تاريخ العلاقات الدولية بين الحرب والسلم

من كتاب دراســـــــات فـي الفكر الاستراتيجي والسياسي للكاتب موسى الزعبي

1- قبل ظهور الدول

ƒ لقد عرفت العصور القديمة علاقات دولية

وجد قبل عصرنا طرازان من المجتمعات السياسية بصورة رئيسة: الامبراطوريات القارية التي شملت مناطق واسعة “مصر، الامبراطورية اليزنطية، بلاد ما بين النهرين، ثم أعقبتها الامبراطورية الآشورية، ثم الامبراطورية الفارسية، أخيراً، الامبراطورية الرومانية”. كما شكلت بعض الحواضر، امبراطورية بحرية “صور، ثم قرطاجة، ثم أثينا”.

ترجع الوثائق الرئيسية في العلاقات الدولية إلى تلك الحقبة: فكانت هناك معاهدات واتفاقيات دبلوماسية، وأخذت المجتمعات القديمة تحافظ على علاقات صداقة فيما بينها، وكذلك علاقات تجارية، أو منازعات. وكانت الاتصالات تجري بإرسال مبعوثين خاصين يُمنحون ميزات خاصة: سفراء. وتبرم المعاهدات بين الملوك على أساس من المساواة، وتكون مكتوبة، وتخضع لإجراءات تصديق، على شكل احتفالات رئيسة. وتؤدي المعاهدات خدمة في الإعداد للحرب “خاتمة التحالفات”، أو عند انتهاء مدة “معاهدة السلام”. وتستخدم أيضاً في السلم. كالمعاهدة التجارية التي جرت بين آمينوفيس الرابع
(Amenophis) وملك قبرص آلازيا (Alasia) في القرن الرابع عشر قبل المسيح، وهو اتفاق تجاري لإعفاء المنتجات القبرصية من الضرائب الجمركية، مقابل واردات كمية معينة من النحاس والخشب. كما عُقِدت معاهدة بين رمسيس الثاني، وملك الحثيين عام (1275)ق.م، تنص على أن ملك الحثيين لن يقبل على أرضه لاجئين مصريين، مقابل أن يتكفل الفرعون بالعهد بتسليم المجرمين الحثيين.

وعرفت الصين حرباً مستمرة “بين الممالك المحاربة” بين القرن الخامس والثالث ق.م، والتي كانت منظمة كدول، في الواقع، حديثه، ولقد تمت كتابة فن الحرب في تلك الحقبة من قبل سان تزو (Sun-Tzu). في الوقت نفسه، كان العالم اليوناني متجانساً في ثقافته، ومقسماً سياسياً إلى مدن، وذهب أبعد من ذلك في تنظيم العلاقات الدولية: فاخترع اليونانيون إجراءات التحكيم والحماية الدبلوماسية “شبه منظمات” دولية، مثل “منتدى المدن في اليونان، الذي كان يسمح بإدارة مشتركة دينية مقدسة، وكذلك إنشاء نظام دفاع جماعي بين المدن، مثل جامعة ديلوس (Delos) التي جرى تشكيلها بمبادرة من أثينا في القرن الخامس ق.م.

لقد كان للحضارات “اليونانية والرومانية والصينية” القديمة، جميع المظاهر المجسدة للحضارة والثقافة. أما الأجانب، فقد تمثلوا “بالبربرية”، إذا لم تصبح العلاقات مع اليونان محققة، وساهمت الجيوش الرومانية في توحيد حوض البحر الأبيض المتوسط. وأدى ذلك إلى إقامة عالم أكثر تجانساً، حيث قيس النجاح بإسناد المواطنة الرومانية إلى التابعية للامبراطورية، من القسم الأعظم الأكثر أهمية، فأسندت “للإيطاليين عام 88ق.م” ثم لجميع الأفراد العاملين كأجراء في الامبراطورية من قبل مرسوم أصدره كاراكالا في عام (212)ب.م” وتعهدت روما بعد ذلك بإقامة علاقات مع الخارج، خصوصاً الممالك الشرقية. وأُبرمت معاهدات غير متساوية، مع الشعوب المتحالفة مع روما، التي صانت استقلالها، مقابل مساهمتها بالرجال والمال. كما جرى عقد معاهدات بين المتآلفين من الشعوب البربرية التي أقامت على الحدود من أجل الدفاع عن الامبراطورية مقابل مزايا مالية واقتصادية “التموين بالقمح، السكن لدى أناس خصوصيين”. ويتضمن القانون الروماني نفسه، أبعاداً دولية هامة، مثل قانون الـ(فيتيال) (Fetial)- يُعْهَد بتطبيقه إلى متعلقين بالدين، ممن هم سفراء روما. ويجب عليهم أن يقرروا، فيما إذا كانت الحرب عادلة أم غير عادلة- كذلك، يقررون “حقوق الناس” ويقومون بتسوية العلاقات العادية، بين الرومان وغير الرومان، الذين يسمون (بالمهاجرين)، وتتضح حقوق الناس أيضاً “كقانون قابل للتطبيق في مجال العلاقات بين الكائنات البشرية، بمعزل عن انتمائهم إلى جماعة مجموع الشعب المحدد سياسياً”1.

ƒ يهيمن العامل الديني على العلاقات الدولية، خلال جزء كبير من القرون الوسطى:

نأى العالم الروماني عن الفلسفة العقلانية الرواقية- التي تقول بأن كل شيء في الطبيعة، إنما يقع في العقل الكلي، ويقبل مفاعيل القدر طوعاً- اعتباراً من القرن الثالث ب.م. واستفادت من الأهمية المتزايدة للدين والتصوف من المسيحية التي أصبحت الدين الرسمي للامبراطورية اعتباراً من عام
(380)ب.م، بعد اعتناقها من قبل الامبراطور قسطنطين عام (312)م. واستمرت الكنيسة كمؤسسة وحيدة شاملة في الغرب، عندما رزح العالم الروماني تحت الغزوات البربرية في نهاية القرن الخامس الميلادي، مع أسقف روما على رأسها. ونجحت الامبراطورية البيزنطية في البقاء على الحالة نفسها حتى عام (751)م في إيطاليا، “حتى سقوط رافين “Ravenne”) ودامت الحضارة الرومانية في الشرق حتى عام (1453)م (سقوط القسطنطينية على أيدي العثمانيين). وتبتعد بيزنطة مع ذلك عن روما، على المستوى الديني، “الانشقاق بين الكاثوليك والأرثوذكس في عام (1054)م. ويشرع الإسلام في توسعه في عام (623)م “السنة الهجرية الأولى”، حيث اجتاح الجزء الأعظم من إسبانيا وصقلية. ولم يتوقف إلا في عام (732)م في بواتييه. ووجد الفضاء الأوربي، والبحر الأبيض المتوسط نفسه وقد تفجر أيضاً على المستوى الديني.

وحلت في الغرب الممالك محل المقاطعات الرومانية القديمة، وأعاد شارلمانيه توحيد الامبراطورية الرومانية الغربية للمرة الأولى عام (800)م، لكن مع الاعتراف بعلو شأن البابا. وتقاسم أحفاد شارلمانيه تركته حسب معاهدة فردان عام (843)م التي أدت إلى ولادة ثلاث ممالك: مملكة الفرنج الشرقية، ومملكة الفرنج الغربية، ولوثارنجي، سريعة الزوال، بين المملكتين. وقد أدّى الإعلان عن امراطورية جديدة عام (962) باسم “الامبراطورية الرومانية المقدسة” التي ستتخذ صفة “الجرمانية” عام (1512)/- إلى المجابهة بين الامبراطور مع البابا، والمعبر عنها بحادثة إذلال الامبراطور هنري الرابع تجاه البابا غريغوري السابع في كانوسا (Canossa) عام (1077)م. وأنشأ الكابيسيون (Les Capétiens) من جانبهم في عام (987) مملكة فرنسا، التي تحاول المحافظة على الادعاءات الامبراطورية وكذلك البابوية.

— لم تكن المملكة الكيان الأساس، بل الإقطاعية في هذه الأوربا السائرة نحو التجزئة:

كان الإقطاعي يمنح حمايته إلى تابعيه، الذين بدورهم، أن يقوموا بخدمة الإقطاعي، عن طريق الروابط في الإقطاعية، وتسبب استمرار القوانين البربرية وعاداتهم، إلى جانب القانون الروماني، في إيجاد الهوية الشخصية القانونية، وكون الأفراد يسجلون طبقاً لأصلهم، حسب القانون الروماني، أو حسب العادات الجرمانية. ورسمت هذه التعددية القانونية، الهوية العرقية لبعض السكان، حتى نهاية القرون الوسطى، دون إعاقة في عملية تجميع البربر مع الغالو-رومان.

ويجسد الملك أو الامبراطور في قمة الطبقة، وهما السيدان الإقطاعيان الأولان، نسقاً متمماً في سلسلة نظام الإقطاع، لكن ليس لهما في البداية أكثر من صورة السلطة، وليس السلطة نفسها، وكان الملك يفرض نفسه كمحارب على تابعيه وكقاض إقطاعي، يتعايش زمناً طويلاً مع القانون الإقطاعي. ثم تأكدت السلطة المركزية مع مرور الزمن ومع الحروب الخاصة مع الإقطاعيين الآخرين، وتوطدت بعد ذلك الممالك “فرنسا، انكلترا…” ويثابر القانونيون التابعون لملك فرنسا على إقامة الدليل أن “الملك هو الامبراطور في مملكته”، ويؤكدون أيضاً على سيادته ضد نير البابوية والامبراطورية المقدسة”.

— ثم تنتظم العلاقات الدولية بين الإمارات

لقد شجع الاتحاد الشخصي بين الملوك، على التحالفات “مثال زواج آن دوكييف، بنت الدوق الأكبر لروسيا، مع ملك فرنسا، هنري الأول في عام
(1049)، وكذلك عن طريق القواعد الميراثية، مما يوسع في المناطق. وتتبادل الممالك ومقاطعات الإقطاعيات الأخرى الرسل- لقب يرجع إلى البندقية- اسم “السفراء” وهم محميون طبقاً لوضع خاص. وكانت هناك علاقات بين الشرق والغرب: إذ يتلقى شارلومانيه سفيراً من خليفة المسلمين عام (807)م، ويحاول ملوك فرنسا أخذ العدو من المسلمين من الخلف، وذلك بالتحالف مع المغول، في النصف الثاني من القرن الثالث عشر.

وأبرم الملوك معاهدات فيما بينهم، وأخذوا يسوون خلافاتهم عن طريق التحكيم أكثر فأكثر، من قبل شخص ملوكي ثالث- البابا أو الامبراطور في أغلب الأحيان-. وفسحت الحرب الخاصة بين الإقطاعيين المجال أمام الحروب بين الممالك شيئاً فشيئاً، وتطور قانون الحرب خصوصاً من أجل وضع حد للأعمال العدوانية: “الهدنة، وقف إطلاق النار، معاهدات السلام” ومن أجل تسوياتها “معاملة الأسرى”. وحدث تطور في التجارة في أوقات السلم، مما أدى إلى ظهور القناصل اعتباراً من القرن الثاني عشر “من أجل السماح للتجار المغتربين بتسوية أمورهم الشخصية، مثل الزواج والميراث، طبقاً للقوانين المطبقة لدى دولهم” وظهور قانون البحار.

— وتلعب الكنيسة دوراً جوهرياً خلال حقبة العصور الوسطى بالكامل

لم تكن تعرف المسيحية حدوداً، عندما يتعلق الأمر بالأديرة والجامعات “المُشكَّلة انطلاقاً من الطراز نفسه اعتباراً من نهاية القرن الثاني عشر”، وكذلك في الفن والمعارض التجارية. كانت اللاتينية اللغة المشتركة لرجال الكنيسة والمثقفين، ومن العلمانيين، حتى الشروع في تشكل اللغات الوطنية انطلاقاً من اللغات ذات المصدر اللاتيني، مثل “الإيطالية، الفرنسية، الإسبانية”، ومن اللغات البربرية [الانكليزية، الألمانية، الفلمنكية… الخ].

ولم يكن البابا ملكاً دنيوياً يحكم الدول الحِبْرِيَّة وحسب حول روما منذ القرن السابع، بل هو أيضاً حارس العقيدة الدينية، وبهذا كان يجسد سلطة عالمية، بهذا الاسم. فهو نفسه الذي كان يرسم الأباطرة، حتى عهد شارل مان، وعندما لا يحترم أمير ما قانون الكنيسة، يطبق البابا عليه شكلاً من “العقوبة الدولية”: فيوجه ضربة لمملكته، بأن يوقع عليها حرماناً، بعبارة أخرى يمنع عنها كل خدمة دينية، على أراضي ذلك الإقطاعي “مقترف الذنب” والمحروم من رحمة البابا(2). وكانت المنافسة بين البابا والامبراطور تؤدي بهذا الأخير غالباً إلى الحرمان الكنسي- وهو لا يتردد بالمقابل بأن يختار “معاداة البابا” في عباداته. وهنا يبحث البابا عندئذ عن تحالف خصوم للامبراطور.

وكان البابا ينظم الحروب “العادلة”، ويجرب الحد من استخدام تلك الحروب. وبهذا كان يبحث عما يسمى بـ”سلام الرب” الذي يسمى بـ”الملاذ”، حسب القانون الدولي. وكان البابا يدفع الناس غير المؤمنين إلى اتباع كنيسته والإيمان بها، ويوجه عنف الإقطاعيين إلى هذا الهدف: وكذلك هدي السكان الوثنيين “حسب اعتقاده” في الشرق إلى اتباع كنيسته، حتى لو كانوا مسيحيين من أتباع كنائس أخرى. ومن هنا، زُعِم أن هدف الحروب الصليبية ومذابحها، هي عمليات هَدي، وعمليات إبادة ضد المسلمين. أُعلنت الأولى عام (1095). وسقطت عكا، آخر حصون الصليبية عام (1291). حيث سجل نهاية ذلك الاحتلال الصليبي، باسم المسيحية، للأرض المقدسة فلسطين، وكان البابا يرسل الفرانسيسكانيين والدومانيكيين لمطاردة الهرطقيين “هنا أصل محاكم التفتيش”، المشهورة بمذابحها. أخيراً، وعلاوة على دور البابا في التحكيم في النزاعات بين الأمراء المسيحيين، فإنه كان يمنح المناطق “بدون مالكين” لبعض أتباعه- ذلك القانون الذي اعترض عليه توماس الإيكويني.

2-مجتمع الدول المستقلة:

وتحدث قسمة المجتمع الدولي إلى دول مستقلة منذ نهاية القرون الوسطى: تطابقت نهاية القرون الوسطى مع تحول اقتصادي وسياسي وديني في أوربا، إذ حل اقتصاد السوق محل اقتصاد القوت: حيث أخذت السلع بالانتشار أبعد فأبعد. وبدأت الرأسمالية بالظهور في القرن الخامس عشر.

وفرض الكيان الإقليمي الأكبر نفسه على مستوى التنظيم السياسي: إنها الدولة. إذ توسعت الإقطاعيات التي قامت على الروابط الإقطاعية، إلى أن أصبحت دولاً، حيث جرى امتصاص بعضها وفقدت المدن التي حصلت على الاستقلال في القرن الحادي عشر والثاني عشر، في معظم الحالات، استقلالها، وأخذت كلمة الشعب أو الأمة تشير في البداية إلى مجموعة إنسانية من أصل واحد “ولادياً”: ويتجمع المشاركون في الجامعة وفي الأسواق وفي المجامع الكنسية، في “الأمة” من جديد. ويتطور استخدام الكلمة اعتباراً من القرن الرابع عشر، وشجعت حرب المائة عام (1337-1453) على ظهور الوعي الوطني الكامل في فرنسا وفي انكلترا. ولم تعد كلمة “الأمة” مرجعاً علمياً في النصوص لدى رجال الدين، بل أخذت تتطابق مع إحساس أو عاطفة تعيش شرعياً حيث تشهد عليها نصوص كثيرة.

وتعَلْمَنت الدول [أصبحت غير دينية]، وأخذت شرعية السلطة السياسية تصبغ بالمهابة، وانخفضت قوة الكنيسة، وتراجعت اللغة اللاتينية، وحلت محلها اللغات المحلية، خصوصاً بين النخبة. وتقاسمت البرتغال والكاستي
(Castilles) المناطق في العالم الجديد، مع تفضيل المفاوضات بشأن معاهدة تورديسيلاس (Tordesillas) عام (1494)، على احترام البراءة البابوية للبابا الكسندر التاسع عام (1493)، المفروض أن يوزع تلك المناطق “بدون المالكين”. وتتحالف فرنسا مع القوى البروتستانتية ومع الامبراطورية العثمانية من أجل الصراع ضد هيمنة هابسبورغ الكاثوليكية. ويكتب (بيوسيولكس) Puysieulx وزير خارجية لويس الثالث عشر، عام (1620): “يجب علينا ككاثوليكيين جيدين، أن نميل إلى الجانب الكاثوليكي على الدوام، مع ذلك، إنكم تعلمون ما هي الهيمنة الإسبانية، كما أنها تتطرف من أجل تغطية نواياها الدنيوية، باسم هذا اللقب الديني”3.

ƒ يغير ظهور الدول شروط ممارسة العلاقات الدولية

ففي حين كانت تمارس السلطة الإقطاعية على الأشخاص، كانت الدولة تمارس سلطتها على الأرض، وكان على الملك أن يعرف إلى أي حد تمتد سلطته. ثم كان عليه أن يقيم جبهة “للمحافظة على الحدود” ليحمي نفسه من التهديدات الخارجية. فالأرض المحددة بحدود، هي إذن مشاركة من قبل تابعيه في الدولة، من حيث الجوهر، وتدار الدولة من قبل عائلة أميرية، أسست قوتها على الحرب وعلى وسيلتها: الجيش. وكان الأمراء يلجؤون إلى الضرائب من أجل تمويل الجيش وشيئاً فشيئاً أدى ذلك إلى النقص في الترابط الإقطاعي الذي كان يشير إلى خصوصية العصور الوسطى. وسمحت الحرب بتوسيع أراضي الدولة، وكذلك في فرض ضرائب جديدة على السكان الذين يقطنون فيها، وهذا ما سمح للدولة بالعمل على احترام النظام الداخلي، وكذلك الحق في امتلاك العنف المشروع، وأكدت الدولة على احتكارها للوظائف التي كانت تسمى بـ”الحق الملَكي”، وفي “حق السلطة في تطيبق القانون وفي سك النقود”.

كذلك جرى ترتيب العناصر التي تحدد الدولة حسب القانون الدولي: أرضاً ومكاناً وَطِراز الحكومة “السلالة الحاكمة”. ويصبح مماثلة الدولة مع ملكها الطابع الملكي الأوربي من القرن السادس عشر حتى القرن الثامن عشر. وقام نيكولا مكيافيلي (Nicolas Machiavell) بتحليل الإقطاعيات، ووصف فن الحكم، في كتابه “الأمير” عام (1513). ويؤكد جان بودان (Jean Bodin) في ست كتب عن الجمهورية عام (1576) أن السيادة كونها لا تتجزأ وأبدية، يجب أن ترجع إلى ملك وراثي، منطقياً.

وتصبح المملكة- التعبير المشتق من كلمة الملك- الصفة الجوهرية للدولة بعد ذلك، وتصبح لازمَته المساواة القانونية، أساس المجتمع الدولي.

وتنتظم العلاقات الدولية في أوربا المجزأة إلى دول ملكية متساوية. وتحتل الحروب مكاناً هاماً في حياة الدول. ويصبح القانون الدولي مقسماً بين قانون الحرب وقانون السلم. وتستمر المعاهدة والتحكيم في الاستخدام. وجرى تأسيس الدبلوماسية عن طريق إنشاء وزارات الخارجية والسفارات الدائمة، كذلك عن طريق تنظيم وضع الدبلوماسيين والقناصل. وتتطور العلاقات البحرية، وتتأكد القوة التجارية التي كانت أولاً لـ(جين) (Genes) ثم للبندقية، ثم لاهانس، ثم هولندا، وأخيراً انكلترا، ونتج عن ذلك قانون البحار، الذي بات محدداً أكثر “مبدأ التكافؤ”- الشكل الأول لـ”نص الدولة الأكثر رعاية”- وقد ظهر في المجال التجاري. وتصدر الاستيلاء على الأراضي من قبل الملوك وسط تلك الحقبة من استعمار أمريكا كنظام احتلال حقيقي. وتحددت المبادئ الكبرى في “القانون الدولي” في نهاية القرن الثاني عشر- والقانون الدولي، تعبير اخترع من قبل جيرمي بنتام (Jeremy Bentham)، وتحدد مبادئه تماماً، وجرى تدوينها في النصوص العمومية.

لقد أكد إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عام (1776) على أن للمستعمرات “الحق في أن تصبح دولاً حرة ومستقلة”، وأنها بهذا “تملك السلطة المطلقة في شن الحرب، وفي إبرام السلام، وفي التعاقد من أجل التحالفات، وفي تنظيم التجارة، والقيام بجميع الأعمال الأخرى. والأشياء التي للدول المستقلة الحق، بالقيام بها”، كذلك فهي سيادة الدولة. وفي عام (1793) أخضع القس غريغوار (Gregoire) الاتفاق “الذي لم يصوت عليه” إلى تصريح “يتعلق بحقوق الإنسان”، ويوجز جميع المكتسبات الكبرى للقانون الدولي في تلك الحقبة: السيادة والاستقلال للدول، مبدأ عدم التدخل، التأكيد على أن البحر “شيء مشترك”، منع الحرب الهجومية، ضرورة الحصانة الدبلوماسية، الصفة المميزة للمعاهدات.

ƒ وتحل الأمة اليوم محل الملوك كأساس للسيادة:

لقد حلت شرعية الأمة محل الشرعية الملَكيَّة كحق إلهي، مع إنجاز نظرية الدولة/الأمة، كنتيجة للثورة الفرنسية(4) يكمن مبدأ كل سيادة في الأمة، بصورة رئيسة “الفقرة الثالثة في تصريح إعلان حقوق الإنسان والمواطن”- لكن هذا المبدأ الثوري هو أيضاً مبدأ حافظ، فيما يتعلق بالمحافظة على الدولة كأساس لتنظيم المجتمع الدولي. وإذا كان “مبدأ الجنسية” قد سمح لبعض الأمم، تكوين الدول في القرن التاسع عشر “ألمانيا، إيطاليا، الدول البلقانية”، فإنه لم يمنع اضطهاد الجنسيات الأقلية من قبل الدول الجديدة (البولونيون، التشيكيون، والكروات… الخ).

إنه من الجدير بالملاحظة- أن نشير أن عبارة الأمة قد تغلبت على عبارة الشعب: ففي حين كانت السيادة الوطنية في قلب إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام (1789)، في فرنسا لم تفرض “سيادة الشعب” نفسها إلا في دستور عام (1793) في فرنسا أيضاً. ولم تدخل في التطبيق العملي مطلقاً. ويستدعي المفهوم في الحقيقة، في آن واحد، عضوية “الأمة كهيئة سياسية”، ومنتظمة “كهيئة يجب أن يكون لها رأس حكومة، إما ملكاً، أو نخبة (تمثيل وطني)”، وذلك في منتصف الطريق بين الصفة الدستورية للدولة، والصفة الفوضوية للشعب. هذه هي الحقيقة التاريخية للأمة التي تتفوق على فكرة الشعب، الأقل قابلية للأخذ بها. ويحاول الاتجاه الاشتراكي معارضة الفكرة القومية لكن دون نجاح، وذلك بالتضامن البروليتاري “العمال ليس لهم وطن، ولا يمكن أن نقتطع منهم، ما ليس لديهم […]، ألغوا استغلال أمة من قبل أمة أخرى. وتسقط كذلك العداوة بين الأمم نتيجة صراع الطبقات داخل الأمة “بيان الحزب الشيوعي عام (1848).

— يوجد في الواقع فلسفتان للأمة

ففي بلد مثل فرنسا، فالدولة هي التي اختلقت أمة انطلاقاً من عناصر ثقافية وعرقية غير متجانسة خلال عدة قرون. فالدولة سابقة الوجود عن الأمة، والذاتيات مدعوة لأن تمتزج في هذه البوتقة صيغة ابتدعها (ستانيسلاس دوكليرمون- تونير (Stanislas Declermont-Tonnerre) عام (1791): حيث يقول: “يجب رفض كل شيء لليهود كأمة، ومَنْح كل شيء لليهود كأفراد”). فالأمة محددة ذاتياً: يفترض أنها ناشئة عن مشيئة الأفراد في العيش معاً. وأعطى القس سييس (Sieyes) تحديداً قانونياً محضاً: “هيئة من المشاركين يعيشون في ظل قانون مشترك، وممثلة سلطة تشريعية”. حسبما جاء في كتابه: “ما هي الدولة الثالثة؟ الصادر عام (1789)”. ولاءم أرنست رينان Ernest Renan هذا المأثور من جديد في محاضرة بعنوان : “ما هي الأمة؟ عام 1882” أكد خلالها “أن أمة ما، هي الإرادة، بالعيش المشترك، هي استفتاء عام في كل يوم”، وهنا يكفي حقوق الإنسان ضمان الحرية لكل فرد.

وبالنسبة للعديد من الشعوب الأقل نزوعاً للعالمية المجردة “مثل الانكليز والأمريكيين الشماليين” أو المحرومين من بنية الدولة زمناً طويلاً، “الألمان والإيطاليين”- فالأمة مصممة لجماعة لغوية وثقافية وحتى عرقية”. ونظَّرَ فخته (Fiechte) وهردر (Herder) لألمانيا، فكرة النزعة القومية الرومانسية التي تخاطب العواطف أكثر من مخاطبتها العقل. فالأمة موجودة باستمرار بهويتها وبروحها الجماعية. فكلمة (Volksgeist) تعني “روح الشعب” حرفياً، وفي هذا المفهوم الجماعي فالهوية الجماعية للأقليات معترف بها على نحو أفضل، وتقبل الدول التي تدخل في هذا التصنيف تنظيماً جماعياً للأقليات، بدلاً عن البحث عن المقارنة مع طراز دولة مجردة. ويمكن لهذا الطراز مع ذلك أن يتسبب في إحداث إزعاجات لتلاحم دولة ما “على سبيل المثال، تفجر المجتمع الأمريكي”.

في الواقع، إن المفهومين للأمة ممزوجان، غالباً. وإن حق الجنسية في هذا هومثال جيد، فإذا كان المفهوم الشخصي للأمة يؤدي إلى الاستناد إلى حق الأرض، فإن المفهوم الشخصي متميز بقانون الدم. أما من الناحية العملية، فإن معيار قانون الأرض وكذلك قانون الدم متحدان.

— يبدو أن الفكرة القومية قد دخلت مرحلة الهبوط
بعد الحرب العالمية الثانية:

تضع القوى الجديدة مفاهيم أخرى مقدماً، فقد تكيفت الولايات المتحدة مع طريقة أقل تشدداً في مفهوم الأمة من المفهوم الأوربي، على أثر عملية التحرر من الاستعمار. أما الاتحاد السوفياتي السابق فقد سَحَقَ التطلعات القومية بواسطة الطريق الايديولوجي سواء داخل حدوده، أم في البلدان التي كانت تابعة للكتلة الشرقية من بلدان أوربا الشرقية. أما ميثاق الأمم المتحدة، فلم يتحدث إلا عن “حق الشعوب في أن تتصرف نفسها بنفسها” وكذلك في “السلامة الإقليمية”.

لقد جرى تطبيق مبدأ “حق الشعوب في التصرف نفسها بنفسها” بعد نزع الاستعمار. وهذا في الواقع عوضاً عن مبدأ الدولة- الأمة وفتحت الولايات المتحدة، في الغالب، الطريق بحصولها على الاستقلال عا (1776). وشجعت نزع الاستعمار في بلدان أمريكا اللاتينية في المرحلة الأولى، في القرن التاسع عشر- من ثم في المرحلة الثانية بعد الحرب العالمية الثانية- في بلدان آسيا وأفريقيا. وانتشر الطراز الأوربي في مفهوم الدولة- الأمة في العالم أجمع بعد ذلك، لكن ليس دون صعوبات. حيث حدثت عدة أزمات بسبب عدم تلاؤم الخارطة العرقية مع الحدود التي فرضت من قبل الاستعمار. وأخذت نموذجاً سياسياً غربياً لا يتكيف مع الواقع بالنسبة للبعض من العالم الثالث، بل فرض حدوداً تعسفية تستهدف منع تشكل دول قومية حقيقية، كما جرى في تقسيم الوطن العربي، كما اشتمل حق الشعوب نفسه على غموض في مبدأ القوميات، في القرن الرابع عشر.

3- التوازن عن طريق القوة: النظرية الواقعية في العلاقات الدولية:

ƒ يوضح الواقعيون المجتمع الدولي في حدود علاقات القوة بين الدول.

الواقعيون هم المؤيدون للعقلية في السياسة، ويستوحى تحليلهم من فلسفة مكيافيلي، وخصوصاً من هوبس (Hobbes) في كتابه (Leviathan)- الدولة ذات النظام الدكتاتوري- الصادر بالانكليزية عام (1651)- حيث وصف العالم في الوضع الطبيعي، أنه خلعة للغرائز النرجسية- المغرورة- للإنسان، وهنا، “حيث لا توجد قوة مشتركة، فلا وجود لقانون، وحيث لا وجود لقانون، فليس هنالك من ظلم”. فبالنسبة للواقعيين، فإن المجتمع الدولي مشكل من دول، دون “قوة مشتركة”. فهو فوضوي من الطبيعي. والدولة تتابع مصلحتها الخاصة، من الدفاع عن مصالحها إلى التعدي على أولئك الآخرين، وليس هنالك سوى خطوة لتجعل من الدولة قوة، ولقد وصف توسيديد (Thucidyde)، من قَبْلُ، عملية التطور في العالم اليوناني: تبدأ المدينة بتسليح نفسها من أن أمل أن لا تقع تحت طغيان مدينة أخرى. وما أن تصبح مجهزة بمعدات عسكرية قوية، فإنها تصل إلى الاستدلال بأن الهدف أن تكون محمية أكثر، وما أن تقوم بذلك، حتى تنتقل لوضع الدول المجاورة لها تحت وصايتها، وتصبح بالتالي امبريالية، لأنها لم تبحث إلا عن الدفاع عن مصالحها. وإن الموازنة الوحيدة لوقف هيمنة قوة كبرى تكمن في نتيجة تحالف الآخرين، ومن هنا البحث الدائم عن توازن القوى..

تقود هذه الرؤيا التي تسمح باستخدام القوة في العلاقات الدولية، إلى سياسة مجردة من القيم الأخلاقية، بسهولة، ولقد نظَّر كل من هيجل وهانس مرغانتو في كتابهما “السياسات بين الأمم” الصادر عام (1948) ورايمون آرون “سلام وحرب بين الأمم، الصادر عام (1962)، للواقعية في السياسة الدولية. فبالنسبة لهؤلاء الكتاب، لا يلعب القانون الدولي، سوى دوراً واحداً، رسوبياً. ويعتبر هيجل أن “حق الناس” يمكن أن يؤدي خدمة للمحافظة على ما يمكن أن يكون من حريات الأشخاص الخاصين في حال الأزمات، لكن لا يستطيع إلغاء النزاعات بين الدول، حيث فيها الحرب، هي الحل الطبيعي. ويتجنب رايمون آرون، الحديث عن دور القانون الدولي في العلاقات الدولية.

— لقد سمح الواقعيون بممارسة الحرب في العلاقات بين الدول، ولزمن طويل:

تحافظ الدول على علاقات وصفها رايمون آرون بـ”الدبلوماسية الاستراتيجية”، والدبلوماسي والعسكري، هما الفاعلان في العلاقات الدولية، يأخذان الدور بالتناوب حسبما تكون عليه الدول في حالة حرب أم حالة سلم “أيضاً يجب أن لا تكون الدبلوماسية غائبة مطلقاً تماماً عن الحرب، وبحيث يكون للجيش دور الردع أو التهديد في زمن السلم”.

فالحرب هي إذن “استمرار للدبلوماسية بطرق أخرى” طبقاً للصيغة المشهورة لكلوزفيتس، فما أن تعجز الطرق الدبلوماسية في تحقيق ما تصبو إليه دولة ما، عندئذ يجب أن تسمح الحرب بها.

ولقد فتح القانون الدولي الطريق أمام الحرب، كعلامة لهذا التطور، وعلى نحو متزايد، كما أن وضع الحياد الدائم، مُنظَّم أيضاً “سويسرا عام (1815)، بلجيكا عام (1831). كما أن شروط الحرب البحرية محددة بمعاهدة باريس لعام (1856). وقد توصل المسعى لتأنيس “من الإنسان Humanisation- قانون الحرب إلى العديد من الدلائل بعد حرب الكريمة. أولاً، إجراء التحكيم، ثم الأصول المُثبَّتة باتفاق لاهاي”.

— يفكر الواقعيون في حدود النظام الدولي

النظام هو مجمل عناصر مترابطة. ويمكن أن يكون مستقراً ونشطاً. ويتحرك طبقاً لقوانين محددة، والسلطة المحددة من قبل رايمون آرون، هي: “قدرة وحدة سياسية على فرض إرادتها على وحدات أخرى”، وهي توزع بين الدول تبعاً لعوامل مادية، بصورة رئيسة “مناطق، ثروات، سكان، جيوش”. ولا تعتبر المنظمات الدولية فاعلة حقيقية عن طريق النظام، بل كانعكاس لتقاسم السلطة بين الدول. كما أن الموضوع الأساس للنظام بين الدول، هو معرفة قوانين النظام ومفاتيح استقراره: سواء عن طريق توازن القوى، أم عن طريق هيمنة قوة ما. ويتقارب هؤلاء الواقعيون في بعض الأحيان، بالتمسك بإقامة نماذج من القوانين الدولية(5). وعرَّف ستانلي هوفمان (Stanley Hoffman) (النظام الدبلوماسي الاستراتيجي) الخاص بنهاية الحرب الباردة، بالاستقرار في مستوى متوسط وشامل للنظام “طبقاً للتوازن الاستراتيجي النووي”، وبعدم الاستقرار في المستويات الأدنى “تطور الحروب في المناطق المحيطية(6).

ƒ يبحث النظام عن التوازن بين الدول، منذ تكونه في القرن الرابع عشر.

لقد اخترعت القوى المُهدَّدة فكرة “التوازن”، والذي يطلق عليه اسم (الميزان) في القرن الثامن عشر، وذلك في مواجهة نزعات الهيمنة لدى القوى المسيطرة “لإسبانيا شارل مان، وفرنسا لويس الرابع عشر، ونابليون، وألمانيا غيوم الثاني وهتلر”.

لقد حدد فاتل (Vattel) هذا التوازن كوضع ما من دولة فيه في موقف مهيمن، ولا تستطيع فرض قانونها على الآخرين في الواقع، فالتوازن غير مستقر على الدوام، ويعمل الإغراء من أجل خرقه من قبل القوى لصالحها ويؤدي ذلك إلى نشوب الحروب على الدوام.

ولقد حولت معاهدات ويستفالي (Westphalie) لعام (1648) الامبراطورية الجرمانية إلى موزاييك من الدول المستقلة وذات السيادة: وهذا هو مبدأ لاندهوهيت (Landeshoheit) الذي وضع حداً لسلطة الامبراطور، وجعل من الامبراطورية نوعاً من التنظيم الدولي، أي كونفدرالية، والتي ستبقى حتى حلها من قبل نابليون عام (1806). وضمنت فرنسا المعاهدات للاستفادة منها، بأن قادت سياسة توازن مع ألمانيا، ورتبت حلفاء ضد النمسا، وتصبح بريطانيا العظمى عندئذ، قوة سيِّدَه، وصنْعة التوازن الأوربي، الذي كان مهدداً من قبل لويس الرابع عشر، وعندما عجزت عن تحقيق طموحها بتأمين سياسة هيمنة قارية. ومنعت معاهدات أوترخت عام (1713) وراستارت (Rastart) عام (1714) من وضع فرنسا يدها على إسبانيا، وأقامت “حواجز” من التحصينات على حدودها الشمالية. وحافظت حربان أوربيتان كبيرتان “حرب الميراث النمساوي (1740-1748) وحرب السبع سنوات (1756-1763) على التوازن بين القوى. وفرض فاعلون جدد: روسيا وبروسيا، أنفسهم. وأضحى التوازن مهدداً من جديد من قبل فرنسا الثورية، من ثم من قبل فرنسا الامبريالية، حيث توصل المتحالفون في نهاية عام (1814) عام (1815) إلى نوع من الهدنة.

— يتسبب الانسجام الأوربي في الاستقرار بأوربا

لقد أسس “مجلس إدارة أوربا” المؤلف من خمس قوى “انجلترا، فرنسا، بروسيا، النمسا، روسيا” مؤتمر فيينا، وإعادة تنظيم أوربا، بعد هزيمة نابوليون. وحافظ هذا النظام الأوربي على الشرعية الملكية والتوازن نتيجة معاهدات عام (1815). وقبلت انجلترا بالتوازن، لكن رفضت المبادئ الملكية. ورفضت النمسا وروسيا وبروسيا، من ثم فرنسا، المشاركة في “الحلف المقدس” الذي نُسِّق من قبل مستشار النمسا مترنيخ، ومارست سياسة “عزلة زاهية”. وتسمح دبلوماسية المؤتمر بالتدخلات في الدول التي تخرق مبدأ الشرعية، حتى عام
(1830). وسُمِح لفرنسا التي كانت طرفاً في الحلف المقدس، منذ مؤتمر إكس لاسشبل عام (1818)، سمح لها في مؤتمر فيرون (Verone) عام (1822) بالتدخل في إسبانيا من أجل إقامة سلطة البوربون فيها.

ويتتابع “الانسجام الأوربي” تحت شكل آخر، على الرغم من انهيار الأنظمة الملكية “بثورة عام (1830) في فرنسا، وثورة عام (1848) في النمسا”. وأكدت القوى الكبرى على وجود “حق عام أوربي”. ونظمت مؤتمرات ومحادثات حول المواضيع السياسية الكبيرة: في لندن عام (1831) بشان استقلال بلجيكا، وفي باريس عام (1856) بشأن وضع حد لحرب الكريمة. وتتدخل القوى الأوربية معاً لتحرير كريت من النير العثماني عام (1897) وكذلك التدخل لمعاقبة “القائمين على ثورة الملاكمين” في الصين عام (1900) ومؤتمر الجزيرة في المغرب عام (1906) للتسوية القارية الفرنسية- الألمانية. ومؤتمر لاهاي لتسوية قانون الحرب عام (1899) وعام (1907).

ويبذل بسمارك جهوداً بدوره للمحافظة على توازن القوى، وذلك باختلاقه “أنظمة” مختلفة من التحالفات، جرى فيها توريط النمسا وروسيا وإيطاليا، وذلك بعد الاضطرابات التي أحدثها توحيد إيطاليا عام (1860)، من ثم ألمانيا عام
(1871). وكان المستشار الحديدي يبحث عن المحافظة على الوضع الراهن الذي اعتقد أنه ملائم لألمانيا، وفي عزل فرنسا لمنعها من أجل أن لا تأخذ بثأرها، وذلك بهذه اللعبة البارعة التي يمكن مقارنتها بلعبة البهلوان، وهو يشعوذ مع خمس كرات منها ثلاث في الهواء، ولم يكن للامبراطور غليوم الثاني (1890-1918) الحذر هو نفسه، أن يلقي بألمانيا بـ”سياسة دولية” تؤدي إلى المجابهة مع انجلترا في حين تتحالف فرنسا مع روسيا. وانطلقت بلدان مثلثة الاتفاق “فرنسا وانجلترا وروسيا” والامبراطوريات الوسطى “ألمانيا والنمسا والمجر والامبراطورية العثمانية” لتنفيذ اختراق مسلح في عام (1714) في توازن غير مُسْتَقِرٍّ.

قلبت الحرب العالمية الأولى التوازن الأوربي، وذلك العمل على اختفاء النمسا وبإذلال ألمانيا دون محاولة لنزع وسائل قوتها. ثم بناء نظام أوربي جديد، لكن دون الإسهام بإحداث ضمانات للمحافظة على ذلك النظام. وعقدت معاهدات كانت تحمل فيها نفسها بذور نزاع جديد. ويحاول موسوليني إحياء مجلس الإدارة الأوربي، دون نجاح- وذلك باقتراح “الميثاق الرابع” لعام
(1933) الذي يجعل التعاون مؤسساتياً بين فرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا، لتحقيق السلام. ففي حين اعتمدت فرنسا على شبكة من التحالفات مع البلدان الصغيرة في أوربا الوسطى والبلقان، بحثت ألمانيا وإيطاليا في الواقع، عن إعادة النظر في هذه المعاهدات.

— ويتعدل معنى مفهوم التوازن، أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها.

أخذت القوى المتحالفة “الولايات المتحدة، الاتحاد السوفياتي، المملكة المتحدة من ثم فرنسا” تعد الأوضاع الدولية لما بعد الحرب بعقدها مؤتمرات كبرى “طهران عام (1943)، مالطا وبوتسدام عام (1944). ولقد شغل التوازن المقبل بال تشرشل الذي اقترح على ستالين قسمة البلقان في خريف عام
(1944)، وبدل الجمود في المجابهة شرق- غرب، موضع التوازن، إلى مستوى كوني. ونشأ عن ذلك النظام ثنائي الأقطاب، ثم يصبح هذا العالم متعدد الأقطاب ابتداء من الستينيات (1960). واستخدم كيسنجر، وزير خارجية نيكسون والخبير الكبير في التاريخ الأوربي، التقارب الصيني-الأمريكي، ضد التحالف الهندي-السوفياتي، وفي الوقت الذي يتبدد مخطط فكرة الحرب الباردة، يحافظ قانون القوى على سريان مفعوله. ويستمر مجلس الأمن في منح مكان متميز للخمسة “الكبار”. وحُدِّدت، في أوربا، المعاهدة الخاصة بالقوات التقليدية في أوربا، بقوانين توازن القوى. وبدا أن العلاقات التجارية والمالية الدولية، وقد تحددت بشكل آخر للقوة “بالمنافسات التجارية وبتمييز الدولار”، ولم تعد القوة وحدها كافية من أجل تمييز النظام الدولي الجديد في هذه الأثناء.

4-التحليل الليبرالي للعلاقات الدولية: السلام عن طريق الترابط

ƒ يحُضُّ المثالي لسلام دائم، على القبول بآراء الفلاسفة:

لقد استند هؤلاء على القانون، تنظيم العنف بين الدول، بدرجات مختلفة، كما بين الأفراد، إذ يعتبر كونفوشيوس، الفيلسوف الصيني “من القرن الرابع ق.م” أن النظام الاجتماعي يجب أن يكون متناغماً مع نظام الطبيعة. ويجب أن تطبق هذه القاعدة، ليس فقط على الناس بالنسبة للشعب نفسه، بل أيضاً على الشعوب في العلاقات التي ترعى ذلك. ويدين الفيلسوف الصيني ما أوتسو Mao Tzu بشدة، بعد قرن من ذلك، في قلب حقبة الممالك المحاربة، الطبيعة الإجرامية للحروب.

ويقترح غروتيوس (Grotius) أحد مؤسسي القانون الدولي في أوربا، في القرن السابع عشر، إنشاء جمعية أمم، تسمح بالتحكيم وبالعمل على أن يسود النظام وضمان احترام حقوق الإنسان. ودعا الراهب إمريك كروسيه Emeric Crucé في عام (1623)، المسلمين والأفارقة والهنود إلى اتباع مشروعه الدولاتي الذي يضعه تحت إدارة البابا، وذلك في كتابه “Le Nouveau Cynée” على أن تكون البندقية كعاصمة، وبهذا يكون كنظام دولي للتحكيم الإجباري، وسيكون له كنتيجة طبيعية، القيام بإجراء تدخل جماعي ضد أي ملك يرفض التحكيم، ويعطي كروسيه لهذا المشروع بعداً اقتصادياً، يستند على حرية التجارة والنقد الموحد.

وصاغ العديد من المؤلفين مشاريع “خطط” من أجل جعل السلام محدداً، في عصر النور: فكتب غوتفورد ويلهلم فون ليبنتز- كتابه Consilion Aegyptianorum” عام (1670). وكذلك وليام بن William Penn” في كتابه “محاولة باتجاه السلام الحاضر والمستقبل في أوربا” بعام (1694). ثم القس سان بيير، كتابه بعنوان “مذكرة لجعل السلام دائماً في أوربا عام(1789) ثم جيرمي بنتام (مبدأ القانون الدولي” لعام (1789). وأمانويل كانت “Zum Ewigen Fridie” عام (1795). وهنري سان سيمون: “إعادة تنظيم المجتمع الأوربي، وضرورة وطرق تجميع الشعوب الأوربية في جسم سياسي واحد، بالمحافظة على الاستقلال الوطني لكل شعب عام (1814).

ƒ يستبدل الليبراليون الحرب بالترابط

لقد جرى تفسير التقدم في العلاقات الدولية من قبل المدرسة الليبرالية بمأزق الحرب، في حين فكر الواقعيون “على رأسهم كلوزفيتز” بأن الحرب استمرار طبيعي للسياسة بين الدول، وجعل تحديث التقنيات وتعبئة الجماهير، الحرب، أكثر دموية، وأكثر كلفة، فتسببت الحرب العالمية الأولى
بـ(10) ملايين قتيل. وتسببت الحرب العالمية الثانية بمقتل (50)مليون. وتتحدى الحرب الشاملة، وتعبئة الأمم بالكامل التي تتناقض فيها الإيديولوجيات، كل استخدام عقلي للحرب، وانتهى الأمر بظهور السلاح النووي عام (1945)، حيث جعل الحرب الشاملة غير معقولة.

ويعارض الليبراليون الترابط و”التضامن الدولي”، طبقاً للرؤيا الواقعية للعلاقات الدولية، ويؤكدون: يجب أن تسهم ثلاثة عوامل في التقارب بين الشعوب: الديموقراطية والتجارة وعمليات المجتمعات الدولية المؤسساتية.

فالعالم سوف لن يعرف الحرب، إذا لم يكن مشكلاً إلا من الديموقراطيات في توقع مثالي، يمكن وصفه بـ”الكانتي”، وإذا حافظ الأفراد على علاقات سلمية داخل الدول. ويتساءلون، لماذا تحافظ الدول على علاقات أزماتية في نطاق المجتمع الدولي؟ وجعلت هذه الرؤيا المثالية للأزمات، المصالح بين الدول، سبيلاً للاتفاق من أجل السلام، وفي نهاية المطاف، بأن حدث في التاريخ؛ بأن الديموقراطيات هي التي شنّت الحروب.

— لهذا يبني الليبراليون آمالهم على تنمية التبادلات بصورة رئيسة

إذن يجب أن ينجم التقدم الاقتصادي والتقني والتضامن بين الدول، لقد تم حدس النتيجة المهدئة للتجارة من قبل إمريك كروسيه، ثم جرى التخطيط لها من بعده من قبل العديد من المفكرين، أمثال بوسييه Bossuet وبواسغلبرت Boisguilbert وكوينسناي Quensnay، وقد كتب مونتسكيو Montesquieu: “لم تعد أوربا سوى أمة مشكلة من عديد من الأمم، وفرنسا وانجلترا بحاجة إلى غنى بولونيا وموسكو، وكل مقاطعة من مقاطعاتها بحاجة للأخرى”7.

أما نظرية الرهان- ذات الأهمية الكبرى لدى المحللين الأمريكيين- التي تُعتمد للمساعدة لتحقيق السلام، عن طريق التجارة والازدهار لكن من المعلوم، أن ما يكسبه أحد ما يخسره آخر، وتبرز الحرب من هذا المبدأ، مع أنه قد يكون رهاناً سلبياً في الحياة الإنسانية، ويأمل الرابح أن يعوض خسارته المحتملة الوقوع، بمضرة الآخرين من الخصوم.

وهناك عقائد اقتصادية تنفي فكرة التقدم، وتعتبر المالتوسية أن ندرة المصادر تحدد النمو السكاني، بشكل لا يمكن تجنبه، ولهذا يجب السيطرة على الخصوبة الإنسانية. أما المركنتيلية- أي النظام الاقتصادي الذي نشأ في أوربا أثناء تفسخ الإقطاعية وتعزيز ثروة الدولة، بتنظيم الاقتصاد، واعتبار المعادن الثخينة ثروة الدولة الأساسية- التي تطورت في القرن السابع عشر، واستهدفت التراكم في البلدان ذات الاحتياطات النقدية، وذلك بخفض الواردات، وفي زيادة الصادرات، وفي الخط نفسه، بالاكتفاء الذاتي، ويكون بالبحث عن خفض التبادلات مع الخارج، وبزيادة الإنتاج في الداخل، وهذا يعني إنتاج ما تحتاجه البلاد. وكانت مثل هذه السياسات مطبقة من قبل بلدان كانت تبحث عن خفض الاعتماد تجاه الخارج.

وعلى العكس من نظرية التبادل كدافع في “لعبة المجموع الإيجابي” طبقاً لليبراليين، حيث يربح كل واحد، وتغني التجارة الدولية التي تستند على نظرية الفائدة المقارنة، وعلى تخصص البلدان المصدرة، بحيث يغنى جميع المشاركين فيها. وتنسق الرأسمالية المكاسب الناتجة عن التبادل السلمي، وتسمح بعملية تراكم رأس المال، الشرط الضروري للثورة الصناعية التي بدأت في أوربا في القرن السابع عشر. ويتوضح نجاحها بإنتاج مواد وفيرة، مع ذلك، فالرأسمالية لا تنظر إلا للأرباح. يضاف إلى ذلك، فما من شيء يزيل المنافسة، بل كل شيء في الرأسمالية يغذيها. وهنا لن تكون السلطة السياسية “السلطة المتحكمة” كموضع رهان، بل الطاقة الاقتصادية “رأس المال الذي يميل دائماً لاجتياز الحدود بشكل أكثر”.

— ويطالب الليبراليون بالتعاون الدولي الذي ينجم عنه التقدم في التبادلات والتقنيات. ولقد تأسست المنظمات الدولية الأولى في القرن التاسع عشر من أجل إدارة التعاون الدولي في القطاعات التقنية “الاتصالات البعيدة، البريد… الخ”. والقانون الدولي مدعو لإدارة العلاقات بين المنظمات الدولية. وتتوقف العلاقات الدولية عن كونها المحتكر للدبلوماسيين ورجال السياسة، وتفسح مجالاً متزايداً للخبراء والموظفين وللبيروقراطيات الوطنية.

— على العكس من الواقعيين الذين يتحدثون عن النظام الدولي، يستدل الليبراليون بالتعبير عنه بواسطة المجتمع الدولي: يحلل الليبراليون المجتمع الدولي، كما يحللون المجتمع المدني. فهم يعترفون بخصوصيته، بعبارة أخرى، من واقع أنه مشكل من دول مستقلة. بل أيضاً يفسحون المجال أمام الفاعلين من غير التابعين للدول: المنظمات الدولية، المنظمات غير الحكومية، الشركات متعددة الجنسية، السلطات المحلية والإقليمية. ويبحث المنظرون الليبراليون عن تحديد القواعد التي تؤطر لعبة اللاعبين: المنظمات وسير عملها، و”الأنظمة” “نظام عدم تكاثر الأسلحة النووية، نظام حقوق الإنسان، نظام التجارة الدولية”.. الخ.

ƒ عرفت نظرية التضامن الدولي نجاحات وعكسها:

وصف الراديكالي الفرنسي، ليون بروجوا Leon Bourgeois “التضامن الذي يوحد الأعضاء في مجتمع الأمم المتحضرة”، من أجل تسوية سلمية للأزمات الدولية، عام (1899) في مقدمة لميثاق وضعه بقوله: لم يَكْفِ تطور التجارة الدولية من أجل ضمان السلام، بل على العكس، عرفت أوربا فترات توترات دولية، ترافقت مع مراحل ازدهار اقتصادي (1848-1873-1896-1920) في حين حدث التباطؤ الاقتصادي في السنوات (1873-1896) جنباً إلى جنب مع بعض خفض التوترات الدولية.

وجاءت المرحلة التالية، بعد الحرب العالمية الأولى بإقامة نظام الأمن الجماعي لضمان السلام بطريقة مختلفة عن توازن القوى. ولهذا اعترض وودرو ويلسون رئيس الولايات المتحدة آنذاك، اعترض على الواقعية والمثالية في السياسة الأوربية التقليدية، وذلك بتقديمه النقاط الأربع عشرة في مشروع السلام المقدم عام (1918). ولم يكن الحوار بين الواقعيين والمثاليين واضحاً أيضاً بمقدار ما كان عليه أثناء مؤتمر السلام عام (1919). وصرح كلمنصو Clemenceau لويلسون: “إن تاريخ الولايات هو تاريخ بهي، لكنه قصير، مائة عام، فترة طويلة بالنسبة لكم، أما بالنسبة لنا إنها أمر بسيط. لقد عرفت رجالاً ممن شاهدوا نابليون بأعينهم، لنا مفهومنا للتاريخ، الذي لا يمكن أن يكون كتاريخكم تماماً”. وينتقد رئيس الوزراء الفرنسي المثالية الويلسونية بقسوة.

قررت الدول أن “تضع الحروب في مصاف الخارجة عن القانون” (ميثاق بريان-كيلوغ (Briand-Kellogg) لعام 1928). لكن لم يجر إكمال ذلك النظام الخاص بالأمن الجماعي، بنظام اقتصادي دولي صلب، وأدى الكساد الكبير عام (1929) إلى انكفاء الأمم على أسواقها المحمية، وانهارت التجارة الدولية، وظهرت الخصومات القومية من جديد.

ومن أجل معالجة هذا الفشل الذي حدث، فإن النظام الجديد للأمن الجماعي الذي وضع عام (1945)، يمنع اللجوء للقوة- باستثناء حالة الدفاع المشروع- وعُهد للقوى الممثلة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مهمة المحافظة على الأمن الدولي، وأضيف إلى هذه الأسس المحدَّدة إقامة نظام اقتصادي ليبرالي، انضم إليه جميع الدول الغربية الحليفة للولايات المتحدة. أما الاتحاد السوفياتي، فقد نأى بنفسه، مع ذلك، فقد قبل بتكثيف مبادلاته التجارية خلال مرحلة الانفراج شرق- غرب في السبعينيات (1970). وصمم الأوربيون، من جانبهم، استبدال المجابهة بين القوى بالترابط في اقتصادهم: حيث طُرحَت خطة شومان كحجر أول في البناء الأوربي- من أجل المشاركة في إنتاج الفحم الحجري والصلب- كبداية، بانتظار إقامة “تضامن حقيقي” بين الدول الأوربية.

وبدا أن العَوْلمة المتزايدة في الاقتصاد، أصبحت السياج الوحيد في تحليلات العلاقات الدولية المعاصرة، مع انهيار الكتلة السوفياتية. مع ذلك، لم تختف النزاعات من أجل المصالح، كما تؤكد على ذلك الحروب التجارية، التي تنخرط فيها القوى التجارية الكبرى “الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان، الاتحاد الأوربي” لكن جرى تسييسها على طراز تعاوني، لأن قواعد التجارة الدولية، تخلصت من ليبرالية أكثر حتى الوقت الحاضر.

فإذا كانت الحروب لم تختف في نهاية القرن العشرين “تقدر منظمة الأمم المتحدة أنه قد حدث حوالي مائة نزاع مسلح رئيس منذ عام 1945 حتى نهاية القرن العشرين، نتج عنه حوالي (20) مليون قتيل، فإن الحروب بين القوى العظمى أصبحت ليس فقط مُتجنَّبة، بل أيضاً بعيدة الاحتمال. فهل يجب اعتبار الحوار لهذا السبب، على أنه قد أصبح الميزة لصالح الليبراليين؟ وأصبحت العلاقات الدولية مسيطر عليها بالتوازن شرق- غرب، طيلة فترة الحرب الباردة في عواملها المختلفة “توازن الرعب، توازن القوى العسكرية، المنافسة الاقتصادية، المجابهات في المحيط الخارجي”. واليوم أيضاً، لم تغرس الديموقراطية جذورها في كل مكان، ويجب على المجتمع الدولي الاعتماد على القوة في كل مرة يتعرض السلام الدولي للخطر.

ب-القانون الدولي: بين “أرضية متعفنة”
و”طموح سلمي” بين “النزعة الإنسانية والسيادة”(8):

ليس القانون الدولي سوى “الفاصل بين القوى” طبقاً للصفة الجميلة لبول فاليري Paul Valery9. ولا ينجُ القانون الدولي من المشاكل التقليدية الصعبة التي تنشأ في العلاقات الدولية بين الحق والقوة والعدل. والقانون الدولي معرض لخطر أكثر من أي قانون آخر، من واقع أن القانون الدولي يستند بصورة رئيسة على الدول ذات السيادة. ويعتقد باسكال (Pascal): “لا يمكن القيام بالعدل إلا بالاستناد على العمل القوي، ولا نعمل إلا العمل القوي العادل”. وتكمن كل الصعوبة في مواجهة نظام القانون الدولي، بالاستحالة النظرية، خارج السيادة الدولية، وفي استحالة العملية مع احترام القانون الدولي، دون سلطة حقيقية مع الموافقة على المستوى الدولي. والبعض يستخلص باستحالة انطولوجية في تطبيق القانون الدولي.

1ً-تناقضات القانون الدولي:

تلازم التفكير بالقانون الدولي، مع ظهور الدول المستقلة. وكما فكر أرسطو، فالدولة في اليونان، سياسياً، تجمع، وتجانس ثقافي، ويقابل رجال القانون سيادة الدولة بالقانون في أوربا المقسمة، في العصر الحديث، مع أنها تتقاسم الثقافة نفسها والقيم نفسها والسلوك نفسه، وهذا أيضاً هو واقع العالم العربي.

ƒ القانون الطبيعي: يُعتبر أرسطو أنه الأب لمدرسة القانون الطبيعي. بالنسبة له، الطبيعة اجتماعية، والإنسان كائن اجتماعي بالسليقة- “حيوان سياسي”- يطمح للعيش في مجتمع. ودمج القِس توماس الكويني Thomas D’Aquin “من القرن الثامن” هذا المفهوم في رؤيا مسيحية وأسس عقيدة من العدل الاجتماعي أيضاً. وجرت عَلْمَنة القانون الطبيعي في العصر الحديث “القرن السادس عشر- القرن الثامن عشر. ووجَّه النظام الديني من جديد الاتهام “بواسطة البروتستانتية”، بصورة رئيسة، وبالحجج اللاهوتية التي تفقد تأثيرها في المجال السياسي. إذ تتحقق الطموحات الجديدة من أجل السلام والنظام عبر الدولة، في نطاق القانون الطبيعي، والذي لم يعد يعتمد على الدين بل على العقل، حتى إذا كان بإمكانه أن يكون له وجود في “الدول البروتستانتية، وفي النظام الملكي الفرنسي، وكذلك في فلسفة هوبس “Hobbes”، نتيجة الغموض بين ما هو ديني وروحي.

وطبق الراهب الإسباني ألدو مينكاني، فرنسيسكو دوفيتوريا Francisco De Vitoria (1480-1546) مدرسة القانون الطبيعي “على مجتمعات الدول ذات السيادة”. فالدول ذات السيادة حرة، لكنها بحاجة للعيش في مجتمع، كما هو الحال بالنسبة للأفراد. فمجتمعات الدول ذات السيادة هي ضرورة- تماماً كحق الناس الذين يسوسونها، والذين يشكلون جزءاً متكاملاً من القانون الطبيعي. ويفرض قانون العنف العقيدة المسيحية على الهنود الحمر، لكن يجب أن تكون الكرامة الإنسانية معترفاً بها. وهو بالمقابل يسمح بحق الإسبان بالإقامة في مناطق الهنود الحمر، وكذلك بحق هؤلاء الأخيرين بالمجيء إلى إسبانيا، باسم حرية الانتقال، ويسمح أيضاً بحق البعثات التبشيرية الإسبانية بالوعظ بالعقيدة المسيحية، دون أن تقبل هذه العقيدة بالتبادل باسم حرية التبشير.

ويعتبر الهولندي هوغو دوغروت Hugo De Groot- المسمى غروثيوس Grotius (1583-1645) الأب للقانون الدولي. وأثره الرئيس المعاهدة باسم “الحق في الحرب وفي السلم”، المكتوبة باللاتينية عام (1652)، وترجمت إلى جميع اللغات الأوربية عام (1758)، لكون الدول ذات سيادة، يجب أن تكون هذه السيادة محددة بقوة وحيدة هي القانون، إذا لم توجد منظمات عالمية للدول. لكن، وبخلاف أسلافه، فقد عَلْمَن غروتيوس الحق الطبيعي الذي “يشكل، في بعض مبادئه الرئيسة، القانون العقلي، الذي جعلنا نعترف بأن عملاً ما أخلاقياً هو شريف أو غير شريف، طبقاً لتلاؤمه أو عدم تلاؤمه مع ما له طبيعة معقولة أو اجتماعية بالضرورة”. ويتميز هذا القانون الطبيعي عن القانون الإرادي الذي ينتج عن إرادة الأمم، يتوضح بطريقة الاتفاقيات بين هذه الأمم. وتُحدَّد القواعد العلمية للقانون الإرادي العلاقات الدولية، لكن يجب أن تكون متطابقة مع مبادئ القانون الطبيعي، خصوصاً باحترام الكلمة المعطاة “مبدأ العالم الألماني بوفندورف (Pufendorf) (1632-1674) ويكمل عمل غروتيوس بالاعتماد على القانون الطبيعي، أكثر، مع التقليل من دور الحق الإيجابي.

ويحاول واضعو القانون الطبيعي تحديد حدود سيادة الدول، وذلك بإخضاع هذه الدول إلى القانون الطبيعي، لكن يبقى التحديد ذاتياً، على الرغم من كل شيء في الحقيقة، وتبدو العلاقات الدولية أنها جلبت عنصراً دائماً لهذا البناء النظري، مع ذلك عرف القانون الطبيعي مكسباً مشجعاً، في عالم متضامن أكثر، حيث تختفي ممارسة الحرب بين القوى، كما أن حقوق الإنسان مسجلة في هذا التَّوقَّع نفسه، إذا نحن رأيناها في عالميتها، إذا نظرنا إليها من هذه الزاوية.. ويستمر العديد من علماء القانون في ترجمة القانون الطبيعي، دون تجنب الغموض الموجود بين الأخلاق والقانون على الدوام..

ƒ الوضعية: “الوضعية هي فلسفة أوغوست كونت، التي تقصر عنايتها على الظواهر والوقائع اليقينية، مهملة كل تفكير تجريدي في الأسباب المطلقة. في حين تعتمد كل فلسفة على معرفة الوقائع، وعلى التجربة العملية مثل فلسفة سبنسر وستيوارت ميل ورينان.. الخ”.

القانون الإيجابي في معارضته للقانون الطبيعي هو القانون مهما يكن وليس ذلك الذي يجب أن يكون. إنه قانون كيفي وعارض، دون تفوق، ودون وحدة. وإذا كان كذلك، فهو دون منطق، ويستطيع السفسطائيون والكلبيون، أن يعتبروا المخترعين للقانون الإيجابي: فبالنسبة لهم كل شيء هو شأن من المشاركة أو الاتفاق والدولة هي تشكل مصطنع، وليس طبيعياً. فإذا استفادت سيطرة الدين المسيحي من مدرسة القانون الطبيعي زمناً طويلاً “أكثر انسجاماً مع فكرة التفوق” فقد جعلت الاكتشافات الكبيرة، انطلاقاً من نهاية القرن الخامس عشر، من تجزئة أوربا سياسياً، بأن يتم وعي التنظيم الاجتماعي بصورة نسبية وتشجيع عملية تجديد الأفكار الوضعية. وحصل المفهوم الوضعي على نجاحات وبسرعة كبيرة في القانون الدولي، وعلى نحو أكثر من مدرسة القانون الطبيعي، وإنه يتطابق أكثر من مصالح الملوك المستبدين.

أما بالنسبة للجزويتي الإسباني فرنسيسكو سوواريتز (1548-1617) فإن حق الناس هو تطوري وعارض، ويختلف عما هو للشعوب، حسب مفهوم القانون الطبيعي. فهو إذن قانون إيجابي. لكن يعترف سوواريتز، مع ذلك، أنه يجب أن يكون تابعاً للقانون الطبيعي على الدوام: من ثم، استرجع العديد من القانونيين هذه النظرية لكن تحرروا من تفوق القانون الطبيعي. إذ يعتقد الانجليزي سلدن Selden (1548-1654) أن قانون الناس، هو نتيجة وحيدة للمعاهدات والعادة. وهناك انجليزي آخر يدعى زوش Zouch (1590-
1660)، الذي لم يعترف إلا بالأعمال التي يعترف بها بصورة مشروعة. أما الهولندي بنكر شوك Bynker Shook (1673-1743) فقد اقتصر على القانون الطبيعي الناتج عن العادة.

ووسع السويسري أمريش دوفاتل Emmerich De Vattel
(1714-1786)، وكان دبلوماسياً في خدمة ملك الساكس، وسع هذه المفاهيم، فأقام الوضعية على الإرادية- وهذه الأخيرة مذهب يجعل الإدارة تتدخل في كل حكم، وتستطيع أن تعلق هذا الحكم- في كتابه: حق الناس، أو مبادئ الحق الطبيعي المطلق في سلوك وشؤون الأمم والملوك (1758). ويسمح بوجود حق طبيعي، لكن مع فارق دقيق “هام” حيث أن الدول هي ذات سيادة في تفسير هذا الحق، والمجتمع الدولي مختلف بالطبيعة إذن عن المجتمع المدني: على عكس الأفراد، فالدول ليست بحاجة للتخلي عن السيادة من أجل الدخول في المجتمع، فلا يوجد عقد اجتماعي في المجتمع الدولي. وبما أن الدول معرضة لخطر الدخول في نزاع إذا لم يتم الاتفاق على تفسير الحق الطبيعي، فهذا هو بالضبط الحق الإرادي الذي يجب أن يعدل من الحق الطبيعي من أجل تسهيل القبول المشترك، حسب الحالة الراهنة. وما من أحد يتبع قانون الحرب، أي الحرب العادلة بالضبط، والتي تتطابق مع القانون، لكن، لما كان مفهوم العدل نفسه، ليس واحداً لدى جميع الدول، فالحرب هي إذن عادلة مهما تكن مبرراتها، ويجب فقط أن تخضع لبعض الأشكال “سواءً أكانت حرباً مفتوحة أم (خفية)، على سبيل المثال.

وهناك كاتبان آخران يُنَهّجان القانون الدولي الإيجابي في عصر النور وهما موزير (Mozer)، في كتابه “مبدأ حق الناس الحالي” (1750-1752)، وجورج فريدريك دومارتن Georges Frederic de Martens “ملخص حقوق الناس الحديث في أوربا القائم على المعاهدات والاستخدام” عام (1788). ويعتبران، مثلهم مثل فاتل، أن المجتمع الدولي مجتمع مشكل من دول ذات سيادة ومتساوية، والقانون الدولي لا يهتم بالأفراد، وهو نتيجة إرادة وموافقة الدول ذات السيادة “الموضحة بالمعاهدات ضمناً بالعادة، وتقدر الدول التزاماتها في العلاقات الدولية فقط، وتستطيع استخدام الحرب من أجل تسوية خلافاتها.

ووصل الوضعيون الإراديون إلى قمتهم في القرن التاسع عشر، وتخلصوا من ورقة التوت التي كانت المرجع للقانون الطبيعي. ولم يعد باعتبارهم سوى الحق الإيجابي، والدولة مصدر القانون، والقانون يصدر إذن عن إرادة الدولة، بالنسبة للمدرسة الإيجابية الألمانية وعلى رأسها (جيلنك تريبيل)
(Jellinek Triepel)، ويعمق تريبيل تحليل القانون الدولي الإيجابي في المنطق الإرادي لفاتل. وينظم الإيطالي أنزيلوتي (Anzilotti)10- الذي سيصبح قاضياً في محكمة العدل الدولية الدائمة- بشكل جيد، القانون الإيجابي الذي يجب أن يكون، حسب رأيه، الموضوع الوحيد في دراسة القانون الدولي.

وانتهت العقيدة الوضعية، إلى القانون الدولي، المسمى بـ(الكلاسيكي): وهو ذلك النظام، الذي يشكل حجر الزاوية في مبدأ سيادة الدولة بين الدول. وقدرت محكمة العدل الدولية العليا، بأن القانون الدولي، يؤدي خدمة لـ”تسوية التعايش” بين الدول، “بهدف متابعة الأهداف المشتركة” و”تربط التسويات في مجال القانون، الدول، وهي الصادرة عن إرادة هذه الدول”. كما يجب أن لا يؤدي هذا العرض الخاص بالتبرير عن الدول، للفوضى”. وتوجه المحكمة اهتماماً من أجل توضيح أن “الحدود الأساسية التي تفرض القانون الدولي على الدولة، تلك التي تستعيد كل ممارسة لقوتها على دولة أخرى”، وتتوقف حرية دولة ما إذن عند بدء حرية دولة أخرى، وإن التأكيد على هذا المبدأ، هو إذن، أقل ما نستطيع انتظاره من القانون الدولي.

-ويحاول رجال القانون تجاوز هذه التناقضات في الحقبة المعاصرة:

يتساءلون عن العظمة بأنها الرغبة الوحيدة للدول، وأقل من تساؤلهم عن القانون، وعن أساسه الايديولوجي، وأقل من وظيفته: ويوجد القانون الدولي خدمة لتأطير عمل الدول والفاعلين الآخرين في العلاقات الدولية، وتحليلاتهم تميل نحو الذرائعية لإثبات بسيط للوقائع: فالدول هي ذات سيادة، ومع ذلك فإنها تخضع للقانون الدولي. ويتعلق معظم القانونيين المعاصرين إذن بوصف القانون كما هو.

يرفض هانس كلسون ومدرسته “المعيارية- Normativiste” المؤسسة في فيينا، اعتبار أي شيء آخر غير القانون. “إنها النظرية الخاصة بالقانون” ولا تتميز الدولة عن القانون، هي إذن القانون: “هي الآمر بالدفع القانوني”، والقانون الدولي مندمج فيه. وانتهت سيادة الدولة عن طريق الذوبان في المعايير التي ساهمت الدول في إقامتها. ويصبح القانون الدولي تتويجاً لنظام القانون الوطني، في حدوده القصوى.

وتتقارب عقيدة “الموضوعية- الاجتماعية” الممثلة بجورج سيل Georges Scelle، مع مدرسة القانون الطبيعي، مع ذلك: “إذ ينتج المجتمع الدولي، ليس عن التعايش، ومن تجمع الدول، بل على العكس، من تداخل الشعوب بالتجارة الدولية “بالمعنى الواسع”. وسيكون عجباً، بالتأكيد، أن تتوقف الظاهرة الاجتماعية في الدولة، في حدود الدولة”. لأن القاعدة القانونية، هي “آمر اجتماعي يترجم ضرورة تولدت عن التضامن الوطني، فلماذا لا تؤدي خدمة لأمور القوانين الدولية التي تطبق على المجتمعات الدولية؟ طبقاً لرأي المؤلف نفسه. وسوف لن يكون “حق الناس” قانونياً بين الدول- كما كان على الدوام- بل أصبح قانوناً بين الأفراد مطبق في نطاق دولي، وسيحل محل المجتمع الدولي”، التجميع الدولي: ويتحول الرابط الاجتماعي بين الأفراد إلى شعور حقيقي بالانتماء المجتمعي. وأعاد جورج سيل الربط إذن بالتحليل الليبرالي بين المجتمع الدولي، وعقيدة القانون الطبيعي، ويبقى جزء كبير من القانونيين مع ذلك، مترددين في قبول مفهوم “المجتمع الدولي” ويبدون شكوكاً أكثر.

ولوحظ أيضاً، خلال العديد من السنين، في فترة المنافسة شرق- غرب، الاجتياح الايديولوجي للقانون الدولي. ووجه آخرون النقد إلى القانون الدولي، سواء لإفراطه في الاستخفاف بدول العالم الثالث، أم لأنه يؤدي خدمة لهيمنة دول الغرب. واعترض رجال القانون الماركسيون جميعهم، على القانون الدولي، مع تكهنهم بـ”سقم الدولة” عندما أرادوا تحديد “قانون التعايش السلمي” من أجل مصارعة الحرية الليبرالية. كما اعترض قانونيو العالم الثالث من جانبهم على القانون الدولي، محددين بصورة رئيسة عن طريق البلدان النامية، وبحثوا عن نزع الاستعمار عن طريق القانون المشروع “حق الشعوب في تنمية نفسها بنفسها” وأشادوا نظاماً اقتصادياً دولياً جديداً، وأصبح لهذه النظريات ميل لكي تزال اليوم، أمام هيمنة القيم التي يطلق عليها اسم الليبرالية.

2-احترام القانون الدولي

ƒ تفوق القانون الدولي على القانون الوطني ضرورة نظرية

تعتمد طبيعة القانون الدولي، على العلاقة بين القانون الدولي والقوانين الداخلية للدول.

ويشكل القانون الدولي والقانون الداخلي، خطاباً قانونياً واحداً، حسب عقيدة الواحديين (Monistes): بعبارة أخرى، لا يطبق القانون الدولي إلا إذا اندمج بالنظام القانوني الداخلي للدولة، والتقارب الثنائي، ليس مفاجئاً فقط، بل هو شكل عام محفوظ من قبل الوضعيات.

نظرياً، فلا يمكن أن يكون له صفة القانون الدولي، دون أولوية على القانون الداخلي. ولأن الدولة ذات سيادة، يجب أن يكون لديها قانون ولأنها تلتزم بالقانون الدولي، يجب أن تحترم التزاماتها، إذن فإنه منطقي بأن تتكيف مع حقها الخاص بالالتزامات التي اتخذتها حيال الدول الأخرى. ولا تستطيع دولة ما الادعاء بعدم كفاية تشريعاتها الداخلية من أجل إعفائها من مسؤولياتها الدولية. واعترفت محكمة العدل الدولية بالقانون الداخلي كـ”مبدأ معترف به بشكل عام”. وأعادت محكمة العدل الدولية عام (1945) التأكيد على هذا المبدأ، كـ”مبدأ أساس ـ”مبدأ أساس في القانون الدولي”، بصورة منتظمة. بالمقابل لا يطبق القانون الدولي على الأشخاص، كما اعترفت بذلك محكمة العدل الدولية الدائمة في مسودة محاكمات دانزيغ عام (1928). واعترفت أن الدولة تقوم كوريثة بين القانون الدولي وتابعيها.

تعترف معظم الدول بتفوق القانون الدولي، وهذا حسب التوازن الأنجلو-ساكسون بأن “القانون الدولي جزء من قانون الأرض” طبقاً للعقيدة المقترحة من قبل بلاكستون Blackstone (1765). وهذه قاعدة معترف بها في البلاد التي فيها دستور مكتوب: وهنالك صعوبة بإنكار القانون الدولي العام، “خصوصاً القانون غير المكتوب” مع ذلك، ويمكن أن يتردد ذلك بالالتزام على الأرض التي لا تعترف به، ويجب عليها أن تخضع للتفسير الإداري.

فالمعاهدة إذن ليست مقبولة شرعاً إلا إذا طبقت بطريقة متبادلة، وليس تقدير شرط التبادل من شأن القاضي الذي يمكنه أن يرد الموضوع إلى مستوى وزارة الخارجية. ولقد أكد المجلس الدستوري، بأن ليس هنالك من شرط من أجل مطابقة القوانين مع الدستور. وهنا، على السلطة التنفيذية أن تستخلص النتائج من غياب التبادل “على سبيل المثال، بإلغاء المعاهدة”.

بالمقابل، فعلى القاضي أن يبطل المادة المخالفة للمعاهدة، فالقانون الدولي يجب أن يطبق على الأفراد عند غياب قابلية التطبيق المباشرة، وعلى القاضي الداخلي أن يضمن هذا التطبيق. فالقاضي القضائي، يقبل تفسير اتفاق ما عندما يكون خالياً من الغموض11؛ أو عندما تكون بعض المصالح الخاصة موضع رهان، ويطلب القاضي الإداري من جانبه تدخل وزارة الخارجية أحياناً، لكن بعد أن يعتبر هذا التفسير كـ”عمل حكومي” غير قابل لأن يعترف به من قبل قسم قضايا الدولة.

الطبيعة الإجبارية للقانون الدولي، تفترض مشكلة التصديق: نادراً ما تقبل الدول تحديد سيادتها في النقطة التي يمكن أن يصبح خرق القياس مقراً من قبل المجموعة الدولية. والإقرار ضد الدولة التي تعتدي على السلم الدولي، خاضع لمزلاج مزدوج، تستطيع القوى وحدها رفعه إما سياسياً بالتصويت في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وإما عسكرياً ومالياً بوضعه موضع التنفيذ- هذا ما حدث في كوريا عام (1950) والعراق عام (1990)، وسمح بشن مثل تلك الميكانيكيات في شروط مطابق لميثاق الأمم المتحدة، لحد ما “من الفصل الثامن.

يضاف إلى ذلك، تكون الإجراءات التقليدية، نتيجة الاتهام عن مسؤولية الدولة، وآليات التصديق، متوقعة في المنظمات الدولية، في بعض الأحيان: حوارات متناقضة، نشر التقارير، آليات قانونية، إمكانية الطرد من معظم المنظمات الدولية، تعليق حق التصويت “خصوصاً في حالة عدم رفع المساهمة المالية”، وهذا من الأمور النادرة لتكون فعالة. لهذا، تفضل الدول استخدام الدبلوماسية واتخاذ إجراءات معاكسة، يراد بها الإقرار.

ج-تحليل المجتمع الدولي: بين النظام والقوة

يقسم المؤرخ جان بابتيست دو روزيل Jean Baptiste du Roselle العلاقات الدولية إلى بابين: السياسة الدولية التي هي حصة الدول “حرباً أم سلماً”، والحياة الدولية التي هي من فعل الفاعلين الخاصين “سياحة، رياضة، تجارة دولية” يبدو أن هذا التمييز يخفي ما يفعل القانون الدولي العام “أو بين الدول” عن القانون الدولي، الخاص “حيث تتواجه الأنظمة القانونية الداخلية، دون تدخل الدول”.

والحالة هذه، فإنه في تناقض من حيث الملاءمة بين معارضة العلاقات الدولية العامة والخاصة. وتؤدي العولمة إلى تعزيز التعاون الدولي في جميع المجالات، في حين تنظم الدول الحياة الدولية، ويجب على مفهوم (القوة) معاد التقييم أن يؤخذ بالاعتبار على ضوء هذا التطور.

1- هل نهاية التاريخ هي نهاية التقدم

لقد أدت نهاية الحرب الباردة، كما في جميع الانقلابات التاريخية، إلى فقدان المعالم، وفتحت حقبة شكوكية، ويبدو أن رجال السياسة، وكذلك المثقفون، حائرون في مواجهة “العولمة” التي تغير العالم دون أن يتغيروا. ربما هذه الاستفهامات الحياتية الخاصة بحياة الإنسان ليست سوى العودة الأزلية للتفكير حول صيرورة الإنسانية ومصير الإنسان.

ƒ والتنبؤ “بنهاية التاريخ” ليس جديداً، كما يعتقد، طبقاً للضجة التي أثيرت حول فرضية فرانسيس فوكوياما: بعد سقوط جدار برلين بوقت قصير، هذا الأستاذ الأمريكي، هو الذي أطلق أن القيم الليبرالية “الديموقراطية، السوق، حقوق الإنسان” هي من الأمور التي لا غنى عنها، ويجب أن تحكم العالم بعد الآن. بالنتيجة، إن التاريخ قد ينتهي12. إذا أعطيت هذه الفرضية سبباً لليبراليين الذين يتوقعون السلام السرمدي عن طريق التضامن الدولي والأمن الجماعي. ومن قَبْل، في القرن التاسع عشر، رأى الفيلسوف الألماني، هيغل، في التاريخ العام تقدماً في وعي الحرية. ويجب أن تكون عبارته عن الدولة الحديثة، هي التي سينمي فيها الإنسان وعيه كمواطن حر ومناسب. وإذا كان مفهوم الدولة لدى هيغل قريب من نماذج عصره “امبراطورية نابوليون، بروسيا”، فإنه من الواضح، أنه سوف لن تحدث “نهاية التاريخ” فجأة، إلا عندما تصبح الدولة نموذجاً.

وتنبأ الأب تلهارد دو شاردان Teilhard de Chardin، الفيلسوف والعالم الفرنسي، تنبأ عام (1955)، بنهاية دينية وجماعية للتاريخ، فقد خرج الجنس البشري من الكائنات الحية “منطقة الحياة غير المُعْقلنة” من أجل الدخول في النوسفير (Noosphere) أي “منطقة الحياة المعقلنة”، وهنا ستبلغ مرحلة الإنسانية المتفوقة. بعبارة أخرى، سيطرة وتطور الكائنات الحية، ستصل بجميع الأرواح والكون في المسيح.

يجب أن تكون هيمنة القيم نسبويَّة مع ذلك: لقد خلق القرن العشرون نوعاً مختلفاً من الايديولوجيات العالمية الثلاث الكبيرة، الموروثة عن القرن التاسع عشر: التحررية والقومية والاشتراكية. والتحررية هي الرابح الأكبر على الساحتين في السياسة مع دَمَقْرطة أكبر اتساعاً، وأكثر على الساحة الكونية، وفي الاقتصاد. منذ زوال الفرضيات الكنيسة (Keynesienne) والمتعلقة بمذهب كَينِس الاقتصادي القائل بالتدخل الرسمي لإنماء الإنتاج والوظائف- وتعرضت الاشتراكية للإخفاق كتنظيم سياسي، مع أنها استرجعت جزئياً من قبل الديموقراطيات الليبرالية، حتى ابتعدت عن الكينسية، وهي تحافظ على بعد اجتماعي غاب عن البلدان الرأسمالية الليبرالية من القرن التاسع عشر.

ƒ توجيه الاتهام للتقدم ليس جديداً أيضاً: لقد قدر بول فاليري Paul Valery القول: “نحن، الحضارات، إننا نعلم أننا ميتون، من بعد” وذلك غداة الحرب العالمية الأولى.

ووصف زكي العائدي، العالم بأنه “محروم من الإحساس” بعد الآن في حين دوَّن كل واحد من المتخاصمين في الحرب الباردة- الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي- عملهما مع توقع غائي- حسب النظرية القائلة بأن كل شيء في الطبيعة، موجه لغاية معينة- وأدى انتصار ديموقراطية السوق، إلى اختفاء كل توقع لـ”أفق للتوقع”13. وأصبحت فكرة التقدم التي أدخلت بواسطة القديس أوغسطين، في القرن الرابع من عصرنا، التي تجسد فيها “الدولة الأرضية، دولة الرب”، أصبحت موضع شك، وحلت العولمة محل النظام بين الدول (Interétatique) الكلاسيكي بواسطة “نظام اجتماعي عالمي”، نزعت فيه الدولة عنها حيازة سلطتها، ومن أجل أن تحافظ الدولة على شرعيتها، وجب عليها التقشف.

ƒ جرى الإعلان عن انحطاط الغرب منذ مطلع القرن العشرين:

نشر الفيلسوف الألماني أوزوالد سبينغلر Oswald Spengler في عام
(1918) كتاباً بعنوان: “انحطاط الغرب”، يعلن فيه، أن أوربا قد اجتازت مرحلة “الثقافة” المتميزة بالنشاط العفوي للروح، خصوصاً في “الفن” إلى مرحلة “الحضارة” المسيطر عليها بالثقافة العقلية والمَكْننة.

وعدلت نهاية الحرب الباردة من العلاقة بين الغرب والعالم. ولاحظ كلود ليفي- ستراوس Claude Levi-Straus، في كتابه “النسب والتاريخ” الصادر عام (1968) أن الماركسية والتحررية، طريقتين لفرض الفكر الغربي على العالم14. ويؤكد جان كريستوف روفان Jean Christophe Rufin، أن المنافسة شرق- غرب، قد نظّمت الحرب، التي ستحددها وعينت لها الأسس15 في كتابه “الامبراطورية والبربريات الجديدة” الصادر عام (1991)، حيث انطوى (الجنوب) على نفسه، واسترجع أحياناً بعض نشاطه- لكن على شكل نزاعات داخلية.

ويطرح البروفيسور صامويل هانتنغتون Samuel Huntington في مقالة داوية، نشرت في مجلة شؤون خارجية Forein Affairs ، طرازاً جديداً من النزاعات. فبعد الحرب بين الإمارات، من ثم بين الدول/الأمم، ثم بين الايديولوجيات “الفاشية، الشيوعية، الرأسمالية”، جاء دور “صدام الحضارات”.

والحضارة هي كيان أو جوهر ثقافي، يتميز بالتاريخ وباللغة والتقاليد، وخصوصاً الدين ويُعْتبر صِدام الحضارات، كنتاج لتقسيم الحضارات، وسيحدث بين الدول الممثلة للحضارات المختلفة. ويُعدّد صامويل هانتنغتون، سبع حضارات أو ثمانية: الغربية، الكونفوشيوسية، اليابانية، الإسلامية، الهندية، السلافية-الأرثوذكسية، الأمريكية-اللاتينية، أخيراً، الأفريقية. ويعتبر الأزمة البوسنية، بأنها تعارض أو تصادم، بين المسلمين “مدعومين من قبل البلدان الإسلامية” على سبيل المثال، مع الأرثوذوكسية “مدعومين من الصرب وروسيا”. ويعتبر الأزمة في القوقاز، على أنها صراع بين المسلمين والمسيحيين، وسيقود الصعود القوي للكونفوشيوسية إلى صراع يؤدي إلى تصادم حضارتين: الحضارة الهندية “البوذية” واليابانية الشنتوويك Shintoique. ويذهب هانتنغتون بعيداً بالتذكير بالتلاحم “الإسلامي”- “الكونفوشيوسي” ضد الغرب، الذي يتوضح في مجال الأسلحة، خصوصاً: ستصبح سياسة عدم تكاثر الأسلحة ذات الدمار الشامل، المصممة من قبل الغرب، مُعارضة من قبل الصين وستتصدى لها ببيع الأسلحة للبلدان الإسلامية دون تحفظ.

2-وينتظم العالم في أربعة أبعاد:

أصبح تعبير “النظام الدولي الجديد” موضع احتقار، بسبب خيبات الأمل التي أعقبت نهاية الحرب الباردة. وبهذا يجب إعادة التفكير بالعلاقات الدولية” ولقد أحدث تحطم الكتلة الاشتراكية، كأن عاصفة كانسة أتت على كل إبراز للعالم بواسطة طيف الأزمة شرق- غرب. وأصبح الترابط في الأبعاد الدولية والإقليمية، وحتى في مجال الهوية، يخضع لنظام معقد، لم يتحدد بعد حسبما تصوره أمثال هانتنغتون.

ƒ وقادت العولمة إلى إقامة حيز كوني تجاري:

تميل العلاقات الاقتصادية تلقائياً للتحرر من الإرغامات الخاصة بالدول وبالحدود، وقد شكلت لاهانس (la Hanse) “شبكة” من المدن التجارية بين القرن الثاني عشر، والسابع عشر، ويرجع ظهور الظروف الأوربية، في توحيد الأسعار، إلى تاريخ القرن الخامس عشر، وظهرت أسواق المواد الأولية الكبيرة الدولية والمنتجات الزراعية، في القرن التاسع عشر. إذن، ليست ظاهرة “العولمة” الاقتصادية جديدة كما يبدو.

ويبدو أن الفضاء أو المجال الكوني للتجارة، المميز بقوانين السوق، مدعو الآن ليتوحد، إذ توصلت المشروعات إلى استراتيجية “إجمالية” بعبارة أخرى، إلى سياسة تجارية ومالية على نطاق السوق الدولي. ولم يعد تنظيم الاقتصاد الدولي ينحصر اليوم في تحريره من الضرائب الجمركية، بل بالتناغم مع شروط التنافس في مجالات “النقد، والتشريع الخاص بالاستثمار، وبالشروط الاجتماعية، وبالملكية الثقافية… الخ” والسرعة هي الدينامية المشاركة في جوهر العولمة. فقد شجع تطور النقل، على انطلاقة التبادل في البضائع، وفي رؤوس الأموال، والأفراد، منذ عدة قرون. وعرفت الثمانينات (1980) ثورة في الزمن الحقيقي، المتميز بالتحام المعلوماتية مع الاتصالات. وتلاقت النظريات الليبرالية في المطابقة مع تسارع في المكننة المنتظمة للأسواق “المالية، أسعار البضائع… الخ”. فالحَيِّز قد نقص، والزمن قد انضغط، ويصبح رد الفعل الرهان الأساسي في المنافسة الاقتصادية الدولية وبسرعة.

وينتظم الحَيِّز المُعَوْلم على شكل شبكة. وتصبح التبادلات الاقتصادية الدولية، على نطاق الكرة الأرضية، مِثْلَل جريان الدم في جسم الإنسان. وأصبحت المدينة، المكان للاستقرار، ومكان للتبادلات، في آن واحد، منذ ثورة العصر الحجري المصقول، كما أصبحت المدينة الملاذ، وعقدة الاتصالات، والشبكات العالمية، التي أقامت علاقات هي هذا العقد للاقتصاد العالمي، وهي الموانئ والمطارات ومحطات القطارات، وأمكنة الإنتاج، ومناطق الاستهلاك الحضرية. ولم يعد المعيار المحدد، من أجل مكان معطى، يرجع إلى بلد غني أو بلد فقير، بل كونه مرتبط بالشبكة الاقتصادية الدولية أم لا. وللبلدان الغنية مناطقها المحددة في ثروتها، كما للبلدان الفقيرة أمكنتها المتطورة “الموانئ لتصدير المواد الأولية، المناطق الحرة” ولم تعد شبكات المواصلات محاور نقل فقط، بل يمكن أن تصبح “طرق سريعة للمعلومات”، أو تجمعات اجتماعية مثل “الدياسبورا الصينية”.

ولا تزال المؤسسات الدولية، متخلفة التجهيز من أجل تأطير الحيز الكوني الواسع للسوق، وإذا توطدت المنظمة الدولية للعمل، منذ إنشائها عام (1919) لأصبح هدف تحسين شروط العمال، جعل شروط العمل متساوية، لتجنب الاعوجاجات في المنافسة الناشئة عن التفاوت في الأجور. ولم تنجح المنظمات الدولية المختلفة في فرض ضوابط مشتركة، أو في جعلها محل احترام. وشكل تحول الغات (Gatt) (الوكالة العامة للتعرفة والتجارة) إلى منظمة دولية للتجارة (OMC) التي أسندت إليها عملية تأطير العلاقات التجارية الدولية مشكلة بذلك خطوة هامة نحو تحديد إطار تنظيمي دولي، لا يزال فيه العديد من الثغرات.

ƒ يبقى البعد في العلاقات الدولية بين الدول أساسياً:

تبقى الدولة من الأمور التي يتعذر أن يحل محلها أحد ما، كما تظهر ذلك المقارنة بين مكانة المناصب الوطنية العامة والمناصب العامة الدولية. ويتم الإحساس بضرورة الدولة في ثلاثة مستويات: تقوم الدول وحدها في وضع الأسس الخاصة بأطر العولمة، قبل كل شيء، مع الأخذ بالاعتبار الفوائد الجماعية في “مجال البيئة”، على سبيل المثال، وكذلك، القيام بالفصل عند نشوب الأزمات التجارية “على سبيل المثال بين المشروعات الأمريكية وتلك الأوربية أو اليابانية”. ويبقى كل قانون دولي، جوهر العلاقات بين الدول، ثم تجسد الدولة، توطيد المكانة الإقليمية الخاصة بها، فالحدود تزال لكنها لا تختفي. وتبقى اليد العاملة، الباعث الأقل في عوامل الإنتاج في الاقتصاد العالمي. ويبقى السكان متعلقون بالعيش في أماكن عيشهم، ويدفعون الضرائب لسلطاتهم العامة، ويريدون أن يكونوا محميين ضد المشاكل المختلفة “الإجرام، المخدرات، البطالة”… الخ. ويرغبون بتحقيق أمنهم في نطاق إقليمي، ويتركز ذلك على الدولة عفوياً. وتصبح حتى المشروعات الدولية متأثرة بالروح القومية للمجمتع الأم وبحكامه.

ويحافظ المنطق الإقليمي على ملاءمته في المجال الدفاعي، حيث أصبح إنتاج الأسلحة دولياً أكثر فأكثر، كما أضحى الأمن جماعياً أكثر فأكثر، وذلك في المناطق التي يتوجب استدلال المسؤولين عن الدفاع عنها.

أخيراً، فالدولة/الأمة، هي الكيان السياسي الوحيد الذي يمكن أن يزدهر فيه الحوار العام والديموقراطية، حيث يتضاعف التلاحم الاجتماعي مع التلاحم الوطني، مما يسمح بإحساس جماعي “المصير المشترك”.

فالإحساس الوطني هو طبيعي لدى جميع الشعوب، وفي جميع البلدان، وما من شعب يمكن أن يمثل كياناً مستقلاً إذا لم تُشكَّل أمة مستقلة.

ƒ بعد الهوية الذاتية، ثابتة هامة للنظام الاجتماعي والسياسي الدولي:

فإذا كانت الدولة تبقى من الأمور التي لا غنى عنها، فإنها لم تضعف عن طريق العولمة. والحالة هذه فإنها “عولمة الذاتيات” التي تنسجم مع ضعف سلطة الدولة، ويشجع ذلك على ظهور الحركات الذاتية التي كانت مقهورة، أو تعمل بالخفاء، حتى ذلك الوقت، كل ذلك يجري كما لو أن العولمة قد أدت إلى ارتخاء في التلاحم الاجتماعي، ومؤدية إلى العودة إلى زيادة في طلب الذاتية Identitaire.

وينشأ التحول نحو الحرب من قلب هذا التطور. إذ أصبح من الصعب التفكير بالحرب بين القوى العظمى اليوم، سواء أكان التفسير الذي يعطى، أكان هو الردع، أم التعقيد في المعدات العسكرية، أو الديموقراطية، والحالة هذه تبقى الحرب في قلب هوية الدولة؛ فالحرب هي كَدالَّةٍ على الحق الأسمى للدولة، وكوسيلة لزيادة قوة الدولة.

وتعتمد ظاهرة الهوية على القبلية والعرق والذاتية الثقافية، وإنها حاضرة في المناطق المنزوعة الاستعمار بصورة سيئة في العالم الثالث، حيث لا تتطابق الحدود بين الشعوب مع الحدود العرقية. وفي البلدان الشرقية لم تطفئ الاشتراكية، النزعات القومية، وحتى في البلدان الغربية، أجج ضعف الدولة المركزية، أجج الذاتية وجعلها أكثر صلابة مما يعتقد: “الإيكوس، كيبك، الفلمنك، والوالون في بلجيكا… الخ”.

وتميل دينامية الهوية بالاعتماد على العولمة الاقتصادية إلى التجزئة في الدولة، ويمكن أن يفسر ذلك من واقع أن تبقى الدولة الحامية ضد النتائج السلبية للعولمة.

ƒ تتأكد العملية الإقليمية Regionalisation بالغموض

يستطيع العديد من المديات الإقليمية أن يصبح متميزاً: إذ يؤكد الإقليم بصعوبة على وجوده، بين النظام الاجتماعي الدولي، ومستوى الدول، بالإجمال في أوربا وأمريكا وآسيا والعالم العربي-الإسلامي، وأفريقيا السوداء.

فالأقاليم، هي أجزاء من العولمة الاقتصادية، بالدرجة الأولى وإنه من المنطق تماماً، أن تكبر التبادلات مع الجوار بسهولة أكثر من التبادلات البعيدة- على الرغم من الانخفاض المستمر في تكاليف النقل، ويمكن أن تشاد العمليات الإقليمية بالاستناد إلى الهوية الثقافية كونها أقوى من الروابط الاقتصادية أحياناً، كما في حالة العالم العربي الإسلامي.

هذا، وتبقى العملية السياسية الإقليمية أقل ثباتاً، على الرغم من وجود منظمات إقليمية دولية في كل مكان تقريباً في الوطن العربي، كالجامعة العربية، وفي أفريقيا منظمة الوحدة الأفريقية… وفي أمريكا وفي آسيا… الخ. لكن ليست هذه المنظمات سوى شكل معد للتعاون بين الدول في أغلب الأحيان، وبالنسبة لعدد كبير منها ليست سوى قشور فارغة، والجماعة الأوربية وحدها، هي التي حددت مشروعاً حقيقياً سياسياً، ينزع إلى تخطي الحدود القومية.

3-يجري تبني القانون حسب تطور المجتمع الدولي:

ƒ ويغطي القانون الدولي جميع المجالات في العلاقات الدولية بعد الآن:

يقسم القانون الدولي، تقليداً، إلى قانون السلم، وقانون الحرب. ويلاحظ أن الثاني قد هبط من حيث الأهمية عن الثاني “الذي دُشَّن تحت اسم قانون الأزمات المسلحة” من جديد، وتترجم الكثرة من المعاهدات، بالنسبة للأول، حاجات المجتمع الدولي ليعيش في استقرار قانوني، وفي التأطير عن طريق ضوابط ترابطها المتزايد. ولقد سجل القرار النهائي لمؤتمر فيينا عام (1815) ترتيبات وضع الدبلوماسيين، وكذلك الوضع القانوني لبعض الأنهار، وما يتعلق بإلغاء العبودية، وأدت القوانين الدولية التقليدية المدونة، خصوصاً القانون الدبلوماسي والقنصلي اتفاق عام (1961) وعام (1963)، وقانون المعاهدات (اتفاق عام 1967)، وحماية حقوق الإنسان، أدت جميعها إلى ظهور القانون النوعي.

ƒ القانون الدولي لا يتَدوَّل: لقد حطمت المنظمات الدولية مَحْظور المجتمع الدولي، المشكل حصراً من الدول، ووجب أن تكون النتيجة النهائية للعملية، التحول التدريجي للمجتمع الدولي، حيث نعيش لإتمامها، والمشكل من كيانات مترابطة ومتضامنة. ويرسم تطور المفاهيم الخاصة بـ”الميراث المشترك للإنسان” توقع نظام دولي عام، ينعش مجرى النزعة الطبيعية.

ƒ يميل القانون الدولي للتأقلم:

تشهد مضاعفات المنظمات الإقليمية، وتطور القانون الدولي والضعف الإقليمي للحماية القضائية لحقوق الإنسان، على أقلمة القانون الدولي. ويعزز هذا الميل، ويسبب المنافسة، في آن واحد- التأكيد على القانون الدولي على النطاق الكوني، وسيكون خطراً تماماً أن يستخلص من ذلك حجة لإثبات نظرية صدام الحضارات.

ƒ بمقدار ما يكون القانون الدولي أداة اليوم فهو رهان بين أيدي الدول:

تبقى سيادة الدول المحرك الحقيقي، وليست المنظمات الدولية المزودة من قبل الدول بالاستقلال الذاتي النسبي، ذات سيادة حقيقية. ولقد وضح غوي دو لا شاريير (Guy de la Charriere) أن للدول “سياسة خارجية قانونية”، بعبارة أخرى، سياسة تجاه القانون الذي ليس محدداً بالضرورة بالقانون، بعبارة أخرى، سياسة لتجعل القانون أداة لتأمين مصالحها. حسبما جاء في كتابه “السياسة الخارجية القانونية” الصادر عام (1983).

4ً-القوة وحدودها:

ƒ تبقى القوة الحافز الأساسي في العلاقات الدولية، على الرغم من العولمة، وضعف الدول، وفتح الحدود: يتكرس مبدأ المساواة السامية بين الدول، قانونياً، كمبدأ مؤسس للقانون الدولي، مع أنه يتناقض مع الحقيقة الدولية. فالدول غير متساوية في عدد السكان، وفي المساحة، وفي المصادر الطبيعية، لكن عدم المساواة الأشد بروزاً في عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية.

كل شيء يحدث كما لو كنا نعيش في عالم من ثلاث مراحل: في المرحلة الأولى، توجد مجموعة الأمم التي لها المساواة السامية بين الدول، من حيث المبدأ، من أجل التعبير عن المنظمات الدولية، لنظام الأمم المتحدة. ويراد بالجمعية العامة للأمم المتحدة- التمويه بأنها تمثل “الديموقراطية بين الأمم”، لكن العديد من النصوص الادعائية التي يتم تبنيها كل عام، هي دون القدرة على تطبيق ما يجب من قانون على القوة الاقتصادية والسياسية.

المستوى الثاني محفوظ فقط لمجموعة صغيرة من الدول، في الواقع البلدان الرأسمالية الصناعية ذات المستوى العالي؛ ولهذه البلدان مؤتمراتها المحافظ عليها، مثل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE)، ونادي باريس، ونادي لندن.. الخ. وهي تنظم في المجال الاقتصادي في عدة تنظيمات مثل “الاتحاد الأوربي، ومؤتمر التعاون الاقتصادي لدول آسيا، المحيط الهادي
(APEC)… الخ. وهي تسيطر على المنظمات الدولية الشاملة عبر تنظيماتها الرئيسة، وفي المنظمات الأكثر أهمية. وتتطلب أن يكون التمثيل متوازناً بين البلدان، “صندوق النقد الدولي، البنك الدولي” وينزع هذا النادي الصغير، المشكل من عدة بلدان، من البلدان الرأسمالية الغربية في غالبيتها: “أوربا الغربية، أمريكا الشمالية، اليابان” إلى التوسع نحو الكتلة الشرقية السابقة، ونحو بعض البلدان (البارزة) “المكسيك، الأرجنتين، كوريا الجنوبية، تايوان…الخ”. وفي نطاق هذه المجموعة نفسها، لبعض البلدان فيها ذاتها، امتياز أكبر، ولها وحدها الإمكانية للانتقال إلى المستوى الثالث في النظام الدولي. وتقسم هذه المرحلة إلى شقين، الشق السياسي، لا يحتفظ به إلا للفئة المخصصة للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن حصراً فقط؛ خمس دول تملك مفاتيح هذه الفئة. والذين هم- عن طريق الصدفة الغريبة- المالكون للأسلحة النووية رسمياً وعلناً. والشق الثاني، هو شق اقتصادي، وهو مجموعة الـ(7) المشكلة من سبعة بلدان الأغنى في الكرة الأرضية والتي تميل لأن تصبح “مجلس إدارة للعالم”، وتفرض وجهات نظرها على شؤون اقتصادية متعددة، بل أيضاً سياسية.

وهناك نوع خاص، يجب أن يكون محتفظاً به من الطبيعي للأقوى من بين الدول على الكرة الأرضية، كونه قوة اقتصادية، وأيضاً سياسية، وعسكرية في آن واحد. وللولايات المتحدة، بالتأكيد، الوسائل لفرض إرادتها على العالم، منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. مع ذلك تمتلك قدرات ونفوذاً لا يجاريها فيها أحد. ويعطيها دورها الأساسي في الأمن الأوربي، وفي الشرق الأوسط، وفي آسيا، لحماية مصالحها، أيضاً مسرحاً سياسياً في المنافسة الاقتصادية الدولية.

ويقدم القلق والهم المستمرين لدى الدول الصغيرة، من أجل حماية نفسها من هيمنة الكبار، استدلالاً بأن ظاهرة القوة المهيمنة لم تختف. إذ يسكن في ثلثي الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة أقل من عشرة ملايين مواطن في كل واحدة منها. وهذه الدول الصغيرة، تتعلق بدبلوماسية متعددة الجوانب، لحد أقصى، التي سمحت لها بالوجود، وفي توضيح أفكارها، وفي مقاومة ظاهرة “التبعية” للقوى العظمى، وجدت بعض الدول الصغيرة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، الطريقة للتأكيد على وجودها نظرياً على الأقل، وتعتبر أنه يمكن للمنظمة أن تضمن سير عمل أكثر مساواةً، وأكثر عدلاً في المجتمع الدولي.

ƒ تبدلت عوامل القوة في الحقبة الراهنة: قوة الدولة محددة بطاقاتها على التأثير على العلاقات الدولية، وفي قوة تأثيرها على الحياة الداخلية. وهذا يعني، قبل كل شيء، بأن تجد أمة ما المصادر التي تسمح لها بالظهور على المسرح الدولي. فالقوة مفهوم نسبي، يشتق إذن من مقارنة جملة عوامل داخلية من القوة، ويمكن محاولة تحليل نوعي لعوامل متعددة دون الادعاء بتسوية معادلة للقوة.

— يبدو أن الأرض فقدت مدلولها كعامل قوة:

قديماً، وجدت الدولة الأساس لسيادتها في الأرض، فكانت الأرض مصدراً للثروة: الزراعة، ثم الصناعة “في المراكز الحضرية، ثم الثروات الطبيعية”. ولم تكن الأرض مكاناً دارت عليه الحروب ومن هنا “الأهمية الاستراتيجية”، بل كانت رهاناً لازماً. أما اليوم، فلم يعد مجدياً لبلد ما أن يمتلك مساحة واسعة مزود بإنتاج زراعي ومواد أولية في عالم مفتوح ومتغير أكثر فأكثر. فلم يتمكن الاتحاد السوفياتي السابق من تجنب انهياره الاقتصادي، على الرغم من اتساعه الهائل السابق، في حين وطدت كل من ألمانيا واليابان اقتصاديات قوية على أراضٍ ضيقة بعد الحرب العالمية الثانية. كما لم تعد المنافذ على البحر تشكل عاملاً حاسماً، فأصبحت الموانئ مشروعات عالمية غاطسة في عالم شديد التنافس، مثلها مثل الشركات البحرية الكبرى.

فهل أصبح الاقتصاد العالمي، لا وطن له (Aterritoriale)، ليس فقط في الحالة التي بقي على أساس اقتصاد مجسد فيها. إذ تكشف المعامل واليد العاملة والنقل، الضغط الطبيعي. مع ذلك، تبقى إحدى الرهانات الكبرى للعولمة، المحافظة على المنافسة على المناطق، وستبقى المناطق الغنية والواسعة أوراقاً رابحة دوماً. ويتحدث فرانسوا جوايو (Fransois Joyaux) عن الصين كـ”قوة إقليمية لها قابلية القوة”.

— باختصار، فالأرض ليست متغيراً، بل ثابتاً في معادلة القوة، فبدون الأرض، لا شيء، لكن لا تضمن الأرض الواسعة القوة له، بالنسبة لبلد ما.

إن الجغرافيا السياسية كما يشير اسمها، هي تنمية الوسط الجغرافي الذي تسجل فيه السياسة الدولية. وقد عرفت الجيوسياسة، ساعة انتصارها، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ويعتبر الألماني فريدريك راتزل Friedrich Ratzel عالم الجيوسياسة الكبير، وكذلك الألماني كارل هوشوفر karl Haushofer أن الدول كمنظمات أو هيئات جغرافية، حيث الحدود مدعوة لأن تتغير، ويجردانها من مفهوم “المجال الحيوي”. ويعتبرها ليبنسروم Lebnsraum على أنها ضرورة من أجل بقاء الأمة؛ ومن أجل أمنها، في آن واحد. فالجغرافيا السياسية هي “ضمير الدولة الجغرافي” بالنسبة لهؤلاء. ويعرض البريطاني هالفورد ماكندر Halford Mackinder عام (1919) أن الجيوسياسية، هي التَّمَفْصُل بين الأرض المركزية “قلب الأرض” “Heart Land” والجزيرة العالمية (World Island). ومن يسيطر على الجزيرة العالمية أوراسيا “أوربا وآسيا”، يمكنه أن يتسبب في فشل القوىا لبحرية “الولايات المتحدة، المملكة المتحدة”. ويطري هوشوفر، الذي يتقاسم هذا التحليل، موضوع إعادة بناء أوراسيا، بواسطة تحالف ألماني- الاتحاد السوفياتي- اليابان، من أجل إفشال سياسة الأنا كوندا Anaconda- أفعى ضخمة من فصيلة البُوا- أي القوى البحرية التي تخنق ضحاياها.

لقد جرى توجيه الاتهام للجغرافيا السياسية على أنها هي التي أوحت للنازية سياستها الخارجية منذ زمن بعيد، مع ذلك، تجد اليوم بعض التشجيع ثانية، وهناك لا زالت بعض المفاهيم، كالمعارضة بين القوى القارية والقوى البحرية، تحتفظ بملاءمتها، ومطبقة في العلاقات الدولية المعاصرة. مثال ذلك، المعارضة بين الصين واليابان، وكتب كتاب آخرون، مثل ميشيل فوشيه Michel Foucher وإيف لاكوست Yves Lacoste، أعمالاً عديدة حول الجغرافيا السياسية. ودرس جويّو الجيوسياسية للشرق الأقصى ببراعة.

ƒ تنتج الثروة الاقتصادية من الديموغرافيا بواسطة مستوى التنمية، وهي من الطبيعي العامل الحاسم للقوة: إن قياس الثروة الاقتصادية صعب للغاية: يمكن حسابها بالناتج الداخلي الخام. وهذا ما يميز القوى الاقتصادية “المُعَوْلمة” بقوة. وأدخل صندوق النقد الدولي دليلاً أو مرشداً آخر، عام (1993)، سماه (الناتج الداخلي الخام) (PiB) المتكافئ مع القوة الشرائية التي تأخذ بالحساب الظواهر الأكثر قابلية للقياس “مثل الاستهلاك الذاتي، مقارناً بمستوى الأسعار بالنقد”.

إن التنمية الصناعية والتكنولوجية، هي عامل نسبي للقوة، لأنها تقاس بالتقدم الذي حققه بلد ما على بلد آخر، والحالة هذه، فمن الصعب جداً، المحافظة على التقدم التكنولوجي. وتلعب نتيجة اللحاق لبلد ما ببلد آخر لصالح البلدان المتنافسة: فكانت الولايات المتحدة في موقع ملائم لدرجة قصوى عام
(1945)، ثم أصبحت مُجابَهة بمشاكل المنافسة منذ مطلع الستينيات (1960).

ويؤثر تشكل الثروة، على القدرة في الوقت نفسه وتترجم القوة الاقتصادية لبلد ما في أغلب الأحيان، بالقدرة المالية. فقد استفادت الولايات المتحدة زمناً طويلاً وتستمر للآن من دور الدولار كعملة مرجع، وأصبح اليابان، الدائن الأول عالمياً ويملك سيطرة نسبية على تطور نقده، وربما ستربح أوربا غداً إذا توصلت إلى تحقيق الوحدة النقدية.

ƒ تؤثر الديموغرافيا في البلدان المتطورة أكثر مما تؤثر في البلدان الفقيرة:

لا تزال الصين والهند بلداناً نامية، وتتأثر بالتأكيد من خلال سكانها، لكن لا تشكل الجموع القوة بعد الآن. بل إن تضافر رقم السكان ومستوى التطور هما المعتبران. فقد استطاع كل من الاتحاد السوفياتي السابق، والولايات المتحدة أن يتساويا من حيث عدد السكان، لكن اليوم، ففي حين لا تمثل روسيا سوى عدد من السكان انخفض إلى (150) مليون مواطن، أصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الأولى على الكرة الأرضية، فهي البلد المصنع الأكثر، والأكثر سكاناً حوالي (270) مليون.

ويجب أن يكون الرقم المجرد للسكان متناسباً مع النسبة المائوية للعاطلين عن العمل، الذين يشكلون أرقاماً لا يستفاد منها، بل عبئاً على الاقتصاد الوطني، كذلك هي حال النشاط الديموغرافي. وتعرف معظم البلدان الصناعية، خصوصاً اليابان وألمانيا، نقصاً في عدد الولادات حالياً، مقترناً بإطالة مدة العمر. وقد نمَّى العجز في عدد الأطفال حصة البالغين في سني العمل وفي نسبة الأشخاص المسنين، ويمكن أن تقود الشيخوخة الديموغرافية إلى ضعف اقتصادي، وذلك نتيجة الأعباء المتزايدة، لإعاشة المتقاعدين.

ƒ تعتمد القوة العسكرية على القوة الاقتصادية لكن يمكن أن تصبح عاملاً ذاتياً للقوة مستقلاً على المدى القصير: يجب توفر الزمن لتحقيق القدرة الاقتصادية وتحويلها إلى قوة عسكرية في الواقع، وتُفسّر نجاحات ألمانيا واليابان في الفترة (1939-1942) بسبب البطء في حشد خصومهما لمصادرهم المتفوقة جداً. ثم رجح التفاوت في القوى الاقتصادية ضمن مدى قصير، عندما بدأ الحلفاء في إنتاج دبابات أكثر بأربع مرات، وكذلك الأمر في الطائرات، مما كان ينتجه أعداؤهم، بعد عام (1942)، عندها لعبت النتيجة دورها تقريباً.

وإذا كان التوازن في الترسانات النووية قد فقد مدلوله منذ نهاية الحرب الباردة، تهيمن الولايات المتحدة اليوم في مجال الأسلحة التقليدية، فليس هنالك من بلد يعادل قدرتها على الانتشار خارج حدوده، وهذا يعطي الولايات المتحدة قدرة على التدخل خارج حدودها، في الشؤون الدولية، كما يعطيها قدرة على التدخل في شؤون البلدان الأخرى، ويكشف ذلك، أن لا تعتبر هذه القوة مكتسبة بصورة نهائية، فإن تجمع الوسائل الأوربية، وصعود الاقتصاد الصيني السريع وبقوة، وكذلك في بعض بلدان آسيا، سيضاعف من سباق التسلح من جديد، ويمكن أن يتسبب ذلك الأمر تهديداً للرجحان المطلق الذي تستفيد منه واشنطن اليوم، في هذا المجال.

ƒ القاعدة السياسية والاجتماعية في بلد ما، هامة في الوقت نفسه

يمكن لبلد ما موجه بنوع من الحزم، ومستقر سياسياً واجتماعياً، أن يفرض نفسه على المسرح الدولي، بسهولة أكبر.

وتلعب العلاقة بين الرأي العام والحكومة دوراً لا يمكن إنكاره في مجال الأفكار عن السياسة الخارجية. وتتخذ بعض القرارات بسبب أثرها المسبق الحاسم على الرأي العام الداخلي. في الوقت نفسه يمكن أن يصبح الرأي العام عائقاً أمام سياسة حكومته.

ƒ أخيراً تحدد العوامل التاريخية والثقافية استخدام القوة أيضاً لكل من فرنسا والمملكة المتحدة، سياسة خارجية ذات نزعة دولية، عن طريق روابطهما التي نسجاها خلال الحقبة الاستعمارية مع عديد من البلدان. فتستخدم فرنسا اللغة الفرنسية كأداة سياسية، وتلتزم كل من ألمانيا واليابان، على العكس من سلوك الدولتين السابقتين، بسبب آثار الماضي، وتلتزم (بالتصرف كقوى مدنية)، ويبدو أن تعدد الجوانب في سلوكها، هو السبيل المضمون الأكثر من العودة لسياسة القوة.

ƒ تُمارَس القوة في نطاق متعدد الجوانب اليوم: ترجع تعددية الجوانب، في العلاقات الدولية، إلى مؤتمر فيينا، “ولادة حكم المديرين في أوربا”، وإلى أول منظمة دولية “الاتحادات الإدارية، من ثم عصبة الأمم، فالأمم المتحدة”. ثم جعلت الولايات المتحدة من تعددية الجوانب محوراً لسياستها الخارجية، بعد عام (1945). ويتعلق الأمر بفَدْرَلة “من الفدرالية” حلفاء واشنطن حول قيم وقواعد مشتركة. إذ تتجنب القوة الأمريكية الفائقة- في بعض الحالات- السبيل الفظ، لكن “ليس دائماً” من أجل الهيمنة، وتحقيق مصالحها، وتفضل بعض الطرق الأكثر براعة لتحقيق هيمنتها. فعلى سبيل المثال، فرضت الولايات المتحدة نفسها في أمريكا الوسطى وفي الحرب الكورية وفي فيتنام التي تحولت إلى عار وهزيمة منكرة لحقت بواشنطن. ثم استفادت من فرصة تفردها كقوة أعظم وحيدة لتشن حرباً مدمرة على العراق، واستقرت بقوات كبيرة وفاعلة في منطقة الخليج العربي، وتعطيها هذه الأدوار هيمنة على حلفائها أحياناً، تفرض عليهم ما تريد، خاصة تؤمن لها منظمة حلف شمال الأطلسي تواجداً قانونياً مستمراً في أوربا16، كما تستخدم الولايات المتحدة شبكة التنظيمات الدولية، مثل “صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة الدولية (OMC) وحلف شمالي الأطلسي، ومنظمة معاهدة جنوب- شرقي آسيا (OTASE)… الخ، ومجلس الأمن” لتحقيق مطامعها. وسوف تزداد مقاومة هيمنة الولايات المتحدة مع الزمن، إذ أخذت بوادر ظهور عالم متعدد الأقطاب لتحل محل الهيمنة المفردة للولايات المتحدة.

ويجب أن يصبح النظام الدولي، نظاماً نتيجة لثمرة تعاون بين الدول، بعد اليوم، لا هيمنة بعض منها على البعض الآخر. ويجب أن تأخذ المنظمات الدولية دورها وكذلك القوى الإقليمية، وتمارس نفوذاً حقيقياً” وهكذا يجب أن تتضاعف العمليات المؤسساتية في العلاقات الدولية من أجل التعايش السلمي بين الدول17، وليس فقط طبقاً لمصالحها الأنانية.

إذ يفرض التاريخ والنظرية، دواماً وتطوراً في العلاقات الدولية، لا عملية جعل القانون الدولي أداة مرتبطة بمفهوم قديم جداً عن الدبلوماسية.

ويشهد التقدم الاقتصادي والتكنولوجي والعولمة والتحول الجذري في شروط اللجوء للقوة في العلاقات الدولية تشهد على التطور المستمر في المجتمع الدولي، ويجب أن يأخذ كل تحليل للعلاقات الدولية هذين المظهرين بالحساب ومحاولة التوفيق بينهما.

¡ الهوامش:

1-J.Combacus- S. sur, Droit International Public, Montchrestien, 1995.

2- Par Exemple au Début du XIIIe Siecle, Lorsque le Roi de France Philippe Auguste Repudie sa Femme Isambour.

3- Cité par Victor L. Tapié, la Guerre de Trente ans, Stedes 1989.

4-“Le Principe de Toute Souverainete Reside Essentiellement dan la Nation (Article 3 de la Declaration de Droits de l’Homme et de Citoyen.

5- Morton Kaplan, System and Process in International Politics, 1957.

6- In M. Grawitz et Jern Leca, Traité de Science Politique, puf, 1985.

7- Reflexion sur la Monarchie Universelle en Europe.

8- Ces Expressions sont Respectivement Employées par Vattel, F. Attar et M. Chemillier- Gendreau.

9- Regards sur le monde Actuel (1931).

10- Le Fonctionnement de la Cour Permanente de Justice Internationale, de la cour Internale de Justice Et des Tribunaux Arbitraux.

11- La cour de Cassation est L’instance Supreme de L’ordre Juridictionnel Judiciaire, Comme le Conseil d’Etat est l’Instance Supreme de l’Ordre Juridictionnel Administratif.

12- Francis Fukuyama a developpé sa these dan la Fin de l’Histoire ou la Dernier Homme.

13- Z. Laidi un Monde Prive de Sens Fayard 1994.

14- R. Koselleck, le Futur Passé ehess, 1990.

15- Claude Levi- Strauss, Race Histoire, 1968.

16- L’Empire Etles Nouveaux Barbares Lattes 1991.

17- CF. Kenneth Waltz, Theory of International Politics 1979.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14402

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *