الأطر المفاهيمية والنظرية في تفسير السياسة الخارجية

أستاذ المادة: أ.د. سفيان صخري
محتوى الملخص:
طرح جيمس روزنوJames Roseneau :
يعد طرح جيمس روزنو من بين الاجتهادات التي حاولت إعطاء مساهمة علمية لميدان السياسة الخارجية من خلال مقاله الموسوم: “ما قبل نظريات ونظريات السياسة الخارجية”.‘Pre-Theories and Theories of Foreign Policy’ والذي صدر في العديد من الكتب والمجلات العلمية وعلى رأسها كتاب جيمس روزنو الموسوم ب: “الدراسة العلمية للسياسة الخارجية”.The Scientific Study of Foreign Policy
في هذا المقال حاول جيمس روزنو الابتعاد عن التحليل والتفسير الكلاسيكي لسلوك الدول على المستوى الخارجي والذي ارتبط بمركزية الدولة في التنظير والاعتماد على عامل المصلحة في التحليل والميل إلى دراسة السياسة الخارجية في إطار تفسير عام للعلاقات الدولية والنظام العالمي. في هذا السياق وفي نظرة تحليلية ملمة بالأنساق الكلية والفرعية والمستويات الكلية والجزئية التي تحيط بالسياسة الخارجية كمجال دراسي وعلمي مستقل عن العلاقات الدولية، صنف جيمس روزنو مصادر سلوك السياسة الخارجية إلى خمس مستويات أو عوامل أساسية: الخصائص الشخصية، الدور، التركيبات الحكومية، التركيبات الاجتماعية والمستوى النسقي/العالمي.
حسب روزنو، فهم توجه ومسار السياسة الخارجية لأي دولة يتطلب معرفة هذه العوامل والمصادر الخمسة والكشف عن تأثيرها في السياسة الخارجية، وبناء على هذا الطرح، تتمثل الخصائص الشخصية في الميزات الشخصية لصانعي القرار كمبادئهم وقناعاتهم وتصوراتهم وقيمهم وكفاءتهم ومواهبهم وخبرتهم، أما عامل الدور فيضم سلوكيات وخصائص صانعي القرار والرسميين المنفصلة عن السمات الشخصية والناجمة عن الدور والوظيفة التي يشغلونها في الوحدات القرارية والمؤسسات. التركيبات الحكومية تضم الهياكل والتنظيمات والفواعل الحكومية التي تزيد أو تحد من خيارات قرار الدولة الخارجي، أما عن التركيبات الاجتماعية فتشمل العوامل والمصادر غير الحكومية التي لديها علاقة بالمحيط الاجتماعي والتي تؤثر في مسار السياسة الخارجية على غرار التوجه القيمي للمجتمع، درجة الاتحاد والوفاق الاجتماعي، ومستوى التقدم الاجتماعي وبالخصوص درجة التصنيع. وأخيرا، المستوى النسقي أو العالمي الذي يرتبط بالتحديات والعوامل الصادرة من المجتمعات والدول الأخرى كتأثير التهديدات الجغرافية والإيديولوجية الخارجية وكل العوامل الناتجة عن العالم الخارجي والتي تؤثر في قرارات السياسة الخارجية للدولة.
بالرغم من أن طرح جيمس روزنو كان بمثابة دراسة علمية جديدة تميزت بتركيزها على العوامل المؤثرة في مسار السياسة الخارجية، إلا أن عمل روزنو واجه مجموعة من الانتقادات تمثلت فيما يلي:
1- مسار السياسة الخارجية هو عملية معقدة مكونة من مدخلات وهي العوامل المؤثرة في السياسة الخارجية، ووحدات قرارية تتفاعل مع هذه العوامل وينتج عن ذلك التفاعل مجموعة من المخرجات على غرار التوجهات العامة، الأهداف، الأدوار والوسائل والأدوات. وبالتالي، تركيز روزنو على العوامل المؤثرة في السياسة الخارجية هو إهمال للمكونات والمراحل الأخرى لمسار السياسة الخارجية.
2- حتى في تركيزه على العوامل أهمل روزنو مصادر وعوامل أخرى مهمة في مسار السياسة الخارجية كالعوامل المادية المكونة للقوة العامة للدولة والتي يمكن أن تؤثر في توجه وتطبيق السياسة الخارجية للدولة، كالخصائص الجغرافية، حجم الموارد الطبيعية، القوة الاقتصادية، والقدرات العسكرية للدولة، لأن عمل روزنز ركز أساسا على العوامل والمصادر غير المادية المؤثرة في مسار السياسة الخارجية.
3- في تقسيمه لعوامل أو مصادر السياسة الخارجية، تطرق روزنو إلى مستوى متعلق بالخصائص الشخصية لصانع القرار ومستوى آخر متعلق بالخصائص أو السلوكيات الناجمة من المنصب الذي يشغله صانع القرار في المؤسسة أو الوحدة القرارية التي يشتغل فيها. السؤال المطروح في هذا السياق، هو كيف يمكن أن نفرق بين سلوك صانع القرار الناجم عن مميزاته الشخصية وسلوك صانع القرار الناجم عن الدور أو المنصب الذي يشغله، وكيف يمكن الفصل بين الميزات الشخصية لصانع القرار والميزات المتعلقة بدور صانع القرار؟ هذه مهمة صعبة التحقيق لأن هناك تداخل كبير بين خصائص الدور والخصائص الشخصية لأن الخصائص والسلوكيات المتعلقة بالدور يمكن أن تخضع هي الأخرى للمميزات الشخصية لصانع القرار.
4- على غرار مقاربة صنع القرار، طرح جيمس روزنو يواجه، في تطبيق البعض من جوانبه، إشكالية تجميع المعلومات، فإذا كان العامل المتعلق بالنظام الدولي يمكن إلى حد ما معرفة الكثير من معطياته وتفاصيله، فتحصيل وتجميع مادة البحث حول الخصائص الشخصية لصانع القرار مثلا هي مهمة صعبة التحقيق.
المقاربة المعرفية Cognitivist Approach:
وهي مقاربة تعطي أولوية وأهمية للسمات والمتغيرات النفسية والشخصية لصانع القرار في تفسير سلوك الدولة على المستوى الخارجي ويدخل في إطارها عدة أعمال ومصطلحات.
1-أول من كتب في إطار هذه المقاربة هو أولي هولستي Ole Holstiالذي أدخل عدة مصطلحات في أدبيات الدراسة العلمية للسياسة الخارجية مثل “النسق العقائدي” (The Belief System)، “الصور الوطنية” (National Images) و”الإدراك” .(Perception)
طرح أولي هولستي فكرة النسق العقائدي والصور الوطنية في مقاله المشهور:
“النسق العقائدي والصور الوطنية: دراسة حالة”
‘The Belief System and National Images : A Case Study ‘
في هذا المقال أكد هولستي أن الصورة هي أهم من الواقع في صناعة السياسة الخارجية بالنظر إلى وجود مجموعة من القيم والمعتقدات والمبادئ التي تشكل في ذهنية صانع القرار تصور أو إدراك يحدد الصديق والعدو والحسن والسيئ والخيِّر والشرير، فحسب هولستي حينما يتعامل صانع القرار مع مسألة أو موضوع معين في ميدان السياسة الخارجية، لا يتعامل صانع القرار مع الموضوع حسب الحقيقة الموضوعية والواقعية للملف بل يتعامل معه طبقا لتصوراته وادراكاته ومعتقداته. فتفاعل صانع القرار مع ملفات وقضايا السياسة الخارجية ينتج أساسا من التصورات الشخصية والنفسية والعقائدية لصانع القرار إلى جانب الصور الوطنية الموجودة في الشخصية القومية أو الوطنية للدولة.
طبقا لهذا الطرح، دراسة السياسة الخارجية للدول تتطلب تحليل وتفسير النسق العقائدي لصانع القرار والمتكون من تصوراته وادراكاته النفسية والشخصية وعلاقتها بالصور الوطنية.
الاعتماد على الإدراك والصورة في تعامل صانع القرار مع ملفات السياسة الخارجية حسب طرح هولستي يتطلب تحديد مفاهيم أخرى متصلة بهذا الطرح على غرار سوء الإدراك والصورة النمطية التي يمكن أن تنجم عن معتقدات وصور خاطئة للموضوع أو الملف محل الدراسة.
أولا: الصورة النمطية Stereotype:
هي تصور ذهني واعتقاد شخصي أو جماعي حول أمر معين، سواء مادي أو معنوي، ومن خصائص هذا التصور المبالغة، الإفراط في التبسيط، التعميم وإصدار أحكام مسبقة، دون التمعن في حقيقة وواقع هذا الأمر أو مراعاة التغيرات والمستجدات التي يمكن أن تطرأ عليه. فالصورة النمطية هي إدراك ناقص أو موجه يتجاهل التركيبة الكاملة والحقيقية للظواهر والمواضيع، فهي عبارة عن سوء فهم ناجم عن حكم مسبق، ثابت ومعمم، يشجع الجمود والسلبية والتعصب والعدمية ويرفض الانفتاح والاختلاف والتنوع.
ينشأ ويتكون التفكير النمطي نتيجة عوامل وأدوات مختلفة تساعد على تحديد نوعين أساسيين من الصور النمطية:
(أ)- الصور النمطية التلقائية/العفوية:
هذا النوع من الصور النمطية ناتج عن نقض في المعرفة والمعلومات المتعلقة بالموضوع أو الظاهرة الخاضعة للصورة النمطية، فالتفكير النمطي في هذه الحالة هو تفكير تلقائي/عفوي/بريء غير موجه وغير مفبرك.
(ب)- الصور النمطية المفبركة:
هي صور نمطية تم رسمها في أذهان الأفراد والمجتمعات بطريقة مفتعلة ومقصودة من خلال مجموعة من الآليات والأدوات، أهمها:
– أدوات الثقافة الشعبية: الأمثال، النكت، القصص والأساطير.
– الأدوات الإعلامية: الصحافة المرئية، السمعية والمكتوبة، الكتب، المجلات، الندوات والانترنت.
– الخطاب السياسي الحكومي الرسمي.
– مضمون المناهج والبرامج التعليمية بمختلف مستوياتها.
ثانيا: الحقيقة Truth:
الحقيقة تعبر عن كل ما هو صادق، ثابت، واقع ومبرهن عليه وعكس الحقيقة يتمثل في كل ما هو وهمي، خاطئ، كاذب وافتراضي.
ثالثا: الإدراك وسوء الادراك Perception and Mispercetion:
الإدراك هو استجابة العقل لمجموعة من المحددات والعوامل التي ترسم لدى الإنسان تصور معين يحدد موقعه وسلوكه اتجاه المحيط الخارجي، فالإدراك هو إحساس طبيعي ناتج عن استقبال وتفاعل مجموعة من العوامل المشكلة لبيئة الإنسان، هذه العملية ينتج عنها شعور يحدد ويوجه علاقة الأنا بالغير، يسمى هذا الشعور أو التصور بالإدراك.
على ضوء ما سبق من تعاريف، يمكن القول أن الصورة النمطية هي عبارة عن إدراك نسبي، غير واقعي وخاطئ للظواهر والمواضيع، لأنها مبنية على أحكام مسبقة وصور تفرط في التعميم والسلبية والتعصب وتبالغ في التبسيط، فالصورة النمطية هي إدراك لا يعكس الحقيقة لأنها تجهل أو تتجاهل حقيقة وواقع المواضيع والملفات والظواهر، وبالتالي هي صورة ناجمة عن سوء إدراك.
2-باحثة علم النفس السياسي مارغريت هيرمن Margaret Hermann تعد كذلك من أهم منظري المقاربة المعرفية من خلال دراسات علمية متعددة كشفت من خلالها تأثير الخصائص النفسية والشخصية على الأسلوب القيادي للرؤساء وقراراتهم الخارجية.
حسب هيرمن فهم السياسة الخارجية في طابعها العدواني أو التعاوني يرجع إلى السمات الشخصية للقائد كمعتقداته ودوافعه النفسية وأسلوب القائد في القرار وطبيعة علاقاته الشخصية مع الآخرين. وفي هذا السياق تعتبر هيرمان البيئة النفسية للقائد كفضاء يتوسط البيئة الخارجية والداخلية وتقسم عقائد القائد السياسي إلى عقائد فلسفية ترتبط بمنظور القائد للدولة ودورها في النظام الدولي وعقائد أدائية تخص الاستراتيجيات والتقنيات التي تساعد على تحديد وتجسيد أهداف السياسة الخارجية.
وقد أشارت دراسات مارغريت هيرمن أن القادة السياسيين الذين يميلون إلى سلوكيات عدوانية يتميزون ببعض السمات والملامح الخاصة كالحاجة إلى السلطة، محدودية مفاهيمية، وطنية مفرطة، عدم الثقة في الآخرين والاعتقاد بامتلاك سيطرة وتحكم في التفاعلات والأحداث. أما عن القادة السياسيين الذين يميلون إلى سلوكيات تصالحية وتعاونية فيتميزون بحاجتهم للانتماء، وقدرة عالية على استيعاب المفاهيم والمعلومات المعقدة، ولديهم وطنية ضئيلة ودرجة كبيرة من الثقة في الآخرين، زيادة على عدم وجود قناعة وإيمان لديهم بالسيطرة والتحكم في التفاعلات والأحداث التي يشاركون فيها.
ومن بين أشهر أعمال هيرمان في هذا الإطار مقالين:
“تأثيرات الصفات الشخصية للقادة السياسيين في السياسة الخارجية”
‘Effects of Personal Characteristics of Political Leaders on Foreign Policy’
و “تفسير سلوك السياسة الخارجية باستعمال الصفات الشخصية للقادة السياسيين”
‘Explaining Foreign Policy Behavior Using Personal Characteristics of Political Leaders’
وكتاب هيرمن الموسوم ب: “دراسة نفسية للقادة السياسيين”.
A Psychological Examination of Political Leaders
3-إلى جانب أولي هولستي ومارغريت هيرمن، أسهم المفكر السياسي الأمريكي روبرت أكسلرود Robert Axelrod في تطوير المقاربة المعرفية والبحث في تأثير الصفات الشخصية على السياسة الخارجية من خلال تقديمه لمصطلح “الخرائط المعرفية” (The Cognitive Maps/Mappings)
في كتابه الموسوم ب “بنية القرار: الخرائط المعرفية للنخب السياسية”.
The Structure of Decision: The Cognitive Maps of Political Elites
في هذا الإطار يتصور أكسلرود أن لكل صانع قرار خريطة ذهنية أو عقلية أو تفكيرية تخطط وتحدد وتوجه مخرجات صنع القرار ومسارات السياسات الخارجية للدول وتتمثل هذه الخريطة في رسم أو مخطط بياني يشمل المعطيات والمعتقدات الشخصية للنخب السياسية وصناع القرار والتي تحدد تصرف واستجابة صانع القرار في تعامله مع ملفات وقضايا السياسة الخارجية. من بين الآليات والأدوات المقترحة للكشف عن الخريطة المعرفية للنخب السياسية وطريقة تفكيرها هي قراءة واستقراء كتابات وتصريحات هذه النخب والقيادات، إلى جانب آلية أخرى تتمثل في إجراء مقابلات مع صناع القرار للكشف عن المؤشرات والمعلومات التي تعبر عن النوايا والدوافع الحقيقية والخفية لهذه النخب، زيادة على أداة أخرى وهي دراسة عناصر وتفاصيل السير الذاتية لهذه القيادات والنخب وبالخصوص الجوانب التي يمكن أن تؤثر في مقومات الخريطة التفكيرية للشخص.
السؤال المطروح حول المقاربة المعرفية وهذه الكتابات التي أعطت أهمية بالغة لمعتقدات صانع القرار وبيئته الشخصية في تحديد طبيعة وتوجه السياسة الخارجية هو، هل في كل الحالات قرارات الدولة على المستوى الخارجي هي مستمدة من الأنساق العقائدية والصور الوطنية والملامح الشخصية والخرائط المعرفية؟
والإجابة هي طبعا لا، ليس في كل الحالات السلوك الخارجي للدولة متصل بالنسق العقائدي والملامح الشخصية للقادة وخرائطهم المعرفية، وهذه من بين الانتقادات الأساسية الموجهة للمقاربة المعرفية لأن جوهر السياسة الخارجية يدور حول قاعدة ‘لا يوجد صديق دائم وعدو دائم’ والصداقة والعداوة في السياسة الخارجية محددة بمنطق القوة والمصلحة وليس بالمعتقدات والخرائط الذهنية. والدليل على ذلك أنه رغم أن النسق العقائدي والصور الوطنية والخرائط المعرفية عند غالبية النخب الشرق أوسطية ترى إسرائيل كدولة عدوة لكن لم تكن هناك استجابة أو سلوك أوتوماتيكي من طرف الدول العربية والاسلامية بتوجيه ضربة عسكرية لإسرائيل لأنها تقيس السلوك بحجم تداعياته المادية والأضرار العسكرية والسياسية والاقتصادية الناجمة على مثل هكذا سلوك. من جهة أخرى، وجود أنساق عقائدية مشتركة بين الدول العربية والإسلامية لم يمنع من دخول هذه الدول في حروب فيما بينها كان دافعها المكاسب والمزايا المادية.
المقاربة الإيديولوجية :Ideological Approach
بما أن الإيديولوجية هي مجموعة من المرجعيات والأنساق والديناميكيات الفكرية والعقائدية والفلسفية التي توجه السلوك الفردي والمجتمعي، فمن الطبيعي والمفروض أن يتم إدراج البعد الإيديولوجي في تفسير السياسة الخارجية ضمن اجتهادات ومساهمات المقاربة المعرفية. لكن العديد من الأسباب والظروف والمعطيات جعلت من الإيديولوجية عنصر مستقل في الدراسات الاجتماعية والسياسية والدولية، ومن بين هذه الأسباب والظروف يمكن ذكر ما يلي:
– منذ الاهتمامات العلمية الأولى بموضوع الإيديولوجية، والتي ترجع إلى عصر التنوير الفرنسي، تطورت الإيديولوجية من ناحية المفهوم والممارسة ولم تعد الإيديولوجية ترتبط بعالم الأفكار فقط بل دخلت الأدلجة مجالات وميادين مختلفة وأصبحت تساهم في تحديد الخيارات والتوجهات السياسية والعسكرية والاقتصادية والدينية والثقافية وحتى التعليمية والأكاديمية.
– الحياة السياسية داخل الدول هي عبارة عن صراعات وتحالفات حادثة بين توجهات سياسية من إيديولوجيات مختلفة، والعلاقات الدولية في العديد من مراحلها كانت ولا تزال عبارة عن سلوكيات وأنماط من التعاون والتحالف والتكامل مبنية في معظمها على توافقات إيديولوجية أو سلوكيات وأنماط من التنافس والصراع والنزاع بين وحدات دولية من بيئات إيديولوجية مختلفة.
– الإيديولوجية النازية المبنية على تفوق الجنس الآري-الألماني والإيديولوجية الفاشية المرتكزة على إحياء أمجاد الإمبراطورية الرمانية في ايطاليا هي التي حركت السياسات العدوانية والعنصرية لكل من ألمانيا وايطاليا وأدت إلى الحرب العالمية الثانية التي أفرزت حرب باردة تميزت هي كذلك بحرب إيديولوجية دارت بين الإيديولوجية اللبرالية الغربية والإيديولوجية الاشتراكية الشرقية المتأثرة بالإيديولوجية الماركسية، زيادة على توجه إيديولوجي ثالث تمثل في عدم الانحياز والذي ضم الدول النامية والحديثة الاستقلال. ورغم أن الصراع الإيديولوجي عرف تراجع مع نهاية الحرب الباردة إلا أن الحرب العالمية ضد الإرهاب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر كانت تحت غطاء إيديولوجي روج له العالم الغربي بأنه صراع بين الإيديولوجية اللبرالية-الديمقراطية المنتصرة في الحرب الباردة وإيديولوجية الأصولية الإسلامية المتمردة على الغرب. وفي هذا السياق، أطروحة صراع/صدام الحضارات The Clash of Civilizations التي نعيش بوادرها حاليا والتي روج لها صامويل هنتغتن Samuel Huntington، هي صراع قيمي-عنصري مبني على اتحاد بين الجنس الأصفر والعالم الإسلامي والشرقي ضد الإيديولوجية اللبرالية-الغربية التي يقودها الرجل الأبيض.
ظهور المقاربة الإيديولوجية في ميدان دراسة السياسة الخارجية ارتبط بكتاب المفكر السياسي مايكل هانت Michael Hunt حول السياسة الخارجية الأمريكية والموسوم ب “الإيديولوجية والسياسة الخارجية الأمريكية” .Ideology and US Foreign Policy في هذا الكتاب أكد هانت أن الإيديولوجية هي التي حركت السياسة الخارجية الأمريكية منذ القرن الثامن عشر، وحسب طرح هانت الإيديولوجية الأمريكية مركبة من ثلاث عناصر ومكونات أساسية:
العنصر الأول أو المكون الأول:
هو أن لكل أمريكي مهمة وطنية تتمثل في تصدير وترقية الحرية والديمقراطية في الخارج، ويرتبط ذلك بالصورة المتداولة للأمريكي في أفلام الويسترن: “الرجل الأبيض الذي يركب الحصان الأبيض ويذهب لتحرير الناس” ‘The white man who rides the white horse to free people’.
والدليل على ذلك أن الخطابات الرسمية للقادة الأمريكيين التي بررت السياسات التدخلية الأمريكية، سواء سياسات الاحتواء والحرب بالوكالة أثناء الحرب الباردة أو الحروب التي عقبت أحداث 11 سبتمبر، استعملت مبررات التحرير والانتماء للعالم الحر وواجب نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان لتعبئة الرأي العام الداخلي وكسب تعاطفه ومساندته للسياسات التدخلية المنتهجة.
العنصر الثاني أو المكون الثاني:
هو أن في ذهنية كل أمريكي هناك سلم أو هرم يرتب الأجناس والشعوب في العالم، وهذا الترتيب يسلم أن الشعب الأمريكي هو أسمى شعب في العالم. هذه النظرة العرقية الضيقة موجودة حتى داخل النسق المجتمعي الأمريكي بين الأمريكي الأبيض والأمريكيين من أصول افريقية والأمريكيين الهسبان واللاتينيين ومن العرق الأصفر زيادة على السكان الأصليين.
العنصر الثالث أو المكون الثالث:
هو وجود نزعة لدى الأمريكي تتمثل في رفض كل مجموعة أو منظمة ذات طابع يساري، شيوعي، اشتراكي أو ثوري. وفي هذا السياق، يجب التأكيد أن هذا الرفض تحول بعد أحداث 11 سبتمبر إلى رفض أو على الأقل التحفظ عن كل ما هو إسلامي وعربي أو شرق أوسطي.
حسب مايكل هانت، هذه الإيديولوجية الثلاثية التركيب كانت المحرك الأساسي للسياسات التدخلية والهجومية والاستغلالية للولايات المتحدة الأمريكية في مناطق مختلفة وتفسر إلى حد بعيد توجهات وخيارات السلوك الأمريكي على المستوى الخارجي، لكن يبقى هذا الطرح عاجز عن تفسير سلوكيات التعاون والتحالف والتقارب التي جرت بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول أخرى من إيديولوجيات مغايرة أو بين الدول الغربية ودول أخرى من مرجعيات فكرية وقيمية تختلف عنها وفي بعض الأحيان تتناقض معها، لأن المصلحة تسبق الإيديولوجية في السياسة الخارجية ويمكن في الكثير من الأحيان أن ما يحدد الخيار والتوجه الإيديولوجي هو الحاجة والمكسب، وهذا ما يجعل المقاربة الإيديولوجية، مثلها مثل المقاربة المعرفية، غير ملمة بكل الجوانب التفسيرية للسياسة الخارجية.
مقاربة تحليل الخطاب Discourse Analysis Approach:
مقاربة تحليل الخطاب تهتم بالتحليل الكمي والكيفي للغة السياسة الخارجية كونها دراسة كمية وكيفية للخطابات والتصريحات الرسمية المتعلقة بسلوك الدولة اتجاه بيئتها الخارجية.
من أهم المفكرين الذين اهتموا بمقاربة تحليل الخطاب يمكن ذكر ديفيد كامبل David Campbell، أولي ويفر Ole Waever، روكسان دوتي Roxanne Doty، و هنريك لارسن Henrik Larsen.
انطلق هؤلاء المفكرين من انتقاد المقاربات السابقة والتي حاولت تحليل السياسة الخارجية من خلال دراسة مسار صنع القرار أو التركيز على الأجهزة البيروقراطية وتأثير الأنساق العقائدية والمعرفية والنفسية والتي تتطلب احتكاك شخصي ومباشر بصناع القرار ومعرفة كواليس ودواليب الوحدات القرارية للدولة. تفاديا لهذه العراقيل والمعوقات التي تواجه الباحث أثناء التحليل والتفسير، طرح هؤلاء المنظرين مقاربة بديلة للمقاربات السابقة تعتمد على أداة دراسية سهلة التطبيق وهي تحليل الخطاب أي دراسة ما يسمى بلغة السياسة الخارجية والتي تتمثل في تحليل وتفسير الخطابات والتصريحات الرسمية للقادة والسياسيين والتي تساعد الباحث على معرفة توجهات وأهداف الدولة على المستوى الخارجي والتنبؤ بالممارسات والنشاطات التي ستنتهجها الدولة لتطبيق التوجهات العامة للسياسة الخارجية.
ومن أبرز الاجتهادات الأولى في هذا السياق مقال أولي ويفر:
“لغة السياسة الخارجية” .(The Language of Foreign Policy)
وكتاب هنريك لارسن الموسوم ب:
“السياسة الخارجية وتحليل الخطاب: فرنسا، بريطانيا وأوروبا”.
Foreign Policy and Discourse Analysis: France, Britain and Europe
يتفق أنصار مقاربة تحليل الخطاب أن الخطابات والتصريحات الرسمية للقادة وصناع القرار تساعد من جهة على فهم الثقافة السياسية السائدة في الدولة محل الدراسة، ومن جهة أخرى، تساعد على تعزيز هذه الثقافة السائدة في الشخصية القومية أو الوطنية للدولة.
استخدام مقاربة تحليل الخطاب في تفسير السياسة الخارجية يتطلب المرور عبر مرحلتين أساسيتين:
المرحلة الأولى: مرحلة التصنيف والترتيب:
هي مرحلة يقوم خلالها الباحث بتجميع مختلف الخطابات والتصريحات المتعلقة بالموضوع أو الملف محل الدراسة في الإطار الزمني المطلوب أي الفترة الزمنية محل الدراسة.
المرحلة الثانية: مرحلة تحليل المضمون:
هي بدورها تنقسم إلى خطوتين أو مرحلتين أساسيتين:
1/ مرحلة الفحص:
ويتم خلال هذه المرحلة التمعن في المضمون بغية الكشف عن الكلمات، المصطلحات والعبارات التي تبين توجه السياسة الخارجية أو التي تتنبأ بنشاطات وممارسات الدولة على المستوى الخارجي.
2/ مرحلة التفسير:
هي المرحلة الحاسمة التي يتم من خلالها الحكم على توجه وممارسات السياسة الخارجية استنادا إلى تحليل وتفسير الكلمات والعبارات المفتاحية التي تم الكشف عنها خلال مرحلة الفحص.
يمكن تقديم مثال بدراسة استعملت أدوات ومراحل مقاربة تحليل الخطاب في الكشف عن توجه وطبيعة السياسة الخارجية الجزائرية في الستينيات والسبعينيات.
المرحلة الأولى للدراسة: مرحلة الترتيب والتصنيف:
قام الباحث في هذه المرحلة بتجميع تسعة وثلاثون خطابا في الفترة الممتدة مابين 1962 و1978، عشرون خطابا للرئيس الراحل أحمد بن بلة وتسعة عشر خطابا للرئيس هواري بومدين.
المرحلة الثانية للدراسة: مرحلة تحليل المضمون:
1/ في مرحلة الفحص: كشفت الدراسة عن تكرار مستمر لخمسة مصطلحات أساسية: الثورة، الاستعمار، الامبريالية، الاستقلال والسيادة، على النحو التالي:
-مصطلح الثورة: تم تكراره 416 مرة واستعملت هذه الكلمة في عدة مجالات ومستويات: الثورة المسلحة، ثورة التحرير، الثورة الصناعية، الثورة الزراعية، الثورة الاقتصادية، ثورة اجتماعية وثورة ثقافية.
-مصطلح الاستعمار: تم استعماله 197 مرة وتم ربطه خلال هذه الخطابات بنوعين من الاستعمار: استعمار قديم واستعمار جديد.
-مصطلح الامبريالية: تم تكريره 165 مرة.
-مصطلح الاستقلال: تم تكريره 143 مرة.
-مصطلح السيادة: تم تكريره 122 مرة.
2/ في مرحلة التفسير: توصلت الدراسة أن التكرار المستمر لهذه المصطلحات الخمسة: الثورة، الاستعمار، الامبريالية، الاستقلال والسيادة في خطابات الرئيسين بن بلة وبومدين يعني أن الجزائر أثناء الستينيات والسبعينيات انتهجت سياسة خارجية ثورية-وطنية موجهة لمكافحة الاستعمار والامبريالية.
وهذه نتيجة صحيحة وتعبر عن توجه وطبيعة السياسة الخارجية في الستينيات والسبعينيات والدليل موجود في دستور 1976 والذي حدد مبادئ السياسة الخارجية الجزائرية كالتالي: عدم الانحياز، مكافحة الاستعمار، مكافحة الامبريالية، ومساندة العالم الثالث. هذه المبادئ التي حذفت أو عدلت في دستور 1989.
بناء على هذا المثال، يمكن القول أن مقاربة تحليل الخطاب هي مقاربة عملية في تحليل السياسات الخارجية للدول لسببين على الأقل:
أولا، لأن هذه المقاربة تركز على مراحل منهجية وعملية في التحليل والتفسير.
ثانيا، لأن هذه المقاربة تعتمد على أدوات تحليل ملموسة يمكن الحصول عليها.
هذه الايجابيات لم تمنع وجود فراغات ونقائص متعلقة بهذه المقاربة حيث أن مقاربة تحليل الخطاب واجهت مجموعة من الانتقادات، أهمها ما يلي:
1-مقاربة تحليل الخطاب لا تعلمنا بمسار السياسة الخارجية كاملا والمتكون من عوامل ومدخلات مؤثرة في السياسة الخارجية، تفاعل هذه المدخلات مع الوحدات القرارية التي تنتج مجموعة من المخرجات على غرار التوجهات والأهداف والأدوار والوسائل والأدوات. فيمكن للخطاب أن يتعرض للتوجهات العامة لسياسة الدولة على المستوى الخارجي والأدوار التي ستلعبها الدولة إقليميا ودوليا لكن لا يمكن معرفة العلبة السوداء للقرارات الخارجية والوحدات القرارية من خلال تفكيك وتفسير الخطابات.
2-ميدان السياسة الخارجية هو مجال حساس ومهم يرتبط أساسا بأمن وسيادة الدولة، وبالتالي هو موضوع يركز على الحسابات والاستراتيجيات السرية والحيوية للدولة والتي لا يمكن أن نجدها في الخطابات والتصريحات الرسمية الموجهة للعموم.
3-هل تصريحات وخطابات القادة والسياسيين تعكس دائما الواقع والنوايا الحقيقية؟ ماذا عن التصريحات والخطابات الزائفة والمضللة والتي تهدف إلى المغالطة وتمويه الأعداء والمنافسين أو الموجهة للاستهلاك الإعلامي والدبلوماسي أو المقدمة لتعبئة الجماهير واكتساب تعاطف الرأي العام الداخلي أو الدولي.
فكما ذكرنا سابقا، الإعلان عن رغبة في الخطاب الرسمي المتصل بالسياسة الخارجية للدولة يبقى مجرد أمنية ولا يتحول إلى هدف حتى تخصص له خطط ووسائل وبرامج ميدانية، من جهة أخرى، وكما أكدنا سالفا، في السياسة الخارجية ليس كل ما يعلن ينفذ وليس كل ما ينفذ يعلن.
مقاربة السياسة الداخلية :Domestic Politics Approach
الفكرة الأساسية لهذه المقاربة هي أن السياسة الخارجية هي انعكاس ومرآة للسياسة الداخلية وأن سلوك الدولة خارج حدودها القانونية والمادية ما هو إلا استجابة للتفاعلات الحادثة في النسق الداخلي للدولة.
وفي هذا الموضوع يقول كريستوفر هيل Christopher Hill في كتابه “السياسة المتغيرة للسياسة الخارجية” The Changing Politics of Foreign Policy أنه لا يمكن فصل السياسة الخارجية عن النسق الداخلي الذي نشأت فيه لأن السياسة الخارجية تصنع داخليا، في مؤسسات الدولة ووحداتها القرارية، ولا يوجد سياسة خارجية دون مجتمع داخلي وسياسة داخلية.
مقاربة السياسة الداخلية في تفسير السياسة الخارجية ارتبطت بفكرة طرحها المفكر السياسي الأمريكي روبرت ديفيد بوتمان Robert David Putman وهي فكرة “Two-Level Games” ‘اللعب الثنائية المستوى’ والتي طرحها بوتمان في مقاله المعنون ب:
Diplomacy and Domestic Politics: The Logic of Two-Level Games” “
‘الدبلوماسية والسياسة الداخلية: منطق اللعب الثنائية المستوى’
انطلق بوتمان في مقاله من مسار التفاوض بين الدول ليقدم تصوره المنبثق من مقاربات اللعب والذي ارتكز على فكرة وجود تشابك بين السياسات المحلية والدولية. هذا الجانب، حسبه، تم إهماله من طرف المقاربات التقليدية التي تمحور اهتمامها على كيان الدولة كعنصر أساسي في تفسير السياسة الخارجية والعلاقات الدولية. في هذا السياق، أكد بوتمان على وجود نقاش نظري يتمثل في، هل السياسة الداخلية هي التي تحدد العلاقات الدولية والسياسة الخارجية أم العكس. للإجابة عن هذا السؤال واستنادا إلى دراسة تصرفات المفاوضين وصناع القرار أثناء التفاوض الدولي أكد ديفيد بوتمان أن السياسة الخارجية هي عبارة عن مسار أو عملية ترتبط بمستويين متشابكين ومترابطين: المستوى الوطني أو الداخلي والمستوى الخارجي. لتفسير ذلك، طرح بوتمان السؤال التالي: كيف ومتى يتفاعل ويتداخل المستوى الداخلي والخارجي؟
كإجابة عن هذا السؤال يتصور بوتمان أن المفاوض وصانع القرار يجد نفسه أثناء التفاوض الدولي أمام لعبة ثنائية المستوى:
في المستوى الأول: المستوى الوطني أو المحلي:
هناك جماعات ضغط ومصالح ولوبيات مجتمعية واقتصادية وسياسية مهمة في النسق الداخلي للدولة تفرض على المفاوض وصانع القرار الاستجابة لمطالبها وحاجياتها أثناء تطبيق السياسة الخارجية وبالخصوص في عمليات التفاوض، وبالتالي:
في المستوى الثاني: المستوى الخارجي أو الدولي:
يجد المفاوض وصانع القرار نفسه ساعيا وعاملا على تحقيق حاجيات ومصالح جماعات الضغط والفواعل الداخلية المهمة لأن هذه الجماعات تملك نفوذ مجتمعي واقتصادي وسياسي وحتى قانوني لأن المفاوض يعلم أن أي اتفاقية دولية تتطلب المصادقة عليها من طرف المؤسسات الداخلية للدولة وتشترط موافقة المنتخبين المحليين، وبالتالي، سلوكيات المفاوضين على المستوى الخارجي يجب أن تكون منسجمة مع الحاجيات والتفاعلات المحلية والوطنية ولا يمكنها أبدا أن تخضع لظروف وضغوطات المحيط الخارجي. وفي هذا السياق، على المفاوضين وصناع القرار أن يزامنوا تصرفاتهم الخارجية أثناء التفاوض بتحالفات محلية واستراتيجيات تعاونية وتنسيقية مع الفواعل الداخلية المهمة على غرار اللوبيات النفطية والاقتصادية والمالية والمركبات الصناعية العسكرية وغيرها.
فعلى سبيل المثال ولغرض التفصيل أكثر، لا يمكن لصناع القرار الأمريكيين أن يفاوضوا اتفاقية حول التسلح أو مبيعات التسلح دون الرجوع إلى لوبيات المركب الصناعي العسكري، ولا يمكنهم التفاوض على المسائل النفطية دون مراعاة حاجيات وأهداف اللوبيات النفطية وغيرها من الأمثلة في هذا السياق.
واجهت مقاربة السياسة الداخلية في تفسير السياسة الخارجية نقد جوهري مرتبط بإهمالها للضغوطات والمعطيات التي يفرضها النسق الخارجي في توجيه سلوك المفاوض وتحديد السياسة الخارجية للعديد من الدول حيث ركزت هذه المقاربة على الفرص والقيود والضغوطات الداخلية وأهملت العوامل والظروف والفواعل المتصلة بالنظام العالمي أو بمجالات إقليمية حيوية محيطة بالدولة، فمثلا، ما مدى نجاعة تطبيق هذه المقاربة على الكثير من الدول السائرة في طريق النمو أو المتخلفة والتابعة والهامشية والتي تخضع خياراتها وتوجهاتها الخارجية للضغوطات والقيود الخارجية.
هذا ما يؤدي بنا إلى التطرق إلى السياسة الخارجية في الدول التابعة حسب منظور بعض أفكار مدرسة التبعية.
السياسة الخارجية من منظور مدرسة التبعية:
رغم أن مدرسة التبعية هي طرح مرتبط بنظرية العلاقات الدولية، إلا أن بعض الاجتهادات المتصلة بالدراسة العلمية للسياسة الخارجية تعرضت في بعض أفكارها إلى تصور الأنماط الممكن انتهاجها في السياسة الخارجية للدولة التابعة اتجاه دول المركز، ومن بين الاجتهادات في هذا الموضوع مقال جين هيي Jeanne Heyالمعنون ب:
“خيارات السياسة الخارجية تحت التبعية: تقييم نظري مع أدلة من الإكوادور”
‘Foreign Policy Options Under Dependence: A Theoretical Evaluation With Evidence From Ecuador’
عموما، الدولة الهامشية أو التابعة تنتهج نمطين أو نموذجين من السياسة الخارجية:
النموذج الأول: سياسة خارجية متوافقة مع المركز :Pro-Core Foreign Policy
هذا النموذج يضم دول المحيط التي تقوم بانتهاج سياسة خارجية تتماشى وتتوافق مع توجهات وتعليمات دول المركز. الاتفاقيات والمعاهدات بين دول المركز ودول المحيط في هذا النوع من السياسة الخارجية لا تعتمد على المفاوضات الصارمة والمباحثات الجدية، بل هي نتيجة لتنازلات صناع قرار دول المحيط لتعليمات صناع قرار دول المركز. في هذا النموذج، نظام وسلوك تصويت دول المحيط في المنظمات الدولية يسير في اتجاه دول المركز ويخضع لاعتبار المكافأة/العقاب Reward/Punishment التي يمكن أن يتلقوها من دول المركز.
من بين أسباب انتهاج هذا النوع من السلوك الخارجي، يمكن ذكر ما يلي:
1- في العديد من دول المحيط، الأفراد والمجموعات التي تقرر لديها مصالح مادية مع المجموعات الاقتصادية والتجارية في دول المركز.
2- النخب السياسية والحاكمة في الدول الهامشية لديها توجهات إيديولوجية واقتصادية وسياسية متطابقة مع التوجهات الموجودة في دول المركز ويرجع هذا التشابه إلى أن نخب هذه الدول زاولوا تكوينهم المعرفي والجامعي في دول المركز مما أفرز تأثير معنوي وإيديولوجي.
3- بعض دول العالم الثالث تنتهج سياسة خارجية متوافقة مع دول المركز خوفا من العزلة السياسية والدولية أو خوفا من العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية.
النموذج الثاني: سياسة خارجية معادية للمركز:Anti-Core Foreign Policy
انتهاج سياسة خارجية معادية لدول المركز لا يعني وجود نوع من الاستقلالية لأن انتهاج هذا النمط من السياسة الخارجية هو رد فعل على التبعية في حد ذاتها. فإحساس بعض قادة دول المحيط بوجود تبعية لدول المركز يولد نمطين أو نوعين من السياسة الخارجية المعادية للمركز.
النمط الأول:
صناع قرار السياسة الخارجية في بعض دول المحيط يقومون بانتهاج سياسات وأساليب مختلفة لضرب مصالح دول المركز في دولهم بسبب اقتناعهم بالفكرة التي تقول أن “الحل الوحيد للقضاء على ظاهرة تبعية المحيط للمركز هو فصل المحيط عن المركز”، هذه الفكرة التي يتوافق حولها كل منظري مدرسة التبعية.
النمط الثاني:
النخب السياسية في بعض الدول الهامشية تقوم بانتهاج سياسات وأساليب مختلفة لضرب مصالح دول المركز في دولهم لأغراض سياسية أو انتخابية، إما لامتصاص غضب الرأي العام الداخلي حول وضعية التبعية التي يعيشونها أو لغرض كسب الدعم الجماهيري لسياسة النخب الحاكمة.
مقاربة الدور Role Approach:
بعدما تطرقنا في المحاضرات الأولى لهذا المقياس إلى الدور كعنصر من عناصر مخرجات مسار السياسة الخارجية نقوم الآن بالتطرق إلى الدور كأحد مقاربات تفسير السياسة الخارجية.
مقاربة الدور عبارة عن مدخل نظري يهدف إلى دراسة سلوك الوحدة الدولية على المستوى الخارجي بالتركيز على عنصر أو متغير الدور.
يمثل أنصار مقاربة الدور الساحة الدولية بقاعة المسرح التي تحتوي على ممثلين وجمهور. ففوق خشبة المسرح هناك مجموعة من الممثلين، كل ممثل يقوم بأداء دور معين في المسرحية. من جهة أخرى، هناك الجمهور الذي يحكم على أداء الممثلين ويتجاوب ويتفاعل مع تصرفاتهم المختلفة أثناء المسرحية. إذا سلمنا أن قاعة المسرح هي الساحة الدولية، فالممثلين في هذه الحالة هم الدول أو الوحدات الدولية التي تحاول كل منها أداء دور معين في الساحة الدولية، والجمهور في هذه الحالة هو الرأي العام الدولي الذي يتجاوب مع التفاعلات الدولية الحادثة بين الوحدات الدولية.
بالنسبة لنشأة مقاربة الدور، فهي تعود إلى الاجتهادات التي قام بها علماء النفس والاجتماع الذين حاولوا تفسير الظواهر الاجتماعية والنفسية اعتمادا على متغير الدور. هذه الكتابات والاجتهادات توجت بكتاب كل من بروس بيدل و إدوين توماس Bruce Biddle and Edwin Thomas المعنون ب “نظرية الدور: مصطلحات وأبحاث” Role Theory: Concepts and Research.
في هذا الكتاب برهن كل من بروس بيدل وإدوين توماس أن التفاعلات الحادثة في المجتمع تحركها بعض العوامل التي تؤثر في أفراد المجتمع وتحدد الأدوار أو الدور الذي يقوم به كل فرد. معنى ذلك، أن لكل فرد دور أو أدوار معينة في المجتمع وأن الحياة الاجتماعية ما هي إلا مجموعة من التفاعلات الحادثة بين هذه الأدوار.
نجاح مقاربة الدور في ميدان علم النفس والاجتماع أدى ببعض المفكرين إلى استعمال هذه المقاربة في ميدان الدراسات السياسية والدولية. أول من اهتم بهذه المقاربة في ميدان الدراسات الدولية هو كال هولستي Kal Holsti في مقاله الموسوم ب “تصورات الدور الوطني (القومي) في دراسة السياسة الخارجية” ‘National Role Conceptions in the Study of Foreign Policy’. في هذا المقال، برهن هولستي أن سلوك الدولة على المستوى الخارجي يحدده تصور صانع قرار السياسة الخارجية لدور أو أدوار الدولة على المستوى الخارجي أي تحدده تصورات صانع القرار لطبيعة وحجم ونطاق المسؤوليات والمهام والواجبات التي تقوم بها الدولة على مستوى النظام الدولي أو على مستوى المجالات الإقليمية الحيوية للدولة.
تواصلت الاجتهادات في مسار تطوير مقاربة الدور في تفسير السياسة الخارجية وتكلل هذا العمل بكتاب ستيفن وولكر Stephen Walker عنوانه:
“نظرية الدور وتحليل السياسة الخارجية” Role Theory and Foreign Policy Analysis.
قام هذا الكتاب بتجميع أهم النتائج البحثية المرتبطة بمقاربة الدور في تحليل السياسة الخارجية وأكد أن من مزايا هذه المقاربة هي إمكانية استعمال مستويات تحليل مختلفة: فردية، وطنية وإقليمية ودولية، زيادة على انفتاح مقاربة الدور على عدة مقاربات تفسيرية أخرى، لأن مستخدم هذه المقاربة يمكنه أن يستعمل المقاربة الواقعية حينما يتطرق إلى دور العوامل المادية في تكوين إدراك الدور عند صنع القرار، ويمكن أن يستعين الباحث بالمقاربة المعرفية حينما يتطرق إلى دور النسق العقائدي والصور الوطنية في رسم تصورات أدوار الدولة على المستوى الخارجي، ويمكن لمستعمل مقاربة الدور أن يوظف كذلك مقاربة صنع القرار حينما يتطرق إلى اتخاذ القرارات المتعلقة بأدوار الدولة على المستوى الخارجي وغيرها من الأمثلة التي تبرهن إمكانية دعم مقاربة الدور بمقاربات تحليلية وتفسيرية أخرى حين استخدامها في الدراسة العلمية للسياسة الخارجية.
هذا فيما يخص مسار نشأة مقاربة الدور في الدراسات الاجتماعية والسياسية والدولية، أما عن المبادئ الأساسية لمقاربة الدور في تفسير السياسة الخارجية، فيتفق أبرز منظري هذه المقاربة وعلى رأسهم كال هولستي وستيفن وولكر على ما يلي:
– يتأثر صانع قرار السياسة الخارجية بمجموعة من العوامل والظروف، منها العوامل الناشئة من النسق الداخلي للدولة كالتاريخ، الثقافة، القوانين الأساسية للدولة، المقدرات الاقتصادية والمالية للدولة، القدرات العسكرية، طبيعة النظام السياسي والقيادة السياسية، وهناك عوامل ناشئة من النسق الخارجي كطبيعة النظام الدولي، معاهدات والتزامات الدولة خارجيا، التهديدات والأخطار الخارجية وغيرها من العوامل المادية وغير المادية المؤثرة في تصورات وتصرفات صناع القرار.
– هذه الظروف والعوامل تساعد صانع قرار السياسة الخارجية على تصور قائمة من الوظائف والأدوار التي يمكن أن تقوم بها الدولة وتأخذها على عاتقها على المستوى الإقليمي والدولي، يسمى هذا التصور عند أنصار مقاربة الدور بادراك أو تصور الدور Role Perception،
Role Conception، الذي هو عبارة عن خارطة طريق Road Map تتبعها الدولة أثناء تطبيقها للسياسة الخارجية.
– لإعطاء هذه التصورات والادراكات طابعا رسميا يقوم صانع قرار السياسة الخارجية بتجسيد هذه التصورات في شكل قرارات أي ينتقل صانع القرار إلى مرحلة صنع واتخاذ القرار.
– لتنفيذ هذه التصورات والادراكات والقرارات ينتقل صانع قرار السياسة الخارجية إلى المرحلة الثالثة والأخيرة وهي مرحلة التطبيق أي تكريس وتجسيد هذه الادراكات على أرض الواقع، تسمى هذه المرحلة بتطبيق الدور أو تنفيذ الدور أو أداء الدور، وهي كلها ترجمات للمصطلحات التالية: .Role Conduct /Role Performance/Role Implementation
وبالتالي، الباحث الذي يستعمل مقاربة الدور كأداة أساسية في تحليل وتفسير السياسة الخارجية عليه أن يلتزم بالخطوات التالية:
1-تحديد العوامل المادية وغير المادية المؤثرة في ادراكات وتصورات صانع القرار لالتزامات ومهام الدولة خارجيا.
2-تحديد قائمة الأدوار المدركة والمعلنة من طرف الدولة في الإطار الزمني محل الدراسة.
3-دراسة كواليس اتخاذ القرارات الرسمية المتعلقة بالأدوار المعلنة والمدركة.
4-دراسة الاستراتيجيات والوسائل المستخدمة لتطبيق هذه الأدوار وتجسيدها ميدانيا.
5-إلى جانب هذه الخطوات، الباحث الذي يستعمل مقاربة الدور يجب أن يقوم بإجراء أساسي وهو دراسة مدى تطابق وتوافق إدراك الدور بتطبيق الدور، لأن في معظم الحالات هناك تناقض بين الإدراك والتطبيق والمتصل عادة بتناقض بين توجه السياسة الخارجية والتطبيق الفعلي والميداني للسياسة الخارجية، يسمى هذا التناقض وعدم التطابق في مقاربة الدور بصراع الدور .Role Conflict فعلى سبيل المثال، ارتبطت السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، مع اختلاف الرؤساء المتعاقبين على البيت الأبيض، بادراك وتصور دور “حامي العقيدة” “Defender of the Faith”، والعقيدة في هذه الحالة هي عقيدة سياسية تتمثل في حماية وترقية الحرية والديمقراطية اللبرالية الغربية، لكن في التطبيق كانت الولايات المتحدة الأمريكية دائما الصديقة الحميمية لأكبر الدكتاتوريات في العالم، وهذا نموذج عن تناقض وعدم تطابق بين إدراك الدور وتطبيق الدور وبين توجه السياسة الخارجية وتطبيق السياسة الخارجية، وبالتالي هذا مثال من بين العديد من الأمثلة التي تكشف صراع الأدوار في السياسة الخارجية والذي يرتبط عادة بصراع بين القيم والمصالح.
المهتمين بالدراسة العلمية للسياسة الخارجية يصفون مقاربة الدور بأنها طرح نظري غني وقوي من الناحية المفاهيمية لأنها زودت أدبيات تحليل وتفسير السياسة الخارجية بمصطلحات جديدة، لكن هذا لم يمنع وجود مجموعة من الانتقادات التي وجهت لمقاربة الدور، من أهمها ما يلي:
أولا: الاعتماد المطلق على عنصر الدور في تحليل وتفسير السياسة الخارجية غير كافي، لأن ظاهرة السياسة الخارجية هي مسار معقد وعنصر الدور ما هو إلا عنصر من عناصر مخرجات هذا المسار. في هذا السياق لا يمكن الإنكار أن مقاربة الدور اهتمت ببعض جوانب مسار السياسة الخارجية على غرار العوامل المؤثرة وتفاعلها مع صانع القرار والأدوات المستخدمة في التطبيق، لكنها أهملت جوانب أخرى من هذا المسار على غرار أهداف السياسة الخارجية للدولة التي هي أحد عناصر مخرجات مسار السياسة الخارجية وتختلف في مدلولها وجوهرها عن الدور أو الأدوار.
ثانيا: لا تستطيع مقاربة الدور تفسير السياسة الخارجية لكل الوحدات الدولية حيث يمكن استعمالها لتفسير السياسات الخارجية التدخلية والهجومية لكن لا يمكن استعمالها لتفسير السياسات الخارجية ذات الطابع الانعزالي أو الانكماشي أو الحيادي أو الدفاعي، لأن ليس كل الدول تسعى إلى لعب أدوار بارزة على المستوى الخارجي.
ثالثا: تتبنى بعض الدول ادراكات وتصورات خاطئة ومبالغ فيها حول مسؤولياتها والتزاماتها على المستوى الخارجي وبالتالي تتبنى بعض الدول أدوار غير عقلانية ولا تعكس الإمكانيات والقدرات الحقيقية للدولة، ففي مثل هذه الحالات لا يمكن الاعتماد على عنصر الدور كأداة عقلانية وعلمية ونظرية في التحليل والتفسير لأن تصور الدولة للدور في حد ذاته لم يكن عقلاني ومدروس.
وكخلاصة لمحاضرات هذا المقياس، يمكن التأكيد على النقاط التالية:
– بما أن السياسة الخارجية هي جزء من العلاقات الدولية والدبلوماسية هي أحد فروع السياسة الخارجية وأهم مجالاتها وأدوات تنفيذها، تطرقنا في السداسي الأول من برنامج الماستر، تخصص علاقات دولية، إلى مقياس “الأطر الفكرية والنظرية في العلاقات الدولية” وتطرقنا في السداسي الثاني إلى “الأطر المفاهيمية والنظرية في تفسير السياسة الخارجية” تحضيرا لمادة أخرى في السداسي الثالث حول “الدبلوماسية المعاصرة واستراتيجيات التفاوض الدولي”، وهو مقياس مكمل لهذا التحصيل المعرفي المنتقل من الكل إلى الجزء.
– في هذه المادة تم استعمال مصطلح التفسير بدل التحليل والذي ارتبط بكتاب لويد جنسن حول “تفسير السياسة الخارجية” Lloyd Jensen, Explaining Foreign Policy، لأن التفسير هو مرحلة متقدمة من الدراسة العلمية وهو أعمق من التحليل الذي يقتصر حصريا على عملية تفكيك الظاهرة إلى أجزاء ومكونات منفصلة. وبالتالي، أي طالب يريد دراسة السياسة الخارجية لدولة معينة في فترة زمنية معينة عليه أولا أن يقوم بمهمة التحليل أي تفكيك مسار السياسة الخارجية للدولة إلى مراحل ومكونات، وفي هذا المسعى ترتبط عملية التفكيك بمعرفة: العوامل المؤثرة في هذا المسار، سواء مادية أو غير مادية، داخلية أو خارجية، معرفة الوحدات القرارية للدولة، ثم دراسة عناصر المخرجات الناجمة عن تفاعل هذه العوامل (المدخلات) مع الوحدات القرارية، على غرار التوجهات (الطابع العام والخصائص الأساسية لسلوك الدولة على المستوى الخارجي)، أهداف السياسة الخارجية (المركزية، الوسيطة والثانوية)، الأدوار (المسؤوليات، الالتزامات والمهام)، والوسائل والأدوات المستخدمة لتجسيد التوجهات وتحقيق الأهداف وتطبيق الأدوار والتي تأخذ طابع العصا أو الجزرة، المساعدة أو العقوبة، الترهيب أو الترغيب في مجالات وميادين مختلفة: دبلوماسية، اقتصادية، ثقافية، رمزية، استخباراتية وعسكرية.
– لتفسير العلاقة التي تربط بين مكونات مسار السياسة الخارجية نحتاج إلى مقاربات تفسيرية، وهي الاجتهادات العلمية التي حاولت الابتعاد عن التفسير الواقعي والتقليدي لسلوك الدولة على المستوى الخارجي، الذي انحصر في مركزية الدولة ومصلحتها العليا، من خلال تقديم وسائل بحثية وعلمية جديدة لتحليل وتفسير السياسة الخارجية، ومن بين المقاربات المهمة في هذا السياق والتي تطرقنا إليها في هذه المحاضرات: مقاربة صنع القرار في جيلها الأول، المقاربة البيروقراطية، مقاربة اللعب، طرح جيمس روزنو، المقاربة المعرفية، المقاربة الإيديولوجية، مقاربة تحليل الخطاب، مقاربة السياسة الداخلية، أفكار مدرسة التبعية المتعلقة بالسياسة الخارجية للدول الهامشية، ومقاربة الدور.
– اختيار المقاربات المناسبة في المواضيع البحثية يرتبط بطبيعة الموضوع ومدى إمكانية تحصيل المصادر الأولية والمعلومة الأصلية، لأنه يبقى أكبر معوق يواجه الباحث في ميدان السياسة الخارجية هو الحصول على المعلومة الأصلية التي تغوص في أعماق وحيثيات الملف وتكشف العلبة السوداء للسلوك الخارجي وكواليس صناعة السياسة الخارجية للدولة ولا تدور فقط حول العموميات والمبادئ العامة للسياسة الخارجية، وهذا أمر صعب التحقيق لأن السياسة الخارجية للدول، مهما كانت طبيعة نظمها السياسية، هي ملفات حساسة وحيوية مرتبطة مباشرة بالأمن الوطني والسياسة العليا للدولة، وبالتالي، يمكن للباحث في ميدان السياسة الخارجية أن يعوض النقص أو العجز في تحصيل المعلومة من المصادر الأولية، والتي تنعكس سلبا على أصالة البحث، بتقديم مساهمات وإضافات جديدة ونوعية في الشق النظري للدراسة.
SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14402

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *