النظام الدولي الجديد، معاد النظر به

من كتاب دراســـــــات فـي الفكر الاستراتيجي والسياسي للكاتب موسى الزعبي

بدا للإمبرياليين وعلى رأسهم حكام الولايات المتحدة، أنهم حققوا النصر على الاشتراكية، في فجر العقد الأخير من القرن العشرين، واعتقدوا أن الأيديولوجية الاشتراكية والجيوسياسية للبلدان الاشتراكية قد هزمت على الساحة الدولية وإلى الأبد. ولقد أصيب العالم بالدهشة عند سماع بوش، رئيس الولايات المتحدة في ذلك الوقت، وهو يؤكد بعبارات النصر، وبصورة تمثل رعاة البقر، أنه سيقيم نظاماً دولياً جديداً تحقق فيه بلاده دور السيادة والريادة، والمحافظة على مصالحها، عندما قال: “لدينا رؤيا جديدة، حول مشاركة أمم أخرى شاركتنا لتحقيق النصر في الحرب الباردة، من أجل قيام شراكة تقوم على التشاور مع هؤلاء والتعاون معهم، ولنمارس التدخل بعد إصدار القرارات من المنظمات الدولية والإقليمية لغطاء ما نقوم به. وكذلك للمشاركة في التكاليف بصورة عادلة”(1) أما خليفة بوش في البيت الأبيض، كلنتون العتيد فقد وصف أهداف الولايات المتحدة بعبارات قريبة جداً من عبارات سلفه، عندما قال:

“في عصر متميز بالأخطار الجديدة، وبالإمكانات الجديدة، يجب أن يكون هدفنا الأول، تعزيز دور المجموعة الدولية التي تساندنا، والقائمة على حرية السوق، لقد كنا مجبرين على القيام بعمل ضد أخطار الاشتراكية وما يهدد مؤسساتنا الحرة، خلال الحرب الباردة، ونريد اليوم توسيع دائرة الشعوب التي تعيش تحت سقف هذه المؤسسات، لأننا نحلم باليوم الذي يمكن للرأي العام أن يُعبر بحرية في عالم ديمقراطي مزدهر عما يعتقده وليعيش بسلام”. وتؤكد الولايات المتحدة، “وللمرة الثالثة خلال قرن من الزمن، على نيتها في قيام نظام دولي جديد، وفرض قيمها على العالم. وللمرة الثالثة أيضاً، بدا أن الولايات المتحدة، تريد السيطرة على المسرح الدولي، بكل الوسائل، كالتدمير والقتل، والتهديد والتخويف، وبالخطر وتجويع الشعوب، فقد ألقى ويلسون بظلاله عام
(1918) فارضاً شروطه، على مؤتمر السلام، بعد الحرب العالمية الأولى، حيث اعتمد حلفاء الولايات المتحدة في تلك الحرب، على آرائه كثيراً، من أجل العمل على إسماع أطماعهم، وأظهر فرانكلين روزفلت وترومان قدراتهما، على فرض طراز الولايات المتحدة في المجالات الأخرى، على حلفائها في نهاية الحرب العالمية الثانية(2).

وفي نهاية الحرب الباردة، لوحظ بالممارسة عن انبثاق نزعة جديدة للولايات المتحدة متكيِّفة مع الصورة الجديدة للعالم، في محاولة من قبل واشنطن السيطرة على الأحداث الدولية، باستخدام العنف، إذ أصبحت الولايات المتحدة القوة الأعظم، ولها القدرة على التدخل في الزوايا الأربع من عالم اليوم. والحالة هذه، فقوة الولايات المتحدة أصبحت أكثر انتشاراً، ويتطلب أي ادعاء بتهديد لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها وفرض إرادتها على الشعوب، تدخل القوات العسكرية في العديد من المناطق من العالم سواء باستخدام الصواريخ متعددة الأشكال والمهمات، أو من مثل الطائرات العملاقة التي تحمل الدمار والخراب. وهكذا تجد الولايات المتحدة نفسها، بأنها تسير في عالم يفرض عليه، أن يميل إلى التماثل مع أنظمة الدول الغربية، في الحقبة الاستعمارية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بعد أن اعتقدت بنهاية الحرب الباردة، وخُلُو الساحة الدولية إلا منها، وقامت واشنطن بممارسات هيمنة مكشوفة تفرض قوانينها على العالم أجمع، إلى درجة أخذ بعض حكامها واستراتيجيوها يتنازعون الآراء، حول دور بلادهم والهيمنة على الأوضاع الدولية، وهم يعتقدون أن غياب التهديد الأيديولوجي أعني الاشتراكية، أعطى للأمم الأخرى حرية اتباع سياسات خارجة تقوم على مصالحها الوطنية، وكأن المصالح الوطنية لا تتحقق إلا بممالأة الولايات المتحدة والخضوع لاسترتيجيتها. ويزعمون أنه يجب التعايش مع نظام دولي جديد، يدير شؤونه، بعض الدول الغربية في معظمها، تحت قيادة الولايات المتحدة ويجب على الدول الثانوية أو الثالثية الانصياع إلى كل ما يصدر عن تلك القوى، وبأن تتعايش وتتوازن المصالح الوطنية المتنافسة.

وتبارى كل من بوش ولحقه كلنتون في الحديث عن النظام الدولي الجديد، وكأنه أصبح في متناول الأيدي، مع أنه لا يزال في وضع الحمل لم يولد بعد، وإن بدت معالمه تظهر شيئاً فشيئاً، وسيأخذ شكله النهائي مع الزمن بالطبع، وقد يخرج عن بعض تصورات الإمبريالية الحالية، وقد يكون استطالة لما حدث في الماضي، أو قد يتخذ شكلاً جديداً، تنخرط به قوى جديدة، مع ذلك، ومهما كان شكل النظام الجديد وعناصره المؤلفة له سيحمل معه أسئلة وأجوبة عما هي الدول الأساسية التي ستكون ذلك النظام الدولي العتيد؟ وكيف ستمارس فعاليتها؟ وما هي الأهداف التي سترسمها؟

من المعلوم أن الأنظمة الدولية تتمتع بصفات الحياة العارضة. مع أنه يعبر عن كل نظام دولي ناشئ بالتمني عن الرغبة باستمراره ودوام بقائه، مع أن العناصر التي تشكل من ذلك النظام هي في حالة تغير ولا تأخذ صفة الدوام، حسبما يقر بذلك تاريخ البشرية، والدليل على ذلك، فقد استمر النظام الدولي، الذي ولد نتيجة سلام ويستفالي (WESTPHALIE) مائة وخمسين عاماً، أما النظام الدولي الذي وُلِد نتيجة مؤتمر فيينا، مائة عام فقط، ثم اختفى، أما النظام الدولي الذي تميز بالحرب الباردة، فقد اختفى بعد أربعين عاماً، ويلاحظ هنا تناقص الفترات الزمنية التي تعيشها الأنظمة الدولية المتلاحقة “أما تسوية فرساي، فلم تُقِمْ نظاماً جرى احترامه من قبل القوى العظمى في تلك الحقبة بل لم يكن أكثر من هدنة بين حربين عالمتين “. وقد حدث نتيجة تفاعل من المؤسسين لذلك النظام، لكن لم تكن أهدافهم قد تحولت إلى النطاق العالمي بسرعة وبعمق كبير.

وتنجم عادة جملة من المشاكل في كل مرة تشكل الكيانات الأقوى نظاماً دولياً، مع إجراء تبديل على النظام السابق، مما تتسبب العديد من المشاكل التي لا يمكن تجنبها، فحرب الثلاثين عاماً، نتجت في جزء كبير منها، بسبب انتقال المجتمعات الإقطاعية القائمة على التقليد، والادعاء بالعالمية، إلى النظام الدولي الحديث، المستند على حق الدولة في السلطة، وتميزت حروب الثورة الفرنسية بالانتقال نحو الدولة /الأمة/ التي تحددت بوحدة اللغة والثقافة، أما ما حدث في القرن العشرين، فكان مبرره، تفكك امبراطورية هابسبورغ والامبراطورية العثمانية، ومعارضة الهيمنة الأوروبية، وانتهاء حقبة الاستعمار بشكله العسكري. ويصبح كل انتقال، وما يمكن الحصول عليه من مكاسب الدول متعددة الجنسية في القرن التاسع عشر، والنزعة الاستعمارية منطوياً على مغالطات تاريخية هامة.

وتكرست السياسة الخارجية للدول بأن تخصص جزءاً منها لربط الأمم مع بعضها، منذ مؤتمر فيينا ـ ومن هنا ـ تعبير “العلاقات الدولية” كما أن ظهور أمة واحدة جديدة في القرن التاسع عشر ـ كألمانيا الموحدة ـ كان يكفي لإحداث اضطرابات تستمر عقوداً  زمنية. وظهر حوالي مائة أمة جديدة، بعد أن تحررت من الاستعمار العسكري، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وهي تختلف فيما بينها كثيراً، عما هو عليه حال الكثير من مفهوم الدول/ الأمم الكلاسيكي ذي الأصول الأوربية. وتولد عن انهيار الكتلة الاشتراكية والاتحاد السوفياتي .. وتفجر يوغوسلافيا، حوالي عشرين أمة أخرى، وحيث تعرضت عدة دول منها لتفجرات دموية.

لقد استندت الأمم الأوروبية إلى جماعة اللغة والثقافة، في القرن التاسع عشر، مع الأخذ بالاعتبار تكنولوجيا العصر، وتزودت بكوادر أفضل من أجل الأمن والتنمية الاقتصادية نتيجة الاستعمار، ونهب خيرات الشعوب المستعمرة، يضاف إلى ذلك، نشاطها على المسرح الدولي، ثم فقدت الدول/ الأمم التقليدية، في عالم ما بعد الحرب الباردة، وهي البلدان التي شكلت الانسجام الأوربي حتى الحرب العالمية الأولى ـ المصادر المطلوبة للعب  دور عالمي. وسيحدد نجاح الجهود التي تبذل نفوذها المستقبلي، من أجل أن تتجمع في الاتحاد الأوربي. وستصبح أوربا الموحدة قوة أعظم، لكنها ستتراجع إلى المرتبة الثانية، إذ  بقيت مقسمة إلى دول/ أمم..

تأخذ الاضطرابات التي ترتبط بظهور نظام دولي جديد، بواقع ثلاثة نماذج، من الدول على الأقل جزئياً، التي تنعت نفسها “بالأمة”، وتتحرك بتفاعل. كل ذلك، مع أنها لا تمثل سوى بعض الخصائص التاريخية للدول/ الأمم… كتلك التي أعقبت التفجرات التي أدت إلى الاضطرابات ثم إلى تفتتها، كما حدث في يوغوسلافيا السابقة، وكذلك الاتحاد السوفياتي السابق، حيث استبدت بتلك الشعوب اعتراضات تاريخية، والتماساً للهوية القديمة، وبالتالي  بذلت جهوداً ليكون لها الكلمة الأخرى، في المنافسة العرقية القديمة، بصورة رئيسة، خاصة لأن الأنظمة المركزية قد تجاوزت حقل مصالح تلك الشعوب، وحتى تمثيلها. وكما حدث أيضاً بالنسبة للدول الثانوية التي انخرطت في حرب الثلاثين عاماً، عندما أرادت المحافظة على استقلالها وزيادة قوتها، دون أن تهتم بالاعتبارات الدولية.

لقد شكلت بعض الأمم ظاهرة متميزة بعد نزع الاستعمار، وذلك برسم  حدودها الحالية التي فرضت من قبل قوى الاستعمار من أجل تسهيل إدارتها، دون النظر للأمور الأخرى، كما حدث أيضاً في أفريقيا عندما كانت المستعمرات الفرنسية القديمة المزودة بساحل ممتد طويلاً مجزأة إلى سبع عشرة وحدة إدارية وشكلت من كل منها اليوم دولة مستقلة، في حين لا تتمتع المستعمرات البلجيكية في إفريقيا “الكونغو السابقة، ثم زائير، ثم الكونغو من جديد”. بسوى منفذ ضيق جداً على البحر، وتحكم كأنها وحدة واحدة. من هذا الواقع، على الرغم من  أنها كانت تشكل منطقة واسعة بمقدار مساحة أوربا الغربية. وأدّت هذه الشروط، لأن تصبح أوربا مرادفة لجيش في أغلب الأحيان، ومثلت فيها المؤسسة الوطنية الوحيدة. وعندما اختفى هذا اللقب من الملكِّية، نتج عن ذلك، حرب أهلية غالباً. فإذا جرى تطبيق المعايير المحددة للأمة في القرن التاسع عشر على هذه الأمم، وكذلك حق الشعوب في أن تتصرف بنفسها، ستنشأ عندئذٍ حالة لا يمكن بحثها، تقتضي إعادة ترسيم الحدود الأساسية، وعندها ستكون النتائج صعبة على التوقعات. ولهذا ومن أجل هذه المفاهيم، يكمن البديل للوضع الراهن الإقليمي، في نشوب أزمة مدنِيَّة حادة، ودون نهاية.

أخيراً، هناك الدول القارية ـ التي تشكل الوحدات الأساسية للنظام الدولي الجديد، حسبما هو محتمل ـ إذ يجمع الشعب الهندي، وفرة من اللغات والأديان والقوميات، وقد تحرر من السلطة الاستعمارية البريطانية. ويظهر قابلية أكثر للتأثر بالتيارات الدينية والإيديولوجية للدول المتاخمة، كما كان عليه الحال في القرن التاسع عشر بالنسبة للشعوب الأوربية، لهذا فإن خط الحدود بين سياسة الهند الخارجية والداخلية مختلة، وأكثر دقة أيضاً، في آن واحد. وبالطريقة نفسها، فإن الصين مكونة من اندماج لغات مختلفة، ومرسخة بكتابة مشتركة وثقافة مشتركة، وتاريخ مشترك. وإنها كأوربا، لو استطاعت أن تصبح كالصين، لو لم تكن هناك الحروب الدينية في القرن السابع عشر. لكن، هذا مايمكن أن يكون عليه حال الاتحاد الأوربي، إذا تحققت توقعات أنصار ذلك الاتحاد. والأمر كذلك، بالنسبة لحال القوتين الأعظم، في حقبة الحرب الباردة، حيث أنهما لم تكونا دولاً/ أمة بالمعنى الأوروبي للعبارة مطلقاً. وتوصلت الولايات المتحدة، إلى تشكيل ثقافة موحدة لحد ما، انطلاقاً من أتربة خليطة وطنية متعددة اللغات، بالرغم من تعدد الجنسيات والعروق المشكلة لشعبها. في حين كان الاتحاد السوفياتي امبراطورية اندماجية للعديد من القوميات. والدول التي أعقبته ـ خصوصاً الاتحاد الروسي ـ ممزقة بالتفتيت، أو  العودة للطراز الامبريالي، كما كان عليه حال الامبراطورية العثمانية، أو امبراطورية هابسبورغ، في القرن التاسع عشر.

لكن تبدلت هذه العوامل جذرياً من حيث الماهية والطريقة، خصوصاً في حقل العلاقات الدولية، وحتى في العصر الحديث، تابعت القارات المختلفة نشاطاتها في عزلة نسبية. إذ من المستحيل مقارنة قدرات فرنسا  مع تلك الصينية، إذ لا توجد وسيلة للتفاعل بين البلدين، على سبيل المثال. وسيحدد التوسع في المدى التكنولوجي “الانسجام” بين القوى الأوروبية، المستقبل في القارات الأخرى. وليس من نظام دولي، امتلك في السابق، مراكز كبرى جاهزة على نطاق الكرة الأرضية. ولم يكن لدى رجال الدولة مايمكنهم من قيادة عملهم الدبلوماسي في ظروف تنعكس فيها الأحداث على القادة ولدى الرأي العام لديهم، بطريقة فورية ومتزامنة.

وبمقدار ما يتضاعف عدد الدول، بمقدار ما تتزايد طاقاتها في التفاعل، فعلى أية مبادئ يمكن إقامة تنظيم دولي جديد؟.. وفي هذه الحال، فهل يمكن أن يصبح بإمكان هيمنة الولايات المتحدة أن تؤدي إلى سياسات خارجية تحل محل استراتيجية الاحتواء التي طبقت خلال حقبة الحرب الباردة من قبل واشنطن، مع الأخذ بالاعتبار تعقيدات النظام الدولي الجديد؟ فهذه المفاهيم لم تعرف خطأ عجيباً، ولا فشلاً كلياً، بكل وضوح، وقد  رست بعض أفضل المبادرات الدبلوماسية في القرن العشرين، باستخدام أسلوب التوترات حتى حافة الحرب، من قبل الولايات المتحدة، كالقيام بأعمال استهدفت منع توسع الكتلة الاشتراكية في بعض المناطق وإنشاء الأحلاف العسكرية، ونتيجة للأعمال التي قامت بها وكالة المخابرات المركزية….

في الوقت نفسه، فقد تسبب هذا السلوك الامبريالي للولايات المتحدة، بحدوث مشاكل عديدة، إذ أخذت واشنطن بالتدخل في الشؤون الداخلية للعديد من البلدان، بحجة تقرير المصير للأقليات العرقية، دون الأخذ بالاعتبار أن مثل هذه المواقف تؤدي إلى التأثير على العلاقات الداخلية للشعوب وبالتالي التسبب في عدم استقرارها. كما وضح أن غياب آلية لتطبيق القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، تؤدي إلى تهديد الأمن الدولي. وفسح المجال أمام بعض القوى للتدخل في العديد من المناطق بحجة الأمن والاستقرار الدوليين. وكأن الولايات المتحدة قد أخذت بتبني النظرية الهتلرية القائلة: “إن مدفعاً جاهزاً للإطلاق، غالباً ما يكون أقوى بكثير من وثيقة حق. وهذا المبدأ، يطبقه أيضاً الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة..

لقد وصلت نهاية الحرب الباردة ـ إلى ما يسميه بعض المراقبين إلى عالم “وحيد القطب” أو “القوى الأعظم الوحيدة”. لكن لا تجد الولايات المتحدة نفسها بوضع أفضل كطرف وحيد، من أجل فرض إرادتها كشرطي عالمي، مع ذلك فقد اتخذت بعض مواقف الهيمنة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لم يكن بإمكانها القيام بها قبل عدة سنوات، كما أصبحت قوتها العسكرية أكثر انتشاراً وتدخلها أشد عنفاً ووحشية.

مع ذلك، فهذا لا يعني أن الولايات المتحدة قد أصبحت قادرة على تحقيق كل ما تصبو إليه لكي تتّفرد بالشؤون الدولية،  بصورة مطلقة، وتحت ذريعة الأمن الجماعي والاستقرار العالمي، فليس لدى بعض الأمم القناعة نفسها التي لدى الولايات المتحدة في معالجة العديد من القضايا التي تطرح على المسرح الدولي وإن كانت الولايات المتحدة ترغب بالتفرد في معالجة مثل تلك الأمور، حيث تأخذ على عاتقها القيام باستخدام قوتها العسكرية الجبارة، كما حدث في العراق وفي يوغوسلافيا، وفي الصومال…. الخ. وهناك دول أخرى تتخوف من نوايا الولايات المتحدة، وتخشى التعرض لأخطار لا تعرف مداها، لهذا كثيراً ما تجد واشنطن نفسها معزولة في اتخاذ بعض القرارات من أجل تحقيق مصالحها الخاصة.

غير أن القوة العسكرية الأمريكية لا مثيل لها بالتأكيد، ولن تكون هناك قوة توازيها على المدى المنظور. من جهة أخرى، فإن رغبة الولايات المتحدة في عرض واستعراض هذه القوة في الأزمات الدولية المتعددة حقيقية، وحتى على مستويات صغيرة، كما تنعم الولايات المتحدة، باقتصاد هو الأقوى في العالم، للآن. وكذلك الحال في التكنولوجيا المتقدمة في جميع مجالاتها. لكن هذا لا يعني أن الأمور ستبقى إلى أبد الآبدين، إذ ستعرف الولايات المتحدة نهوض أمم أخرى تنافسها في المجالات المذكورة، وتدخل معها عندئذٍ في صراع نفوذ. فهناك احتمال لصعود مراكز قوى أخرى ـ أوربا الموحدة، الصين، اليابان ـ. وبالتالي سيحتدم صراع النفوذ ويتكشف في النهاية عن ضياع وتفسخ القوة الأمريكية، في مجالاتها المتعددة. وهناك من يراهن على تفتت  المجتمع الأمريكي غير المتجانس والذي يرجع إلى أصول وأعراق عديدة، قد تدخل في صراع  داخل ذلك المجتمع، يؤدي إلى إضعاف تلك القوة الجبارة.

عندئذٍ، سيصعب على حكام الولايات المتحدة التفرد في معالجة القضايا الدولية. وستعيد واشنطن حساباتها من جديد، وتقبل بالواقع المفروض، والدخول في المنافسة على قدم المساواة مع القوى الجديدة أو المتجددة، وحينئذٍ  لن تستطيع الاستمرار في فرض ذلك النظام الدولي الذي تلعب فيه دور الهيمنة والواحد الأحد،  ولا يقدم التاريخ عندئذٍ هادياً ولا حتى تماثلاً مرضياً. مع ذلك يعلمنا التاريخ الأمثلة، ولا يزال نجاح الولايات المتحدة يسير في أرض مجهولة المعالم والمصير.

ويدرك قادة الولايات المتحدة، أن المصالح الامبريالية تبرر الوسائل المستخدمة لبلوغها، وقد مارسوا هم هذه المبادئ منذ بداية تاريخ بلادهم، وترجع إلى عصور تشكيل تلك الدولة على أيدي  الآباء المؤسسين خلال العقود الزمنية الأولى للجمهورية، مع متابعة موطدة العزم والعزيمة على التوسع نحو الغرب. ويعترف بعضهم أنهم تابعوا مكاسبهم على مدى تاريخ الولايات المتحدة…

ومن المعروف أن تاريخ الولايات المتحدة  يبدأ مع هجرة الأوروبيين الأوائل إلى القارة الجديدة، ويبدو أن مفهوم توازن القوى كان حاضراً على الدوام من الناحية العملية، بالنسبة لكل من يدرس التاريخ الأوربي. وكما هو الحال أيضاً في إدراك مفهوم الدولة، الذي يرجع إلى القرنين الأخيرين، التاسع عشر والعشرين، وقد نشر  من قبل غليوم الثالث ملك إنجلترا الذي أراد أن يراقب بدقة وصلابة الأهداف التوسعية الفرنسية. وقادته الفكرة إلى تشكيل تحالف من الدول الضعيفة من أجل العمل على الموازنة مع دولة قوية. وليس في الأمر ما يدهش أو عجيب في حد ذاته. مع ذلك، يتطلب توازن القوى اهتمامات دائمة، لهذا يتوجب على الدول المهيمنة، والتي تريد فرض إرادتها. كالولايات المتحدة، في توضيح نواياها، في القرن القادم، مع إدراك مصالح  حلفائها، كما يتوجب توضيح كيفية المحافظة على توازن القوى أيضاً، لكي يؤدي خدمة للوصول إلى هذه المكاسب ـ في أوربا وفي آسيا: وستكون الولايات المتحدة بحاجة عندئذٍ إلى  شركاء لا يمكن أن يكونوا مختارين حسب اعتبارات ودية دون مراعاة مصالحهم على الدوام. ويستوجب مثل ذلك الأمر تحديداً واضحاً للمصالح الامبريالية، كما يجب توجيه السياسة الخارجية ضمن هذا الاعتبار أيضاً.

وكان النظام الدولي الذي دام أطول مدة، ودون أن يصادف أزمات كبيرة، ذلك الذي أعقب مؤتمر فيينا، وقد سار نحو جعله شرعياً  ومتوازناً، مع قيم مشتركة، ودبلوماسية تعمل لتوازن القوى. ومن المعلوم أن القيم المشتركة تقلص من حقل متطلبات الأمم، مع ذلك فقد حد التوازن من قدرات عملها. وفي القرن العشرين، حاولت الولايات المتحدة، إصلاح النظام الدولي، ليصبح قائماً طبقاً لمصالحهما، وتوسيع نفوذها، خلال جولتين، إلا أن تلك الجهود فشلت في تطبيق مبادئها، وإنها لن تستطيع أن تفرض مفاهيمها على العالم.

غير أن الانطلاقة الجديدة التي بدأتها الولايات المتحدة، بعد تدمير العراق شرعت في محاولة إقامة نظام دولي جديد. تراعي فيه بالتأكيد هيمنتها على الأحداث الدولية، قد اصطدمت بعقبات كثيرة، ومعوقات شديدة، شملت أطراف الكرة الأرضية، وهكذا وجب على واشنطن تحديد العقبات التي وقفت أمامها، في الوقت الذي كانت تعتقد أنها حققت انتصارات ترضي نزعتها وغرورها وتحقق مصالحها.

وهكذا، ضاق صدر منظري السياسة في الولايات المتحدة، علماً أنها جندت العديد من كتابها لتدافع عن أطروحاتها، إلى درجة أن أخذ الحماس ببعضهم، ليسمى القرن الواحد والعشرين بالقرن الأمريكي. ومامن منطقة أخرى في العالم، إلا وشعرت بنوايا الولايات المتحدة، حتى حليفاتها في منظمة حلف شمالي الأطلسي، ضاقت ذرعاً بسياسة واشنطن المتعجرفة.

وسوف لن يخضع التقدم الذي يجب أن ينشأ عن المعطيات الاستراتيجية والاعتبارات الأخلاقية، للتقدم، بصورة مجردة، لكن تتكون بداية الحكمة من فهم ضرورة هذا التقدير، وما من بلد له القدرة على فرض أفضلياته على الآخرين، في باقي العالم، مهما بلغت قوته، فيجب إذن تحديد الأفضليات بطريقة لا تتعدى على حقوق الآخرين، وإلا فلن تجد الدعم من الرأي العام العالمي، حتى إذا توفرت المصادر الضرورية لتحقيق تلك الأهداف. وقد يصبح بالإمكان الاستغناء عن تلك الأفضليات عندما تقتصر على صيغة تسمح بتجنب الخيارات الجيو سياسية الصعبة وباتخاذ مواقف دون نتائج مباشرة..

وهكذا، فإن تحقيق الأهداف الجيوسياسية لدولة ما، لها القدرة على السيطرة على الأحداث الدولية، يحتاج لبوصلة جيوسياسية من أجل التوجه ضمن المجالات المتاحة، مع الاعتبار للتعقيدات  الدولية المعاصرة. وهنا سوف لن يكون الأمر سهلاً، خاصةً إذا تطلب الأمر التأكيد على التفوق، في حال التمتع باحتكار سلاح فتاك، ولها القدرة على تحقيق توازن القوى، وامتلاك القدرة والمعرفة، على نحو أكيد، باتباع دبلوماسية أفلاك المصالح. ويجب على قوى الهيمنة الجديدة، مثلها مثل قوى الهيمنة في الماضي، أن تتعلم الإبحار بين الضرورة والاختيار وبين المثابرة الثابتة في العلاقات الدولية ومايمكن أن يكون في تقدير رجال الدولة، في القرن الواحد والعشرين.

وهنا يجب أن تبدأ السياسة الخارجية، بتحديد ما يمكن أن يشكل المصلحة الحيوية، في كل مرة ينشأ فيها توازن جديد للقوى، بعبارة أخرى متابعة التغييرات في الظروف الدولية القابلة لأن تعرض الأمن القومي للخطر، إلى حد يقتضي أن يصبح من الضروري مقاومتها مهما يكن الشكل الذي يكتسبه، عن طريق التهديد أو الأسلوب المشروع الذي يمكن أن يتسبب في حدوث ذلك التغيير…

وتشكل الولايات المتحدة جزيرة، في مواجهة القارة الأوراسية، من وجهة النظر الجيو سياسية، ويستمر التفوق لقوة وحيدة على أحد الفلكين الأوراسيين الكبيرين، في تقديم تحديد جيد للخطر الاستراتيجي المرغوب به من قبل الولايات المتحدة .. وكتلة من هذه الطبقة، لها القدرة في الواقع على التجاوز في المجال الاقتصادي، ومن ثم العسكري، للولايات المتحدة. وهذا خطر يقتضي من الولايات المتحدة تجنبه، وإذا قدر لمثل هذا الوضع أن يحدث، عندها، تجد القوة المهيمنة نفسها، وقد تقلصت قدرتها على المقاومة إلى حد كبير، وقد تفقد السيطرة على الأحداث مستقبلاً..

لقد ألقت الولايات المتحدة بنفسها في الحرب الباردة بكامل ثقلها، تحت ذريعة مقاومة تهديد الخطر السوفياتي، كما بنت توقعاتها في الجزء الأعظم من فترة الحرب الباردة، على حجة التهديد الشيوعي، ومن هنا، وبالطريقة نفسها، تحددت المواقف الأمريكية تجاه النظام الدولي الجديد ـ من وجهة نظر الاحتواء ـ وهكذا، تركزت الجهود الخاصة للولايات المتحدة على التفكير بالإصلاحات الروسية الداخلية  لما بعد الحرب الباردة، فحددت واشنطن خطة عملها انطلاقاً من مبدأ أن تأخذ روسيا إقامة نظام اقتصاد السوق، وترسيخ طاقاتها وتوجهاتها على ذلك، وأن تسير بهدي الغرب في هذه المجالات، وأن لا تعارض روسيا الدور الأمريكي العالمي. ويصبح دور الولايات المتحدة تجاه روسيا، وتحت هذه الزاوية، التركيز على تعزيز الإصلاحات الروسية بشكل رئيسي، عن طريق إجراءات مستوحاة من خطة مارشال التي طبقت في أوربا  الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وليس باتباع النماذج التقليدية في السياسة الخارجية.

ويحتار هؤلاء الذين تنصب جهودهم على الجيوسياسي والتاريخ أمام هذا، المواقف من المشاركة، ويخشون أن تبالغ الولايات المتحدة في تقدير قدراتها بالتأثير على التطورات الروسية الداخلية. وينصحون أن لا تلتزم واشنطن بطريقة غير مفيدة لإزالة التناقضات مع موسكو، خشية من إثارة الروح الوطنية لدى الروس، وأن تتركز الجهود للسياسة الخارجية الأمريكية ضمن خطة شهدت التعديل على الاتجاهات العدوانية التقليدية الروسية، وتشجيع مشاريع المساعدات الاقتصادية والتعاون في حل المشاكل المرتبطة بالأمور الدولية، وهذا ما يؤكد الموقع الروسي، بأن روسيا تقع على الأرض التي يسميها هالفورد ماكندر HALFORD MACKINDER بالجيو سياسية، كما أن روسيا، الوريثة للتقاليد الامبريالية الأقوى فيها.

وعلى الولايات المتحدة أن لا تعتمد فقط على المساعدات الاقتصادية التي تقدمها لتحصل من روسيا على نتائج تلبي رغبات واشنطن كما حصلت على نتائج عند تطبيق خطة مارشال في أوربا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، لأن لروسيا مصالح جيواستراتيجية، وليس بالضرورة أن يبقى التهديد العسكري والإيديولوجي الذي كان للاتحاد السوفياتي السابق على حاله، والذي كان موجهاً بالدرجة الأولى، لمقاومة التطلعات الامبريالية الأمريكية وتحقيق مطامعها في العالم، مع العلم أن التغيير في البنية الاقتصادية يؤدي إلى حقائق جيو سياسية عميقة. ولهذا يجب محاولة تغيير البنية الاقتصادية للاتحاد الروسي الجديد جذرياً لأنه الوسيلة الجذرية أيضاً في التأثير على الاتجاهات السياسية، ويجب أن تكون مثل هذه الأفكار الهامة الهدف المستوحى في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه موسكو، وقد لا تحل مثل هذه الأفكار محل القيام بجهود حقيقية متعددة من أجل المحافظة على توازن القوى، لمواجهة بلد توسعي تقليدياً..

ويستشهد منظرو السياسة في الولايات المتحدة، بأن الاتحاد السوفياتي استطاع أن يتوسع في الفترة (1917-1923)، من جديد، كما أنّ روسيا، استطاعت أن تبطئ من تفكك امبراطوريتها في القرن التاسع عشر، من الناحية الجيو سياسية. وكذلك الأمر، ينطبق على ما قامت به الامبراطورية العثمانية الخربة، والتي مثلت إحدى الرهانات الدبلوماسية الكبيرة، كما تكشفت الرهانات الدبلوماسية عن عجزها عن احتواء نتائج تفكك الامبراطورية النمساوية ـ المجرية. وتاريخياً، يولد انهيار الامبراطوريات سببان للتوتر: الجهود التي تبذل من قبل جيرانها لاستغلال ضعف المركز الامبريالي من جهة، ويستفيد هؤلاء الجيران من الانحطاط الحاصل في الامبراطورية لإقامة مراكز نفوذ لهم في المحيط، من جهة ثانية..

وهذا ما حدث فعلاً، على أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، إذ أخذت كل من تركيا وإيران، بالبحث عن زيادة أدوارهما في جمهوريات آسيا الوسطى، في الوقت الحاضر، بين سكان غالبيتهم من المسلمين، لكن الاندفاعة الجيوسياسية المهيمنة، كانت المحاولة الروسية لإعادة تفوقها في جميع المناطق التي كانت تسيطر عليها من قبل. وتحاول روسيا، باسم المحافظة على السلام في المنطقة، استعادة شكل ما من الوصاية، في الوقت الذي تراهن فيه الولايات المتحدة مد نفوذها هي، باستخدام حلفائها للقيام بمهمات لحسابها وتحقيق مصالحها. كما أخذ العديد من المسؤولين في واشنطن، القيام بزيارات متكررة لتلك المنطقة، ودفعت واشنطن بشركاتها للعمل هناك أيضاً، وكما حصل أيضاً في الجمهوريات البلطيقية.

ويأخذ هذا الوضع بالحسبان واقع أن الولايات المتحدة تعالج الأمور جزئياً كما لو أن الأمر يتعلق بظاهرة وحيدة، لكنها تمارس عملها باتجاهين متعارضين في الحقيقة، فمن جهة، إن الشعب في الجمهوريات غير الروسية الجديدة، قليل العدد لدرجة قصوى، وتشعر الجماعات في السلطة بنفسها أنها مستثمرة على المستوى التاريخي في مهمة “تحضير”، من جهة ثانية، كما ترفض الغالبية الساحقة من هذه الوجوه ـ ومهما يكن انتماؤها السياسي ـ القبول بانهيار الاتحاد السوفياتي، ولا حتى بشرعية الدول التي أعقبتها، خصوصاً في أكرانيا، مهد الأرثوذوكسية الروسية. وليس جميع المعادين للشيوعية، على أرض الاتحاد السوفياتي السابق، ليسوا بالضرورة ديموقراطيين، كما لا يعادي جميع الديموقراطيين الامبريالية الروسية.

نحو حرب باردة جديدة

“إذا أردنا أن نُبقي كل شيء كما هو، يجب أن نبدل كل شيء”(1).

توماسو دي لامبوردوزا (TOMMASO DI LAMPERDUSA) لقد شكلت حرب كوسوفو انعطافاً حاسماً في عالم ما بعد الحرب الباردة، نحو عصر جديد من التوترات والمجابهات، بين تحالفين كبيرين عالميين، أي نحو حرب باردة جديدة إجمالاً، وسوف لن يدوم التحول  من عصر إلى آخر، حتى عشر سنوات.جيلبر أشقر (GILBERT ACHCAR)(2).

“يجب شن حرب شاملة ضد ميلو سوفيتش”  حسب رأي زبيغنيو برززنيسكي، الذي يشكل مصدراً للخيارات السياسية الاستراتيجية، والتأثير على الأوساط الدبلوماسية والسياسية الأمريكية، ليس فقط لأن ميلوسوفيتش قام بـ”مذبحة شاملة بلقانية”، بل لأن مجازفاته تجاوزت الحدود المقبولة، فيما يتعلق بمصير كوسوفو (….). وليس من المبالغة، التأكيد أن فشل منظمة حلف شمالي الأطلسي، سيعني نهاية المصداقية بهذا الحلف، ثم التقليل من أهمية القيادة الأمريكية، وعندها ستكون النتائج كارثية بالنسبة للاستقرار على كوكب الأرض”(3).

أيضاً، هل استجابت حرب عملية الحلفاء في كوسوفو للأهداف الاستراتيجية الأوسع، كون السياسية الأمريكية في البلقان وفي أوربا، هي إحدى الحلقات الأساسية للاستراتيجية الشاملة للقوة الأعظم، التي تستهدف متابعة الهيمنة الكونية.

وتتمنى واشنطن أن تبقى “قوة أوروبية”. إلى  الأبد، ويعترض رتشارد هولبروك RICHARD HOLBROOKE، وبحزم وتصميم على كل بنيان لدفاع أوربي مستقل، ويعقب، لهذا السبب وحده، على التحليل الأمريكي، بهذا الخصوص، إنه سيتحتم المحافظة على منظمة حلف شمالي الأطلسي، وسوف لن يكون ذلك، إلا من أجل “منع أي تطور استراتيجي أوربي منافس لذلك النظام، لا يكون تحت تصرف الولايات المتحدة الأمريكية”(4).

ويلاحظ جورج سار (GEORGES SARRE) “أن هذه تبرز العملية (….) كشهادة ميلاد، لأوربا الاتحادية، مع ذلك، لما كنا لا نرى سوى الولايات المتحدة، هي المستفيدة الحقيقية من هذه الحرب، لهذا من المفروض أن نعتقد بعجز الدول الأوروبية في تسوية شؤونها بنفسها، في حين كان بإمكان الأوروبيين إيجاد حل تفاوضي وحدهم، وتخرج الولايات المتحدة عندئذٍ من هذا التدخل مجابهة بإحساسها كونها لا تملك الحق الكامل كقوة أوروبية (…). مع أنها  ساهمت في جعل البلقان منطقة عدم استقرار، في آخر الأمر مبررة ذلك، وبطريقة غير مباشرة(….). إن هذا يعني توسع منطقة عمل سلطات منظمة حلف شمالي الأطلسي، كذلك في المجالات الأوربية الخاضعة للسلطات القانونية للولايات المتحدة”(5).

يسمح التصور الاستراتيجي الجديد لمنظمة حلف شمالي الأطلسي لواشنطن، التدخل في كل مكان، وفي أي زمان، دون تفويض
من الأمم المتحدة.

يأخذ إعلان روما حول السلام والتعاون المعتمد أثناء قمة المجلس الأطلسي الشمالي، في تشرين الثاني (1991)، التبدلات التي طرأت مابعد الحرب الباردة، التي نتج عنها “تصور استراتيجي جديد، لمنظمة حلف شمالي الأطلسي (OTAN) (NATO)، وعمل الأمريكيون كل شيء، لإعطاء المنظمة، سبباً جديداً، ومن جديد، عنصراً لتصبح ذات فائدة على الرغم من اختفاء التهديد الشيوعي، والتي حامت ضده كل المبررات على أنّه التهديد الحقيقي ضد العالم الغربي، وذلك خشية أن تفقد واشنطن أداتها الأساسية لنشر قوتها في القارة الأوراسية، وفي البحر الأبيض المتوسط. ولهذا نتبين أن هدف الولايات المتحدة، هو إقامة قوة عسكرية استراتيجية ولايات متحدية بإلقاء نظرة إلى الماضي، بهدف تحويل حلف الأطلسي، بالتدريج، إلى منظمة سياسية ـ عسكرية، من أجل تحقيق “الأمن الشامل” القادر على اتخاذ قرارات وحيدة لتنفيذ عمليات عسكرية، إذا كان ضرورياً، مع غياب حتى أي تفويض من منظمة الأمم المتحدة وموافقة مجلس الأمن، ولقد صرح الرئيس الأمريكي السابق، بيل كلينتون (BILL CLINTON). في خطابه “عن حالة الاتحاد”، الذي ألقاه بتاريخ (19) كانون الثاني (1999) بمايلي:

“يجب علينا العمل كذلك بمواجهة التهديدات الإرهابية، وتهديدات الشعوب الخارجة على القانون ـ وهي الشعوب التي ترفض الخضوع لإرادة الولايات المتحدة ـ وسندافع عن أمننا ومصالحنا، في كل مرة نتعرض فيها للخطر، كما عملنا في هذا الصيف، عندما وجهنا ضربات إلى مصادر الرعب التي يطلقها أسامة بن لادن، في حين أننا نعمل من أجل السلام والاستقرار”..

لقد جرى تبني التصور الاستراتيجي الجديد للحلف (6)، رسمياً بتاريخ
(23) و(24) نيسان (1999) من قبل الدول الأعضاء، في مؤتمر قمة واشنطن، بمناسبة العيد الخمسين لإنشاء منظمة حلف شمالي الأطلسي، وأصبحت موجهة، في هذه المرة، تحت اسم قانون الأقوى، بمناسبة الحرب في كوسوفو، وهي رغبة الأمريكيين، التي تستهدف اجتياز الوصاية الشرعية، علىعمل منظمة حلف شمالي الأطلسي، من قبل الأمم المتحدة، وبأن ترى ذلك بالاعتراف الذاتي (AUTO – SAISING)  من قبلها بحق تسليم التركة لها،  حيث يشترط التصور الاستراتيجي الجديد “المحافظة  على السلام والاستقرار في المنطقة الأوروبية ـ الأطلسية، ويكتسي هذا العمل أهمية جوهرية، ويتشكل الهدف الهام للحلف ولقواته، من استبعاد الأخطار، وذلك بالعمل على المواجهة السريعة للأزمات القوية (….)، إذ يمكن أن تستدعي قوات الحلف العسكرية الحليفة في حالة نشوب أزمة ما تضع الأمن الأمريكي ـ الأوروبي الأطلسي في خطر (….). للقيام بعمليات ضرورية كرد على الأزمة”. وبعبارات أكثر وضوحاً، يعني هذا، رسمياً، أن منظمة حلف شمالي الأطلسي مخولة من الآن وصاعداً، بالتدخل عسكرياً، ما أن تعتبر أن الاستقرار مهدد في أوربا، من خطر ما ضد أحد أعضاء الحلف”. مثل ذلك يوغوسلافيا، السابقة، التي لم تعْتد على أية دولة ذات سيادة، عضو في منظمة حلف شمالي الأطلسي، أم لا، العنصر كشرط لذلك التدخل، طبقاً للنصوص المؤسسة للمنظمة الأطلسية، التي تستدعي
التدخل(7)، ويمكن، في هذه الحالة، وضع هذا الانحراف للمنظمة بشكل موازٍ، مع انحراف آخر، تعلق أيضاً، بالنسبة للسلام العالمي:

السرعة التي تؤثر بها الولايات المتحدة استخدام الحلول العسكرية، بممارسة الضربة الجوية، باستبدالها عن الآلية الدبلوماسية. فقد قصف الأمريكيون، السودان وأفغانستان، باستخدام القوات الحليفة، بشهر آب عام
(1998)، على أثر الاعتداء على سفارات الولايات المتحدة في أفريقيا، وفي البوسنة عام (1995)، من قبل.

وخصوصاً في العراق، مابين عام 1990 وعام (1999)، ومستمرة للآن، ابتداء من بداية حرب الخليج، وبطريقة متواترة، شبه يومية، ويجب التذكير أيضاً، استمرت الطائرات الأمريكية  والبريطانية، بلا مبالاة، أيضاً هذه المرة، في قصف المواقع العراقية، حتى طالت العديد من أماكن السكنِ وقتل الأبرياء من الأطفال والنساء وتدمير البنى التحتية، فكيف توصلت واشنطن إلى مثل ذلك القرار.

في الواقع، لقد تبدلت الأمور تدريجياً، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق، في المرحلة الأولى، تم اجتياز نحو التوسع في المجال الجغرافي لمنظمة حلف شمالي الأطلسي، بإنشاء مجلس تعاون شمالي أطلسي
(COCONA) ((CONSEIL DE COPERATION NORD ATLANTIQUE))، ثم أعيد تعميده، تحت اسم الشراكة الأوروبية الأطلسية (CPEA) (PARTENARIA EURO – ATLANTIQUE). لقد أصبح الهدف الأطلسي ضمان الأمن على مجمل القارة الأوروبية، وسيصبح تشكيلها موسعاً سريعاً ليشمل (38)  عضواً، إذن مع إلحاق بلدان أوربا الوسطى والشرقية، باستثناء يوغوسلافيا، التي استأنفت روابطها، من جديد، مع الشقيقة الكبرى، روسيا، وسمحت النصوص المؤسسة لمجلس تعاون شمالي الأطلسي، لمنظمة حلف شمالي الأطلسي، بمعالجة أزمة البوسنة ـ الهرسك وكوسوفو، والأزمات الأخرى التي حدثت في يوغوسلافيا السابقة، كما سمحت بمعالجة الأزمات والنزاعات في القوقاز ومولدافيا، وحتى الحرب الأهلية في طاجكستان كنوع من الإقرار بالتصريح النهائي الذي صدر عن الاجتماع الذي جرى في بروكسل بتاريخ (18) كانون أول عام (1992)، في مقر الحلف، وقامت واشنطن بمبادرة تهدئة، من أجل خفض المعارضة المتوقعة من قبل موسكو، في عهد بوريس التسين الذي احتج بشدة، ضد توسع منظمة حلف شمالي الأطلسي  نحو أوراسيا، تركزت المبادرة على عقد تأسيسي بين روسيا ومنظمة حلف شمالي الأطلسي بتاريخ (27) أيار (1997)، في باريس، جرى بموجبه إنشاء مجلس مشترك دائم بين روسيا ومنظمة حلف شمالي الأطلسي، كون موسكو مسموح لها المشاركة نظرياً في مداولات أعضاء الحلف، لكن، لم يكن كل ذلك، سوى “مظهر خادع”. إذ ليس لروسيا في الواقع، الوسائل، ولا الجدارة، لمقاومة قرارات البلدان الأعضاء في منظمة حلف شمالي الأطلسي.

من جهة أخرى، لم يستمع أحد لموسكو، لإجراء تحقيق أثناء أزمات البوسنة وكوسوفو، حتى أنها لم تُسْتَشَرْ من قبل “شركائها الغربيين”،  في أي أمر بهذا الخصوص. وستكون المرحلة التالية، توسيع منظمة حلف شمالي الأطلسي باتجاه جميع أنحاء أوربا الشرقية، بلا شرط، وحتى ضمن مهلة ليست طويلة، كما سيواجه الاستراتيجيون الأمريكيون ذلك الأمر في جميع أنحاء القارة الأوراسية. وبهذا الصدد، فقد خلق انضمام بولونيا وجمهورية التشيك، ثم المجر سابقة، ثم ستلحقها بلدان البلطيق، مع أنها مسكونة في الجزء الأعظم منها من قبل الروس (استونيا، لتوانيا)، وحتى أكرانيا، فقد فزعت أبواب منظمة حلف شمالي الأطلسي “ميثاق منظمة حلف شمالي الأطلسي ـ أكرانيا عام
(1997)، في حين أن هذه الأمور تتساوى كـ”مبرر للحرب” بالنسبة لموسكو، وبصورة موازية، الحوار مع بلدان البحر الأبيض المتوسط، باسم الحوار الإقليمي، الذي بدئ به عام (1995)،  ستصبح معظم البلدان البلقانية، مثل مقدونيا، وحتى آسيا الوسطى، والقوقاز، مثل أذربايجان، التي تتقارب مع منظمة حلف شمالي الأطلسي، عبر بنية وسيطة أخرى، ستصبح جميعاً، لهذا الغرض، أعضاء في الشراكة من أجل السلام، عما قريب..

ولوحظ تحول حقيقي في تاريخ العلاقات الدولية، نتيجة “التصور الاستراتيجي الجديد”، الذي جرى تبنيه في نيسان (1999) لصالح الحرب ضد الصرب، وبفضل نوع من “قانون الأمر الواقع الإيجابي”، لكنه وضح القواعد التي كانت من قبل منذ عام (1991): “إن المنظمة الأطلسية، هي في طريقها لكي تصبح أداة دائمة للتدخل في الأزمات والنزاعات، بإيجاد مبررات جديدة أيضاً بشأن وجودها وتخليدها”(8)، ويُلاحظ وللمرة الأولى، منذ عام (1945)، أن الشرعية الدولية الوحيدة المعترف بها، من قبل الدول، أعني  منظمة الأمم المتحدة، تصبح مستبعدة ودون التعويض عنها ببنية معادلة لها، لكن لصالح نظام دولي أمريكي جديد، وحيد الجانب، إنه ثقيل النتائج حقاً، ذلك الانقلاب في مستوى النظام الدولي، لأنه يقيم شكلاً جديداً للقانون ضمنياً: “حق الأقوى”. ويقول البعض، إنه بالأحرى، (قانون الأقوى الولايات المتحدة الأمريكية)، كونها الأقوى فعلاً، وبعيداً في مجالات القوة الأساسية الخمسة: السياسية، والاقتصاد، والقوات المسلحة، ووسائل الإعلام والاتصالات، والتكنولوجيا العالية. ويقدر البعض أنه مع تكريس مبدأ “التدخل” الجديد، تمَّت قطيعة حقيقية في تاريخ الدبلوماسية، كون مبدأ حق سيادة الأمم، أصبح لاغياً، من الآن وصاعداً، بالنسبة للشعوب التي ليس لها القوة الضرورية لردع الولايات المتحدة والتحالفات (الغربية)، على الأقل، لمنعها من التدخل في شؤونها الداخلية باسم “واجب التدخل”. وجرى تحطيم مسلمة السيادة بضربة قاسية بتاريخ 24 آذار عام 1999 (……). ومسلمة أخرى قد اخُتُلِقَت: تلك هي، التدخل [الثاني] المستند (….) على الفكرة الخاطئة على نحو واضح، القائلة، إن القوة الأكبر، والمنفعة الأفضل، تتواجدان في المعسكر ذاته، بالضرورة. التدخل (…) مقدس، مقدس، باغٍ وزنديق ـ الاعتقاد ـ أن قانون الأقوى، هو القانون الحقيقي (…) ـ حيث أصبح كل شيء مسموحاً به للأقوى اعتباراً من (24) آذار عام
(1999)، حيث جرى اتخاذ الاحتياطات للقول إنه الأفضل أيضاً فقط، وأصبحت جميع التقنيات الإعلامية تحت تصرفه لإقناع  العالم (…..). أن هذه المعالجة تعمل على تشويش الديمقراطية، حتى يمارس هذا التدخل باسمها (9).

وتحركت الولايات المتحدة عبر المنظمات الدولية التي تسيطر عليها كثيراً أم قليلاً “منظمة الأمم المتحدة، صندوق النقد الدولي، البنك الدولي، لإعادة البناء والتنمية (BIRD)… الخ”… قبل وقت ليس ببعيد، لتنفيذ ما خططت له، ويوضح الأمريكي ميكائيل ت.كلير (MICHAEL T. KLARE) إن الافضلية، تعطى في الوقت الراهن لممارسة متوحدة للقوة وللأعمال وحيدة الجانب. ويتابع ذلك البروفيسور في كلية هامشاير، HAMPSHIRE في ماسا شوسيت: “يتذبذب الاتجاهان في السياسة الخارجية الأمريكية، منذ وقت قريب، بين تعددية الجوانب، ووحيدة الجانب، وهما متوازيان”.

فتقوم واشنطن بالقصف الجوي على العراق دون تفويض من الأمم المتحدة، ضد أهداف استراتيجية عراقية، نتيجة أيضاً لاتخاذ مواقف متذبذبة، من قبل فرنسا والصين وروسيا، بالنسبة للغارات التدميرية الجديدة على العراق، خاصة في ثعلب الصحراء. وهكذا، يختفي كل غموض، منذ ذلك الوقت: “حيث يؤكد جيمس روبن JAMES ROBIN، بأن كلنتون ومادلين أولبرايت، يقولان بصوت عالٍ وقوي، إن الولايات المتحدة ستتدخل من الآن وصاعداً، بشكل وحيد الجانب، حيث تريد، وكما يحلو لها، مع أو بدون موافقة “الحلفاء” والمنظمات الدولية”(10).

في الواقع، سوف لن تكون الولايات المتحدة راضية، بأن لا تقوم منظمة الأمم المتحدة، بما يجب أن تقوم به، منذ عام (1995)، وإنها لم تعد تخفي وحدانيتها، ولا يعني هذا أنها سوف تتخلى عن “التحالفات الغربية”، فهي ثمينة دوماً، ومخصصة لشعشعة التبريرات الاستراتيجية. والمسؤوليات الأمريكية داخل النظام الدولي متعدد الجوانب، على نحو صريح، والمفترض أنها تمثل “المجموعة الدولية”. ويقول الجنرال جان سالفانJEAN SALVAN، يبقى استخدام “التحالفات الغربية” ثابتة في السياسة الأمريكية، من أجل ممارسة عمليات وحيدة الجانب،  منذ عدة سنوات، وتشارك فيما تسميه “استراتيجية المُتَصّيدْ” فيها الصياد “خواف من ابن مُقْرض”(11) ـ ابن مقرض، حيوان من رتبة اللواحم، يُصاد به، ولقد حدد روبن ليرد  ROBBIN LAIRD المستشار السابق لبرززنسكي، حدد  في نيسان عام (1996)، زد على ذلك، دور “المُتَصَّيد”، الممثل بصورة رئيسية بـ”الحلفاء الأوروبيين في منظمة حلف شمالي الأطلسي: يجب على الولايات المتحدة أن تدرك كيف تستخدم   استراتيجية متعددة الجوانب، بحيث تشكل شبكة تحالفات وبالعمل بشكل وثيق مع حلفائها”، أيضاً، وضع لائحة للشركاء المتميزين المختلفين، أو “المُتَصِّيدين”، الإقليميين، للولايات المتحدة: بريطانيا العظمى، في الأطلسي وشمالي أوربا، ألمانيا، في أوربا الوسطى، فرنسا في أفريقيا الناطقة باللغة الفرنسية، الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، وتركيا في الشرق الأوسط، اليابان وكوريا الجنوبية في الشرق الأقصى.

كذلك، يتكون التصور الاستراتيجي الجديد لمنظمة حلف شمالي الأطلسي، تحت غطاء “التحالف الدولي”، بحيث تستخدم القوات الأمريكية، وتلك التابعة لمنظمة حلف شمالي الأطلسي في كل مكان، هذا هو ما قرره البيت الأبيض، حيث سيكون ذلك ضرورياً للدفاع عن المصالح العسكرية والاقتصادية ـ الصناعية والاستراتيجية للولايات المتحدة . “وتسمح هذه الطاقات للولايات المتحدة، بالسيطرة على الأزمات الخارجية وبالرد عليها، حتى في الحالة التي لا يكون لها وجود دائم في المنطقة، وليس لها فيها سوى مجموعة المنشآت الضرورية المحدودة (…)، لكون الولايات المتحدة، هي القادرة على القيام بعمليات متكاملة [متعددة التكافؤ] على نطاق واسع، على مسارح عمليات بعيدة جداً عن حدودها، وبهذا تشغل الولايات المتحدة موقعاً فريداً، إذن، يجب على الولايات المتحدة أن تكون قادرة أن تخضع كل أشكال المقاومة، في كل مكان تريد التدخل به، وحيث ليس بالإمكان الاعتماد دوماً على الحلفاء المحليين من أجل حماية المصالح الأمريكية في الخارج”(12)، هذا ما يعترف به الرسميون في البنتاغون. مصمم وموجه من واشنطن للقيام بالأفضليات والمصالح الجيو سياسية الأمريكية تحت غطاء هؤلاء الذين هم أكثر “قبولاً” للمشاركة في الغرب كبريطانيا العظمى، ومنظمة حلف شمالي الأطلسي، حيث استولت واشنطن عليها بنفسها، وتستخدمها للتحرك كما تريد ومتى تريد، وفي كل مكان تقريباً ذلك، ضد كل من يتجرأ على تحدي الهيمنة الأمريكية، مموهة خلف إبراز (للغرب)، ومرجعة، تلك العولمة أو “المواطنة العالمية”، الأكثر حلماً،
بالنسبة لها.

نزعة انعزالية وتدخلية: الحوار الخطأ

تتذبذب الدبلوماسية الأمريكية منذ نشأتها باتجاهين كبيرين متناقضين حسب الظاهر، لكنهما في الحقيقة، متكاملان؛ فمن جانب، الذرائعية PRAGMATISME، الأكثر استخفافاً أحياناً [“الأكثر فعالية بالنسبة لنا أولاً”] [ EFFICIENCY FOR US FIRST] والمثالية الأكثر تهذيباً والأكثر ملائكية من جانب آخر، ويؤكد هنري كيسنجر في كتابه “الدبلوماسية”: ليس هناك من أمة أظهرت كونها الأكثر ذرائعية في السلوك العادي لدبلوماسيتها، وفي الايديولوجية أثناء متابعة قناعاتها الأخلاقية التاريخية من الولايات المتحدة (…..). لقد تذبذب الفكر الأمريكي بين الانعزالية والالتزام”(13). لكن على العكس من تلك  الفكرة المنتشرة بين الأوساط المتعاطفة مع الأمريكيين من الأوربيين، القائلة، بأن وجود “مدرستين فكريتين”، لا يعني أن  السياسة التدخلية، الموجهة باسم النظام الدولي الجديد منذ بداية  التسعينات (1990)، تكون العمل الوحيد “للويلسونية” المثالية، والمفترض على أنها ديموقراطية، في حين يُفتَرض أن الجمهوريين المحافظين هم أصحاب النزعة الانعزالية”، وبأنهم ينتقدون السياسة الخارجية الامبريالية، لإدارة كلنتون. بالتأكيد يوجد في الولايات المتحدة، أنصار للتدخلية في جميع الاتجاهات باسم [المبادئ] الأخلاقية، ينضوون تحت أصولية الرئيس ويلسون، بصورة رئيسة، الذي كان يعتقد أن لجمعية  الأمم نزعة لكي تصبح الصورة المنقولة عن دستور الولايات المتحدة، على المسرح الدولي، فهي القادرة وحدها أن تقود الإنسانية نحو “السلام الأبدي”، الذي نادى به، لكنهم لم يفقدوا وجهات النظر القائلة، إن النظام الدولي الجديد (“هو هيمنة كونية متسامحة  من قبل الولايات المتحدة”) ـ و”دبلوماسية القصف الجوي والحَظر” الذي، يميزه ـ وكان أن جرى الإعلان عنه تحت إدارة الجمهوريين، في عهد جورج بوش، وتدمير العراق، باسم الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والكتاب المقدس، “التوراة” وتستند سياسة الهيمنة، على المسلمة التدخلية نفسها، والمسيحية الملازمة، على السواء، سواء أكانت موجهة من قبل المسالم السابق الديموقراطي كلينتون، أو المحافظ بوش، وذلك منذ أكثر من عشر سنوات،  كما تستند هذه  أيضاً، على “البيان المخصص للولايات المتحدة”، ولقد جرت أمور بالطريقة نفسها، قبل بوش وكلنتون، ودون الرجوع حتى لويلسون: فهل لم يفتخر جون فوستر دالاس، رئيس إحدى الجمعيات البروتستانتية الكالفانية ـ كونه، رجل السياسة والذي يعرف التوراة، على نحو أفضل، موضحاً الجذور الأخلاقية والمسيحية في عقيدته الخاصة باحتواء امبراطورية الشر في خطابه في الكونجرس؟ وستصبح هذه السياسة، المستندة على الصراع ضد الشر، متابعة من قبل الديموقراطي، القس، جيمي كارتر في نهاية ولايته الرئاسية، من ثم، من قبل الممثل السينمائي السابق، بشكل خاص، الجمهوري والرجعي المتطرف، رونالد ريغان.(14)، تلك السياسة المعتمدة على استراتيجية ذرائعية تبدأ بتسليح المتطرفين من الأفغان المتعصبين ضد السوفيات حيث جرى تدشينها في عهد كارتر، خصوصاً بمبادرة من ويليام كاسي WILLIAM CASY وزبيغنيو برززنسكي، من ثم، أعيدت ملاءمته بالكامل، من قبل إدارة ريغان. ومن وجهة نظر  السياسة الخارجية شبه الرسمية الأكثر، على المسرح الأوراسي بصورة رئيسة، الاستمرارية هي في النواحي الرئيسة، تكرار للاعتبارات بين الديموقراطيين والجمهوريين إجمالاً، وإن ذلك منطقي تماماً..

في الحقيقة، لم تعد معارضة النزعة التدخلية / الانعزالية الحوادث الجارية حقاً، واليوم يعمل الانعزاليون على إسماع أصواتهم دوماً بشأن المعارضة المحافظة المتطرفة في حزب الإصلاح المشكل  من قبل الملياردير روس بيروت ROSS PEROT، حيث الشخصية البارزة في هذا الحزب، هوبات بوشانان  PAT BUCHANAN، أحد رجال السياسة الأمريكيين، من المعارضين الأشد للنزعة التدخلية، على نحو مكشوف، من جهة أخرى، فهو لا يقبل الجدل، في حوار حقيقي، بحيث يبقى في الولايات المتحدة في هذه النقطة، ويوضح عدد من المثقفين، من السياسيين أومن المراقبين الآخرين، وخاصة فيما يتعلق بجماعات من الكونجرس، من الجمهوريين، أو من الممثلين (ولبعض اليسار المعادين للامبريالية)، يوضحون في الصحافة  بصورة منظمة ـ The WALL STREET JOURNAL خاصة ـ شكواهم، ضد الحصار في العراق مثلاً ـ ويبدون معارضتهم الشديدة للتدخلات المسلحة الأمريكية في العالم، كما حدث ذلك، خلال عمليات القوات الحليفة في حرب الخليج، وتدمير العراق. لكن أُدينت الولايات المتحدة لمتابعتها سياسة الهيمنة ونزعتها التدخلية. لأسباب استراتيجية أساسية واقتصادية وجيوسياسية، وهي الأساس في الانفساخ السياسي، وفي الوقت الحاضر، ليس لجماعة النزعةِ الانعزالية الجارية أي حظ للوصول للسلطة ويبقون مستبعدين كلية عن المراتب العليا عن مراكز القرار: نوادي النفوذ “مجلس العلاقات الخارجية، اللجنة ثلاثية الجوانب… الخ”، جماعات الضغط العسكري ـ الصناعي، الأوساط المالية ـ والطاقية “من الطاقة” التي تحدد السياسة  الخارجية الأمريكية على ضوء الأوامر الاستراتيجية الشمولية، والمفهومة كحقل عمل فسيح للقوة الأمريكية. ويؤكد المؤرخ الأمريكي هـ.دبل يو.براندز  H.W.BRANDS: “ليس هنالك من انعزاليين في أمريكا”، ويضيف: “إذا كان الأمريكيون موافقون ومتفقون على شيء ما، فهذا الشيء هو أن مهمة بلادهم، هي تحسين الشروط الإنسانية في العالم، وهنا فالآراء متشعبة، حول الطريقة لضمان هذه المسؤولية”، ويوضح دنيس أرتود DENISE ARTUD ، المختص في الولايات المتحدة  في المركز الوطني للبحث العلمي (CNRS)، ((هل يتعارض الحوار مع هؤلاء الذين يرغبون بالتدخل في كل مكان، دون الأخذ بالاعتبار للإسقاطات الاستراتيجية، أمثال بيل كلينتون ومادلين أولبرايت، وساندي بيرغر، وزبغنيو برززنسكي، الذين يعتقدون أنه يجب التدخل فقط، هناك، حيث توجد مصالح رئيسة للولايات المتحدة، عندما تكون مهددة”(15)، وحيث لدى واشنطن الوسائل للتدخل حقاً، بعد إنهاك الحلول الدبلوماسية وهذا الرأي مُدافع عنه ببراعة، من بين الآراء الأخرى، التي يدافع عنها هنري كيسنجر وصامويل هانتنغتون، وبالنسبة لهؤلاء، فإن نزعة التدخل “خطرة جداً ضمن مدى “بالنسبة للولايات المتحدة والغرب، وينطبق ذلك الرأي أيضاً على نظرية ادوارد لوتواك EDWARD LUTWAK في الاستراتيجية التي تطري بالأحرى النزعة التدخلية INTERVENTIONNISME كحد أدنى للولايات المتحدة.

وعلى العكس من هذه الأفكار المتلقاة، لا يعارض الكونجرس، حتى المحافظين فيه، دوماً، التدخلات الخارجية، خصوصاً ـ كما لوحظ ذلك أثناء حرب كوسوفو، عندما سمح الكونجرس بالمبررات الهادفة لزيادة الاعتمادات العسكرية، ولدرجة يكون مجلس الشيوخ الأمريكي حتى في بعض الأحيان أكثر ميلاً إلى النزعة التدخلية، من البيت الأبيض، وكان قبل حرب الخليج معادياً  لحد ما نسبياً لكل تدخل في الخارج، خشية من “فيتنام جديدة”.

لكن رفعت التحفظات تلك الانعزالية. بمناسبة عملية عاصفة الصحراء. بل كانت هناك موافقة ضمنية، في آخر الأمر، هذه الموافقة حدثت بين جورج بوش والكونجرس والتي قضت بإرسالِ قوات ضخمة إلى منطقة الخليج العربي/ الفارسي. وماهو أكثر وضوحاً للكشف عن هذه الأفكار، فهو الكونجرس الذي دفع البيت الأبيض عام (1992)، للتدخل في يوغوسلافيا السابقة، وكان دور بعض أعضاء مجلس الشيوخ، مثل بوب دول BOB DOLE هاماً جداً في عام (1995)، فهنا أيضاً، إذ أن الكونجرس هو الذي يصوت على قانون، يطلب من الرئيس تعليق الحظر المفروض على الأسلحة باتجاه البوسنة، بل ويلح على التدخل الأمريكي ضد الصربيين. أخيراً، وفيما يتعلق بأزمة الكوسوفو، فالكونجرس، هو الذي سنَّ قانوناً سابقاً بتاريخ (17) كانون أول عام (1997)، أثناء التصويت على القانون رقم (539)، حول الموضوع، ويشترط ذلك القانون أي “لشعب كوسوفو  الحق أن يكون له تنمية خاصة مستقلة”، وفي أن “يُجَهّزَ نفسه بطريقته الخاصة”، في “انتخاب ممثلية الشرعيين”. وبهذا لم ترفض الغالبية الجمهورية اليمينية مبدأ التدخل في جميع الاتجاهات في الخارج (….)، هذا ما أكده فيليس بينيس PHYLLIS BENNIS عندما رفض مجلس الشيوخ التصديق على المعاهدة التي تقضي بالمنع الشامل للتجارب النووية (CTBT)، بل ويؤكد على الرغبة بالتدخل من جانب واحد، من قبل الولايات المتحدة، ويرفض كل تعددية بهذا الشأن”.(16).

ويوضح هنري كيسنجر الأمر بصراحة ودون لبس، بأن: “التقريبيين الاثنين، الانعزالية والتبشيرية متناقضان جداً على السطح ولكنهما يعتمدان على القناعة نفسها”، عندما يقول: “تمتلك الولايات المتحدة أفضل نظام حكومة في العالم. ويمكن لباقي الإنسانية التوصل إلى السلام والرفاه، بالتخلي عن الدبلوماسية التقليدية وباحترام مُثُل أمريكا والقانون الدولي والديموقراطية (…). وبأن الزعامة الدولية عطاء متلازم مع القوة والقيم الأمريكية”(17). مع ذلك، من المعلوم، كم من الجنرالات المغرورين، يخفون غالباً النوايا الأشد هيمنة، أولئك الجنرالات الذين ينتمون إلى الجانب الغربي من الأطلسي.

أيضاً، يكشف ذلك الدبلوماسي الأمريكي المشهور، الحجاب، عن الخبث والرياء التّحْتِيّين في الحوار الآخر الخاطِئ، الذي يدور بين “المثاليين” و”الذرائعيين”: “الأمريكيون لا يحبون مطلقاً الاعتراف بشكل مكشوف، بأنهم يلاحقون منافعهم الأنانية (…). ويؤكد زعماؤهم على الدوام، خلال الحروب العالمية، كما في النزاعات المحلية، بأنهم يقاتلون فقط كذباً، للدفاع عن المبادئ، وليس عن المكاسب”(18)، ومن بين هذه المبادئ، الدفاع عن حقوق الإنسان والديموقراطية والحرية، وهي أمور تثار باستمرار من قبل وزارة الخارجية، لكن الذي تأكد نجاحه هو مبدأ “التدخل الإنساني” أم “حق التدخل” أثناء حرب كوسفو، وهل نجح المبدأ نفسه في حرب الخليج وتدمير البنى التحتية العراقية، وتجويع شعب بالكامل نتيجة الحظر المفروض عليه؟..

يشكل “حق التدخل” عامل حرب وعدوان

تسمى التدخلات من الطراز “الإنساني” تقليدياً، بوجه الاحتمال، بـ”رسالة بطرسبورغ”، كما هو الحال فيما حدث في كوسوفو، معرضة أن تصبح عملية جارية في مستقبل قريب، وبشكل أن تستخدم، أكثر فأكثر لإعطائها شرعية الحروب العقابية، كما حدث في الصرب، وحروب الاستعمار في العراق، فهي حروب لا تقال بأسمائها الحقيقية، مع أنها تحمل كل علامات الهيمنة القهرية الأمريكية. لقد كشفت الزيادة في عمليات إضفاء الشرعية المتزايدة على هذا الطراز من التدخل عن “الاستراتيجية الشاملة” للولايات المتحدة، بصورة مباشرة، وما تستهدفه عملية تطوير منظمة حلف شمالي الأطلسي  وتحويله من ميثاق للدفاع الجماعي ضد التهديد السوفياتي ـ الشيوعي، إلى منظمة هجومية قابلة للاستخدام الذاتي، لضمان الأمن الشامل” الولايات المتحدة، عندما تستر مصالحها خلف المصالح الغربية، وبأنها مهددة: “التزود بالطاقة، مرور بحري، إرعاب السكان المدنيين، هدوء جيو استراتيجي….”الخ..

تبقي المبادئ المُؤَسِّسة للقانون الدولي، التي منها المبادئ ميثاق الأمم المتحدة كالاختلافات في هيئات المحاكم الدولية، تبقي حق سيادة الأمم، حتى اليوم الموضوع الأساس في القانون الدولي، كقدوس للسيادة الوطنية، مما جعله يصبح عقبة حقيقية أمام نزعة التدخل لمنظمة حلف شمالي الأطلسي والاستراتيجية الأمريكية الجديدة الشاملة. ويعلق الفيلسوف الاستراتيجي بول فيريليو (paul virilio): “أمام هذا الانحطاط الجيو استراتيجي الطويل في التاريخ المعاصر، والذي يهدد السلام بشكل كبير، بسبب عدم الاستقرار أيضاً، ويضاف إلى هذا الانحطاط، الرغبة الجديدة في تجاوز سيادة الشعوب والأمم، باسم هذه الوظيفة المشهورة، السيادة، تحت ذريعة التدخل الإنساني، ويؤدي بالتالي إلى التهديد بعدم الاستقرار الجيو سياسي في العالم”(19)، وبأن النتائج المتوقعة لعملية تطور الامبريالية الجديدة، والمضادة للسيادة، في السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وتشجيعها على الانشقاقات الداخلية، خاصة في روسيا، وفي آسيا الوسطى، وفي الصين، وفي العراق، وفي يوغوسلافيا السابقة، وأماكن أخرى، لتصبح معرضة لخطر أن تتجلى بحدوث أعمال عدم استقرار، تظهر على شكل سلسلة في العالم أجمع، وتؤدي إلى تكاثر في الدول، وإلى دول مكروية”، التي تشاهد منذ بداية التسعينات (1990)، لأن جرثومة العصيانات والنزعات الانفصالية والادعاءات الأخرى، بشأن “تقرير المصير”، العزيزة على قلب واشنطن منذ حقبة الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون WOOD ROW WILSON  ـ “تصريح ويلسون” ـ عام (1915)، حول: “حق تقرير مصير الشعوب”، يمتلك دينامية حربجية خاصة، ويمكن أن تنعكس هذه الدينامية المعادية للسيادة “حق التدخل”، على الولايات المتحدة نفسها وحلفائها، وتعرضها لخطر الانشقاقات تحت تلك الذريعة، وتطال تركيا، والكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، هذا ما وضحه الجنرال أرييل شارون، أثناء حرب كوسوفو. وكتب بول فيريليو: “لقد دَشَّنَت الحرب الأولى لمنظمة حلف شمالي الأطلسي، في أوربا الشرقية بصورة سَيِّئة قدرة الولايات المتحدة على ضمان السلام في عصر التكاثر الدولي للأخطار، بصورة مستمرة، إن لم توجد سلطة قادرة على إزالة هذه القنبلة، ويقرر إذن القضاء على الدولة/ الأمة(…). من الآن وصاعداً، مكلَّفة من جميع العيوب  السيادية، ومن جميع الجرائم القومية”(20)، ما عدا النزعة القومية الأمريكية، وأكثر من أي وقت مضى بالتأكيد، مُعزَزة بعالمية المعركة نفسها، كسائر عَوْرة “الهيمنة القومية” الكونية للولايات المتحدة، التي ربحت حرب البيانات، والمستفيد الوحيد من العملية الشمولية أو العولمة.

فإذا لم يتحقق السلام في البلقان، أو بالأحرى المساهمة في إحياء مصادر الآلام والأحقاد بين الجماعات المتقاتلة، عندها ستعيد التدخلات العقابية التي قامت بها منظمة حلف شمالي الأطلسي في كوسوفو، إشعال الحروب في القوقاز على شكل مسلسل وفي العديد من النقاط الحساسة في العالم. في الواقع، جرت معارك، حدثت في مجابهات بين أذريين وأرمن، بعد ثلاثة أسابيع فقط من نهاية الغارات الجوية على صربيا. ويصرح الوزير المستشار للرئيس الآذري، عالييف، بدوره:

لقد بدا تدخل منظمة حلف شمالي الأطلسي… ضد أرمينيا، بأنه ناجم عن ذلك، التدخل في كوسوفو “من الغرب”، كون ذلك أصبح آلياً، من الآن وصاعداً ضد السلاف الأرثوذوكس، من الشيوعيين السابقين، وهذا هو في الواقع، بالضبط المطلوب، استسلام بلغراد أمام منظمة حلف شمالي الأطلسي، وإذن   النتيجة من ذلك استراتيجية عولمة منطقة البلقان. من جهة أخرى يتضامن الغرب مع الشيشان لأسباب بترو استراتيجية، إذ عزز الشيشانيون من أعمالهم اليومية في حرب عصابات، وضاعفوا من الأعمال التخريبية فيها، كإغلاق الأراضي الشيشانية أمام مرور أنابيب النفط للمرور بغروزني.

ويطرح سؤال جوهري، منذ ذلك الوقت: كيف يمكن “للغربيين”، أن يكونوا أهلاً للثقة من الآن وصاعداً، وأن يجيزوا لأنفسهم ، تدمير يوغوسلافيا السابقة، ويتسببون في قتل أكثر من مليون عراقي سواء نتيجة الغارات الجوية المتواترة، بالإضافة إلى الحظر المفروض على العراق، الذي زاد عن عشر سنوات، في حين يترك الكيان الصهيوني يصول ويجول، دون التعرض لأي نوع من العقوبات بالرغم من كل ما يقوم به من أعمال ضد الإنسانية، من قتل وتدمير وطرد. وكذلك الأمر بالنسبة لتركيا، التي تضطهد الأكراد الذين يزيد عددهم عن (15)، مليون نسمة في تركيا، ويقوم الجيش التركي بعمليات إبادة ضد هؤلاء الأكراد، باستخدام مختلف أنواع الأسلحة الأمريكية التي تزودها بها، كما يترك للعديد من الحكام الدكتاتوريين الذين يتصرفون، كما كان يتصرف حكام القرون الوسطى، أو ما قبلهم، دون توجيه كلمة لوم لهؤلاء الحكام، إنها شريعة الولايات المتحدة، الكيل بمكيالين..

وتتلقى حرب كوسوفو السابقة تشجيعاً مضاعفاً، في نهاية الأمر، ممن أُطْلِقَ عليهم اسم “الذرائعيين الحربجيين”: فمن جهة، إن الاستقلاليين من جميع البلدان معرضون لخطر أن ينطلقوا باتباع “استراتيجيات الأسوأ”، وواشنطن ليست مستعدة لإنفاق مليارات الدولارات لدعم جميع الانفصاليين على وجه الكرة الأرضية مطلقاً، من ناحية أخرى، أن ترى وتعي بعض البلدان خطر تعرضها لفقدان سيادتها، بسبب تهديدها بموجات من الانفصاليين، والتوسع في “حق التدخل”، لهذا أصبحت الدول القوية مقتنعة في العالم أجمع أن الولايات المتحدة لا تقوم بأي شيء من أجل وقف هذه الظواهر، لا بل هي التي تمارسها بفظاظة، معرضة العالم للخطر بسبب استغلالها لمثل هذه الأوضاع من أجل “تسوية”، مشاكلها، كما هو الحال مع روسيا، بخصوص حرب كوسوفو، والهجمات الجوية التي قامت بها منظمة حلف شمالي الأطلسي، ومنذ ذلك الحين أصبح العالم أجمع ينظر بقوة أنه بعيد عن إقامة عالم أفضل ونظام دولي “سلمي”، جديد، وأكثر عدلاً لصالح الشعوب المضطهدة في العالم أجمع والوصول لإعادة الدول الإقليمية إلى صوابها، وهذا نوع من “قانون الأقوى الإقليمي”، “وذلك باستخدام كل دولة محورية القوة بأن ذلك أمر حسن بالنسبة لها كما يبدو، في محيطها الخاص ليحل ذلك محل النظام الدولي التقليدي فعلاً، والذي تطريه الأمم المتحدة، في الحقيقة، إن الأمر يتعلق بدول محورية موالية للأمريكيين المستفيدين من تلك الأوضاع، مثل تركيا، العربية السعودية، الباكستان، أو القوى “المعادية للهيمنة”، والعاصية على القيم الغربية، مثل روسيا، الهند، الصين، العراق… الخ..

فهذه الاختلافات بين الزعماء، جرى الإحساس بها بصورة مضاعفة، وشجّعت في ذبذباتهم والاستراتيجيات وحيدة الجانب بسبب أزمة كوسوفو السابقة. وقد فهموا جميعاً  الرسالة: خاصة الدول غير المزودة بأسلحة استراتيجية وحدها، وضعيفة نسبياً، مثل العراق أو الصرب و/أو التي يمكن أن تتسبب بإلحاق الضرر للمصالح الاقتصادية الأمريكية. فقدرها أن تتعرض للعقوبات والغارات الجوية، تقوم بها، منظمة حلف شمالي الأطلسي، بزعامة الولايات المتحدة، وإن بعضها مثل “تركيا”، مشيخات الخليج….”، ليست موضع انتقاد من قبل الآخرين: “الصين، روسيا….الخ، بل تجد نفسها تتقارب بطريقة خاصة في أفعالها، وهذا سبب آخر من أجل التماسك بأسرع مايمكن،
ودون شهود.

تزامن الأعراض في كوسوفو:

تعتبر القوى التي لا تخشى أعمال الانتقام في الوقت الحاضر، من “الغرب” تعتبر نفسها، وأكثر من أي وقت مضى، بأنها متبنية لقيادة جميع التدخلات العقابية، المشابهة لعمليات القوات الحليفة، في مناطق نفوذها الخاصة، آخذة ذريعة انتهاك مبادئ القانون الدولي من قبل الأمريكيين، والتغييرات الحادثة فعلاً ـ غير الشرعية ـ من قبل منظمة حلف شمالي الأطلسي، ومنظمة الأمم المتحدة، ومن المحتمل جداً، أنه سيكون لحرب كوسوفو السابقة، نتائج بخلق عدم الاستقرار بالنسبة للسلم العالمي، بمعزل عن طبيعة التدخل القابلة للمنافسة، من قبل منظمة حلف شمالي الأطلسي، بحد ذاتها، وخلال زمن طويل جداً، وقد تتسبب في تعريض العالم لخطر شن دينامية “تفتيت” وعدم استقرار، على شكل سلسلة، في العديد من الدول غير المتجانسة والهشة في العالم، حيث وحدتها الوطنية مهددة، بالمطالب الانفصالية، حقاً، عندما سيحاول الغربيون، رد موسكو إلى الصواب، أثناء قصف غروزني الجوي خلال فصلي خريف وشتاء عام (1999)، كان رد فعل روسيا الأول: لقد وضع هؤلاء الذين دمروا صربيا، خلال (78)، يوم من القصف الجوي، أنفسهم بطريقة غير ملائمة لتوجيه النقد وإعطائنا دروساً في الأخلاق…”.

ويعلق سيرجيو رومانو SERGIO ROMANO السفير الإيطالي السابق في موسكو: “إن من بين العوالم التي ساهمت في عدم الاستقرار لدى الدول متعددة الجنسيات، وماهو أكثر أهمية هو الإلحاح، على التلويح بأعلام حقوق الإنسان، من قبل الولايات المتحدة وأوربا، ونسي الغرب أن حقوق الإنسان، التي تستند إليها المجتمعات متعددة الجنسيات في أوربا الوسطى. والشرقية، تعني في الحقيقة حقوق الجماعات العرقية ـ القومية.

ويعتقد الغرب أنه يدافع عن حقوق الأفراد، ويرسل إشارات أن الأقلية وزعماءها يدركون ذلك، على أنه تشجيع لهم، موضوعياً، للإصرار على مطلبهم بالحكم الذاتي، والاستقلال.

ويعتقد أنه يدافع عن الديموقراطية، وينفخ في رياح القومية لا إرادياً. ويظن أنه يدافع عن قيمه الأساسية، لكنه على العكس، يعرض مصالحه الأساسية للخطر: “عدم الاستقرار”(23).

فهل لا يكتسي تعبير “حقوق الإنسان”، معنى الاستقلال بكل وضوح. وقد استخدمت “حقوق الإنسان”، أو “واجب التدخل” في موسكو وفي بكين وفي بلغراد كوسيلة مرادفة إلى التفتيت والعدوان الغربي، من قبل الحركات الانفصالية في القوقاز. وفي غرينجيانغ xinjiang وكسوفو وكشمير، ويوضح سرجيو رومانو أن معظم الأقليات الانفصالية، غالباً ما تستخدم أسلوب العنف لتحقيق أهدافها، وديموقراطية قليلاً ـ كما يقال بشكل عابر ـ وتبحث الحكومات التي تقمعها، عن وضعها في قالب دراماتيكي مثيرة ردود فعل عنيفةعن قصد، إذا كان ضرورياً، وإن بعض الدول والحركات المعارضة، تقوم بأعمال تحريضية لإثارة العنف أحياناً، وردود فعل دموية مختلفة، لهدف وحيد تعزيز صورتها(“ضحية بريئة”)، بهدف تحضير الجو للتدخلات الغربية، وبالاتفاق معها، وذلك باسم “الدفاع عن حقوق الإنسان”، وباسم حق التدخل الإنساني”، كما يحدث في العراق وفي السودان. وتتحرك الدول المركزية مثيرة الإحساسات القوية لدى الرأي العام. وترد الأقلية المقموعة بدورها بنزعة قومية راديكالية أيضاً، كما هو الحال لدى بعض الأقليات العراقية أو في السودان، ويكفي حينئذٍ إطلاق شرارة ولو صغيرة في البارود. وعلى نحو متناقض، فالحملة لصالح حقوق الإنسان، تولد النزعة القومية،  وتجعل من الاستقرار الدولي في مهب الريح”(24). ويستخلص رومانو، أن الأمر لا يتعلق هنا بظاهرة عالمية، بالتأكيد ـ ويرجع ذلك، إلى وضع الضحايا والجلادين في مستوى واحد ـ وهناك العديد من الأقليات في العالم، وقعت ضحايا اضطهاد مرعب تقوم به الأنظمة الكلياتية والمتسلطة، لكن يتحتم على خبراء الجغرافيا السياسية، مهمة صعبة للتمييز، بقدر الإمكان، بين الحقيقة والخطأ، أو بالأحرى الأعمال الفظة الصادرة عن بياناتهم الذاتية إجبارياً، والحالة هذه، فما هي الطرق الرئيسة للمراقبة التي يملكها المواطن ووسائل الإعلام.

في الواقع، ليس المبدأ الأخلاقي ـ السياسي الجديد “الداعي إلى التدخل العسكري والإنساني”، لصالح الأقليات “الانفصالية”ـ “المضطهدة”، مطبقاً بطريقة شاملة، وبإنصاف في المناطق المختلفة من العالم، وهنا نقطة ضعف ذلك المبدأ، فمثلاً لم يكن هناك تدخل في الصين أو في روسيا، ويفسر ذلك بالثقل العسكري والاستراتيجي في هاتين القوتين، وليس هنالك من قياس مشترك عما حدث في العراق الذي يسكنه أكثر من عشرين مليون نسمة. كذلك، فالغربيون لم يبادروا بتطبيق ذلك المبدأ كمخطط  إجمالي، وبالتالي بعمل وقائي أو عقابي، كما حدث في إفريقيا رواندا، بورندي، سيراليون، الكونغو”، حيث ارتكبت  مجازر أكثر دموية وأشد عنفاً، وكذلك ما يقوم به الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، بقمع شعب بالكامل، من قتل وتدمير وأعمال إبادة وطرد وتهجير، متجاوزاً كل الأعراف الدولية،  ومتجاهلاً كل القرارات الصادرة عن المنظمات الدولية. كذلك الحال في تركيا، حيث قتل أكثر من [20000]، كردي بالأسلحة الأمريكية، والدعم الأمريكي، خلال هذا العقد الأخير من القرن العشرين، ولا تزال قوات أنقرة تقوم بعمليات تنظيف وتهجير. إذن تتدخل “الديموقراطيات بحجة حماية حقوق الإنسان، عندما تتطابق هذه الحجة مع المصالح السياسية والاستراتيجية الخاصة”..

وبهذا الصدد، يستمر الأمريكيون والبريطانيون بقصف جوي شبه يومي لمناطق مختلفة من العراق، طوال العقد الأخير من التسعينات دون تفويض من الأمم المتحدة، مع استمرار الحظر على شعب بالكامل مما أدى إلى قتل ملايين الضحايا، أهذه الأعمال تتوافق مع حقوق الإنسان؟.. أم أن تلك الأعمال الإجرامية تتطابق مع المصالح الاستراتيجية، طبقاً “لقانون الأقوى”، و”قانون التدخل الإنساني”..

طبقاً للاستراتيجية الأمريكية للهيمنة الشاملة، فهي استراتيجية تستهدف منع كل خصم منافس أو عدو قوي ينازعها التفوق “الشامل” للولايات المتحدة. فهذه التدخلات المختلفة التي جرت في البلقان، أيضاً خلال العقد الأخير من القرن العشرين، لها فوائد مثلثة: أن تسمح للولايات المتحدة إضعاف التنافسية البنيوية للاتحاد الأوروبي كل ذلك، مع متابعة الهدف القائل “بطرد” روسيا وتحذير الصين ـ وكل معاند قوي آخر ـ وبالتالي أن تستطيع الولايات المتحدة  الاحتفاظ بـ”الزعامة العالمية”، إلى أبعد مدى. أيضاً، التخلص من منظمة الأمم المتحدة، من طرف واحد، بشكل يسمح لمنظمة حلف شمالي الأطلسي، والولايات المتحدة خصوصاً من كل خطر روسي أو صيني، وحتى الفرنسي والبريطاني، باستخدام حق النقض، في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، أو في الحالة التي يبدي فيها حلفاء واشنطن رغبة باتخاذ مواقف، تظهر عليها علائم الاستقلال الذاتي، أو إذا تحالف منافسون للقيام بأعمال “ضد الهيمنةِ” الأمريكية، وهذا ما يخشاه برززنسكي كثيراً في كتابه “اللاعب الكبير”، حيث يخشى المطالبة بنظام دولي “متعدد الأقطاب”، مع أن حرب كوسوفو، وما يجري الآن في العراق من قصف شبه يومي وحظر، كل ذلك قد رسخ انتصار مبدأ القطب الوحيد، في العديد من الاعتبارات، على تعدد الأقطاب. وفي هذا الإطار، فإن المعطيات الجديدة التي تُسجّل على أنها قرارات جيو استراتيجية أخرى للولايات المتحدة، خصوصاً ما تسميه وسائل الإعلام، بخطاب “حرب النجوم الجديد”، أو استراتيجية الوسائل”، خصوصاً التوجهات في مجالات الأسلحة الجديدة، والتكنولوجيا الجديدة، جميعها، على اتفاق مع “الاستراتيجية الشاملة”
للولايات المتحدة.

السيطرة على الفضاء والطواف حول الأرض والتفوق الشامل

وانطلاق سباق متسلح جديد:

تبنى مجلس الشيوخ، ذو الأكثرية الجمهورية، خلال شتاء عام (1999)، برنامجاً مضاداً للصواريخ جديداً، تأكيداً للاستراتيجية القومية الجديدة الخاصة بالأمن الأمريكي: وهو يستهدف ضمان أمن جزء من الأرض الأمريكية  وبعض البلدان الحليفة في المنطقة الآسيوية، فإذا جرى الأخذ به من قبل البيت الأبيض، سيصبح هذا البرنامج مخصصاً لمصراعين أساسيين: قبل كل شيء، الدفاع الصاروخي القومي (NMD)، المخصص للدفاع عن الأرض الأمريكية، والقابل أن يكون قادراً على مقاتلة، الصواريخ البالستية المطلقة من قبل بلد عدو قبل أن يخترق الطبقات الإتموسفيرية العليا(25)، وثانياً، هناك الصاروخ الضارب الدفاعي (TMD)، وهو برنامج مشابه ومخصص ليسمح بالدفاع على المسارح الخارجية، وبصورة رئيسة في آسيا.

إذن يتوقع البنتاغون، إنفاق أكثر من عشرة مليارات دولار على هذا المشروع مابين عام (2000 و2005).

وسيتعلق الأمر، بالنسبة لبعض المراقبين، قبل كل شيء، بطريقة تبرير منح الصناعات الأمريكية اعتمادات مالية هامة لضمان تفوقها، وطبقاً للزعيم الجمهوري في مجلس الشيوخ تِرْنْتْ لوت  TRENT LOTT، سيصبح البرنامج الجديد المضاد للصواريخ، أحد الأفضليات الاستراتيجية للولايات المتحدة، كونها في حالة عجز لحماية نفسها من هجمات متزامنة “من دول سوقية”، مثل: كوريا الشمالية، إيران، باكستان، الهند، العراق، ليبيا…..الخ، ولها القدرة على إطلاق صواريخ، يصل مداها مابين (1500-8000)،  كم في الوقت الحاضر لكن ستتحسن النتائج في السنوات القادمة، وإن هذا المشروع هو أقل طموحاً من “مشروع حرب النجوم”، الذي أطلقه رونالد ريغان، حيث كان هدفه، تدمير صواريخ الخصم المكتشفة في الطبقات العليا من الجو، بإطلاق صواريخ من قواعد فضائية، أما مشروع الدفاع الصاروخي القومي، سيكون هذه المرة، على قواعد أرضية، ستعتمد على كشف صواريخ الخصم على شبكة  أقمار صناعية أمريكية للمراقبة، ومن هنا تتوضح أهمية السيطرة  على تكنولوجيا الأقمار الصناعية. ولقد كتب الجنرال راندي ويدنهايمر (RANDY WEIDENHEIMER):”يعتبر الفضاء، مسرحاً لرهانات عسكرية، حتى الوقت الحاضر، تتعلق بالاتصالات وأعمال الاستطلاع والمراقبة، وهذا الجنرال هو من القوات الجوية الأمريكية، ويضيف: “فاليوم ـ يجب علينا التمكن من استخدام أقمارنا الصناعية كسلاح حقيقي”..

لكن البرنامج الأمريكي الجديد للصواريخ المضادة ، قد تجاوز الرغبة السياسية الدولية التقليدية، بأن لا يستخدم فضاء الجو الأرضي. حيث يصبح  معرضاً لخطر أن يطلق سباق التسلح النووي، بلا قيد ولا شرط في الواقع، بحيث أنه يؤدي إلى استئناف سباق التسلح الاستراتيجي، كما ذكرت موسكو، التي انتقدته بشدة، وهذا يعني حسب رأيها، إلغاء المعاهدة الروسية، الأمريكية الخاصة بالحد من أنظمة الصواريخ المضادة للصواريخ (ABM) “الصواريخ البالستية المضادة للصواريخ”،  لعام (1972)، وكذلك الاتفاقيات الأخرى الخاصة بخفض الأسلحة الاستراتيجية.

من جهة أخرى، وفي الشروط نفسها، موقف من جانب واحد، الخاص بالعودة إلى سباق التسلح الاستراتيجي، حيث رفض مجلس الشيوخ بتاريخ (13) تشرين أول(1999)، معاهدة المنع الشامل للتجارب النووية (ETBT) على الرغم من عظات ونصائح الرئيس كلينتون.

وتؤكد الباحثة فيليس بينيس PHYLLIS BENNIS في معهد الدراسات السياسية التابع للولايات المتحدة(26)، “إن الولايات المتحدة، تطلق من جديد، برنامج سباق تسلح في مجال الصواريخ المضادة للصواريخ، الذي يهدد مجمل اتفاقيات نزع الأسلحة، الموقع منذ عدة عقود زمنية”.

رسمياً، فبرنامج الصواريخ الضاربة الدفاعية (TMD)، من المأمول أن يتم نشرها في آسيا، في اليابان، وحتى في تايوان، وهو نظام دفاع مضاد للصواريخ، مخصص لتوقع عدوان قادم من دول داعرة، مثل كوريا الشمالية. لكن خلف هذا المحور الاستراتيجي، ينقلب ضد هذه الأخيرة، حيث لم تر فيه بكين أي شيء آخر، سوى، تشكل غربي، مخصص لاحتواء الصين وتطويقها من قبل منظمة حلف شمالي الأطلسي، انطلاقاً من “الأرض المؤطرة
(RIMLAND)” الآسيوية ومن الجزر القريبة، كذلك الأمر بالنسبة للمشروع الأمريكي، الشراكة من أجل السلام، فهو مخصص لتطويق روسيا وطردها إلى الشرق، لكن كون الصين مصممة على إلحاق تايوان، إلى الحضن الصيني من جديد، فإنها تعتبر نشر نظام صاروخي مضاد للصواريخ، في جزيرة وطنية، سبباً  للحرب حقيقي من جانب الولايات المتحدة. يضاف إلى ذلك، لابد لعدم الثقة هذه، إلا أن تتعزز، بعد مرحلة قصف السفارة الصينية في يوغوسلافيا من قبل الطائرات الأمريكية، أثناء عمليات القوات الحليفة، والتي فُهِمَتْ في بكين وفي موسكو كتحذير أُطلق إلى العمالقة الأوراسيين. ولتذكر الوقائع باختصار: أُطلقت ثلاثة صواريخ أمريكية على سفارة الصين في بلغراد، تسبب في مقتل ثلاثة صحفيين صينيين، كما تسبب في جرح حوالي العشرين، بتاريخ (8)أيار عام (1999)، أثناء القصف الشديد من قبل منظمة حلف شمالي الأطلسي ضد صربيا، وَعَبَّرَتْ أجهزة اتصالات منظمة حلف شمالي الأطلسي  وواشنطن عن “اعتذارها”، مُفَسِّرَةً ذلك العمل وأرجعته في المرحلة الأولى إلى قيام الصرب بتمرينات عسكرية.

“كشفت” الأنباء أثناء مرور الطائرة الأمريكية (B2). لكن ما أن مرت ثلاثة أيام، حتى وضحت المخابرات الفرنسية الخارجية (BGSE) أن ذلك التوضيح غير قابل للتصديق. أيضاً عُلِمَ على الأثر في تفسير آخر، أن “الخطأ”، نتج عن استخدام “خرائط سيئة”، أمريكية، مما تسبب في ذلك القصف، لأن وضع السفارة الصينية، كان حسب عنوانها القديم. لكن من المعروف أن العديد من الدبلوماسيين الأمريكيين قد دعوا لزيارة مقر السفارة هذا، وإذن، يعرف الاستراتيجيون الأمريكان، ومنهم الملحق العسكري في بلغراد، العنوان (الجديد)، تماماً، أيضاً، لقد قصفت السفارة الصينية من قبل الطائرة (B2) الاستراتيجية الأمريكية وهي توجه مباشرة من مقرات تابعة للبنتاغون، وليس لمنظمة حلف شمالي الأطلسي، ويطرح كل ذلك أسئلة جادة… عن السبب الحقيقي لذلك القصف. لأنه أثناء حرب كوسوفو، جرى تنفيذ أكثر من نصف القصف الاستراتيجي انطلاقاً من سفن حربية أمريكية، التي لا تعير اهتماماً لمنظمة حلف شمالي الأطلسي.

ودوماً، هل تقبل بكين التوضيحات الأمريكية وتفسر قصف سفارتها، معتبرة ذلك كتحذير، واضعة ذلك الحدث، بشكل موازٍ لمشروع نشر الصواريخ في آسيا، من قبل الولايات المتحدة، عندها ستقرر الصين، مضاعفة جهودها، في مجال التسلح الاستراتيجي، خصوصاً في مجال التعاون مع روسيا، كما أطلق الروس من جانبهم، منذ ذلك الوقت، أبحاثهم بالتركيز على تكنولوجيا الصواريخ المضادة للصواريخ، في حين يُنْتَظر أن تستثمر الصين حوالي عشرة مليارات دولار لتحديث تسلحها النووي، وأن تصبح على مقدرة في إنتاج حوالي (100) صاروخ ذات المدى البعيد، قادر على التخلص من كل عدوان نووي، من الآن، وحتى عام (2010). واليوم، يلاحظ ب.م.غالو
(P.M.GALLOIS) أن الصاروخ (DF31) الذي جرت تجربته حديثاً، بلغ مداه (8000)كم. والحالة هذه، فلن تبقى الهند ولا الباكستان غير مكترثتين بتسلح الصين.

أيضاً، فلا يمكن لبرنامج الصواريخ الأمريكي من طراز (NDM) إلا أن يشجع كافة القوى النووية “المعادية للهيمنة”، على التعاون بشكل أوثق للعمل سوية، لزيادة عدد أسلحتها النووية وقدراتها في مجال المديات المتوسطة، من ثم الطويلة، سواء المحور الكونفوشيوسي ـ الإسلامي ، الذي يخشاه هانتنغتون، أو المحور بكين ـ موسكو ـ طهران، أيضاً، الهند، عن طريق روسيا ـ وكما يوضح بيير ماري غالوا PIRRE – MARIE GALLOIS، أصبح المشروع الأمريكي للدفاع  في الفضاء يشجع هذه البلدان على إنتاج مجموعة أسلحة محدودة، لكنها كافية لتكون مرعبة ضد خصومها، من ذوي نزعة الهيمنة، وفي زيادة عدد أسلحتها من أجل أن تبلغ أهدافها، عند القيام بانتقامات عنيفة (….)، في الحالة التي تشعر بأنها بحاجة إلى كمية جوهرية أيضاً، وهذا هو ما يشجع على التكاثر النووي “عمودياً” و”أفقياً”، أيضاً، بطريقة غير مباشرة، لأنه يتوجب القيام بتجارب جديدة، ويؤدي ذلك إلى زيادة المخترعين الوطنيين المعتدلين، كما يؤدي إلى استعادة الاختيارات ضمنياً”(27). ويجب أن لا ننسى أن كوريا الشمالية تمتلك الصاروخ (TAEPODO NO1) الذي جرى تطويره محلياً، يمكنه التدخل على مسافات كبيرة، وبأن إيران، كما يبدو، قد شرعت السير بالطريق نفسه، سواء من حيث “المتفجرات”، وكذلك الأمر بالنسبة “للنقل”، كما تسير الهند والباكستان على خطى الصين حيث شرعتا بتطوير قدراتهما النووية، وأصبح التهديد بالنسبة  للسلام العالمي، بسبب سباق التسلح الجديد هذا، المؤسس لحرب باردة جديدة، شرق ـ غرب/شمال ـ جنوب، معرضاً الكرة الأرضية لخطر ثقيل النتائج على البشرية وعلى الاستقرار وعلى السلام خلال السنوات القادمة. بالتأكيد، تصر الولايات المتحدة على أن تفوقها التكنولوجي والعسكري المطلق، سيردعان جميع القوى الأخرى، من أن تستخدم قواتها الاستراتيجية ضد “الغرب”، أو ضد الولايات المتحدة، على الأقل، خصوصاً، إذا كانت هذه الأخيرة مجهزة بـ”مظلة نووية فضائية”، لكن ينسى أصحاب هذا الرأي، أن الخطر نتيجة الضربات النووية بين القوى المتوسطة، مضروبة بعشرة بالنسبة لها: “استراتيجية القوي إلى الضعيف”، وحتى “استراتيجية المجنون إلى القوي”، فهي لا توفر أحداً، في أوربا والولايات المتحدة نتيجة الهجمات النووية بسبب الإشباع، فضلاً عن كون النظام الدفاعي المضاد للصواريخ، بعيد أن تكون له الإمكانية للحماية 100%.

لكن تخفي انطلاقة سباق التسلح “بين القوى الأعظم”، في (مجال الفضاء والذرة)، في الواقع، الحرب الحقيقية، كـ”سباق الإنهاك الاقتصادي”، للأمم، كما حدث في الحرب الباردة السابقة، إذ  ضيقت الولايات المتحدة  على الاتحاد السوفياتي، وذلك برهن هذا الأخير باتفاق عسكري غير مثمر مرتبط بحرب النجوم (IDS) الذي تسبب في دمار اقتصاد الاتحاد السوفياتي وساهم في “إركاع امبراطورية الشر”، كما كان لهذه الاستراتيجية الجيو اقتصادية في مجال السباق التكنولوجي الاستراتيجي هدفاً أخيراً، تدمير القوى الاقتصادية للعدو الحقيقي أو المفترض، مثل “الحليف المنافس”، و”إنهاك هؤلاء واحداً فواحداً في اقتصادياتها المنافسة لسوق وول ستريت الكبير”(28).

ويوضح بول فيريلو، أن الحدود التي تفصل بين هذه المفاهيم المختلفة: “المنافسون، الأعداء، الخصوم، الحلفاء، الأصدقاء”. كونها قد أصبحت مختلطة، حتى بالكامل، وقابلة للنفوذ في ظروف الحرب الاقتصادية.

ختاماً، تنتظر الولايات المتحدة، بلوغ الهدف الذي يتابعه الاستراتيجيون الأنجلو ـ ساكسون، على الدوام: إخضاع القوى الإقليمية،  وتحييد منطقة قلب القارة الأوراسية، بشكل نهائي، إنطلاقاً، من المنطقة الهامشية المحيطية ـ لفتح المجال أمام الهيمنة على العالم ـ لبلوغ الهيمنة الكونية الشاملة والسيطرة على قلب الأرض.

وهذا ما يذكرنا بعبارة الاستراتيجي جون كولينس JOHN COLLINS بشأن التفوق الفضائي: شرح ماكندر، رأيه أن “من يقود أوربا الشرقية، يقود الأوراسيا، ومن يحكم الأوراسيا، يقود الجزيرة العالمية”، ويوضح كولينس رأيه أن “من يحكم فضاء المحور الأرضي، يقود الأرض، ومن يملك القمر، يقود مجال المحور الأرضي ومن يقود الـ(L4 وL5)  يقود النظام أرض ـ قمر”[الـ(L4 وL5) هي نقاط الفضاء، حيث تتكافأ نقاط الانجذاب بين القمر والأرض، تماماً]. ولقد كتب إيثان ب.كابستان (ETHAN B.KAPSTEIN)، مقالاً في مجلة “شؤون خارجية FOREIGN AFFAIRS العدد الصادر بـ”أيار ـ حزيران”،  (1994)، حيث يستطيع أن يجذب اهتمام العديد من حكامنا، جاء فيه: “للمرة الأولى، في التاريخ، المعاصر، يصبح بلدنا في طريقه إلى احتكار تجارة الأسلحة الدولية، وتمارس الزيادة في التكاليف وفي خفض ميزانيات الدفاع، ضغطاً على المنتجين للأسلحة غير الفعالة معظمهم واقعون تحت هذا الضغط… وستصبح الولايات المتحدة، منذ مطلع القرن الواحد والعشرين، المنتج الوحيد للأسلحة المتقدمة الأكثر، أولاً بأول، بحيث ستكتشف البلدان الأخرى المنافسة، أن تكاليف المشاركة، في البرامج الجديدة للتسلح، ثقيلة جداً على الحمل… وسيصبح هذا الاحتكار مواتياً للولايات المتحدة، لكن أيضاً للجماعة الدولية، فقد أظهر الماضي أن الدول التي تعتمد على الأسلحة الأمريكية، أقل ميلاً نحو الدخول في حرب مع جيرانها مع الآخرين…. لكن يا لسخرية القدر، أن يصبح احتكار الولايات المتحدة للأسلحة جيداً بالنسبة للاقتصاد العالمي، حيث ستخرج الصناعات غير الفعالة من بؤسها المكلف ذات يوم لتتمكن الحكومات من تخصيص  مصادرها الهزيلة لأهداف أكثر إنتاجية”. في الواقع، تلقي الميزانية العسكرية الأمريكية لعام (2000)، في مجال الدفاع، التي  تبناها الكونجرس بتشرين عام (1999)، الضوء بالكامل على الرغبة الأمريكية بالحصول على التفوق الشامل المُسلَّم به، وفي السبق في المجال التكنولوجي، بشكل نهائي، أمام الأعداء والمنافسين وحتى الحلفاء.  فمع
(267.8)، مليار دولار، في الواقع، وهي الميزانية العسكرية الجديدة للدفاع العام (2000)، الغربية بارتفاع مقداره (+7%) بالنسبة للعام (1999)، لكنها أيضاً، التي تمنح أكبر أفضلية لتحديث المعدات، حتماً، ستنتهي البرامج الخاصة بالصواريخ المضادة للصواريخ (NTD) إلى بلوغ مرحلة الإنهاك اقتصادياً، ليس فقط بالنسبة للأعداء المعلنين للولايات المتحدة [مثل الصين، روسيا، الهند، كوريا الشمالية….]، بل وبالمناسبة نفسها الحلفاء الأوروبيين للولايات المتحدة أنفسهم. أيضاً، هل سيكون التفوق التكنولوجي والعسكري الشامل للولايات المتحدة، هو مفتاح خضوع القوى الأخرى في العالم لامبراطورية
الولايات المتحدة، في الختام؟…

التقارب الروسي ـ الصيني، رجوع إلى معاداة الغرب
و(حرب باردة جديدة): النتائج الرئيسة لحرب كوسوفو والشيشان:

ينطلق جيلبير أشقر GILBERT ACHCAR (29)، في كتابه “الحرب الباردة الجديدة”… من واقع لا يقبل المنازعة: الميزانية العسكرية للولايات المتحدة التي تتزايد بطريقة ذات دلالة، هي في طريقها إلى أن تبلغ القمم التي عرفتها في الثمانينات(1980)، وتعادل اليوم تلك التي خصصتها الصين وروسيا وإنجلترا وألمانيا بالإجمال مجتمعة، والحالة هذه، بين المؤلف، أن المجهود الحربي الأمريكي ليس موجهاً فقط ضد تهديد “الدول المزعجة” كما تدعي، بل أيضاً وبطريقة محجوبة بالكاد، ضد المجموع الاستراتيجي الأوراسي، يعني روسيا والصين. ويذكر الأشقر، أن الولايات المتحدة لم تتوقف ومنذ نهاية الحرب الباردة عن متابعة هدف رئيس منع ظهور قوة تُقارب ماكان عليه حال الاتحاد السوفياتي السابق، أوكل مجموع أوراسي آخر قابل أن ينازع تفوق القطب الوحيد، للولايات المتحدة الأمريكية. وفي هذا الواقع، أصبح ينظر للمفهوم الاستراتيجي لمنظمة حلف شمال الأطلسي، والزيادة المذهلة في ميزانية الدفاع الأمريكية وخصوصاً التدخلات العسكرية المختلفة الأمريكية ـ الغربية والتي تتم دون موافقة أعضاء مجلس الأمن، غير الغربيين، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي “العراق، البوسنة، كوسوفو…. الخ”… ينظر إلى كل ذلك، من قبل موسكو وبكين، ونيودلهي، “كإعلان حرب” باردة، حقيقية والأكثر كأنواع من التحذيرات..

ويصرح بيير ماري غالوا: أن المجابهة شرق ـ غرب، أصبحت موضع تساؤل، بسبب العدوان الأمريكي في كوسوفو، كذلك فإنه يوسع الهوة، بين العالم الغربي المُؤَمْرَك، وحكومات الأمم الأخرى، التي يتجمع فيها عدد سكان يزيد عن (3) مليارات نسمة، لكن ذات مستوى حياة أدنى، بل وفقر بشكل واضح.

ويعتقد لهذا، أن أزمة كوسوفو والطريقة التي عولجت بها، يجب أن تكون العلامة لنذير المستقبل في انشقاق ضخم”(30). وعلى نحو متناقض مع حال القوتين النوويتين الأعظم في الأوراسيا الصين وروسيا، ويلاحظ الجنرال غالوا قائلاً: “لقد انتهت دبلوماسية القصف الجوي التي تمارسها مادلين أولبرايت إلى المسعى، الذي لم تعد تخشاه الإدارة الأمريكية أكثر [تقارب بين موسكو وبكين] الذي أصبح يستحق النظر فيه”، في الواقع، فقد قام بوريس التسين بعد عدة أشهر بالكاد من عمليات قوات الحلفاء، أي بتاريخ (9) كانون أول (1999)، بزيارة لبكين، من أجل وضع حد لخلاف حدودي قديم. ولقد صرح في تلك الزيارة “أن روسيا ـ مثل الصين ـ كانتا ضد امتلاك الأسلحة النووية، وبأن الغربيين يرفضون مساعدة هاتين الدولتين لتحقيق ذلك، لكن مع الحذر الشديد من التدخل  في شؤونهما الداخلية”، مثل التدخل في القوقاز بالنسبة لروسيا،  وحقوق الإنسان وتايوان وجزر سبراتلايز (SPRATLEYS). فيما يتعلق بالصين: لكن يبدوأنه من المفيد تماماً أن نقدم هنا خطاب التسين الذي نُقلَ على قنوات التلفاز الصينية والروسية، كونه يكشف عن انطلاقة نوع جديد من الحرب الباردة.

“بالأمس، سمح كلنتون لنفسه، ممارسة ضغط على روسيا، وقد اعتقد خلال دقيقة “صمت مطول”، أن بإمكانه أن يمارس هذا الضغط. لقد نسي أن روسيا تمتلك ترسانة نووية كاملة(….) حينما بدا على خلاف عما أقوم به في كوسوفو، وهو لم ينسَ أن الولايات المتحدة، هي قوة عظمى(…)، وأن على العالم أن يكون متعدد الأقطاب(….)، وبأننا لا نستطيع أن نسمح لأنفسنا أن  تفرض الولايات المتحدة إرادتها على العالم. وهذا ليس بيل كلنتون هو الذي يذهب حتى فرض سلوكه على العالم، فهذا أيضاً جيانغ زيمين (JIANG ZEMIN)، والتسين”. وصرح الرئيس الروسي السابق ضد الامبرياليين، بعد قليل من لقائه زميله الصيني جيانغ زيمين، وبحماسة: “أريدأن أقول لكلنتون أن لا ينسىَ في أي عالم يعيش، وليس بإمكانه أن يفرض على العالم أجمع، كيف يجب أن يعيش ويعمل ويستريح”.. ثم يتابع كلامه: “وهذا أيضاً جيانغ زيمين، وأنا نفسي، سنقول للعالم أجمع، كيف يتصرف، وليس هو وحده”. ثم يتابع اليتسين تصرفاته، وذلك بالتأكيد على قناعة موسكو وبكين، وبحماسة، يجب أن يعملا من أجل عالم متعدد الأقطاب، ومع إدانة وبحماسة، مرة أخرى، الانطلاقة الجديدة الداعية إلى التسلح بصواريخ مضادة للصواريخ، وكانت ستكون أول القرارات الاستراتيجية للرئيس فلاديمير بوتين VLADIMIR BOUTINE، وبعد قليل من استقالة بوريس التسين، بشهر كانون الثاني عام (2000)، مراجعة العقيدة الروسية في مجال استخدام الأسلحة النووية، إذ  ستحتفظ موسكو، من الآن وصاعداً بحقها في اللجوء لاستخدام الأسلحة النووية، في أكثر من حالة عدوان، رئيس ضد “وجود الاتحاد الروسي نفسه” بل أيضاً، إذا حدث نزاع مسلح، باستخدام جميع الوسائل الأخرى الممكنة، ويقرر بوتين بطريقة موازية، زيادة حوالي (5%) على الميزانية العسكرية الروسية.

ويؤكد أناتولي زيوغانوف (ANATOLI ZIOUGANOV) زعيم الحزب الشيوعي الروسي، ومؤلف عدة دراسات مختلفة جيو سياسية،  بقوله: “لقد حدثت مؤامرة حقيقية جيو سياسية عالمية ضد الاتحاد السوفياتي السابق”، ويضيف، “ينبعث التهديد الرئيس بالنسبة لأمن روسيا، من عدوان الآلة العسكرية للتحالف الأطلسي باتجاه الحدود الغربية لبلادنا”(31)، ويؤكد زيوغانوف، أن معاهدة باريس هي “تأكيد على انتصار الغرب من الناحية القانونية، نتيجة الحرب الباردة”، باعتبار أن التوقيع على تلك المعاهدة في باريس بتاريخ 27 أيار (1997)، اعترف بانتصار حلف شمالي الأطلسي على روسيا، على الرغم من أن ظاهرها هو التهدئة مابين الكتلتين السابقتين. ويضيف زيوغانوف القول: “يفرض علينا الإحساس البسيط الجيد، تعزيز روابطنا مع الصين ومع الهند، وبعض البلدان العربية”(32)، ويتابع المؤلف، بعد أن ذكر أن دعوات ماكندر قلبت الهيمنة الروسية على النواة الأوراسية، وأصبح مُسْتَوْلى عليها من قبل من كانوا يرتعبون من الروس، أمثال برززنسكي وكيسنجر”(33)، وكتب دوستويفسكي Dostoivski، من قَبْلُ، في جريدته، “الكاتب”، روسيا ليست أوربية فقط، بل آسيوية أيضاً، والأفضل، ربما يوجد لنا أمل أكثر في آسيا بالنسبة لنا مما لنا في أوربا. والأفضل أيضاً أن يرتبط مصيرنا في آسيا في المستقبل، وربما انفتاحنا الأساسي”(34)..

ويمكن تقريب هذه التصريحات ـ من ناحية ثانية، إلى تصريحات رئيس وزراء الهند فاجبايي VAJPAYEE، فمع إدانته ضربات منظمة حلف شمالي الأطلسي الجوية، وبشدة، فإنه أعلن، فيما بعد، بعد الشروع بعمليات قوات الحلفاء، أن بلاده “ستفكر جدياً بإمكانية تشكيل محور، مثلث الجوانب، مع روسيا والصين، للعمل على إظهار الضغوط الدولية ضد الهجمات الجوية على يوغوسلافيا”(35)..

وتطلب الحكومة الصينية من منظمة حلف شمالي الأطلسي “الوقف الفوري لتدخلاتها العسكرية”(36)”منذ البدء بعمليات القوات الحليفة، على العكس من موقفها، أثناء حرب الخليج، الذي أزيل بالتدريج، كما صرحت الحكومة الهندية من جانبها، في الثاني من القصف، بتاريخ (25) آذار، أن مثل تلك الأعمال وحيدة الجانب، التي جرت دون إذن طبقاً للأحوال الواجبة من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حتى إذا كانت قد اتخذت في ظروف مناورة إقليمية، تقوض سلطة نظام الأمم المتحدة في مجمله، على نحو خطير”(37). ووضحت جريدة التايم الهندية، الموقف الرسمي لنيودلهي، بعد قليل من إعلان الموقف الرسمي، بالقول، “تستطيع الولايات المتحدة باستخدام أداتها الطيعة، منظمة حلف شمالي الأطلسي، التدخل عسكرياً، اليوم، ضد أية أمة أخرى، لا تمتلك صواريخ ذات مديات بعيدة، ولا قدرة نووية”(38)..

ثم أجرت الهند تجربة بإطلاق صاروخ بالستي من ذوي المدى المتوسط، بعد أسبوع (…..) وأعربت عواصم أخرى عن عدم موافقتها، وحتى سخطها تجاه تلك العمليات: ولقد وصف نلسون منديلا، القرار الغربي، بالاحتيال على مجلس الأمن، بـ”اللا مسؤول” وباتهام منظمة حلف شمالي الأطلسي بالعمل، كما قام به ميلوسوفيتش بالضبط، وذلك بقتلها المدنيين، ومُدمِّرة البنية التحتية والجسور في يوغوسلافيا”(39). ويطري عالم الجغرافيا السياسية الكسندر دوغين (ALEXANDRE DOUGUINE)، رئيس جمعية الجغرافيا السياسية في الدوما، بقوله: “لا تستطيع روسيا إعادة التأكيد على سلطتها إلا بالاعتماد على الشرق، كذلك معارضة الغرب الامبريالي، والمعادي للسلاف ـ الأرثوذكس”، معضداً رأيه بالدروس المستفادة من حرب كوسوفو. ويشير دوغين أن أصل كل بلاء لروسيا ما بعد الاتحاد السوفياتي، هم هؤلاء الذين يتسترون بتدمير يوغوسلافيا، وأفضل الحلفاء الأقوياء لموسكو، هم الإيرانيون الأصوليون، والقوميون العرب اليساريون، من طراز صدام حسين، وكذلك الصين، ويتحدث الروس، أكثر فأكثر، عن شراكة استراتيجية مع الهند، حليف مثالي، لمواجهة المحور الاستراتيجي الأمريكي، الباكستاني الوهابي، الموروث عن الحرب الباردة، كما أن إدانات الامبريالية الأمريكية من قبل نيو دلهي، وبكين، وموسكو، أثناء تدخل منظمة حلف شمالي الأطلسي ضد صربيا، جعلت وزير خارجية روسيا ايفانوف (IVANOV)، يقول: “لا يمكن لروسيا أن تصبح زعيمة لجميع القوى الحية والنظيفة في العالم”،  بعبارة أخرى “التحالفات ضد الهيمنة” طالما أنها تخشى الاستراتيجيين  الأمريكان..

لقد تحرك الشعور المعادي للغرب من قبل الروس، بشكل أكيد وبكثرة منذ الأزمات في كوسوفو والشيشان. ولقد اعترف 49% من الروس، في مطلع نيسان عام (1999)، “بأن لديهم نظرة سلبية تجاه الغرب”، كما كشفت عن ذلك مجلة (LE POINT) الصادرة بتاريخ (17) نيسان (1999)، كذلك، لم يتوقف الشعور الذي بحسبه، أنه توجد “مؤامرة جيو سياسية ضد روسيا من قبل الغرب”…، عن التزايد، وأصبحت إبرازات راسخة بعمق لدى العديد من النخبة، خصوصاً المثقفين منهم، بما في ذلك المنشقين الذين عادوا الشيوعية  من القدامى، أمثال سولجنتسين وزينوفييف.  ولنستمع إلى ما يقوله، بالأحرى إلى الكسندر زينوفييف،  وهو يصرح للصرب أثناء حرب كوسوفو: “لقد أنقذنا  الإنسانية من التهديد الأشد رعباً‍! الفاشية، وفي الوقت الحاضر نُهاجم من قبل عدو جديد مشترك، الامبريالية الأمريكية، التي تبحث عن السيطرة على العالم. النوايا نفسها، تنشط ضدنا،  نحن الروس، وأنتم الصربيون! لقد تحطمنا بتحطيم بلادنا، وتجزئة الشعب الهدف النهائي، كونه القضاء علينا (…..)، لقد استسلمنا، نحن الروس، أمام هذا العدو، من قبل (…)، في حين تقاومون وحدكم، إنكم تصارعون من أجل استقلالكم (….)، وأنكم تصارعون من أجل الروس، حيث تركنا حقل معركة التاريخ بجبن. إنكم تصارعون من أجل الإنسانية كلها، التي تهددها الامبريالية العدوانية، الولايات المتحدة
الأمريكية”(40).

وطبقاً لرأي زينوفييف، ستصبح الإنسانية، في الواقع، وقد دخلت تحت نفوذ الهيمنة الأمريكية، في “عصر مابعد الديموقراطية”، حيث تمارس الولايات المتحدة، هيمنة شاملة، لا ينازعها أحد في الوقت الحاضر، كون الكرة الأرضية قد أصبحت “دولة واحدة” أو “قطب وحيد”، و”أصبحت الديموقراطية بالتالي، بعد الآن غير محبوبة بالنسبة للحكام في العالم الغربي، فضلاً عن ذلك، فقد أضحت هذه الديموقراطية تزعجهم، وذلك لأنهم يبحثون عن السلطة العالمية”. أيضاً لم يتردد المنشق الروسي السابق، عن التأكيد، أن الغرب “يتوجه نحو كلياتية من نوع خاص” (…..)، بعد أن خرج منتصراً في الحرب الباردة. كلياتية محبة للحرب، وشرسة، وتتقدم تحت قناع الإنسانية والديموقراطية والكفاح من أجل حقوق الإنسان. ومن أجل العدل”(41).

والحالة هذه، لقد وجدت هذه المعاداة الروسية للغرب أرضاً من اليمين كما في اليسار، كذلك ملائمة مع اندلاع الحرب الروسية ـ الشيشانية الثانية”.. بشهر آب (1999)، حيث اقتنع العديد من الروس، “أن هذه الحرب، ليست سوى وسيلة لخدمة المصالح الغربية”…

لقد أدان الحكام الغربيون روسيا بشدة، بعد اجتماعهم في قمة هلسنكي، وذلك أثناء القصف الجوي الأول على الشيشان، ودعا هؤلاء  الحكام موسكو لرفع  التحذير الموجه للسكان المدنيين في غروزني، واصفين الإصرار الروسي على متابعة الهجوم ضد الشيشان على أنه “تَحَدٍّ موجه للغرب”. وهددت بروكسل من جانبها “بتعليق”، بعض بنود اتفاق الشراكة والتعاون  الذي يربط الاتحاد الأوروبي بروسيا، وأدان الخمسة عشر وزيراً للخارجية في الاتحاد الأوروبي، روسيا بشدة، بسبب استخدام القوة عديمة التناسق”، من قبل موسكو، “لقد تَحَدَّت القوات الروسية، الغرب”، في الشيشان، وذلك بالاستيلاء على المدينة الرمز “باموBAMOUT”… وتستمر في قصفها على غروزني، على الرغم من النداء الداعي إلى المفاوضات قبل افتتاح قمة منظمة الأمن والتعاون الأوروبي (OSCE) وعَنْوَنت جريدة “لوموند” بتاريخ (15) تشرين الثاني (1999)، مرددة التصريح الرسمي الذي صدر عن بروكسل ـ وماهو أفضل أيضاً، أن منظمة الأمن والتعاون الأوروبي، والمجلس الأوروبي، كانا على وشك استثناء روسيا من إلحاحاتهما، متهمين موسكو بـ”أنها سَخِرَتْ من قيم الغرب”، وذكر  وزير الدفاع الفرنسي آلان ريشار Alain Richard، من جانبه، أن لأوربا دور إقناع وتحذير تلعبه، لكي تصبح السلطة الروسية في وضع تقبل بالقول: “احذروا من العزلة والتهميش، والظهور بمظهر القوة التي لا تقبل التوافق مع قيمنا”(42)، وبدا الوزير الفرنسي، أنه يخشى من توسيع الهوة الإيديولوجية والحضارية التي تفصل الغرب عن روسيا من جديد، منذ حرب كوسوفو. والحالة هذه، فإذا أخذنا  مكانه ليس من وجهة نظر أخلاقية، بصورة مستقلة عن الدراما الإنسانية، التي أحدثها القصف الجوي الروسي عملياً، بل من وجهة نظر التحليل الجيو سياسي “للبيانات”، فإن التعبير “روسيا تتحدى  الغرب”، هو كاشف رأي مُبْتَسَر معادٍ لروسيا الذي يحتوي على مفهوم الإساءة أكثر فأكثر لعمل “الغرب”، وقد تشوش. لأنه إذا كان شعور الشفقة أو الرحمة هو الذي شجع “الغربيين” وحده، فهؤلاء الذين انتقدوا “الدرامات، أو “الكوارث الإنسانية”، “فالتقصير في حقوق الإنسان”، كونها كما هي، من قبل الجميع، فذكر “تحدي الروس ضد الغرب”، يكشف عن التوجهات الاستراتيجية، ضد السلاف ـ الأرثوذكس، “وهذا يعني احتواءً جديداً”، هو الذي يدفع الغربيين للوم الروس بسبب موقفهم في الشيشان، في حين ما يقوم به الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة من قتل وتدمير، ليس فقط في فلسطين المحتلة، بل في لبنان، وفي الجولان السوري…. الخ.. وكذلك المذابح ضد السكان الأكراد، من قبل أنقرة، منذ عدة سنوات، وإصرار تركيا على رفض الاعتراف بمذبحة الأرمن، فهو لا يعني “تحدياً للغرب”، من وجهة نظر هؤلاء الغربيين، وإن ما يلاحظ أن الجغرافيا السياسية الخاصة بالبيانات لا تحتوي على حجب أو ستر للدرامات الإنسانية، أو في تبييض أو عدم تجريم معسكر، دون معسكر آخر، بل بالأحرى إن حجب الأهداف الجيو استراتيجية. هي التي تدفع الدول بطرح بعض الأضابير أكثر  من أضابير أخرى…

ففي الشيشان، كما في كوسوفو، فإن الاستراتيجية الأمريكية لحماية مصالحها، وهي التي تقضي بحرمان الروس، من  الطريق نحو منابع النفط ومشتقات الطاقة، والتي تفسر في جزء كبير منها، توسط الأحداث والوقائع. ويعلق الجنرال ويسلي كلارك (WESLEY CLARK): “أعتقد أن الروس في طريقهم إلى العمل من طهران ما حاول ميلوسوفيتش أن يعمله في كوسوفو”، وجاءت هذه التصريحات منذ بدء “الضربات الجوية”.. الأولى على غروزني من قبل الروس…

ويرد وزير خارجية روسيا، على الجنرال كلارك، القائد الأعلى السابق لمنظمة حلف شمالي الأطلسي قائلاً: “كان من الأفضل لكلارك أن يمتنع عن إعطاء المواعظ”، ثم يتعجب: “كيف يمكن لأمثال ويسلي كلارك، أحد الجناة الرئيسيين في عدوان منظمة حلف شمالي الأطلسي ضد يوغوسلافيا، أن يدلي بتصريحات معادية لروسيا”(43). ولم تتورع مادلين أولبرايت من جانبها من توجيه تحذير للرئيس فلاديمير بوتين، بعد قليل من استقالة بوريس التسين، قائلة: “هناك لقد حل الشؤم وتم توجيه إهانة لنا، بمقدار ما وجه للشيشان من المدنيين،  وفي آن واحد عسكرياً، مما تسبب في حدوث أمواج من اللاجئين (….)، وستدفع روسيا الثمن على المستوى الدولي، وستجد نفسها معزولة أكثر، فأكثر”(44)، ونسيت مادلين أولبرايت ما تقوم به مع كوهين وزير دفاع حكومتها، من أعمال إبادة للشعب العراقي، بحصار جائر، وضربات جوية مستمرة منذ أكثر من عشرة سنوات، لكن يوضح بعض المعلقين الأمريكيين، الأسباب الحقيقية للأزمة الروسية ـ الأمريكية من نواح معينة مشابهة لأزمة كوسوفو، خلافاً لأن الأمريكيين لم يستطيعوا أن يسمحوا لأنفسهم، هذه المرة، التدخل عسكرياً، ولنستمع  مرة أخرى، من جديد، ما يقوله زبيغنيو برززنسكي: “إن نجاحاً عسكرياً خالصاً [للروس] سينعش التطلعات الامبريالية الجديدة لموسكو، أكثر قليلاً، كل ذلك سيزيد من احتمال عودة العناصر الأسوأ أو الأردأ من بين الحكام الروس (….)، وأن نصراً عسكرياً روسياً في الشيشان سيعرض العالم للخطر. وذلك بإعطاء أنصار الخط المتشدد في موسكو الرغبة، من أجل الحفاظ على إبقاء جورجيا تحت السيطرة الروسية، أو استبعاد شيفار ناتزة عنها، وبالضربة نفسها العمل على خفض التأثير الأمريكي على السياسة الجورجية. وعندها، فجورجيا الخاضعة لروسيا، يعني أيضاً التقليل من الأهمية الأمريكية تجاه القوقاز الجنوبي، وآسيا الوسطى، وهذا يؤدي إلى التسبب في قطع أذربايجان، وكذلك آسيا الوسطى عن الغرب. وهذا أيضاً السيطرة السياسية على خط أنابيب  النفط ـ باكو ـ سوبسا (….)، عندئذٍ يجب أن تعلم روسيا دون مواربة أن سياستها هذه متعارضة مع المصالح المشتركة لأمريكا وأوربا، ويجب فرملتها بالاعتماد على فرملة المساعدات المالية”(45)، ويعتقد أن وراء هذا السخط الغربي المشروع في مواجهة القتلى من الأبرياء المدنيين، أحد الأسباب للوساطة القصوى، في شؤون الشيشان، في الوقت الذي أكدت فيه واشنطن على رفضها وقف الغارات الجوية  شبه اليومية على العراق، والتدخل في شؤونه الداخلية، وإصرارها على مواصلة الحظر على الشعب العراقي بالرغم من مئات آلاف الأطفال الذين يموتون بسبب فقدان المعدات الطبية والأدوية اللازمة للشعب العراقي… ويأتي هذا القلق الأمريكي، من واقع أن عودة انتشار موسكو في القوقاز وفي آسيا الوسطى، سيعرض المصالح الأمريكية للخطر، “وذلك بمعارضتها”، والتي ساهمت بشكل واسع في تفاقم الأزمة الشيشانية؛ كما يقال بصورة عابرة، لأن الخصوم الرئيسيين، الذين يدفعون موسكو لشن عمليات الانتقام، هم من المجاهدين القدامى، الذين دربتهم ومولتهم المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) لمقاتلة القوات السوفياتية في أفغانستان، والمدعومين حالياً من قبل مخابرات بعض الدول العربية الموالية للولايات المتحدة. إذن أليس من المدهش أن يتابع برززنسكي أيضاً  تحليلاته: “يجب على الحكومة الأمريكية أن لا تعطي كل شيء في السياسة، لكي تبدأ، “كل شيء موحد ضد بن لادن”.. لكي يعتقد بالكلام المنمق الروسي السابق ـ “التسين ككلنتون منقذ الاتحاد”.. والإرهاب ليس مسألة جيو سياسية أساسية، وليست المشكلة الأخلاقية التي يجب إثارتها”(46)، ولقد ذهب رسميون أمريكان آخرون، أبعد من ذلك أيضاً، أي تجاوزوا برزنسكي، فبعضهم جعلنا نصغي. أنه يجب دعم الشيشان، ويجب صراحة لكون ذلك يؤدي خدمة لمصالح الولايات المتحدة. ويوضح الماجور رايمون ث.فينتش  PAYMOND CFINCH، في أعمدة المجلة العسكرية  MILITARY REVIEW، الرسمية جداً، بالقول:”لقد حقق الشيشانيون استقلالهم وحريتهم، بفضل الإدارة الشجاعة لشامل بيساييف. ويبدو أن الجيش “الأمريكي” يريد الحفاظ على التمييز بين العمليات العسكرية والعمليات الإجرامية.

بل يجب تطوير عقيدة قادرة على كشف تنوع كبير جداً في أعمال التركيز والتحديات. ولقد استخدم باساييف طرقاً غير  شريفة، تتناقض مع القوانين الموضوعية للحرب. لكن، وعلى  ضوء استقلال الشيشان، فإن أعمالهم كانت شجاعة وتستحق التقدير”(47)، وهنا نعثر  من جديد على الوقاحة والفظاظة النموذجية لدى بعض أوساط السلطة الأمريكية، إذ  يقومون بكل شيء من أجل الوصول إلى غاياتهم،  والنظر إلى ذلك، فهذا يعني أن عملية احتواء روسيا من قبل الأوساط الأمريكية، بطريقة الإرهاب، هو بمضرة الأمن الأوروبي، وحتى الغرب عموماً، على المدى الطويل في مجمله، إذا لزم الأمر. وهكذا، يتحرك ماسخادوف بإعلان استقلال الشيشان، بسبب شدة التشجيع الأمريكي، وبعد أن تبين له نزوع واشنطن العجيب في مساعدة الأقليات تقريباً في كل مكان في أوراسيا، وجرى ذلك بعد حرب كوسوفو وتدخل منظمة حلف شمالي الأطلسي، على أساس معايير النظام الدولي الجديد الذي تقيمه”(48)، في الواقع، لقد دعمت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، الثوار الشيشان منذ بداية الأزمة الروسية ـ الشيشانية في الفترة (1993ـ 1994)، حسب بعض أجهزة المخابرات والمراقبين الغربيين، إذ من المعلوم أن المحاربين الإسلاميين القدماء في أفغانستان، مثل الخطاب، أصبحوا مكلفين بقيادة الثوار الإسلاميين في القوقاز، في صراعهم في موسكو، كونهم قد شُكِّلوا ودعموا من قبل وكالة المخابرات المركزية (CIA) خلال الحرب في أفغانستان، وهكذا، يبدو واضحاً، أن الثوار الشيشان، يلعبون دوراً أساسياً في الاستراتيجية التركية ـ الأمريكية، وبعض الأنظمة العربية، هذا الدور، يستهدف منع نفط بحر قزوين من المرور عبر روسيا، بأي ثمن، ومهما سالت الدماء غزيرة، والحالة هذه، أصبح من المعروف أن الثوار الشيشان يتزودون بالأسلحة التركية بصورة رئيسة، عن طريق أذربايجان، كما يتلقون التمويل من بعض الأنظمة العربية، حبذا لو كان هذا الدعم يطبق على الثورة الفلسطينية. لكن ، كيف يحدث ذلك، إذا كان يعرف بأن ما يجري في الشيشان، أحد التيارات المتحدرة من تيار جرى تأسيسه سابقاً من قبل وكالة المخابرات المركزية والباكستانية وبعض الأنظمة العربية، كعلامة لإحداث القلاقل على الأقل، خصوصاً عندما يطرح السؤال الجيو سياسي… لصالح من تحدث هذه الأحداث؟.. والجواب، إنه يدل على السلوك الملتوي والمظهر الآخر لهذا السلوك، بهدف تحقيق المصالح الأمريكية، مهما كان عدد الضحايا، ومهما سالت الدماء: وَيُدْعَم الثوار الشيشان في صراعهم ضد السلطة المركزية الروسية، خاصة خلال الحرب الشيشانية الأولى، وخاصة من قبل راديو ليبرتي القوي جداً، الذي يبث برامجه خلال (24) ساعة/24)، ذات مضامين دولية ايديولوجية عالية المستوى، بإشراف خبراء من مستويات عالية، تحت إشراف أجهزة المخابرات الأمريكية، وبهذه المناسبة، يتهم ايغور سيرغييف IGOR SERGUEIEV وزير الدفاع الروسي، وعلى نغمة التذكير بالحرب الباردة، يتهم الولايات المتحدة ، على أن لها “مصلحة في تدهور الأوضاع، بسبب النزاعات في شمالي القوقاز”، من أجل تعزيز هيمنتها على المنطقة”، وذلك بدعم شامل لـ(باساييف). ويصرح وزير الخارجية الروسية إيغور إيفانوف، بخشونة للصحافة الغربية، قائلاً “كل محاولة  تدخل في الشؤون الداخلية الروسية، ستكون مرفوضة بالطريقة الأكثر حزماً”. ويكرر الرئيس الروسي السابق بوريس التسين أيضاً، النغمة نفسها، أثناء قمة اسطنبول، محذراً الغرب، “من أن روسيا ستسوي مشاكلها الداخلية كما يجب عليها”، وبأنها “ليست بحاجة لدروس تعطى لها من الخارج”، خاصة من قبل هؤلاء “الذين دمروا العراق ثم يوغوسلافيا”. حتى  دون الاهتمام بأخذ الموقف الروسي بالاعتبار. أما وزير الخارجية الروسي الكسندر ايفداييف ALEXANDRE AVDEIEV، فلم يتردد بتوجيه تحذير قائلاً:”تستطيع روسيا والولايات المتحدة، أن تجدا نفسيهما على حافة أزمة عسكرية جديدة، إذا ألحت أمريكا على رغبتها باختراق معاهدة الصواريخ البالستية المضادة للصواريخ (ABM) الموجهة لتحديد تكاثر الصواريخ المضادة للصواريخ. وكما يمكن التأكد من أن الأحداث المختلفة، الموصوفة بهذا الفصل، حرب كوسوفو، الشيشان، الأزمة العراقية، تفرد الولايات المتحدة بشأن القضية الفلسطينية… الخ. ماهي إلا عملية “احتواء جديدة”.. و”مفهوم استراتيجي جديد”… لمنظمة حلف شمالي الأطلسي، مفهوم يطلق من جديد، يؤدي إلى سباق تسلح نووي جديد، وحرب باردة جديدة، وهي أحداث وعمليات مترابطة، بصورة وثيقة فيما بينها، وهي ثمرات الاستراتيجية القومية، لأمن الولايات المتحدة. ويبقى الآن، ماذا يجري أو سيجري بعد هذه الأحداث، وفي الإجابة على الأسئلة التالية:

1 ـ هل أن التصدع بين الأوروبيين الذي أحدثته حرب كوسوفو وأيقظته من سباته، وكذلك الاستراتيجية الأوراسية، للولايات المتحدة، محتوماً ولا مفر منها؟ وهل تتوافق مع ما طرحه صامويل هانتنغتون في كتابة صدام الحضارات العميقة، وغير قابلة للعلاج، بين أوربا الغربية والعالم السلافي ـ الأرثوذكسي؟…

2 ـ وهل ينجح التصميم على بناء أوربا قارية كبرى، بناءً قوياً ومستقلاً، تجمع “رِئَتَيْه”، كذلك بناء سياسة دفاعية وأمن حقاً مستقلة ذاتياً، وهل يمكن أيضاً ذلك؟… وما هي الأوربا المتفق على بنائها؟؟.

3 ـ وهل للمكونات الثلاثة الكبرى للحضارة الغربية الأوربية؛ أعني أوربا الكاثوليكية ـ معادة التنظيم ـ وعالم ما بعد  البيزنطية، والبروزات الأمريكية والاسترالية ذات الأساس الانجلو ـ ساكسوني والايبيري، هل لكل هؤلاء مصلحة، أن يبقوا متخاصمين  ـ وحتى أعداء، أم على العكس، أن يتحدوا من أجل العمل على مواجهة التحديات الخارجية والداخلية في القرن الواحد والعشرين التي تبدأ بالنواحي الاجتماعية والأخلاقية… الخ..

4 ـ وأخيراً، وعلى ضوء ما تقدم، أن يسعى العالم العربي، أو الإسلامي، أن يأخذ دروساً مستفادة من الغير للسير في الطريق  نفسه، الذي يسلكه الآخرون، لمواجهة التحديات في القرن الواحد والعشرين؟…

¡ الهوامش:
  • “Si nous voulons que Tous reste pareil. Il faut que  TouT  change” Le Guepard, Tommaso Di Lampedusa.
  • Gilber Achcar , La Novel guerre froide. Lemonde  apres le cosovo. Puf novembre (1999).p.103.
  • “guerre totale contre milosevic. Le monde 17 avril 1999
  • william pfaf “what good is nato if America intends to go it alone? “international Herald Tribune 20 Mai 1999.
  • Georges Sarr, Politis. 21 Octobre 1999.
  • “LE Concept strategique de l’allianc”
  • Le Charte de l’otan se Declare elle meme comme une organisation defensive n’ayant recours ALA force que si l’un de ses membre est Attaque.
  • M. DE LAGORCE “L’OTAN. CADRE DE L’HEGEMONIE” LE MONDE DIPLOMATIQUE MAI – JUIN 1999
  • VLADIMIR VOLKOFF, D’UN MONDE A UN AUTRE, LA RUPTURE. SENAT, ERE DECEMBRE 1999.
  • LE MONDE DIPLOMATIQUE OP CIT.
  • GENERAL JEAN SALVAN “QUELQUES REFLEXIONS SUR LA CRISE DE KOSOVO.
  • RAPPORT ANNUEL DU DEPARTEMENT AMERICAIN DE LA DEFENSE POUR L’ANNEE FISCALE 1999. P17.
  • HENRY KISSINGER. DIPLOMATIE FAYARD 1996 P. G –10.
  • ALEXAND RE DEL VALLE ISLAMISE – ETAS – UNIS UNE ALLIANCE CONTRE L’EUROPE 1999.
  • ALEXANDRE DEl VALLE ISAMISME…….
  • “L’EMPIRE CONTRE L’ONU” “LES ETATS – UNIS SAPENT  LE ‘DROIT INTERNATIONALE’ LE MONDE DIPLOMATIQUE DECEMBRE 1999.
  • KISSINGER IBID P10-763
  • ID IBID P 739.
  • VIRILION OP CIT P 65.
  • ID IBID P 65.
  • LE MONDE 14 SEPTEMBRE 1999.
  • LE MONDE IDEM 14 SEP 1999.
  • SERGION ROMANO “IPOCRICiA DEL NO STORO UMANITARISMO” LIMES , ROME JANVIER – FEVRIER 1999.
  • ID IBID.
  • LE MISSILE AMERICAIN UTILISE POU LES ESSAIS DU NOUVEAU PROGRAMME EST L’EXO L’EKV.
  • PHILLIS GENNIS OP CIT.
  • M. GALLOIS “LE COURSE AUX ARMEMENTS . LA NEF DECEMBRE 1999.
  • OP CIT PN – 51.
  • LA NOUVELLE GUERRE FROIDE. LEMONDE APRES KOSOVO. PUF. PARIS 1999. P112.
  • GENERAL PIERRE – MARIE GALLOIS ELLIPSES 2000 .
  • A ZIOUGANOV OPCIT P 134-135.
  • ZIOUGANOV P 78
  • LAQUELLE LA RUSSIE ASPIRERA TOUJOUR A’ S’EMPARER DES REGIONS COTIERES POUR AVOIR ACCES AUX MERS CHAUDES.
  • DOSTOIEVSKI EUVRES COMPLETES EN 30 VOLUMES.
  • TIMES OF INDIA 1ERE AVRIL 1999.
  • PEKIN 6 MAI 1999.
  • DECLARATION DU MINISTERE DES AFFAIRES. ETRANGERES A DELHI DU 25 MARS 1999.
  • IN FRANSOI CHIPAUX. “L’INDE HOSTILE AUX FRAPPES DE L’OTAN. LE MONDE 3 AVRIL 1999.
  • BUSINES DAY. JOHANNESBURG 4 AVRIL 1999.
  • RUJIZEVEN NOVINE 5 AVRIL 1999.
  • LE MONDE 24-25-MAI 1999.
  • ALAIN RICHARD. LE FIGARO. 14 DECEMBRE 1999.
  • LE FIGARO 14 DECEMBRE 1999.
  • LEMONDE 2 FEVRIER 2000.
  • “GENOCIDE RUSSE EN TCHETCHENIE “ZBIGNIEW BRZENZISKI LEMONDE 18 NOVEMBRE 1999.
  • BRZENZISKI OPCIT.
  • RAYMOND C. FINCH (FOREIGN MILITARY STUDIES OFFICE . MILITARY REVIEW JUIN 1997.
  • LE FIGARO 18 NOVEMBRE 1999.
SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14402

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *