بايدن والصين والمسارات المتخذة

أحمد الخالصي

من خلال النظر لمواقف بايدن وأعضاء إدارته  يمكننا إن نرى بوضوح  سيطرة موضوع الصعود الصيني  المتزايد بالشكل الذي هدد ويهدد وسيهدد  القطبية الأوحد لأمريكا، ولايخفى على الجميع التعهد الذي أطلقه بايدن  في حملته الانتخابية من فرض العقوبات والقيود التجارية على المسؤولين الحكوميين الصينين، وكذلك قيامه هذه الأيام بعقد اجتماع دول الكواد الأربع (أميركا، أستراليا، الهند واليابان) لمواجهة التوسع الصيني في المحيطين الهندي والهادي، وكذلك ماتضمنته وثيقة التوجيه الإستراتيجي المؤقت لإستراتيجية الأمن القومي، من ذكر متكرر للصين، والإشارة بإن توزيع السلطة في العالم بتغير يهدد المصالح الأمريكية لذلك يجب التأهب والمواجهة.

توضح المواقف الأمريكية وشبه الإجماع بين حزبيها على ماقد يمكن إن تمارسه خلال مجابهة الصين، من إجراءات مماثلة سبق وإن اتخذتها بحق دول أخرى، من قبيل ورقة العقوبات والارتكاز على الحلفاء لكي يكونوا منطلقًا في أي إستراتيجية ستتخذ بهذا الصدد وهذا مايتضح من زيارة وزير الخارجية أنتوني بلينكن ووزير الدفاع الجنرال لويد أوستن لكل من اليابان، كوريا الجنوبية والهند، ولكن  ذلك لن يكون سوى محاكاة بدائية محكومة بالفشل المسبق، فالعالم لم يعد يحتمل دفع ضربية الحفاظ على قطبية العالم الأوحد لأن هذا الأمر ببساطة جعل مشروعية المجتمع الدولي من بنية القوانين والأعراف التي تحكم المسار العالمي معطلة بمزاجية العنجهية الأمريكية، والأمثلة كثيرة على ذلك.
كما إن ذات هذه الإجراءات لم تعد فاعلة لكون المصلحة  الدولية قد اتخذت  الشكل الترابطي يومًا بعد آخر وهذا مايدفع لحصول اضطراب على الصعيد الدولي في حالة أي فرض لمثل هذه الإجراءات، نتيجة التشابك المعقد الذي رسخته التجارة الحرة والتي دعمها منظروا الليبرالية الأمريكية، ناهيكم على إن مثل هكذا إجراءات لم تنجح وأثبتت فشلها مع دولة مثل إيران محاصرة ولها أكثر من ضد ديني وسياسي, فكيف من الممكن إن تنجح مع دولة بحجم الصين الممتدة تجاريًا بكل بقاع العالم وحتى في أميركا والتي تمتلك فيها لوبي فعال ألا وهو غرفة التجارة.

من ثم نرى بروز المنطق  الليبرالي في ذات التعهد لبايدن والذي ذكرناه في البداية من خلال إضافته وصف الكيانات التي تمارس القمع في عملية العقاب المفترض، وكذلك تضمين موضوعة انتهاك حقوق الإنسان بالخطابات الموجهة للصين، إن الليبرالية كمقاربة تفسيرية في العلاقات الدولية هي رؤية مركبة في بنية المجتمع الدولي، إذا ترى إن الدولة لاتمثل وحدة واحدة بل هي عبارة عن مؤسسات سياسية، تضم في ثنايها فواعل متناقضة المصالح، فهذه النظرية ذات خط عكسي في المقاربة الدولية، إذا تتجه من فردية الدولة بما تحمله من تفرعات كثيرة لمحاولة تفسير علاقات المجتمع الدولي ، وهو أشبه مايكون بعملية نقل صراع اللوبيات من تأثيره الداخلي للخارجي عبر جعله محور أساسي في عملية تحديد المسار الذي تتبعه الدولة في علاقاتها مع غيرها، وهذا مايبرر لنا إقدام ميرشايمر وستفين والت على نشر ورقتهما بما يتعلق بتأثير اللوبي الإسرائيلي على السياسة الخارجية الأمريكية، ولايخفى على الكثير مما لهذين الشخصين من ثقل في الوسط الاكاديمي الأمريكي باعتبارهما من المجددين  في المدرسة الواقعية الجديدة، وقد لاقى بحثهما هذا حملة جدل واسعة أدت لسحب جامعة هارفرد لاسمها من هذه الورقة وبالتالي نشره في مجلة بريطانية، وفي العودة لليبرالية التي ترى إن التعاون بين الدول مبدأ أساسي يتم من خلال  ثلاث منطلقات  رئيسية في عملية التقارب الدولي ألا وهي الديمقراطية والروابط التجارية والمؤسسات الدولية، كما لم يتوانى منظروها من عملية شرعنة القوة في عملية نشر الديمقراطية أو الحفاظ على الأمن ومحاربة الإرهاب وهذا ماجرى واضحًا في عملية غزو العراق والمثير للسخرية أيضًا وعلى الرغم من تأكيدها على أهمية المؤسسات في النطاق الدولي إلا أنها في ذات المثال (غزو العراق) اتخذت أميركا قرارًا فرديًا دون أي غطاء شرعي من المؤسسة الدولية الأكبر ألا وهي الأمم المتحدة،  ناهيكم على إن النظرية هذه ككل جاءت كندٍ ضدي من الاتجاه الواقعي في العلاقات الدولية القائم على أساس القوة؟!،
فهل يمكن مجابهة الصين وفق المثالية الليبرالية؟ إن فعالية النظرية الليبرالية قد تهاوت كثيرًا بسبب التناقض الفاضح بين جوهر ماتدعو إليه ألا وهو السلام والتعاون وبين تمثلاتها عند التنفيذ والتي غالبًا ما أدت لحروب دموية خصوصًا بعد نهاية الحرب الباردة، كما إن الخطاب الفرداني التي تؤسسه الليبرالية على الصعيد الداخلي وتربيتها للإنسان من واقع مادي بحت، بعيد عن أي معايير اخلاقية وروحية يجعل مثاليتها في تآكل مستمر، وبالتالي فأن هذا حتمًا سيؤدي لأن تكون الذهنية الفردية والمؤسسة للرأي العام غير مكترثة بالمبررات المثالية المتعلقة بالإيمان بنشر الديمقراطية والسلام والخ….،وهذا مايحيلنا لصعوبة هذه المجابهة بالوسائل المعتادة، وفي اعتقادنا إن الصين لن تُهزم إلا من خلال ذاتها، وهنا الذات ينصرف للثقافة بمعناها العام الشامل لمختلف المجالات سوى كانت الأدبية والسينمائية والدينية والاجتماعية والسياسية والخ…. فالصين يبدو أنها محصنة اقتصاديًا وسياسيًا، لكن عليها الحذر من المسارات الناعمة التي دستها وستدسها أمريكا وهي جزء أصيل من الرؤية الليبرالية،لأن أرض هذه المسارات هي مما لايخضع لسلطة إذا ما تفعل، فاللعب يكون حينها على الشعب، بخطاب فرداني لا جمعي، إذا يخاطب كل حسب ذهنيته، وبمستوى تلقي يصعب على المستهدف الشعور به، لإنه مندمج بواقعه المعاش ويتبلور بحسب الحاجة المفترضة، ولذلك إذا أرادت الصين الحفاظ على نفسها عليها بتحصين شعبها نفسيًا بثلاثة أضعاف سورها.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14402

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *