤال الجودة، سؤال المواطنة، سؤال التمثيلية الحقيقية، سؤال كيف يصبح العمل الحكومي والبرلماني فعالا ومفيدا؟ دون أن يعني هذا القطع النهائي مع وظيفة التفسير والتبرير، كمرحلتين بدائيتين أساسيتين في الفهم والشرح والكشف والاستئناس. 
وهذا السؤال ليس نحن أول من طُرح عليه، فأوربا عرفت أنظمتها عدة مراحل في التغيير قبل أن تصبح كما هي عليه الآن من مرحلة النضج إلى ناضجة (ق 19 م ) ثم ديمقراطية فأكثر ديمقراطية ( ق 20-21م)، لكن لو لم تفتح باب النقد في طريقها لما تحقق لها ذلك (أي التغيير) نحو الأفضل ودخول الحداثة من بابها الواسع. 

ب – عوائق أخرى متنوعة ذات آثار سلبية : فكرية وثقافية ـ مؤسساتية وسياسية. 

ولعله من بين أهم تجليات وآثار هذه العوائق، ما سنتناوله بشكل سريع في النقط الآتية: 
– غياب التقعيد والتنظير: كل عملية تحديثية لبناء نظام سياسي حديث، لا بد وان تستند إلى مرجعية فكرية ونظرية، فالبناء بدون تصميم، أي في غياب المهندس حتى لو كان البناء قويا، فإن البناء لن يكون مكتملا. 
وأعتقد أن أفضل أنواع التنظير والتقعيد، هو ضرورة العودة إلى ما أنتجه الفكر القديم، وإعادة قراءته قراءة جديدة بما في ذلك الإنتاج الفكري الغربي في عصر الأنوار، لماذا لأن ما أنتجه أولائك حينها إنما جاء كتعبير عن إرادة صادقة لتخليص الإنسان الغربي من المعاناة مع الحكم المطلق وسيطرة الكنيسة من جهة، ولأن مرجعية ومصادر أولائك المفكرين كانت كونية عالمية مستقاة من الحضارات القديمة اليونانية والمصرية ثم الإسلامية، وبالتالي هذه التوليفة في تنظيراتهم كانت نقية وصافية، وحتى أمريكا لم تكن قد ظهرت بعد، قبل أن تتكالب الظروف وتحول هذا الإنتاج الغربي على يد مفكرين غربيين متشبعين بالرأسمالية العالمية الاستعمارية التوسعية خلال القرن 19 و20، إلى أنماط ونماذج جاهزة تمهيدا لسيطرة المركزية الغربية كنموذج وحيد للسيطرة المباشرة وغير المباشرة على أسواق الاستهلاك ومناطق النفوذ، وعلى الشعوب الضعيفة والدول التابعة، وتسويق التحديث والحداثة على طريقة النموذج الغربي كنموذج أوحد. 
هذه الهيمنة المركزية الغربية ورثتها الدول الناشئة في كل من إفريقيا واسيا وأمريكا اللاتينية، وخاصة في العالم العربي. 
– هيمنة الدولة على مبادرات التحديث: إن التدخل المفرط والموجه للدولة في كل مبادرات التحديث مهما كانت بسيطة، أدى إلى هيمنة الدولة، بحيث أصبحت هذه الأخيرة، عائقا لا داعما للتحديث من منطلق الحرس على التقدم خطوة خطوة، وذلك بهيمنتها على كل مبادرات ومجالات التحديث من خلال ” التعبئة “، وضل الإصلاح الدستوري البوابة الرئيسة التي ينفذ منها النظام دائما لتجديد نفسه، وبالتالي استمرار الدورة، بل والدفع بالشعب بمباركة الدولة أحيانا ليتظاهر ضد المسيرين، لتتدخل هي باقتراحات بدبلة لحل بعض المشاكل وحتى استباق تطلعات الشعب كالحق في تقديم العرائض والملتمسات مثلا والذي لم يكن ضمن المطالب ومع ذلك تم إدماجه في الدستور. 
لكن المثير للانتباه هو أنه حتى لما تبادر الدولة بإدخال بعض الإصلاحات عبر التعبئة الشعبية، فإنها بعد المبادرة تتراجع، مثلا دستور 2011 جاء بعدة إيجابيات ولكن الممارسة تتجه نحو إفراغ الكثير من النصوص من مضمونها أو التقليص منها إلى أبعد حد ممكن[36]. 
– غياب الأعمال التحضيرية في الإصلاحات الدستورية[37]، باستثناء دستور 2011 ربما تجول بعض الشيء خارج الأجهزة الرسمية. 
– غياب التمايز في الوظائف )الماكينا (: بحيث ظلت مثلا وزارة الداخلية نظرا لدورها ومكانتها في النظام السياسي المغربي، الوزارة الوصية على كل شيء تقريبا، من الأمن، إلى الصحة، إلى الثقافة، إلى الإعلام، إلى الأرصاد الجوية…خاصة خلال مرحلة التسعينات وما قبلها من القرن الماضي، فعطلت بذلك دور الكثير من الوزارات والمؤسسات على امتداد التجارب السياسية منذ الاستقلال، وذلك تحت نفوذ الداخلية ومصالحها الخارجية، والعيب ليس هو الدور المتعاظم لهذه الوزارة،فمكانتها غنية عن التعريف سواء في النظام السياسي التقليدي المغربي أو النظام السياسي العصري، ولكن الخلل هو أن الوزارات والمؤسسات الأخرى لم تتدرب بالشكل الكافي ولم يمارس ممثلوا مصالحها الخارجية صلاحياتهم كما يجب، ولم يستوعبوا الكثير من مقومات تسيير المرافق التي يديرونها تحت إشرافهم، وحتى إن استوعبوا، فإن القرار لم يكن دائما بأيديهم، وحتى مع وجود قطاعات وزارية ومرافق مستقلة فإنه يصعب الحديث عن صلاحيات صافية وخالصة لكل قطاع، ليس من باب التنسيق، ولكن من باب عدم سيادة كل جهة على مجالها، مثلا المصالح الخارجية للوزارات لا تتمتع كلها إزاء بعضها بالقوة التقريرية أو الاقتراحية أو التفاوضية. 
– هرولة المثقفين الدائمة نحو تثمين المبادرة الرسمية والبحث عن منافذ نحو السلطة: إما كمنظرين للأحزاب، أو بالارتماء في أحضان السلطة في أحسن الأحوال، وهذه ظاهرة في الدول النامية ككل ومنها العالم العربي، وهي ليست بعيب ولكن أن يترك المجتمع بدون من يفكر في مشاكله وانشغالاته و تطلعاته وهمومه هنا يطرح السؤال، فكم من مفكر غادر المجتمع مهرولا نحو السلطة، وكم من مفكر بقي صامدا إلى جانب المجتمع يعبر عن آماله وتطلعاته، وحتى لما يتحدث المثقف فإن إشكالية الازدواجية في التعبير بين الخصوصي والعمومي تظهر في كثير من المناسبات الحوارية، ففي إطار الخصوصي نناقش كل شيء بحرية في التعبير عن نواقص الديمقراطية مثلا أو انتقاد بعض الممارسات، ولكن عندما نكون أمام الشاشة أو الكاميرا نراوغ وقد نكذب أو نتحفظ، مما يعني غياب النضج الكافي بأهمية الصراحة في تحقيق ما نريد من تغيير وتقدم. 
– غياب الطبقة الوسطى: وحتى مع اعتبارها موجودة، فهي لا تعطي لنفسها قيمتها، بمحاكاتها لنمط تفكير وعيش طبقة وسطى في بيئة مختلفة عنها، فتقع في التناقض ومن ثم لا تلعب دورها في التحديث بقدر ما تبحث عن منافع لها. 
الفاعلون السياسيون والنخب أصبح دورهم جد محدود وضعيفي المبادرة، سواء في المدن أو البوادي، بحيث يبدو ضعف الإيمان السياسي سمة بارزة لدى أغلب الأحزاب السياسية في المدن، بينما تتقمص النخب القروية نموذج السلطة المركزية في المحافظة والتقليد لممارسات تتعارض مع التحديث، ولما نتابع أحيانا صراع الفاعلين، فإنما يكون ذلك لأهداف ضيقة حول المنافع والمكتسبات، ونقدم مثالا بسيطا لذلك، لما ذا يقع تعطيل تشكيل الحكومة هل لأنه لم يتم الاتفاق على البرامج؟ أم على الحقائب الوزارية؟ 
– ضعف مبادرة المجتمع المدني وجمعيات المجتمع المدني، نعلم أن المجتمع المدني جاء في إطار دعم التحديث وتكملة النقص في الأجهزة الرسمية خاصة البرلمان والحكومة، لكن الثقة في المجتمع المدني كمجتمع حداثي تعني دعم الشرعية العصرية المتمثلة في كون الشعب مصدر السلطة من خلال انتخاب من يمثله قد تقلص من الثقة في الشرعية التقليدية، وبالتالي سيدير الناس وجهتهم عن الأخيرة في اتجاه الأولى، لذا يعمل النظام على أن لا يتجاوز الناس حدود الثقة المسموح بها في ظل نظام لا يريد القطع مع الماضي ولكن يسعى في نفس الوقت لمواكبة التطور. 
– ضعف دور الجامعة في التحديث السياسي بعدم الاعتداد بما تنتجه من أفكار وأبحاث ومواقف. ومراكز البحث العلمي إن وجدت فإنما تحت الطلب لعروض أثمان تحت المقاس، وحتى الأستاذ الجامعي يكاد يكون مجرد موظف يتقاضى أجره من الخزينة العامة، ما دام إنتاجه محصور داخل أصوار الجامعة، ولا نخفي سرا إن علمنا أن الكثير من أساتذة الجامعة ينفقون من دخلهم الشهري على مشاريع وأتعاب بدون أي تعويض بالمقابل. 
فلما ذا وجدت الجامعات ومراكز البحث؟ أليس من أجل خدمة الناس والتقدم والتطور والتحديث والنماء، فهل عندما يتم نعت الجامعة بالعقم وأن شهاداتها لا تتناسب مع سوق الشغل يساهم في التحديث؟ إن العلم الذي لا يخدم الناس لا يستحق عناء ربع ساعة، فلما ذا نتعب إذن؟ 
– القطاع الخاص لا يساهم في التحديث خلافا للغرب القرارات تتخذ بناء على تقارير مراكز البحث والاستشارة في القطاع الخاص 
– غياب التفعيل والفعالية والجودة في التطبيق: مثلا القوانين التنظيمية في الدستور جيدة ولكن في الممارسة لم ترقى للمستوى المطلوب بل سوف نرى كيف أن بعض المجالات نظمت بشكل يستحيل معه تطبيقها نظرا للشروط أو لأن ممارستها مرتبطة بالتأهيل، والتأهيل مسألة لا يمكن إقرارها بنص دستوري أو نقلها من عند الآخرين، بل هو مسألة مرتبطة بتطوير وتنمية قدرات الإنسان كمواطن كمسؤول اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا… 
– البرلمان ضعيف ووضع الحكومة غامض والقضاء تايع رغم الضمانات: رغم صلاحياته الواسعة ورصيده التاريخي، فقد ضل البرلمان المغربي على امتداد تجاربه محكوما بقواعد دستورية صارمة، وحتى مع توسيع صلاحياته في دستور 2011 ضل محكوما كذلك بإرث ثقافي مزدوج: من أهم صفاته العقلنة البرلمانية الدوكولية المقوية لدور الحكومة ورئيس الدولة منذ دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة سنة 1958، والعقلنة النظرية ( مصدر السلطة ) والواقعية ( الممارسة ) الصارمة للنظام السياسي المغربي القائم على ترتيب السلط بشكل لا يُسمح فيه للبرلمان بأن يظهر كسلطة مبادرة في القضايا الكبرى، وفي مجال التحديث السياسي بشكل عام، فإن هذه الوضعية لم تسعفه على تحريك الكثير من النصوص الدستورية التي تدخل في اختصاصاته، على رأسها النصوص المتعلقة بالمراجعة الدستورية[38]، في الوقت الذي شكلت فيه البرلمانات في الأنظمة الديمقراطية بوابة التحديث السياسي[39]، والحكومة وضعيتها غامضة رغم صراحة النصوص، القضاء تابع رغم الضمانات الدستورية لاستقلاليته وذكره في باب القضاء مسبوقا بكلمة السلطة, 
وبعبارة أخرى لكي يكون القضاء في مستوى الاستقلالية والفصل كما هو في الدستور يجب أن يشتغل الجميع تحت مراقبته. 
– أغلبة ومعارضة لا يمكن ردها لقاعدة من قواعد علم السياسة: أغلبية غالبا ما تكون هجينة مركبة من اليمين واليسار ومن غيره، لا يمكن تصنيفها ضمن أية خانة إيديولوجية، والمعارضة كذلك يصعب إخضاعها لعلم السياسة سواء الشرقي أو الغربي، وتكوينهما يخضع للظرفية وتجميع الأصوات عدديا وليس فكريا. 
وفي الوقت الذي نسعى فيه للتحديث السياسي لنظامنا على أسس غامضة، أو غير معقولة سنؤسس لثقافة ولممارسات سياسية ستضر بالأجيال القادمة، وبمصلحة البلد باسم الديمقراطية والمصلحة العليا للوطن نحن المسؤولون عنها اليوم . 
في حالة المقارنة بأنظمة ديمقراطية نجد أن هناك عوائق مؤسساتية وسياسية حقيقة ملموسة، نقلنا البرلمان، الأحزاب، الحكومة، الوزير، الأغلبية، المعارضة وسائل العمل…، وتنظمها نصوص راقية، وكل المظاهر التي توحي بالحداثة…،لكننا لم ننقل الروح لم ننقل الجودة لم ننقل الفعالية، فقط تغيرنا وتعلمنا طرق وأدوات التحديث لنحافظ على مواقعنا ومراكزنا لما تخوله إيانا من منافع وامتيازات، ولنقول للآخرين ونتباهى معهم بقيم ومبادئ لم نعتنقها بعد، في الحقوق، في العدالة، في الأغلبية، في المعارضة، في الخطاب، في التواصل في الممارسة، في المواطنة، في الحياة الكريمة، في التعليم، في الصحة في التصنيع والتكنولوجيا والفلاحة والتجارة، في تحصين الذات، في كل دروب الحياة التي لا تتناقض مع هويتنا…، فرغم نقلنا لهذه المظاهر فإن التحديث المنشود لا زال بعيد المنال. 
وعموما يمكن تلخيص هذه العوائق في عوامل ذاتية مرتبطة بالفاعلين السياسيين من مختلف مواقعهم، وعوامل موضوعية مرتبطة بدرجة انفتاح المناخ السياسي على محيطه، ومدى ما يوفره من إمكانيات حرية الرأي والتعبير والنقد….، أما الغرب مصدر الحداثة، فقد علمنا أن نتبع نموذجه في التحديث، ولكنه لم يعلمنا لا كيف ولا ما ذا نفعل بهذه الحداثة…

الهوامش

[1] – اسامه الغزالي حرب الاحزاب السياسية في العالم الثالث سلسلة عالم المعرفة يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب الكويت 1987 ص:31 
[2] – التنوير هو خروج الانسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه، من خلال: 
– استعمال العقل في وهذا القصور هو بسبب عجزه عن استخدام عقله الا بتوجيه من انسان آخر. 
– التحرر الفكري والاجتماعي وكذلك الاقتصادي والسياسي, الذي واكب التحولات البنيوية التي حدثت في اوربا والتي اعتبرت العقل هو المصدر الوحيد للمعرفة الصحيحة (ديكارت وسبنيوزا) 
– التفريق بين الدولة والمجتمع 
صورت فلسفة التنوير المجتمع بكونه اكثر من مجتمع سياسي, وبمعنى آخر, اكدت على الاستقلالية والتحرر وعدم الخضوع لسلطة الكنيسة وأية وصاية خارجية أخرى، وبفضل التفريق بين الدولة والمجتمع، وجهت الانظار الى الاهتمام بالنظم والمؤسسات الاجتماعية والثقافية والسياسية. 
لكن التنوير ترك جدلا حادا بسبب تاويلات أفكار التقدم والعقلانية والحرية والاسنقلالية و لم يحقق ما وعد به بل ومهد الطريق، كما يقول هوركهايمر وأدورنو في كتابهما “جدلية التنوير” عام 1947، لتنامي انظمة شمولية لم تاتي عبثا، فانقسم العالم وتراجع الفكر النقدي عن وظيفته وظهرت الدولة الشمولية وسيادة الأقوى بدل الأفضل مما قاد إلى فكرة المركزية الأوربية ونمت الديكتاتويات وتكاثرت الحروب والصراعات على مناطق النفوذ وتصنيع الثقافات، وأصبح المال والقوة هما مقياس النجاح والتقدم ي الحياة. voir-Horkheimer u. Adorno, Dialektik der Aufklaerung, Fischer Verlag,Frankfurt,1982, S.IX
ومع ذلك، يجب التمييز بين المواقف الرافضة تماما لأفكار عصرالتنوير، كما جاءت عند رواد ما بعد الحداثة ومن بينهم ميشيل فوكو، وتلك التي تنتقده لتطويره، بأعتباره مشروع لم يكتمل، كما عند يورغن هابرماس. فالافكار التي جاء بها عصر التنوير اعطت للعقل والحرية والتجربة دورا أهم بالقياس الى التقاليد، وهو ما مكن الشعب من ان يتحرر والفرد من ان يحصل على استقلاليته والمجتمع من ان يتقدم بأطراد.” فالأنوار ما زالت معاصرة لنا وتشع بنورها علينا. ورغم بعض الغيوم التي تلبد سماءنا، فاننا تلاميذ هذا العصر العقلاني الفريد حتى عندما ننتقده” 
Jurgen Habermas, Der Phhlosophische Diskurs der Moderne, Surkampf,Frankfurt,1991 
لمزيد من التفصيل أنظر ما هو التنوير؟ 
[3]- طاشمة بومدين، دراسات في التنمية السياسية في بلدان الجنوب: قضايا وإشكالات ديوان المطبوعات الجامعية،2011. الصفحة:10 
[4] – دانكوارت روستو ذكره اسامة الغزالي حرب سبق ذكره ص: 31 
[5] – كأحد شروط الانتقال من التقليد إلى الحداثة، فمن وجهة نظر عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم (1864-1920) أن التصنيع يغير المجتمع من البساطة والاتساق إلى التخصص والاختلاف، وخلاف كارل ماركس الذي اهتم كثيرا بالمؤثرات السلبية للتغريب والعقلانية التي لازمت النظام الرأسمالي، لم ير دوركايم في الانتقال من التقليد إلى الحداثة باعثا على القلق أو مؤشرا على الانحطاط الأخلاقي. لكنه، عوضا عن ذلك، ركز على ذلك الانتقال ليكشف عن المهام الجديدة للآليات المستحدثة. لأجل تلك الغاية، استقى دوركايم ملاحظاته وتحليلاته من الأجواء العامة التي أفرزتها الثورة الصناعية التي وقعت في بريطانيا وعمت ، انطلاقا منها، سائر أرجاء أوربا. لقد ارتبطت هذه الثورة بتحول كبير تمثل في إنتاج البضائع بوفرة هائلة نتيجة اندثار المهن التقليدية أمام زحف الآلات التي صممت للقيام بمهمات غاية في التخصص وفرضت على العمال تناسق وتضافر مجهوداتهم. لمزيد من التفصيل حول نظرية تقسيم العمل أنظر: كتاب 
[6] – وقد ورد مفهوم (التغْيير) في القرآن الكريم في أربعة مواضع، موزَّعة على أربع سور مدنيَّة النزول، بالاشتقاقات التالية:
(يُغَيِّرُنَّ) في سورة النساء الآية 119.
(يُغَيِّرُ) في سورة الرعد الآية 11.
(يُغَيِّرُوا) تكرَّرت في سورتَين: الأولى في الأنفال الآية 53، والثَّانية في الرَّعد الآية 11.
(يَتَغَيَّرْ) في سورة محمَّد الآية 15. 
[7] – لمزيد من التوضيح . أنظر: http://salam-b.blogspot.com تاريخ الولوج للموقع يوليوز 2016 
[8] – التغيير هو ناتج تفاعلات ظاهرة وباطنة، تحدث بشكل عشوائي أو مقصود، وهو مرتبط بالإنسان وبوجوده وحياته، وهو مرتبط بقوى التغيير، وبمقدار عفويتها وقوتها وقدرتها على التأثير، وهو نتاج الجهد البشري بهدف إصلاح واقعه، والتغلب على المشاكل التي تحد من حاجياته، وفي أبسط معناه هو ” شيء جديد مختلف عن الشيء القديم “، وتختلف درجته ونوعه باختلاف المجتمعات وأوضاعها وأزماتها وموقفها من عملية التغيير والإصلاح، كما يتنوع بتنوع مجالاته اقتصاديا اجتماعيا سياسيا ثقافيا …..، ونقصد به في هذه المداخلة التغيير المنهجي الديمقراطي الذي يعني الإصلاح والتغيير نحو الأفضل، والتغيير هو الوظيفة الثالثة في منهجية التقدم، لكنه لا يقع بنفس الوتيرة في كل المجتمعات والدول . 
والتغيير يتخذ عدة أشكال فقد يكون استراتيجيا، وهو يُعنى بالقضايا طويلة الأجل التي تشغل المؤسسة، وهو خطوة للمستقبل، ولذلك يمكن تعريفه بصفة عامة بمصطلح الرؤية الإستراتيجية، ويشمل هدف المؤسسة ورسالتها وفلسفتها المشتركة عن النمو والجودة والابتكار والقيم التي تخص العاملين واحتياجات الفئات المستفيدة والتقنيات المستخدمة. ويحدث التغيير الاستراتيجي في نطاق عدة عوامل هي البيئة الخارجية والموارد الداخلية للمؤسسة والإمكانيات والأنظمة، ويتطلب التنفيذ الناجح للتغيير الاستراتيجي تحليلاً وتفهماً كعاملين لهذه العوامل في مرحلتي التكوين والتخطيط. 
وقد يكون وظيفياـ أي ذلك التغيير الذي يرتبط بالنظم والهياكل والتقنيات التي لها أثر مباشر على المعنيين وهذه التغييرات قد يكون أثرها أكبر على الناس ووضعياتهم المختلفة كما هو الأمر بالنسبة لتقنيات صناعة التشريع ومسطرة مراقبة الحكومة وتدقيق أعمالها، وهذا التغيير الوظيفي يتطلب عناية فائقة وإرادة حقيقية. 
[9] – voir episs-org 
[10] – أنظر: محمد نعمان جلال، الثورة الثقافية البروليتارية والتغيير السياسي في الصين، رسالة ماجستير غير منشورة (القاهرة: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، 1978) ص33-34. وكذلك: episs-org 
[11]- طاشمة بومدين، دراسات في التنمية السياسية في بلدان الجنوب: قضايا و إشكالات، مرجع سابق. الصفحة:13 
[12] – فارس رشيد البياتي “التنمية الاقتصادية سياسياً في الوطن العربي Economic development politically In the Arab world. ” أطروحة مقدمة إلى مجلس كلية الإدارة والاقتصاد / الأكاديمية العربية المفتوحة في الدنمارك كجزء من متطلبات الحصول على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد،عمّان 2008. ص: 208. 
[13]- الكراعي محمد فاضل، النظام السياسي المغربي وإشكالية المشروعية الحداثية على ضوء التحولات الاجتماعية المعاصرة، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، كلية العلوم القانونية،الاقتصادية والاجتماعية، الدار البيضاء.2006/2007.الصفحة:11 
[14]- نصر محمد عارف، نظريات التنمية السياسية المعاصرة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، واشنطن-1994/ الصفحتين:111و174. 
[15]- طاشمة بومدين، دراسات في التنمية السياسية في بلدان الجنوب: قضايا و إشكالات، مرجع سابق، الصفحة:13 
[16] صمويل هنتنكتون، النظام السياسي لمجتمعات متغيرة، ترجمة: سمية فلوعبود، دار الساقي، لبنان، 1993. 
[17] – أنظر نبيل السمالوطي، بناء القوة والتنمية السياسية: دراسة في علم الاجتماع السياسي (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1978) ص184- 185. وكذلك: eipss-org 
[18] – تقسيم العمل حقيقة اجتماعية مادية كما أكدها العديد من المفكرين أمثال دوركهايم وأثبتها الواقع، وتؤشر على المحددات المرتبطة بالتخصصات والمسؤوليات. ففي المجتمعات البسيطة، يؤدي الناس الكثير من المهام المختلفة ويتحملون عددا كبيرا من المسؤوليات. أما في المجتمعات الحديثة نلاحظ أن الناس يحتلون مواقع أكثر تخصصا ويتحركون في نطاق ضيق من المهام والمسؤوليات. 
[19] – راجع في ذلك مبدأ فصل السلط لمونتسكيو. 
[20] – يتحدد مفهوم التغيير السياسي بناءً على صفة هذا التغيير، فإن كان التغيير إيجابياً محموداً، يهدف إلى محاربة الفساد وإزالته، وتحقيق الإصلاح، فينطبق عليه تعريف الإصلاح السياسي نفسه، وهو: “تغيير وتعديل في نظام الحكم سواء أكان جزئياً أو جذرياً، ومحاربة مظاهر الفساد والضعف فيه، بوسائل مختلفة، بحيث يحقق المقاصد الشرعية المرجوة منه”. أمَّا إن كان التغيير السياسي لا يهدف إلى هذه الأمور، بحيث يهدف إلى تكريس الفساد، أو محاربة الخير، فإنَّه يقصد به ” تغيير وتعديل في نظام الحكم سواء أكان جزئياً أو جذرياً، بوسائل مختلفة، بحيث يتحقق دون النظر إلى المقاصد الشرعية المرجوة منه”. 
والإصلاح السياسي خلافاً للثورة ليس سوى تحسين في النظام السياسي، فهو تطوير غير جذري في شكل الحكم، دون المساس بأسس هذا النظام. ولهذا يخرج منه الانقلاب لأنه يشمل أدوات غير سلمية للتغيير، ويهدف إلى تغيير القائمين على النظام أكثر من كونه يهدف إلى إصلاح النظام. بينما يرى البعض أنَّ الثورة أحد أشكال الإصلاح السياسي، إلاَّ أنَّها تعبير عن إصلاح سياسي راديكالي وسريع، كما أنَّ الانقلاب لتغيير القائمين على النظام لأنهم أساؤوا استعمال السلطة ليأتي من يقومون بالإصلاح، هو أحد أشكال الإصلاح السياسي، إلاَّ أنَّه شكل راديكالي غير سلمي للإصلاح 
كذلك يرتبط التغيير السياسي بمفهوم التحديث السياسي، والتحديث السياسي مفهوم مركب من مفهومين: الأول، مفهوم التحديث والثاني، مفهوم “سياسي”، ويقصد بالتحديث الانتقال من وضع إلى آخر على وفق معيار معين، وبوصفه السياسي أنه التغير الذي يشمل كل ما له صلة بالعملية السياسية، إذن مفهوم التحديث السياسي مفهوم له علاقة بجوانب الحياة السياسية كافة، ونظراً للتنوع الكبير في أنماط النظم السياسية التي يعرفها المجتمع المعاصر سواء من ناحية التنظيم أو العلاقات والأهداف التي يسعى إليها كل نظام كان طبيعياً انعكاس ذلك التنوع على الاتجاهات التي تناولت دراسة التحديث السياسي وأبعاده. 
ويوجد اتجاهان رئيسيان في دراسة التحديث السياسي: 
الأول: الاتجاه الليبرالي: وينطلق في شرحه لمفهوم التحديث السياسي عن القيم الديمقراطية في المجتمع الليبرالي، إذ يرى إن الديمقراطية هي المسار الوحيد والنتيجة الطبيعية لعملية التحديث السياسي، كما شهدته الدول الأوربية تضمن: اتساع مركزية السلطة الحكومية، والتمايز والتخصص للأبنية والوظائف السياسية، والمشاركة الشعبية المتزايدة، والتي تستند إلى مبدأ المساواة السياسية بوجه خاص، والوحدة القومية ودمج الأفراد بصورة متزايدة في النظام السياسي وربطهم عاطفياً به . 
الثاني: الاتجاه الماركسي: ينبع من الفلسفة الماركسية التي ترى أن الطريق الوحيد لعملية التحديث السياسي هو الصراع الطبقي الذي يؤدي إلى الثورة ويؤكد الماركسيون على أنهم لا يسعون إلى التحديث السياسي والاقتصادي فحسب بل إلى تحديث طبيعة الإنسان وإيجاد دور قيادي له في عملية التغيير، والتحديث السياسي الذي شهدته الدول الاشتراكية هو الثورة الشاملة التي تسعى لتغيير خريطة المجتمع تغييراً جذرياً، أي أن نقطة البدء هي إجراء تحديث في البناء التنظيمي للدولة ثم متابعة التحديث بالتوعية والتحديث الثقافي تحت قيادة الحزب الشيوعي 
وقد عالج (رومي) التحديث السياسي انطلاقاً من العوامل التي تُحدث التغير في عملية صنع السياسة العامة التي تتأثر بالتحولات المادية والاجتماعية وبتفاعل الساسة والمؤسسات السياسية والأفكار مع العالم المحيط بهم (البيئة: اقتصادية واجتماعية وتكنولوجية ودستورية…. الخ)، وهذه العوامل جميعاً تؤدي بدورها إلى حدوث تحديث سياسي، وبذلك يصبح التحديث السياسي هو “عملية صنع السياسة العامة التي تتأثر بالتحولات المادية والاجتماعية وبتفاعل الساسة والمؤسسات السياسية والأفكار مع العالم المحيط بهم 
وحاول “ليدز” توضيح الأسباب التي تؤدي إلى التحديث السياسي، وذكر منها: الأسباب التكنولوجية والعلم والتصنيع، ومراحل الاضطراب السياسي والاجتماعي (مثل: الحروب الأهلية والدولية والأزمات) ووجود الأفراد الحركيين (وهم الأشخاص الذين يملكون نفوذاً أساسياً وقوة سياسية، ويرغبون في التحديث) وطبيعة الاتجاهات السائدة (فالمجتمعات التي تؤكد على الإنجاز يكون أفرادها أكثر تقبلاً للتحديث مقارنة بالمجتمعات التي لا تؤكد على الإنجاز، ومن ثم يسعى أفرادها للحفاظ على الوضع الراهن) وكذلك طبيعة المثل العليا والأهداف التي تطرحها الأيديولوجيات السائدة في مجتمع ما، والتي قد تكون ذات أساس ديني أو وضعي. voir eipss-org- 
[21]- كوال أحمد التحضر، التحديث، الحداثة في المجتمع المغربي الحديث افريقيا الشرق 2012، الصفحات:217، 218 و219 
[22]- فريد لمريني التحديث في التاريخ السياسي و الاجتماعي المغربي، افريقيا الشرق، 2014. الصفحة:61. 
[23]- عبد الصمد بلكبير، ثمن الحرية: صفحات من تاريخ المقاومة المغربية، المطبعة والوراقة الوطنية،2013/ الصفحة:12 
[24]- محمد الرضواني، الحداثة السياسية في المغرب: إشكالية وتجربة، مطبعة المعرف الجديدة،الرباط،2009، الصفحة:35 
[25]- أكنوش عبد اللطيف، واقع المؤسسة والشرعية في النظام السياسي المغربي، مكتبة بروفانس، الدار البيضاء، 1999. الصفحة:88 
[26]- ويرجع هذا الصراع السياسي والإيديولوجي أساسا إلى إشكالية المشروعية، ففي الوقت الذي لم تتردد المؤسسة الملكية في التمسك بالمرجعية الدينية والتاريخية والوطنية كدعامة أساسية لشرعنة أحقية حسم السلطة السياسية لصالحها، سعى حزب الاستقلال ـ كأقوى قطب داخل الحركة الوطنية- إلى الإصرار على ضرورة خلق نظام سياسي حيث “تسود الملكية ولا تحكم” وترك ممارسة الحكم والسلطة للحزب اعتمادا على قوته التنظيمية ورصيده السياسي الذي حازه خلال مرحلة الكفاح الوطني. 
لكن في النهاية آلت الغلبة للمؤسسة الملكية حيث تمكنت من احتكار معظم السلطات السياسية وإخضاعها لمنطق المشروعية التقليدية، بالرغم من كل ما تضمنته الوثيقة الدستورية من بوادر حداثة سياسية بفعل تأثير الفلسفة الدستورية والسياسية للجمهورية الفرنسية الخامسة، وقد تم ذلك ليس فقط من خلال تأكيد معادلة”ملكية دستورية تسود وتحكم”، بل كذلك من خلال خلق القاعدة الاجتماعية المناسبة لنظام سياسي يعتمد مشروعية تقليدية تستند إلى الديني والتاريخي، رغم قوة وتنامي الطلب على التحديث السياسي، خاصة من طرف الأحزاب السياسية اليسارية. 
[27] – هذا النمط من التعايش بين المشروعيات يمكن إرجاعه إلى المعطيات الموضوعية التي طرأت على النظام السياسي المغربي مابين سنوات 1956 و 1962، معطيات يمكن ترجمتها رمزيا في المواجهة التي كانت خلال هذه الفترة بين حقلي التقليد والحداثة، خاصة في مستواها السياسي، أي المواجهة بين السلطة التي تستند إلى الدين والتاريخ وتلك التي تستند إلى المجتمع. 
[28]- الكراعي محمد فاضل، النظام السياسي المغربي وإشكالية المشروعية الحداثية على ضوء التحولات الاجتماعية المعاصرة، مرجع سابق، الصفحة: 131. 
[29] أنظر: المصدق رقية، متاهات السلطة التأسيسية، هل تتعايش الملكية الدستورية مع دستور تقديري، مطبعة النجاح، 2016 
[30]- في هذا الصدد أنظر: أحمد بوجداد، الملكية والتناوب: مقاربة لاستراتيجية تحديث الدولة وإعادة إنتاج النظام السياسي في المغرب، مطبعة النجاح الجديدة،الدار البيضاء، 2000 
[31]- من أهم المؤسسات التي طالبت “الكتلة الديمقراطية” في إصلاحات 1992 و 1996 بأن ترقى إلى مؤسسات دستورية: المجلس الأعلى للتعليم – المجلس الأعلى للإعلام – المجلس الاقتصادي والاجتماعي – المجلس الأعلى للحسابات- المجلس الأعلى للأمن والدفاع 
[32]- المصدق رقية، متاهات السلطة التأسيسية، هل تتعايش الملكية الدستورية مع دستور تقديري، مطبعة النجاح،2016 
[33]- طارق حسن، الدستور والديمقراطية: قراءة في التوترات المهيكلة لوثيقة 2011، منشورات سلسلة الحوار العمومي 2013، الصفحة:14 وما بعدها. 
[34]- محمد الرضواني الحداثة السياسية في المغرب: ”…”. سبق ذكره، ص:36. 
[35] – إذا كنا قد حققنا الوظيفتين الأولى والثانية، أي وظيفة التفسير والتبرير، أي أجبنا عن السؤالين ما هو؟ ولماذا؟ ونعني بذلك أنه أصبحنا نتوفر على رصيد معرفي، وعلمي، وتجارب برلمانية وحكومية ومؤسساتية وسياسية وتجارب دستورية ارتقت بالقضاء الدستوري وفصل السلط وحقوق الإنسان إلى مستواها العالمي نصا…. تراكمت على امتداد سنوات ستينيات القرن 20 م الماضي إلى اليوم، فسرنا فيها، وكشفنا خلالها، عن الكثير من مقومات العمل السياسي والتطور المؤسساتي والديمقراطي….،سواء كممارسين أو كمهتمين وأكاديميين، وأن الكثير مما تم تفسيره والكشف عنه أصبح متجاوزا ( كميا )، فإن المطلوب هو التغيير في الجودة في الفعالية في الأداء في تحسين ظروف عيش الناس. 
[36] – أنظر مثلا شروط رفع العرائض والملتمسات وحق الإضراب…في القوانين التنظيمية الواردة في الدستور المغربي لسنة 2011 
[37] – لمزيد من التفصيل حول غياب الأعمال التحضيرية في إعداد الدساتير المغربية انظر أطروحتنا الجامعية “ى مدى توازن السلطات في الدساتير المغربية لسنة 1992 و 1996 ” جامعة محمد الخامس كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الرباط 2002 ص: 170 وما يليها. 
[38] – أنظر للتفصيل أطروحتنا الجامعة ” مدى تأثير الإصلاحات الدستورية والسياسية لسنة 1992 و 1996 على توازن السلطات ” بالمغرب…م س ذ.الفصل الأول. 
[39] – أي منهجية التغيير الديمقراطي التي تتم عن طريق انتخاب الشعب من ينوب عنه في أداء المهمة انظر ما سبق. مناهج التحديث السياسي وأنماطه.
المصدر: https://dr-elfahssi-dcsp.blogspot.com/2018/10/blog-post_9.html

أضف تعليق