الصوت المطالب بتنفيذ عقوبة الإعدام يعلو من جديد

بقلم م. الفاتح عثماني – الخبر

أعادت الوحشية التي تعرض لها الشاب جمال بن اسماعيل والمطالب الشعبية بمحاسبة الجناة فكرة تنفيذ حكم الإعدام إلى الواجهة بقوة مجددا، بوصفها أقسى وأقصى عقوبة يمكن أن ينالها مقترفو الجريمة، وفق أحكام الشريعة الإسلامية أو في القوانين الوضعية، في ظل معطى تجميد تطبيق هذه العقوبة عملا بلوائح أممية تحث على عدم تطبيق هذه العقوبة السالبة للحياة بمبررات قانونية وتقنية وإنسانية، مما يوفر للجناة فرصة للإفلات منها.

تنفيذ حكم الإعدام على الذين يثبت القضاء باقترافهم جرم القتل، لا يعد تطورا في الفكر العقابي، مثلما حدث مع عقوبة السجن التي كانت في أصلها عبارة عن ممارسة تعذيب قاس على المذنب، بل تعطيل الإعدام هو ما يعد “إنجازا” في نظر الحقوقيين، بحجة أن الأجهزة القضائية ومعها الأمنية لا يمكنها إثبات الجرم على المجرم بشكل مطلق وعديم الشك، وبالتالي تسمح بتنفيذ أحكام أو قرارات الإعدام، دون التخوف من احتمال ظهور عناصر جديدة في الملف مستقبلا تبرّئ الشخص المنفذ في حقه الإعدام، لكن حينها يكون الوقت متأخرا ويكون القضاء قد أخطأ في حق نفس بشرية، وفق الحجج التي يقدمها الحقوقيون دائما.

وتختفي هذه الفكرة وتظهر بقوة كلما عاش الجزائريون جرائم أو وقائع بشعة ووحشية تطال أبرياء، فيطالبون بالإجماع بإعادة تفعيلها بعد تجميدها سنة 1993، عملا بتوصيات ولوائح أممية أقنعت والتزمت بها غالبية الدول، باستثناء مصر والسعودية والصين وكوريا الشمالية ونيجيريا وغيرها من البلدان القليلة.

وفي هذا الصدد، يرى الحقوقي والمحامي طارق مراح، عقوبة الإعدام ظلت موجودة في قانون العقوبات الجزائري من 1966 ومعمولا بها إلى غاية سنة 1993، عندما توقفت السلطات عن تنفيذه. ولذا يستوجب العودة إلى تفعيله إصدار مرسوم رئاسي، فيصبح تنفيذ الإعدام تلقائيا في كل القضايا التي تصدر فيها أحكام وقرارات بالإعدام دون استثناء.

ما يعني، يتابع المتحدث في اتصال مع “الخبر”، أمس، أنه لا يمكن للرئيس إصدار مرسوم رئاسي لتنفيذ عقوبة الإعدام في قضية بعينها ثم يعود إلى تجميده، لأن الأصل في تجميد العقوبة كان بإصدار مرسوم رئاسي يشمل كل القضايا، وبالتالي فإعادة تفعيلها يكون بمرسوم رئاسي يلغي الأول أو اقتراح مشروع قانون والمصادقة عليه من قبل البرلمان.

وفي حالة قضية اغتيال جمال بن اسماعيل ومدى توفر عوامل تفرض إعادة تفعيل عقوبة الإعدام لمعاقبة الجناة على فعلتهم، أفاد الأستاذ أن العقوبات تستمد قيمتها من تنفيذها وأن حكم الإعدام لا معنى له إذا لم ينفذ، وفي نفس الوقت لا يمكن للرئيس أن يصدر مرسوما رئاسيا برفع تجميد عقوبة الإعدام في قضية محددة، ويستثني بقية القضايا التي تصدر فيها أحكام بالإعدام في مختلف محاكم جنايات الوطن.

ولا يستبعد الحقوقي تعالي مطالب تنفيذ عقوبات الإعدام من قبل العائلات ضحايا الاختطافات السابقة، في حال أمر الرئيس بتنفيذها على من أثبت القضاء اقترافهم للجريمة الوحشية التي تعرض لها جمال بن اسماعيل، فالرئيس إذا فتح مجال تنفيذ حكم الإعدام في حق قتلة جمال، يقول مراح، قد يضطر لتفعيله في قضايا أخرى تضاهي في وحشيتها وبربريتها قضية جمال، كالاختطاف والتعذيب التي طال قصر.

وفي رأي قانوني آخر، كان نائب عام مساعد لدى مجلس قضاء العاصمة، لعرابي الطاهر، العام الماضي قد صرح بأنه “لا نتفاجأ مستقبلا بتنفيذ عقوبة الإعدام في قضايا الاختطاف”، وما تعرض له الشاب بن اسماعيل ليس أقل خطورة وبشاعة ووحشية مما جرى للأطفال ضحايا الاختطافات، وهي الوقائع التي لم يتوقف الجزائريون على المطالبة باستثنائها من قرار وقف تنفيذ الأحكام الناطقة بالإعدام للجناة.

وأشار القاضي خلال استضافته ببرنامج “ضيف الصباح” للقناة الإذاعية الأولى إلى أن الجزائر لم تنضم إلى أي اتفاقية تمنعها من تنفيذ هذه العقوبة، موضحا أن عقوبة الإعدام سنّها المشرع في إطار المحافظة على النظام العام.

وتنبعث من مأساة الفنان جمال بن اسماعيل رائحة السياسية، ما دام أن كبار المسؤولين وفي مقدمهم رئيس الجمهورية، تحدثوا عن الأيادي الإجرامية ولم يستبعدوا فرضية وقوف عناصر متطرفة ينتسبون إلى حركة “الماك” المصنفة مؤخرا إرهابية، بضلوعهم في الإعداد والمشاركة وتنفيذ الجريمة الهمجية التي راح ضحيتها شاب لا يتعدى عمره 35 سنة، وعليه تجد السلطة نفسها أمام مطالب “متراكمة” لرفع تجميد تنفيذ أحكام الإعدام.

وتتعامل الجزائر كدولة مع قضية تنفيذ عقوبة الإعدام بـ”مكيالين” على وصف منظمة العفو الدولية، فهي تتبنى لائحة وقف تنفيذ عقوبة الإعدام، ومن جهة ثانية تواصل إصدار الأحكام بإعدام المذنبين.

ويرى مراقبون أن السلطات الجزائرية تعتبر الرأي العام الوطني غير جاهز لقبول فكرة إلغاء الإعدام، مشيرين إلى أن مكتب منظمة العفو الدولية بالجزائر الذي لم يحظ بعد باعتماد وزارة الداخلية، وضع الجزائر في خانة الدول المغضوب عليها فيما يتصل بعقوبة الإعدام، والواقع “أن الحكومات السابقة كانت تسعى لإلغائها ولم تجد لسعيها مخرجا آمنا، لحد الآن على الأقل، بين رئاسة كانت تعمل على الإلغاء ومؤسسة دينية تضغط من أجل الإبقاء عليها”.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14433

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *