بحث حول نظريات العلاقات الدولية

مصطلح النظرية

ينحدر مصطلح النظرية (theory) من “النظر إلى”، “الاعتقاد” و “التفكير” (to conceive)، فأي محاولة للنظر إلى حالة معينة، أي حالة، تعد بمثابة التنظير (theorizing).

يقول داورتي & فالتسغراف (Pfaltzgraff & Dougherty) أن لمصطلح النظرية في العلوم الاجتماعية و خاصة في العلاقات الدولية مفهوما خاصا:

1- نظام استقرائي يؤدي إلى تقديم اقتراحات (مثل نماذج مورتن كابلنMorton Kaplan ).

2- تقسيم تصنيفي يمكـّن من تنظيم المعلومات (مثال: النظم السياسية لإيستونD.Easton أو ألموندG.Almond أو نموذج سنايدرSnyder ).

3- مجموعة مقترحات حول السلوك السياسي تنبع من الدراسات التاريخية المقارنة (مثل نماذج كارل دويتشKarl Deutsch في التكامل).

4- تطوير مجموعة من المواقف حول السلوك العقلاني المبني على عامل واحد مهيمن مثل القوة (مثال: نظرية هانس مورغنثاوHans Morgenthau ).

5- مجموعة من القيم التي ترسم شكل السلوك السياسي (مثال: دراسات الهوة شمال/ جنوب).

6- مجموعة مقترحات للعمل تقدم لرجال السياسة (مثال: الدراسات السيكولوجية للحرب).

تعريف النظرية

يعرفها كوينسي رايتQuincy Wright بقوله أنها:

فالنظرية العامة في العلاقات الدولية تعني وحدة من المعلومات الشاملة و الواضحة و المتماسكة و الذاتية التصحيح، تساعد على الفهم و التنبؤ و التقييم و مراقبة علاقات الدول و التعامل مع البيئة الدولية.

يرى ستانلي هوفمانStanley Hoffmann أن النظرية هي “مجموعة من الاقتراحات المترابطة ترابطا منطقيا قدمت خصيصا لاختصار كم هائل من المعطيات.

وظائف النظرية

النظرية هي مجهود منظم لطرح أسئلة من شأنها تمكين الباحث من تنظيم معرفته، من توجيه بحثه، و من تفسير النتائج التي يتوصل إليها. فمن مهام النظرية إذن مساعدة الباحث على تنظيم المعطيات التي يجمعها، و التعرف على العوامل و المتغيرات الأساسية لمجال البحث و تركيز اهتمامه و بحثه على القضايا الأهم. قد لا تقدم النظرية للباحث مفتاحا لفهم معنى السياسة الدولية لكن من مهامها أن تقوده إلى فهم منطقي للمعطيات.

تشير النظرية في نفس الوقت إلى:

1- أطر اصطلاحية هي بمثابة الأسئلة (questions) التي بمقدورها توجيه البحث.

2- أطر اصطلاحية هي بمثابة نظام من الفرضيات العملية (a system of working hypotheses) وظيفتها الأساسية هي أيضا توجيه البحث (مثل نظرية النظم، نظريات اتخاذ القرار… إلخ).

3- سلسلة طموحة من الاقتراحات (propositions) المتشابكة و التي تسعى إلى شرح مجموعة من السلوكيات و فهم حقل البحث سواء جزئيا أو كليا، و تأتي هذه الاقتراحات سواء من الفرضيات أو من الإجابات التي يتوصل إليها الباحث من خلال إطار معين.

أنواع النظرية

يرى ستانلي هوفمان أنه يمكن تقسيم أنواع النظرية إلى ثلاثة أنواع من حيث هدفها:

1- النظرية المعيارية (normative) أو القيمية (value theory) و تقوم على أسس أخلاقية مثل تلك التي أنتجتها الفلسفة السياسية و منها نظرية إيمانويل كانط (E.Kant) للسلم الدائم (perpetual peace) من خلال نظام فدرالي عالمي تشارك فيه كل الجمهوريات.

2- النظرية التجريبية (empirical) أو السببية (causal) و هي تلك التي تحاول تحليل السلوك السياسي المعاصر و معرفة المتغيرات الأساسية مثل نظرية ميزان القوة (balance of power) التي تم استعمالها لشرح العلاقات الدولية في القرنين 18 و 19.

3- النظرية كمجموعة من الوصفات للعمل السياسي أي “العلم كسياسة” (policy science) أو نصائح في مجال تسيير شؤون الدولة، تساهم هذه النظرية في فهم الحاجات التي تتطلع إليها اللحظة، المثال على ذلك البحوث حول الحرب النفسية أو الإستراتيجية العسكرية.

أما مايكل سوليفان (Michael Sullivan) فيعتبر أنه من الضروري التفرقة بين عدة أنواع من النظريات:

1- النظريات المعيارية (normative) و هي تلك التي تحاول تحديد ما يجب أن يكون عليه الإنسان و ما يجب أن تكون عليه الأشياء، و عادة ما يكون ذلك طبقا لمعايير أخلاقية. فعلى الناس احترام قوانين معينة لأن ذلك السلوك “صحيح” (just) أو “حق” (right)، فالنظام الديمقراطي هو أحسن نظام سياسي لأنه يفسح المجال أمام الاختيار الشخصي و يقف في وجه استبداد أقلية معينة و هذا “جيد” (good). على الدول أن تعتمد على نظام ميزان القوة لموازنة القوى الأخرى و ذلك بهدف منع هيمنة دولة واحدة. فباعتمادها على مسلمات تعتبرها معقولة تجريبيا فإن النظرية المعيارية رغم ذلك تقوم على وصف ما يجب أن يكون (what ought to be).

2- النظريات الحدسية (intuitive) و تعتمد على الإحساس العام حول قضية معينة. معظم الناس لهم نظرياتهم المفضلة حول أسباب الجريمة مثل “كل سارق يفعل ذلك لأنه شرير، هذه نظريتي” و لكنهم لا يلجئون إلى التحقق من نظرياتهم الحدسية بالاحتكام إلى الواقع.

3- النظرية السببية (causal) و هي تجريبية (empirical) و ترى أن كل ظاهرة نتاج ظاهرة أخرى و بالتالي فإنها تسبب ظهورها. كل النظريات في الواقع سببية و لكن النظرية السببية التجريبية لا تكتفي بتقديم فكرة معينة بل تتعدى ذلك إلى التأكد من صحتها بمقارنتها بالواقع. فمفهوم السياسة الذي قدمه جيمس كابورازو (James Caporaso) و آلن بيلوفسكي (Alan Pelowski) يبين هذا جيدا لأن عالم السياسة يعد بمثابة المخبر للأحداث، فوراء كل عملية تشريع أو عملية تغيير أو خطة سياسية (و هنا تأتي الخطة السياسية الدولية) هناك تكهن “فرضية” (hypothesis) بالنتائج التي سوف تؤدي إليها. أي تغير في (أ) يؤدي إلى تغيير (ب)، أي مثلا كل تغير في شكل نظام الحكومة المحلية يؤدي إلى القضاء على الرشوة. إن خلق منظمات دولية مثل عصبة الأمم أو هيئة الأمم المتحدة سوف يؤدي إلى التقليل من عدد الحروب في العلاقات الدولية.

– التفسير الواقعي للنزاعات الدولية (مستوى الدولة كوحدة تحليل النزاع):

إن الحديث عن الدولة كوحدة تحليل لظواهر العلاقات الدولية، يدفع بالكثيرين إلى التوجه نحو طروحات المدرسة الواقعية باعتبارها أهم اتجاه نظري أسس طروحاته على الدولة كوحدة تحليل أساسية لفهم مختلف الظواهر الدولية.

الواقعية الكلاسيكية

رغم ثراء ميدان العلاقات الدولية بالعديد من النظريات والمقاربات، إلا أن الواقعية حازت على النصيب الأوفر من اهتمام الباحثين والدارسين في حقل العلاقات الدولية، وهو ما جعلها تهيمن على الدراسات النظرية لهذا الحقل لفترات طويلة، كونها قدمت المستويات التفسيرية الأمثل لمسائل الصراعات والحروب.

وتتحدد الافتراضات الأساسية للمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية فيما يلي:

1- الدول هي الفاعل الأساسي أو الأهم في العلاقات الدولية؛

2- الدولة كفاعل دولي وحدة واحدة لا تتجزأ؛

3- الدولة فاعل عقلاني بالأساس؛

4- الأمن القومي يحتل قمة أولويات القضايا الدولية.

5- طبيعة الانسان شريرة انانية

6- النظرية السياسية تنتج عن الممارسة السياسية و عن تحليل و فهم التجارب التاريخية

7- النظام الدولي هو نظام فوضوي تتضارب فيه مصالح الدول

8- القوة هي الوسيلة للحفاظ على مصالح الدولة و امنها القومي.

9- ينظر أنصار الواقعية عادة إلى القضايا العسكرية والأمنية والإستراتيجية، باعتبارها قضايا السياسة العليا، بينما يرون القضايا الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها قضايا السياسة الدنيا الروتينية والأقل أهمية .

وتسعى الدول من خلال سلوكها الخارجي إلى تحقيق عدة أهداف، قسمها مورغانثو إلى ثلاثة أهداف أساسية:

– زيادة القوة: بإتباع سياسة توسعية.

– الحفاظ على القوة: من خلال انتهاج سياسة الحفاظ على الوضع الراهن.

– إظهار القوة: بإتباع سياسة عرض القوة.

ونظرا لتركيزها الأساسي على قضايا الحرب والأمن الوطني اعتبر مفهوم المصلحة Interest بمثابة أداة تحليل أساسية في الواقعية الكلاسيكية لبناء تفسير أو تنبؤ في السياسة الدولية. إلى جانب مفهوم توازن القوى الذي يعتبر أحد أهم إسهامات هانس مورغانثو في نظرية Balance of power ،حيث يعتبره على أنه الوسيلة الناجعة لضمان السلام. كما ينصح الدول المتنافسة أن تلزم نفسها بقبول نظام توازن القوى كإطار مشترك لمساعيها، لأن هذا الاتفاق يضبط الرغبة غير المحدودة للحصول على القوة ويحول دون تحقيق رغبة السيطرة.

إلا أن طروحات الواقعية التقليدية، انتقدت بشكل لاذع بسبب منهجيتها السلوكية، التي تمحورت حول سلوك الدولة –العنصر الأساسي في تقديرها- في السياسة الدولية، و أخفقت في استيعاب الواقع الحقيقي على أنه “نظام” له بنيته أو كيانه المميز، و بالغت في تفسيرها للمصلحة، و مفـــهوم القوة، و أغفلت سلوك المؤسسات الدولية، و أطر علاقاتها الاعتمادية في جوانبها الاقتصادية.

– التفسير الجيوبولتيكي:

عرفت الدراسات الجيوبوليتكية تطورا كبيرا في فترة ما بين الحربين العالميتين وبشكل أخص في ألمانيا على يد فريدريك راتزل Friedrich Ratzel وكارل هوشهوفرKarl Haushofer ، وفي الدول الانجلوساكسونية (هالفورد ماكيندرH. Mackinder، وألفريد ماهان Alfred T.Mahan ونيكولاس سبيكمان Nicolas Spykman). وانصبت تحليلاتهم على علاقة قوة الدولة بالجغرافيا، أي حدود الدولة بوضعها أو ما ستكون عليه الدولة من خلال تفاعلها في إطار الجغرافيا مع الدول الأخرى.

ويعتبر راتزل، وكذلك هوشوفر أن الدول كمنظمات أو هيئات جغرافية، حيث الحدود مدعوة لأن تتغير، ويجردانها من مفهوم “المجال الحيوي” . حيث شبه راتزل في هذا الإطار الدول بالكائنات الحية التي ترتهن مقدرتها على النمو بمدى الحيز المكاني الذي تتحرك وتتفاعل فيه، لذلك استندت نظريته على فكرة الحدود المائعة التي لا ثبات فيها وأنها قابلة للزحزحة في مصلحة الدولة الأكثر قوة .

إن المصدر الجغرافي للصراعات الدولية وإن كان تدهور من حيث أهميته النسبية نتيجة تدهور المتغير الجغرافي في السياسة الدولية واستقرار الحدود السياسية الدولية لحد كبير، إلا أنه لا يزال يتسبب في العديد من الصراعات المعاصرة سواء كمصدر للصراع أو كحجة تساق لتبرير السلوك الصراعي. حيث يمكن للجغرافيا أن تعمل كوسيط للنزاع بين دولتين متلاصقتين جغرافيا، كما يمكن أن يرتبط المتغير الجغرافي بعامل السكان في تفسير مصادر بعض الصراعات. فضغط السكان على مساحة الدولة وامتدادات الأمة التي توجد خارج الحدود السياسية للدولة المعبرة عن هذه الأزمة، والتي تعيش تحت سيطرة دولة أخرى أو على جزء من إقليمها متاخم لإقليم الدولة الأم، يمكن أن تكون نقطة بداية لمواقف تعارض بين دولتين تسعى فيه الأولى لضم إقليم الدولة الملاصقة لها، أو جزء منه أو لضم الإقليم الذي تعيش عليه الامتدادات القومية لشعبها.

كما يرى البعض أن أهمية بعض المناطق الجغرافية تزيد من احتمالات دخول الدول في نزاعات من أجل السيطرة عليها وذلك للأسباب التالية:

– أن أهمية هذه الأقاليم قد تكون ذات أهمية إستراتيجية لطرف واحد أو أكثر، حيث أن الذي يسيطر على المنطقة موضوع النزاع تكون له مزية عسكرية واضحة على الدولة غير المسيطرة.

– قد تكون الأراضي ذات قيمة اقتصادية لوحدات أو أكثر من الأطراف لاحتوائها على ثروات طبيعية ومعدنية.

– تكون ذات أهمية لدولة معينة أو مجموعة من الدول لأسباب عقائدية أو دينية.

– قد تدخل الدول في نزاعات إقليمية لأسباب قانونية أو تاريخية.

كما توصلت عدة دراسات تطبيقية إلى وجود علاقة قوية بين الصراعات الدولية وعوامل الجغرافيا. خاصة التجاور والتقارب والتنازع على أقاليم أرضية ومائية، وبالمقارنة بين هذه العوامل، يرى فاسكيز J.Vasques ”أن عامل التنازع على الأقاليم أقدر على تفسير الصراعات الدولية من التقارب الجغرافي (وكذلك مستوى التفاعل بين الدول المتصارعة)، وبمقارنة عامل التنازع على الأقاليم مع عامل اختلاف الدولتين في شكل نــــظام الحكم أو سياسته وجد أن عامل التنازع على الأقاليم يزيد احتمال وقوع حرب بين الدولتين بشكل وبدرجة أكبر.”

إن أهمية هذا المدخل في دراسة النزاع الدولي تكمن في إبراز دور العامل الجغرافي وتأثيره على سلوكات الدول وبالأخص في إثارة الصراعات الدولية، خاصة إذا ارتبط الأمر بأهمية منطقة جغرافية لطرفين أو أكثر، أو إذا كانت هذه المنطقة تحظى بأهمية اقتصادية أو إستراتيجية. بالإضافة إلى دور العامل الاثني الذي يبرز كذريعة لتدخل القوى الدولية في المناطق التي تراها ذات أهمية جيوستراتيجية. ولهذا فإن المصدر الجغرافي يبرز كعامل مساعد في زيادة احتمالات الدخول في صراعات بين دول تنطوي على مصادر صراعية أخرى مثل الاختلافات الإيديولوجية واختلاف طبيعة الأنظمة.

التفسير البنائي للنزاعات الدولية:

ساهمت النهاية السلمية للحرب الباردة في إضفاء الشرعية على النظرية البنائية لأن الواقعية والليبرالية أخفقتا في استباق هذا الحدث كما أنهما وجدتا صعوبة كبيرة في تفسيره، بينما استطاعت البنائية تفسيره من خلال اعتمادها على متغيري الهوية والمصلحة، خصوصا ما يتعلق بالثورة التي أحدثها ميخائيل غورباتشيف في السياسة الخارجية السوفيتية باعتناقه أفكارا جديدة “كالأمن المشترك”. زيادة على ذلك، وبالنظر إلى التحدي الذي تتعرض له الضوابط التقليدية بمجرد تحلل الحدود، وبروز القضايا المرتبطة بالهوية، فإنه ليس من المفاجئ أن نجد الباحثين قد التجئوا إلى مقاربات تدفع بمثل هذه القضايا إلى الواجهة وتجعل منها محور الاهتمام.

ومن وجهة نظر بنائية، فإن القضية المحورية في عـالم ما بعد الحرب البــاردة هي” كيفية إدراك المجموعات المختلفة لهوياتها ومصالحها.” ورغم أن التحليل البنائي لا يستبعد متغير القوة، إلا أن البنائية ترتكز بالأساس على كيفية نشوء الأفكار والهويات، والكيفية التي تتفاعل بها مع بعضها البعض، لتشكل الطريقة التي تنظر بها الدول لمختلف المواقف، وتستجيب لها تبعا لذلك.

وتنطلق البنائية من تصورات تنتقد الاتجاهات النظرية العقلانية التي ثبت فشلها قي أعقاب نهاية الحرب الباردة من خلال عدم قدرتها على تفسير نهاية هذه الحرب وبشكل سلمي ويتضح ذلك في العناصر التالية:

– تستند الاتجاهات النظرية العقلانية الواقية و الليبرالية في تحديدها للواقع حسب توزيع القوى المادية، وعلى خلاف ذلك تنطلق البنائية من عناصر غير مادية وبالتحديد على عنصر الهويةIdentity التي تعتبرها مسألة جوهرية في عالم ما بعد الحرب الباردة، وتؤكد على كيفية تعامل الهويات مع الطريقة التي تستوعبها الوحدات السياسية (الدول) وتستجيب لمتطلباتها ومؤسساتها، ومع ذلك فالبنائية لا تنفي دور العوامل المادية، وقد أوضح وندت ”أن المصادر المادية تكتسب فقط معنى بالنسبة لأفعال البشر من خلال بنية المعرفة المشتركة المرسخة في أذهانهم.”

– البنائيين يعتبرون أن النظام الدولي هو من اختراع الإنسان، فهو نتاج للفكر الإنساني الصرف، مجموعة من الأفكار، بناء فكري، نظام للقيم والمعايير التي نظمت من طرف بني البشر في سياق زماني متصل وإذا تغيرت الأفكار التي تسود العلاقات الدولية القائمة، فان النظام نفسه سيتغير معها كذلك لأن النظام يتضمن تلك الأفكار.

– تركز البنائية كإطار مفهوماتي على مفاهيم البنية، الفاعل، الهوية، المصالح والمعايير، وهو إطار مفهوماتي اجتماعي قائم على الأفكار. وفي رأي وندت أن المفهوم الواقعي للفوضى لا يفسر لنا كيف تحدث الصراعات بين الدول تفسيرا كافيا، وفي اعتقاده أن المسألة الحقيقية تكمن في كيفية استيعاب الفوضى وفهمها. وهي بذلك تتخلى عن المفردات والتعابير مثل: الدولة، توازن القوى، الفوضى وغيرها. كما تتولى تحليل تأثير تلك الكلمات، وتحليل المبادئ والقواعد، والتطبيقات العملية لها، والدور الإنساني في صنع التركيبات الاجتماعية.

– يرى البنائيون أن فشل النظريات التقليدية يرجع في جزءه الكبير إلى إهمالها لمتغير الهوية Identity وترى أن هذا الإهمال انعكس على عدم قدرة الواقعيين في فهم الأشكال الجديدة من النزاعات، خاصة الداخلية منها باعتبار أن أغلبها نزاعات يضبطها ويغذيها عنصر الهوية، وهذا الأخير إلى جانب الأفكار والإدراك والمعايير يحدد طريقة تشكل مصالح الفواعل من جهة، والاتجاه الذي يتخذون ضمنه سلوكياتهم الدولية إما تنافسا أو تعاونا من جهة أخرى، ويقول وندت بهذا الخصوص:

إن الهويات والمصالح التي يعتبرها العقلانيون من المعطيات القائمة التي يرون أنها تنتج في السياسة الدولية التي نشاهدها، ليست من المعطيات في الواقع، لكنها أشياء قمنا نحن بإيجادها، وبعد أن نكون قد أوجدناها فإن باستطاعتنا إيجادها بشكل مختلف، وسيكون ذلك من الصعب لأننا عملنا جميعا على إضفاء صفة ذاتية على الطريقة التي يوجد بها العالم، ولكن يمكننا أن نجعله غير ذلك.”

– دور متغير الهوية في تفسير السلوكيات النزاعية للفواعل:

رغم أن البنائية تتقاسم بعض الافتراضات مع الواقعية لاسيما فيما يتعلق بفوضوية النظام الدولي والإقرار بالإمكانيات والقدرات الإستراتيجية العسكرية للدول وانعدام الثقة في نوايا الوحدات السياسية الأخرى وعقلانية الفاعلين، إلا أنها ترفض ما يسميه الواقعيون بتصور كرة البيليارد Billiard Ball image، كون هذا التصور فشل في إبراز أفكار ومعتقدات الفاعلين الذين أقحموا أنفسهم في النزاعات والصراعات الدولية. وفي المقابل يرغب البنائيون في اختبار ما يوجد بداخل كريات البيليارد للوصول إلى إدراك تصور معمق بشأن تلك الصراعات.

ولأنه من المهم فهم التفاعلات الاجتماعية الداخلية للدول لاستيعاب المخرجات السياسية لها، وحتى لا يتم حصرها في مخرجات البنية الفوضوية للنظام الدولي. وبالتالي بدل الاعتماد على حتمية البنية المادية الجامدة ومدى تأثيرها على السلوك النزاعي للفواعل، نجد البنائيين يدخلون متغيرات البنية القيمية ودورها في تشكيل هوية الفواعل. وتعتقد البنائية في هذا الإطار أن الهويات والمصالح والسلوك لأي دولة تبنى اجتماعيا وذلك من خلال التأويلات والإدراكات المشتركة للعالم. وذلك نتيجة الاتصال الاجتماعي الذي يمسح بتقاسم بعض المعتقدات والقيم.

وهذا يؤكد بدوره أن الصراعات الدولية-حسب البنائيين- لا يغذيها السعي لاكتساب القوة من أجل المصلحة(كما يعتقد الواقعيون التقليديون) ولا الطبيعة الفوضوية المطلقة للنظام الدولي ( على غرار الواقعيين الجدد)، بل يستندون في تفسير أشكال النزاعات المختلفة بالتركيز على تفاعلات الوحدات الأساسية، من خلال إرجاع أسباب النزاع إلى التوجه التنازعي للهوية الاجتماعية للأفراد أو القادة وهي العوامل التي ترى البنائية أنها ليست معطى مسبق بل تحكمية يديرها القادة والأنظمة أو الظروف الاجتماعية.

وقد شكلت النزاعات ذات الطابع الاثني ذريعة للتدخل الخارجي بدافع القرابة والانتماء الاثني الواسع حيث يصبح البديل الأقل تكلفة والأكثر فعالية من حيث التنسيق الداخلي، هذا إذا أضفنا مدى إسهامها في توسيع دائرة الأطراف المتصارعة، وبالتالي فإن ما يبدو للوهلة الأولى بأنه صراع داخلي قد يتحول إلى صراع دولي علني أو خفي وبالتالي لا يعود صراعا داخليا .

وعموما نستخلص أن الصراع وفق التحليل البنائي ليس معطى مسبق أو نتيجة لفوضى النظام الدولي، وإنما هو نتاج للتوجه التنازعي للهوية الاجتماعية للأفراد أو القادة (أي نتاج لعوامل غير مادية) وهي العوامل التي ترى البنائية بأنها ليست معطى مسبق بل تحكمية يديرها القادة والأنظمة بالإضافة إلى طبيعة التنشئة الاجتماعية، والتي تنعكس في الخطابات السائدة في المجتمع والميول النخبوية التي بإمكانها تشكيل الهويات على أسس تنازعيه من خلال تعبئة الجماهير وإحياء الضغائن التاريخية من أجل تمرير أهدافها المصلحية.

3- التفسير النظمي للنزاعات الدولية Systemic level

ينطلق أصحاب الطروحات التي ترتكز على مستوى النظام الدولي في التحليل من حالة الفوضى كمعطى مسبق في النظام الدولي، ويترتب عن ذلك إغفال الاختلافات على مستوى الوحدات وغض النظر عن خصائصها الداخلية ويتبنى هذا الطرح بشكل خاص أنصار الاتجاهات: الواقعية الجديدة، ونظرية النظم.

الواقعية الجديدة : Neo-realism

وتعرف أيضا بالواقعية البنيوية ، وتعتبر ذاتها امتدادا للواقعية التقليدية، ومن أهم كتابها كينيث والتز وجورج مودلسكي.

والواقعية الجديدة هي رؤية نسقيه Systemic للسياسات الدولية، وهي عكس الواقعية التقليدية فإنها تربط حالة الصراع بالطبيعة الفوضوية للنظام الدولي الذي يعيق تشكل علاقات تعاونية. ويعتبر كينيث والتز Kenneth N.Waltz أهم مفكري هذا الاتجاه، الذي حاول من خلال عمله الشهير ”نظرية السياسات الدولية” Theory of international politics (1979) تجاوز النقد الذي وجه إلى مورغنثو، مقترحا نظرية ”المنظومة الدولية”والإبقاء على هذا المستوى من التحليل باعتباره الوسيلة الوحيدة لفهم سلوكيات الفاعلين الذين يشكلون عناصر هذه المنظومة التي تفرض قيودا محددة على السلوك، أما العوامل الأخرى كالدين والسياسة الداخلية والاقتصاد إلى حد ما تعتبر ثانوية.

وينطلق والتز في بناء نظريته من افتراض أن الواقعيين التقليديين حددوا موطن الحرب في مستوى واحد من اثنين، أو كلاهما وهما الفرد، والمجتمع أو الدولة، ويرى أن الصواب هو وجوب الفصل بين مستوى النظام ووحداته.

ورغم انطلاق الواقعية الجديدة من المسلمات والمفاهيم الأساسية ذاتها في الواقعية الكلاسيكية، خاصة من حيث اعتبارها أن الدولة هي الوحدة الأساسية للتحليل وأن دراسة العلاقات الدولية هي دراسة العلاقات بين هذه الوحدات، إلا أن الواقعيين الجدد لا ينكرون وجود فواعل أخرى غير الدولة كالمنظمات الدولية والشركات المتعددة الجنسيات والجماعات الإرهابية والمنظمات العبر وطنية، إلا أن هذه الفواعل تبقى في تصورهم ذات أهمية قليلة مادامت الدول هي الفواعل المهمة.

وفي تحليلها لظاهرة النزاع الدولي، تركز الواقعية الجديدة على أثر بنية النظام الدولي وطبيعته على العلاقات بين الدول، وهم يرون أيضا أن الدول تتفاعل في ظل نظام دولي يتسم بالفوضى يلزم كل منها بالاعتماد على ذاتها في تحقيق أهدافها، إذ لا توجد سلطة عليا في النظام الدولي يمكنها مساعدة الدول عند الحاجة، لذلك تسعى الدول لتتوازن قواها فتحقق حالة التعادل أو التساوي بينها، مما يقلل من خطر اندلاع الحرب.

وسعيا منه لتجاوز اللبس من حيث اعتبار الدولة الفاعل الأساسي من جانب، والارتكاز على بنية النظام الدولي لتفسير سلوكيات الدول من جانب آخر، نجد أن والتز حريص على التمييز الدقيق بين التنظير المنظومي (الذي ينطلق من مستوى النظام)، والتنظير الذي ينطلق من مستوى الوحدة، أي التمييز بين مستويين مختلفين من التحليل: مستوى النسق ومستوى الوحدة. ففي حين يرتكز مستوى الوحدة على دراسة عملية التفاعل بين الدول (من خلال تفسير أفعال أو سياسات دول –وحدات-بعينها)، تهتم الدراسة على مستوى النسق بتفسير القيود والميول الكلية التي تحدث على مستوى النسق. وهذا ما يبرز اهتمام والتز بدراسة السياسة الدولية، وليس السياسة الخارجية.

و تهدف الواقعية الجديدة لتوضيح كيف أن هذه القوى النسقية مسئولة عن التشابه الملاحظ في سلوك السياسة الخارجية. ويعطي والتز مثالا واضحا على ذلك من خلال ظاهرة علاقات الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي في ظل نظام توازن القوى أثناء الحرب الباردة، فعلى الرغم من اختلاف البنية السياسية للدولتين وعدم تطابق الأيديولوجيتين، فقد سلكت القوتان وفقا لأنماط متشابهة في البحث عن نفوذ و تأثير وبسط هيمنة وتحقيق مكاسب، فما هو السر في ذلك؟

يجد والتز الإجابة من خلال دراسته للبنية النظامية على المستوى الدولي، حيث يرى وجود تغيرات على أفعال القوى أشد تأثيرا من تلك النابعة من السياسة الداخلية. إذا فعلى عكس ما تبناه مورتن كابلن M.Kaplan وماكليلاند باعتمادهم على النسقية، فان الواقعية الجديدة تعتبر أن النظام يتكون من بنية تسمح بالنظر إلى الوحدات كأنها مكونة بشكل مختلف عن وحدة واحدة.

وفي تفسيره لسلوكيات الدول في ظل المنظومة الدولية يقدم والتز مسلمتين في هذا الخصوص: تتمثل الأولى في القول أن الدولة مهتمة بالدرجة الأولى بتحقيق الأمن، ما دام تحقيق الأهداف الأخرى يعتمد على تأمين بقاء الدولة فقط. وتناقض هذه المسلمة وجهة نظر العديد من الواقعيين الكلاسيكيين القائلين ”أن الدول تسعى لزيادة قوتها كغاية في حد ذاتها،” وهذا ما ينطبق مع منطق الفوضى السائدة في النظام الدولي ”حيث من الصعب على الدول أن تستمتع بأية ضمانة لأمنها إلا إذا قامت هي بتوفيره لنفسها،”الأمر الذي يجعل من المنظومة الدولية نوعا من نسق الاعتماد على الذات.

أما فيما يخص علاقة شكل النظام بظاهرة الصراع، فإن والتز يبني تصوره بهذا الخصوص على فرضية تعتبر ”أن الاستقرار يقوم في النظام ثنائي القطبين أكثر مما يقوم في نظام متعدد الأقطاب.” وبالتالي حسب والتز فان نظام الثنائية القطبية هو الأكثر تحقيقا للاستقرار والأقل ميلا للصراعات ويدعم حجته هذه من خلال اعتبار:

– قدرة الدولتين المهيمنتين على استخدام العنف أو السيطرة عليه تمكنها من تخفيف آثار استخدام الآخرين للعنف.

– قوى القطبية الثنائية تسعى من خلال هدف الحفاظ على وجودها إلى الحفاظ على توازن القوى الموجود اعتمادا على مدى واسع من القدرات العسكرية والتكنولوجية.

– إن زيادة القوتين العظميين لقوتهما يقلل من احتمالات استخدامها، حيث تصبح الأسلحة –في النظام ثنائي القطب- مهمة إذا كان الغرض منها لدافع ردعي وليس لاستعمالها مما يعني أن فكرة التوازن تحقق الاستقرار.

الواقعية التقليدية الجديدة / Neo-Classical Realism

– أهمية العوامل الداخلية عند الواقعية التقليدية الجديدة في تفسير السياسة الخارجية:

بعد النفي التام لتدخل العوامل الداخلية في تفسير السلوك الخارجي، حاولت “الواقعية التقليدية الجديدة” “Neo-Classical Realism”تخفيف حدة الفصل بين البيئتين الداخلية و الخارجية، بحيث قدمت مواقف وصفت بالمعتدلة. لتشكل بذلك مبادرة إيجابية لإعادة النظر في مستويات التحليل المعتمدة في تفسير السلوك الخارجي و إعطاء أهمية للمحددات الداخلية إلى جانب المحددات النسقية.

و تنقسم الواقعية النيوكلاسيكية بدورها إلى ما يعرف بالواقعية الدفاعية و الواقعية الهجومية. فكلاهما يعترف و يقر بدور وتأثير البنية الداخلية و إدراكات صانع القرار على توجهات و أهداف السياسة الخارجية، غير أن هذا لا يمنع من وجود فوارق بينهما، سنحاول تبيينها فيما يلي:

أ- الواقعية الدفاعية: The Defensive Theory أهم روادها :Stephen Van Evara/ Robert Jervis/ Joseph Grieco

تفترض الواقعية الدفاعية أن فوضوية النسق الدولي أقل خطورة، و بأن الأمن متوفر أكثر من كونه مفقودا، فعندما تكون القدرات الدفاعية أكثر تيسرا من القدرات الهجومية فإنه يسود الأمن وتزول حوافز النزعة التوسعية. و عندما تسود النزعة الدفاعية، ستتمكن الدول من التمييز بين الأسلحة الدفاعية والأسلحة ذات الطابع الهجومي، آنئذ يمكن للدول امتلاك الوسائل الكفيلة بالدفاع عن نفسها دون تهديد الآخرين، وهي بذلك تقلص من آثار الطابع الفوضوي للساحة الدولية، و بالتالي تخفف من حدة تأثير هذه البنية الفوضوية على سلوكات الفواعل.

و عليه فقد طورت الواقعية الدفاعية فرضياتها لتبين مـن خلالها أثر البنيات الداخلية للدولة في تحديد طبيعة التوجه الخارجي للدول، ففي حالة وجود خطر خارجي، الدولة تجند مجموع القدرات العسكرية، الاقتصادية و البشرية، و إدراك هذا الخطر مرتبط بذاتية القادة السياسيين، الذين يحدون من الوسائل المستعملة إلى الدفاع عن المصالح الحيوية فقط، و أكبر مصلحة حيوية هي الأمن.

و لقد أتت الواقعية الدفاعية بمصطلح ” الواقعية التعاونية Cooperative Realism “المشجع و المؤكد على فوضى ناضجة عوض فوضى مطلقة، و هذا من أجل تفادي الحرب بوضع سياسات مشتركة لذلك.

ب- الواقعية الهجومية: The Offensive Theory أهم روادها: John J.Mearsheimer/ Stephen Walt/ Farid Zakaria

ظهرت الواقعية الهجومية كرد فعل للواقعية الدفاعية، حيث انتقدتها حول المرتكز الأساسي لها في أن الدولة و في إطار الفوضى الدولية تبحث فقط عن أمنها، حيث ترى عكس ذلك بأن الفوضى تفرض باستمرار على الدول تعظيم و زيادة القوة، لذا يعتقدون بتزايد احتمالات الحرب بين الدول كلما كانت لدى بعضها القدرة على غزو دولة أخرى بسهولة، و بالتالي استمرار حالة الفوضى المطلقة.غير أن ما يميز هذا الطرح عن واقعية والتز هو عدم الإقرار بأن تفسير السياسات الخارجية و المخرجات الدولية لمختلف الدول يكون مبنيا على فكرة الفوضى، و هذا ما ترفضه الواقعية الهجومية كعامل واحد، فكما يؤكد ” فريد زكرياء” من أن التركيز على السياسة الخارجية للدول يجب أن يضم المتغيرات الداخلــية و النسقية و التأثيرات الأخرى مخصصة و محددة مظاهر السياسة الدولية التي يمكن تفسيرها بهذه المتغيرات.

شكلت هذه المواقف الجديدة بالنسبة للواقعية النيوكلاسيكية، تحولا عميقا لدى المدرسة الواقعية فيما يتعلق بالحدود الفاصلة بين ما هو داخلي و ما هو خارجي. لتفتح المجال أمام ضرورة إعادة النظر حول تأثير المحددات الداخلية في توجيه السياسة الخارجية، و إزالة ذلك الفصل الصلب بينهما.

نظرية النظم:

تعتبر نظرية النظم من أهم التطورات التي نشأت في إطار المدرسة السلوكية في منتصف الخمسينيات ، فنظرية النظم تسمح بتخطي الفاصل بين الشؤون الداخلية للدولة و السياسة الدولية. و يعمل منهج تحليل النظم على كافة المستويات الدولية والإقليمية و الوطنية، ويربط بين المستويات أيضا. ومن أهم رواد هذه النظرية نجد مورتن كابلان M.Kaplan و ديفد سنغر D.singer و جورج مودلسكي G.modelski و تشارلز ماكليلاند Charles Makliland.

ينطلق ديفيد سنغر من اعتبار أن النظام الدولي هو الذي يشكل مفتاح تفسير ،اذ تحاول الأمم التأثير على سلوكات بعضها البعض.

في حين أعطى مورتن كابلان النظام معنى يتمثل في مجموعة من المتغيرات المترابطة فيما بينها إلى درجة كبيرة و متغايرة في نفس الوقت مع بيئاتها كما أن بينها علاقات داخلية تميزها عن مجموع المتغيرات الخارجية.

أما تشارلز ماكليلاند فقد اعتبر نظرية النظم كوسيلة لتطوير و فهم العلاقات بين الدول القومية . اي مدخلاته و مخرجاته

ويعتبر كابلن ”أن سلوكيات الدول تجاه بعضها البعض تحددها بشكل أساسي طبيعة النظام الدولي القائم وسماته الأساسية ،من عدد الوحدات الرئيسية إلى توزيع القوة بينها. فبنية النظام حسب كابلن تحدد بشكل كبير سلوكية أطرافه.”

ولكن رغم اتفاق معظم أنصار هذا الاتجاه على تأثير بنية النظام الدولي على سلوكيات الدول، أي على العلاقة بين توزيع القوة ووقوع الحروب والصراعات في النظام الدولي، إلا أنهم لم يتفقوا حول بنية النظام الدولي التي تشكل مصدرا للصراع أكثر من غيرها، فظهرت بذلك ثلاثة اتجاهات أساسية تسعى إلى تفسير العلاقة بين النظام الدولي ووقوع الصراعات:

الاتجاه الأول: علاقة نظام تعدد الأقطاب بالصراع

يستند هذا الاتجاه على الفرضية القائلة أن” تواتر Frequency الحروب يخف عندما يتحول النظام من الثنائية القطبية إلى تعدد الأقطاب، أي أن زيادة عدد الأطراف الرئيسية يساهم في استقرار النظام.” ويدعم هذا الاتجاه كل من ديفيد سنغر و كارل دويتش. حيث يعتبر نظام القطبية التعددية أنه ميزة للنظام المستقر الذي هو نظام يركز فيه على الدبلوماسية والوسائل التقليدية للتفاوض، وتكون أهداف الوحدات فيه أهدافا محدودة.

ويرى كلاهما أن التحالفات تقلل من حرية أطرافها في التفاعل مع الدول غير الأعضاء في التحالف، ومع أن التحالف يقلل من حدة ومدى الصراع بين أطرافه، إلا أنه يزيد ذلك مع الدول خارج الحلف.

الاتجاه الثاني: علاقة نظام الثنائية القطبية بالصراع

يرى دعاة هذا الاتجاه أن الثنائية القطبية هي أكثر مدعاة للاستقرار، والأقل من حيث الحروب، ويمثل هذا الاتجاه كينيث والتز، الذي يعتقد أن النسق ثنائي القطبية يسوده الحذر المتبادل بين القطبين، كما أن التقارب في مستويات القوة بين القطبين يحول دون سعي أي منهما في محاولة فرض هيمنته على القطب الآخر.

القطبية الثنائية التعدديةBi.Multipolarityكاتجاه وسط

ويعتبر هذا الاتجاه كمحاولة للجمع بين ايجابيات الاتجاهين السابقين (القطبية الثنائية و التعددية) من جهة و التخلص من نقاط ضعفهما من جهة ثانية. حيث ينتقد روزكرينس R.Rosecrance النموذج الثنائي ويقول” إنه في هذا النظام الذي تكون القوتان العظميان معنيتين تماما بنتائج أية مسألة دولية كبرى يمكن القول أننا أمام صراع صفري Zero Sum games. ويرى أن دوافع التوسع واحتمالات الصراع بين قادة الكتلة أو التحالف هي أكبر في القطبية الثنائية أكثر منها في التعددية.

كما يرى في نظام تعدد الأقطاب أنه بالرغم من أن حدة الصراع قد تكون أقل في هذا النظام إلا أن تكرار حالات الصراع قد تكون أكثر نتيجة الاختلاف الكبير في المصالح، و يضيف” إذا كانت القطبية تحد من آثار ونتائج الصراع، إلا أنها لا تؤثر إلا بنسبة بسيطة على عدد حالات الصراع، وإذا كانت القطبية الثنائية تتضمن صراعا خطيرا بين القطبين فإنها تقتضي أو تخفف الصراعات الأخرى في أي مكان من العالم”

أما النموذج الذي يقترحه روزكرينس- القطبية الثنائية التعددية-”فتعمل فيه الدولتان العظميان-القطبان-كمنظمين ضابطين للصراع في المناطق الخارجة عن حدود كل قطب منهما في حين كان الصراع لا ينتهي في أية حالة من الحالتين إلا أنه لا يمكن ضبطه في هذا النموذج”. وهذا يعني أن الحرب في القطبية الثنائية التعددية أقل احتمالا مما هي في القطبية الثنائية أو التعددية. إذن حسب روزكرينس فإن زيادة القطبية التعددية ستدعم الوفاق بين القوى العظمى و بالتالي زيادة التعاون في حل المشكلات التي تقع في نطاق القطبية التعددية.

الاتجاه الثالث:علاقة نظام القطب الواحد بالصراع

تعرف القطبية الأحادية بأنها بنيان دولي يتميز بوجود قوة أو مجموعة من القوى المؤتلفة سياسيا تمتلك نسبة مؤثرة من الموارد العالمية، تمكنها من فرض إرادتها السياسية على القوى الأخرى، دون تحد رئيسي من تلك القوى.

وفي علاقة شكل هذا النظام بالصراعات الدولية، يعبر عنه مايكل هاس M.Haas الذي يرى أن نظام القطب الواحد أكثر ميلا إلى تحقيق الاستقرار الدولي، فوجود قطب واحد-حسبه-يضمن استقرار النظام بحكم القوة المهيمنة لهذا القطب، وقد وجد Haas في تحليله لواحد وعشرين نظاما دوليا فرعيا بدأ من عام 1649 أن نظام القطبية الواحدة كحالة الإمبراطوريات هو أكثر أشكال الأنظمة الدولية استقرارا.

كما دعا كل من روسو و دونتي من قبل إلى التخلص من الحروب عبر إقامة حكومة دولية فدرالية تكون فوق الجميع وتربط الدول بعضها ببعض كما يرتبط الأفراد في دولة واحدة. وحسب هذا الاتجاه فإن الصراعات والحروب لا تنتهي طالما بقي النظام الدولي قائما على تعدد الدول، والسلام لن يتحقق إلا بإلغاء هذا التعدد واعتناق قومية عالمية جديدة تكون أرقى وأحسن من القوميات الضيقة الراهنة، كما يرى هذا الاتجاه أنه لا يمكن تحقيق المصالح المشروعة لكافة الشعوب إلا في ظل حكومة عالمية.

خلاصة

و الواقع أن أسباب الصراعات الدولية المتعلقة بالنظام الدولي التي اتفق عليها علماء العلاقات الدولية قليلة نسبيا، لأن كثيرا منهم تحول من دراسة أسباب الصراع الدولي على مستوى النظام الدولي إلى دراسته على المستويين الفردي و الوطني، وحتى على مستوى موضوعات الصراع بين الدول، وقد برز هذا التحول بشكل واضح بعد نهاية الحرب الباردة التي أفرزت أنواعا جديدة من الصراعات، أصبح للعامل الثقافي والديني دورا كبيرا في تشكلها، الأمر الذي زاد من صعوبة تبني مستوى تحليلي دون آخر في تفسيرها، وفسح بالتالي المجال لنظريات أخرى تقوم على تفسيرات تأملية تعطي الأهمية للعوامل غير المادية (الهويات والأفكار) في تشكيل السلوكيات النزاعية على اعتبار أنها لا تنبع من الطبيعة الفوضوية للنظام، بقدر ما هي انعكاس للتركيبة الاجتماعية والخطابات والأفكار السائدة في المجتمع.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14402

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *