تطور النظم السياسية في بلاد اليونان ( الإغريق )

من اعداد خالد عبدالله حسن ال زيد الشريف

كانت الصيغة الأولى التي استقرت عليها مناطق المجتمع اليوناني هي تجمعات سكانية قبلية في تكوينها , وكان كل تجمع من هذه التجمعات القبلية يتكون من مجموعة من الملاك الكبار للأراضي الزراعية والرعوية الذين يحيط بهم أتباعهم , وكان صاحب أكبر مساحة من الأرض يرأس التجمع القبلي الذي يوجد فيه , ويتخذ لقب الملك كما كان يوجد إلى جانبه , مجلسان أحدهما يضم الأعيان أو الارستقراطيين من رؤساء القبائل والعشائر ومجلس آخر للعامة من سكان التجمع . وكان الملك يضم في يديه كل السلطات . فهو الذي يقود أي تعبئة عسكرية وهو مصدر التشريعات والقائم على الامور التنفيذية , وهو الكاهن الأعلى للمنطقة يشاركه مجلس الأعيان بصورة متفاوتة من السلطة حسب قوة الملك أو قوة هؤلاء الأعيان أما مجلس العامة فلم يكن له في الحقيقة أكثر من العلم بمجريات الامور والموافقة على مايتوصل إليه الملك ومجلس  الاعيان  ( او الارستقراطيين ) من قرارات .

على أن الدور الاساسى الذي قام به الملوك هو محاولة الربط بين هذه التجمعات القبلية بشتى الوسائل الأمر الذى مهد الطريق لقيام المدن التي أخذ مفهومها يتطور تدريجيا بحيث أصبح مفهوم لفظه المدينة لا يعنى مجرد مكان أو مساحة من الأرض تسكنها مجموعات من السكان تتجاوز مع بعضها ولكنها لا تتكامل فيما بينها وإنما بدأ يقترب كثيرا من معنى النظام السياسي الذي ينظم سكان المدينة ويحدد حقوقهم وواجباتهم والروابط التي تربط بينهم في كافة المجالات . ونحن نستطيع في الواقع أن نتصور أن الواقع المعيشي بين التجمعات السكانية القبلية المتجاورة هو الذى طرح مسألة الترابط بين هذه التجمعات فبلاد اليونان تتكون من مجموعة من التكوينات الجبلية والسهلية والساحلية . وأية منطقة من المناطق التي ينقسم إليها سطح هذه البلاد غالبا ماتضم اثنين من هذه التكوينات , ان لم تكن تضم الانواع الثلاث فعلا .

       وفي ضوء هذا الوضع المتكامل يصبح من السهل أن ندرك أن التجمعات السكانية التي وجدت في هذه التقسيمات الداخلية للمناطق المختلفة التي كانت تشكل بلاد اليونان قد رفعت سكان هذه التقسيمات الى مايمكن أن نسمية تعاملا أو (( حوارا )) يكون عنيفا في بعض الاحيان ولينا في أحيان أخرى ولكنه قائم دائما , مادامت حاجة كل تقسيم إلى التقسيمات الأخرى قامة سواء أكانت هذه الحاجة جلبا لمنفعة أو درءا لخطر . ومن هنا فان فكرة الاتحاد أو التوحيد بين هذه التقسيمات في كل منطقة تصبح فكرة واردة , ولا يهم بعد ذلك أن تتم محاولات هذا الاتحاد أو التوحيد بطريق العنف أو السلام .

كذلك فان لنا أن نتصور أن الملك الذي يرأس التجمع السكاني الذي أخذ على عاتقه مهمة توحيد أية منطقة هو الذى سيصبح ملكا للمدينة التي تقوم فيها , وأن الدور الذي قام به هؤلاء الملوك في هذا المجال كان لا بد أن يؤدي إلى ازدياد تركيز السلطة في أيديهم , فالسلطة المركزية هي التي تلاءم هذه المهمة , وهي مهمة توحيد وتركيز قبل كل شيء وفوق كل شيء وهذا التصور نستنتجه في الواقع من أن الملك يظهر لنا في عديد من النصوص وكأنه صاحب حق ألهى في العرش فالألهة هي التي تسانده وكبير الالهة هو الذي يمنحه صولجان الملك .

وهكذا , بعد ان أنتهت الفترة التكوينية لمجتمعات المدن اليونانية , أصبح المقوم الاقتصادي هو الذي يدفع تطورها السياسي فأخذ أفراد الطبقة الارستقراطية منذ القرن الثامن تقريبا , يزحفون على سلطات الملك في هذه المدن ويحاولون انتزاعها الواحده بعد الأخرى ونحن نجد تصويرا رائعا لهذه الفترة الانتقالية في أكثر من جانب  من جوانبها في اشعار الملحمتين المنسوبتين إلى هوميروس . أن الشاعر يصور لنا الملوك في  أكثر من مناسبة , وقد أصبح وضعهم كأصحاب أرض ينعمون بخيراتها وبما يدره عليهم منصب الحكم من ثروة وسلطة بعد أن أصبح هذا الوضع هو المحور الأساسي لحياتهم واهتماماتهم دون أن نجد في هذه الحياة وهذه الاهتمامات شيئا عن الدور المنوط بهم في توحيد المجتمعات اليونانية داخل المدن وإعطائها شخصيتها السياسية أذ أن هذا الدور في الواقع قد انتهى .

وقد قام الحكم الطبقي الارستقراطي على ثلاث دعائم واضحة مكنت لأفراد هذه الطبقة من السيطرة على دويلات المدن اليونانية حتى أواسط القرن السادس ق . م .  أو الشطر الاخير منه . والدعامة الاولى هي الدعامة الاقتصادية . فالارستقراطيون هم أصحاب الأرض . سواء أكانت هذه امتدادات زراعية أو رعوية . وهذا المورد الاقتصادي من نتاج الأرض كان لايزال يغطى احتياجات السكان في المجتمع اليوناني الذي كان لايزال صغيرا في أعداده وبسيطا في متطلباته . وهكذا تمكن الارستقراطيون بسيطرتهم على هذا المورد الانتاجي الوحيد نسبيا أو الرئيسي على الأقل أن يسيطروا على مقدرات المجتمع اليوناني.

أما الدعامة الثانية فهي الدعامة العسكرية . وفي هذا المجال فقد كانت ظروف بلاد اليونان تؤدي آنذاك إلى أن يكون أفراد الطبقة الارستقراطية هم أصحاب السيطرة على القوة العسكرية في البلاد فالحروب بين المدن اليونانية في ذلك الوقت كان حجمها محدودا يوازى الحجم المحدود للمصالح الاقتصادية التي كانت محلية تدور في أساسها حول ممتلكات الارستقراطيين من أراضي الزراعة أو الرعي ومن ثم فقد كانت الحروب بين المدن في ذلك الوقت لاتزيد عن غارات متبادلة بين هذه المدن .

ثم نأتي إلى الدعامة الثالثة , وهي الدعامة القانونية , لقد كان الحكم الارستقراطي في حقيقة الأمر بداية لتنظيم جديد بحكم الضرورة لدول المدينة في بلاد اليونان ذلك أن الحكم الذي سبقه في العصر الملكي كان يقوم أساسا على الحق الإلهي وليس على أساس من تنظيم قانوني يكفل الحقوق ويضع الحدود , ومن ثم فقد كان هذا الحكم الملكي يقوم على أساس من إرادة الملك ومقدار سطوته أو على أساس من التعامل بدرجات متفاوتة بين سطوة الملك وسطوة الطبقة الارستقراطية حسب مقدار القوة لدى كل من الطرفين أو حسب الظرف السائد الذي قد يكون في صالح هذا الطرف أو ذلك , أما بعد نجاح الطبقة الارستقراطية في انتزاع السلطات من الملوك في دول المدينة في  بلاد اليونان فقد أصبح الامر يقوم على أساس من القانون الذي يحدد الحقوق والواجبات فالمدينة أصبحت تحكمها الطبقة الارستقراطية ممثلة من الناحية التنفيذية في هيئة تنتخب سنويا من بين أفراد هذه الطبقة والمجلس التشريعي الارستقراطي له صلاحيات محددة , والرابطة التنظيمية بين أفراد المجتمع لم تعد أمرا في يد الأسر أو الجماعات وإنما بدأت الطبقة الارستقراطية الحاكمة تنقلها الى حكومة المدينة .

أثنية واسبرطة في مرحلة الظهور

نظام دولة المدينة سار في عمومه اذن في اتجاه رئيسي تطور فيه من الحكم الملكي إلى الحكم الشعبي ولكنه عرف كما أسلفنا اتجاهات ابتعدت به قليلا أو كثيرا عن هذا المسار العام تحت تأثير عدد من الظروف يتصل بعضها بالموقع وبعضها بالتكوين الطبيعي , وبعضها بالتكوين السكاني . وسيكون حديثنا الآن عن مثالين لهذين المسارين في تطور نظم الحكم في العصر الذي شهد ظهور نظام دولة المدينة في بلاد اليونان .

أولا – النظام الأثيني :

وليكن مثالنا الأول في هذا الصدد هو المجتمع الأثيني الذي يمثل الإتجاه الرئيسي لتطور النظام السياسي في دول المدينة بمراحلة المتعاقبة انتهاء بمرحلة الحكم الشعبي . وقد تم لأثينة هذا التطور المستمر المتوازن بحكم الظروف المحيطه بشبه جزيرة أتيكة وهي المنطقة التي تضم أثينة والأراضي والضواحي والقرى والموانيء الصغيرة التي تحيط بها وتتخذها مركزا اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا لها وتتلخص هذه الظروف في أن أثينة لم تكن تعتمد على مورد واحد من موارد الانتاج سواء تمثل هذا في الزراعة أو التجارة أو المواد الأولية اللازمة لقيام الحرف والصناعات الصغيرة بحيث تتمكن الطبقة المسيطرة على هذا المرود أو ذلك من السيطرة على نظام الحكم والوقوف في سبيل تطويره وانما تدرجت أثينه في الاعتماد على هذه الموارد الواحد تلو الآخر بحيث أتى الوقت الذي أصبح فيه اعتماد المجتمع الأثيني على هذه الموارد المختلفة متعادلا أو على الأقل متكاملا ومن ثم أصبح وضع الطبقات المسيطرة على موارد الانتاج متعادلا هو الآخر أو متكاملا وهكذا تهيأت الفرصة لتطور نظام الحكم حتى وصل في نهاية الشوط إلى النظام الديمقراطي أو الشعبي الذي يرعى مصالح كل الطبقات ويمثل السيطرة المتكاملة لكل الطبقات .

أ‌-    من ظهور المجتمع الأثيني إلى عصر سولون:

 وقد بدأ المجتمع الأثيني في الظهور في عهد الحكم الملكي ففي ذلك العهد تم توحيد المجتمعات الصغيرة الموجودة في شبه جزيرة أتيكة داخل اطار سياسي موحد هو الذي أصبح يعرف منذ ذلك الوقت باسم المجتمع الأثيني وقد نسب هذا التوحيد إلى ملكا اسمه ثيسيوس الذي ربما كان في حقيقة الأمر الملك الذي نجحت في عهده آخر حلقة من حلقات التوحيد , بعد محاولات على سبيل التجربة والخطأ في عهد ملوك آخرين سابقين حققت نسبا متفاوته من التكتل بين عدد من المجتمعات الصغيرة التي كانت تتكون منها شبه الجزيرة .

وحين انتقل الحكم الى الطبقة الارستقراطية نجد أن الصلاحيات الادارية التي كانت مركزة في يد الملك قبل ذلك بشكل وراثى تصبح الآن موزعة بين عدد من المناصب يشغلها أفراد من الطبقة الارستقراطية هم : الحاكم أو الأرخون وهو رئيس الجهاز التنفيذي والمشرف على الشئون العسكرية أو البوليمارخوس وستة قضاة ورئيس للشئون الدينية , وقد كان هؤلاء يشغلون مناصبهم في البداية لمدى الحياة ثم أصبحوا يشغلونها لمدى زمنى محدد تدرج حتى أصبح سنة واحدة في النهاية أما الصلاحيات التخطيطية والتشريعية فقد انتقلت إلى مجلس يأتى أعضاؤه من بين صفوف الطبقة الأرستقراطية هو مجلس الأريوباجوس الذى كانت في يده الأرادة الحقيقية لأمور الأثينيين .

على أن التسلط الذي اتسم به حكم الطبقة الأرستقراطية في أثينة وانحرافها المتزايد في مجال القضاء إلى خدمة أهوائها ومصالح أفرادها , أدى إلى سخط متزايد بين صفوف الطبقات الأخرى , اضطرت معه الطبقة الحاكمة إلى العمل على تدوين القوانين وقد عهد بهذه المهمة إلى مشروع دراكون .

ورغم أن القوانين التي سنها هذا المشرع في 621 ق . م كانت على قدر كبير من القسوة كما أنها لم تعالج إلا جوانب محددة من مشاكل المجتمع الأثيني إلا أنها شكلت في الواقع تطورا هاما في حياة هذا المجتمع , فمن جهة أصبحت الجرائم تعالج على أساس أنها تشكل اعتداء على المجتمع ذاته وليس مجرد اغضاب الآلهة .

وفي وسط هذه الظروف التي شهدت تسلط الطبقة الأرستقراطية واستئثارها بكل جوانب السلطة من جهة , وسخط العامة وطبقة التجار وتحفزها من جهة أخرى , تولى منصب الحاكم التنفيذي شخص اسمه سولون يبدو أنه كان من الأرستقراطية المعتدلة ذات الثروة المتوسطة ولكنه رغم انتمائه الأرستقراطي كان قد اتجه إلى التجارة وكون ثروة عن طريقها , كما كان لرجلاته المتعددة أثر في سعة افقه , كما كان لوطنيته أو لاعتداله وحكمته , أثر في حرصه على الصالح العام للمجتمع الأثيني , وقد قام سولون , نتيجة للظرف المتفجر الذى كان يمر به المجتمع الأثيني آنذاك بوضع بعض التشريعات بغرض التدقيق بين المصالح المتضاربة بين طبقات هذا المجتمع .

ب – تشريعات سولون :

وتنقسم هذه التشريعات إلى قسمين رئيسيين , أولهما نستطيع أن نربطه بالطبقة التجارية الصاعدة ومحاولة التوفيق بين مصالحهم ومصالح الطبقة الارستقراطية القديمة ، والقسم الثاني يستهدف معالجة وضع العامة ففيما يخص القسم الأول نجد سولون يربط في تشريعاته بين الثروة بوجه عام وبين الحقوق السياسية , بحيث يصبح مقدار الدخل السنوي للفرد بصرف النظر عن مصدر هذا الدخل سواء أكان من الأرض أو من التجارة هو الأساس الذي تقوم عليه درجة تمتعه بهذه الحقوق.

ظهور المجتمع الاسبراطي:

على أن المجتمع الاسبرطي يستحق منا وقفه أطول بسبب نظام الحكم المتداخل الذي عرفه هذا المجتمع , وهو نظام أدى إلى تكوين له صفة خاصة برزت من خلاله اسبرطه لتصبح إلى جانب أثينة . إحدى المدينتين الرئيسيتين اللتين عرفهما نظام دولة المدينة في بلاد اليونان ونحن لا نعرف في الحقيقة شيئا محققا أو كثيرا عن البدايات الأولى للمجمتع الاسبرطي سوى أنه ارتبط بغزو القبائل الدورية التي اجتاحت بلاد اليونان من الشمال لتستقر في آخر المطاف في بعض أقسام شبه جزيرة البلوبونيسوس فقد استولى هؤلاء الغزاة على منطقة لاكونيه في جنوبي شبه الجزيرة حيث يوجد الوادي الخصيب لنهر يوروتاس وهي منطقة كانت تضم بعض التجمعات السكانية , وأطلقوا على أنفسهم اسم ((اللاكيدايمونيين )) وبالتدريج نشأت في وسط هذه المنطقة مدينة اسبرطه التي أصبحت المركز الحصين لهؤلاء الغزاة , ويبدوا أن هؤلاء الاسبرطيين أو هذا القسم الذي استقر في اسبرطة من الغزاة الدوريين كانوا يشكلون كتلة منظمة متماسكة في فترة الغزو ومن ثم كانوا أكثر بأسا من بقية القبائل الدورية الغازية فلم يندمجوا معهم أو مع من تبقى من السكان الأصليين الذين لم يفروا أمام هذه القبائل وإنما آثر الاسبرطيون أن يظلوا محافظين على تماسكهم كطبقة حاكمة تسيطر على المقيمين في منطقة لاكونيه عن طريق التسلط الذي يحتفظون من خلاله بكافة الحقوق السياسية .

وقد كانت نتيجة هذا الظرف التاريخي الاقتصادي المحلي أن أصبح الاسبرطيون أقلية حاكمة وسط محيط من السكان المعادين لهم أو المتحفزين ضدهم أو على الأقل الساخطين عليهم , سواء في ذلك سكان البلاد الأصليين من أهل لاكونيه أو سكان ميسينيه الذين غلبوا على أمرهم وسحبت منهم حريتهم ليصبحوا عبيدا وفي ضوء هذا الوضع نجد الاسبرطيين يتبعون نظاما اجتماعيا وسياسيا من شأنه أن يمكنهم من المحافظة على تماسكهم وسيطرتهم وسط الأغلبية المعادية .

التنظيم الاجتماعي والاقتصادي:

والنظام الذي تتضمنه تشريعات نسبها الاسبرطيون إلى شخصية يحمل صاحبها اسم ليكورجوس كان يهدف في شقه الاجتماعي إلى تنشئة الاسبرطيين تنشئه جماعية خشنه تجعل من المجتمع الاسبرطي مجتمعا عسكريا في المقام الأول , بحيث يشكل الاسبرطيون جيشا قائما مستعدا للقتال في اية لحظة ( على عكس بقية المدن اليونانية التي كانت تعتمد في قوتها العسكرية على التعبئات المؤقته من بين المدنيين حين تدعو إلى هذه التعبئات ظروف الدفاع أو الهجوم ) .

التنظيم السياسي:

أما عن الجانب السياسي أو الجانب المتعلق بنظام الحكم في اسبرطة فأن الدستور الاسبرطي بعد تطوره الكامل كاد يقوم على دعائم أربعة تتمثل في :

ملكين على رأس الجهاز الدستوري , مجلس للشيوخ , مجلس شعبي وعدد من المشرفين . وفيما يخص الملكين فقد رأينا أن النظام الملكي الذي مرت به المدن الدويلات اليونانية بوجه عام يزدهر في وضع تتركز فيه السلطات في يد الملك في كل مدينة ثم يندثر ويخلى مكانه لحكم الطبقة الأرستقراطية . أما في اسبرطة فقد بقيت الملكية قائمة في دستور المدينة حتى بعد أن بلغت آخر مراحل تطورها . ولكنها اذا كانت قد بقيت , إلا أن سلطات الملك تقلصت إلى حد كبير بسبب عاملين رئيسيين :

العامل الأول: هو الصفة الغريبه التي لازمت النظام الملكي في اسبرطة وجعلتها مختلفه عن غيرها من المدن اليونانية من البداية ونعنى بهذه الصفة وجود ملكين على رأس الدولة بدلا من ملك واحد .

أما العامل الآخـر: الذي قلص السلطة الملكية في اسبرطه فهو التطور الطبيعي الذي رأيناه في بلاد اليونان بشكل عام والذي شهد ازدياد قوة الطبقات الارستقراطية التي زحفت بالتدريج على سلطات الملك أو صلاحياته .

دولة المدينة بين الصعود والإنحدار

الفترة التي شغلتها القرون الثلاث , من أوائل القرن الثامن إلى أوائل القرن الخامس ق . م شهدت إذن ظهور الدويلات اليونانية أو دول المدينة في بلاد اليونان في هذه الفترة, كما رأينا تطور المجمع اليوناني من تجمعات سكانية قبلية بسيطة إلى دويلات تبلورت ونضجت كوحدات أو كيانات سياسية خلال المراحل التي مرت بها , سواء توقف بعضها عند نظام سياسي واحد أو مرّ البعض الآخر بعدد من الأنظمة منتهيا بالنظام الشعبي أو الديمقراطي أو وصل البعض الثالث إلى وضع تداخلت فيه عناصر متعددة من الأنظمه في هذه التفرة كذلك أقدم اليونان على حركة الاستيطان التي دفعت بهم كتجار ومهاجرين إلى شواطيء البحر المتوسط سواء في قسمه الشرقي أو قسمه الغربي حيث أسسوا عديدا من المدن التي سارت في تطورها  على نمط المدن التي قامت في  بلاد اليونان الأصلية في شبه جزيرة البلقان وفي خلال ذلك كله عرفت هذه المدن جميعا عددا من المصادمات فيما بينها في مجال التسابق على الأسواق الخارجية أو السيطرة على الخطوط التجارية التي تصل إلى هذه الأسواق.

ولكن الفترة التالية وهي الفترة التي أمتدت عبر القرن الخامس والقسم الأكبر من القرن الرابع قبل الميلاد شهدت مرحلة جديدة تخطت فيها المدن اليونانية الاطار الذي عرفته في فترة الظهور إلى اطار آخر أكثر اتساعا ظهرت فيه ملامح جديدة في حياة المجتمع اليوناني فعلى الصعيد الخارجي طرأ عنصر جديد على علاقة المدن أو الدويلات اليونانية مع القوى الخارجية الموجودة على  المسرح الدولي فبعد أن كانت هذه العلاقة هامشية أو على أكثر تقدير  تمر دون صخب شديد في أغلب الأحوال نجدها تتطور في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد إلى مواجهات مسلحة سواء وجدت هذه القوى في غربي البحر الأبيض المتوسط أو في شرقيه أو في شمالي شبه جزيرة البلقان .

وعلى الصعيد اليوناني , أو فيما يخص العلاقات بين المدن اليونانية ذاتها ظل الصدام بين هذه المدن مستمرا على فترات مستمرة أو متقطعة كما كان من قبل لتكريس مصالح محدوده سياسية أو تجارية أو غيرها , ولكن بدأ يظهر إلى جانب هذا الصدام صدام آخر من نوع جديد هو الصراع الذي يهدف إلى سيطرة مدينة أو أخرى على بلاد اليونان بأكملها .

وأخيرا وليس أخرا فعلى الصعيد الداخلي الذى يمس الحياة اليومية في المدن اليونانية شهدت الفترة المذكورة أنضج ماعرفه المجمتع اليوناني في مجال النشاط الاقتصادي والتطور السياسي فكرا وتطبيقا .

الحروب مع الامبراطورية الفارسية:

في القرن السابع والنصف الاول من القرن السادس ق . م كانت المدن اليونانية الممتدة على الشريط الساحلي الغربي لشبه جزيرة أسية الصغرى تخضع لمملكة ليدية الواقعة في القسم الغربي من وسط شبه الجزيرة , وان بقيت هذه المدن محتفظه بحكمها الذاتي الذي مارسته في تصريف شئونها الداخلية وفي علاقاتها الخارجية التي كانت تجارية في أغلبها , مع المدن اليونانية في بلاد اليونان الأصلية الواقعه في شبه جزيرة البلقان ولكن في بداية النصف الثاني من هذا القرن غزا الامبراطور الفارسي مملكة ليدية في 548 ق . م وأخضع معها المدن اليونانية الأسيوية .

ولم يكن إخضاع هذه المدن صعباً فقد كانت تعاني من الانقسام فيما بينها فضلا عن انشغالها بتطوراتها السياسية الداخلية ولذلك لم تبال كثيرا بانتقالها من السيطرة الليدية الي السيطرة الفارسية فقد بقيت أمورها على ماهي عليه دون تغيير ملموس خاصة في حكمها الذاتي وعلاقاتها الخارجية كما ظلت تشكل مراكز تجارية وصناعية هامة وكل ماطرأ عليها في هذا الصدد هو تعهد من جانبها بأن تدفع جزء من دخلها للفاتحين الفرس وان تقدم عددا من السفن والجنود للامبراطورية الفارسية في حروبها المستمرة ضد بابل ومصر .

ولكن الأمور اتخذت مسارا جديداً حين بدأ الفرس يتدخلون بشكل متكرر في النزعات التي كانت تنشب داخل كل مدينه حول الشكل الذي يتخذه نظام الحكم وهو تدخل كان الفرس يساندون فيه الحكم الفردي ( حكم الطغاه ) ولذلك ساد السخط في هذه المدن ضد الحكم الفارسي فأقاموا حلفا  عسكريا تحت زعامة مدينة ميلتوس (في وسط الساحل الغربي لشبه جزيرة أسية الصغرى) وتمكنت هذه المدن المشتركة في الحلف من الثورة ضد الحكم الفارسي والوقوف في وجهه عسكريا لعدة سنوات  ( 499- 494 ق . م) كما حاولوا ان يحصلوا على مساندة المدن اليونانية الأوربية وان لم يستجب لندائهم في الواقع سوى أثينه واريترية ( وتقع هذه الأخيرة في منطقة يوبوية) اللتين أرسلتا لها قوة عسكرية ضئيلة كان من بينها عشرون سفينة أثينية . على أن الثورة لم تحقق شيئا في النهاية وذلك بسبب اختلاف اليونان فيما بينهم وتمكن الفرس من اعادة سيطرتهم على المدن الثائرة ودمروا ميليتوس التي تزعمت الثورة . ولكن هذه الثورة كانت بداية لصدام كبير بين الفرس وبلاد اليونان الأوربية حيث نبهت الامبراطور الفارسي إلى الخطر الذي يمكن ان تتعرض له حدود الامبراطورية الفارسية , ولذلك كان من الأمور الملحة ان يفكر الامبراطور الفارسي في القضاء على مصدر هذا الخطر عن طريق غزو بلاد اليونان .

وقد بدأ الفرس تنفيذ هدفهم في عام 490 ق . م حين هبطت حملة كبيرة في سهل ماراثون على مقربه من أثينة لتأديبها على المساعدة التي قدمتها للمدن اليونانية الثائرة في أسيا الصغرى , وقد انتهت معركة ماراثون بانتصار الأثينيين بقيادة ملتيادس وقد انسحب الفرس بعد هذه الموقعة ولم يتعرضوا لبلاد اليونان على مدى عشرة سنوات لأسباب تخص الوضع الداخلي في الامبراطورية من بينها بطء الجهاز الإداري وقيام ثورة مصرية على الفرس في 486 ق . م ثم وفاة الامبراطور دارا في السنة التالية واضطرار خلفه خشيارشاه أن يقوى مركزه على رأس الحكومة الامبراطورية ولكنهم عادوا في 480 ق . م لتصفية الحساب مع اليونان الاوربيين في جولة أخرى .

       وأهم مواقع هذه الجولة الرابعة : كانت الأولى في مضيق ثرموبيلاي على الساحل الشرقي لبلاد اليونان , وقد وقعت في عام 480 ق . م وفيها نجح الفرس في محاصرة قوة اسبرطية صغيرة وقضوا عليها عن اخرها , أما الموقعة الثانية فهي موقعة سلاميس التي دارت في السنه نفسها قرب الشاطيء الشرقي للجزيرة التي تحمل هذا الاسم في مواجهة الطرف الجنوبي الغربي لشبه جزيرة أتيكه وقد كانت نتيجة موقعة سلاميس أن انحسر التقدم الفارسي في بلاد اليونان الاوربية اما الموقعة الثالثة فقد كانت في عام 479 ق . م في بلاتايه ( قرب حدود أتيكة ) وانتصرت فيها القوات اليونانية تحت قيادة اسبرطة , وقد كانت الموقعة الرابعه في ميكالي عند شواطيء جزيرة ساموس ( على الشاطيء الجنوبي الغربي لأسيا الصغرى ) وقد كانت نتيجة هذه الجوله هو إبتعاد الخطر الفارسي عن بلاد اليونان الأوربية .

الحروب البلوبونيسية

       تكونت الإمبراطورية الأثينية إذن وتدعم فيها النظام الديمقراطي وأدى الخطان الديمقراطي والامبراطوري إلى قدر كبير من الرخاء فقد اقترن كلاهما بقاعدة تجارية صناعية واسعة أصبحت أثينة هي مركزها وبحر ايجة والشواطيء المطله عليه مجال الخطوط التجارية والأسواق التي تساعد على تدعيمها ولكن قوة أخرى كانت موجودة في بلاد اليونان وكان لها نوع من الزعامة كذلك وهي اسبرطة التي كانت تسيطر على الحلف البلوبونيسي المكون من الدويلات أو المدن اليونانية الموجودة في شبه جزيرة البلوبونيسوس وقد كانت اسبرطه على عكس أثينة قوة برية تقوم على قاعدة اقتصادية زراعية قوامها ملكية الأرض بما يعنية ذلك من مصالح تتعارض أساساً مع مصالح الطبقات التجارية والصناعية وبخاصة في المدن الخاضعة لها والمكونة للحلف البلوبونيسي الذي كانت زعامتها له تقوم على السيطرة العسكرية , ومن ثم كانت تخشى على هذه الزعامه او السيطرة من امتداد النفوذ الأثيني ومن تشجيع أثينة للفئات ذات الاتجاه الديمقراطي , كما كانت تعمل بدورها على مساندة وتشجيع الفئات أو الأحزاب الارستقراطية التي تعتمد اقتصاديا على ملكية الأرض في المدن اليونانية الأخرى حتى تلك الداخلة في دائرة الامبراطورية الأثينية .

ومن هنا كان هناك نوعا من التناقض الأساسي بين هاتين المدينتين الرئيسيتين في بلاد اليونان , وكان من الوارد ان يوجد بينهما نوع من الاحتكاك , بدأ فعلا في عام 431ق. م واستمرت المواجهة عشر سنوات وكان مسرحها بلاد اليونان الأصلية في شبه جزيرة البلقان , ورغم استخدام كافة الوسائل في هذا الصراع إلا أنه لم يحقق نتيجة ملموسة عند أي من الطرفين بينما استنزف قواهما بشكل بطىء ولكنه مستمر , وأمام هذا الوضع تغلبت أصوات الفئات المطالبه بالسلام في كل من المعسكرين وانتهى الأمر بعقد صلح في 421 ق . م اكتسب تسمية (( سلم نكياس )) نسبة إلى الزعيم الأثيني نكياس الذي مثل الجانب الأثيني في توقيع هذا الصلح .

       إنفجر الصراع مرة أخرى عندما أرسلت اثينه بقوة بحرية إلى جزيرة صقلية تحت اقتناع بأن اخضاع مدينة سيراكوز في جنوب شرق هذه الجزيرة التي كانت تسيطر على الجزيرة وعلى المدن اليونانية على الشواطيء الإيطالية وادخالها في الامبراطورية الأثينية كفيل بالتحقيق التام للهدف الأثيني وهو الخنق الاقتصادي للمدن البلوبونيسية ولكن خصومات حزبية في أثينه عرقلت نجاح هذه الحملة وأدت إلى فرار قائدها الكبياديس إلى الجانب الاسبرطي وتغييره بقائد أخر أقل كفاءة وانتهت المواجهة بتدمير القوات الأثينية برا وبحرا في 413 ق . م .

       أما المرحلة الثالثة من الحروب البلوبونيسية فقد تمت بين 406 – 404 ق . م  بعد فترة من الركود النسبي , وقد أنتصرت أثينة في البداية (406 ق . م ) في موقعة (( ارجينوساي ) ( على القسم الشمالي من الساحل الغربي لآسيا الصغرى ) ولكنها هزمت بعد ذلك بسنتين في عام 404 ق . م في موقعة (( ايجوسبوتامي )) عند مدخل البحر الاسود وانتهى الاسطول الأثيني عن بكرة أبيه وبتدمير الأسطول لم يكن أمام أثينة إلا الاستسلام لشروط الصلح التي املاها ليساندروس والتي كانت ابرز نتائجها انفراط عقد الامبراطورية الأثينية وبذلك انتهت أول محاولة جادة كان يمكن ان توحد المدن اليونانية بصرف النظر عن صيغة السيطرة التي اتخذتها هذه الوحدة .

السيطرة المقدونية ونهاية العصر الهيليني

أولا : فيليب يقود بلاد اليونان

       كان اليونانيون ينظرون الى سكان مقدونيا نظرتهم إلى غيرهم من الشعوب الأجنبية والمتخلفة , ولم يعترفوا بهم كيونانين ولقد حاول الاسكندر الأول في عام 496 ق . م أن يتلقى اعترافهم به وشعبة كيونانين فتوجه الى الالعاب الاولمبية وحادث اليونان بلغتهم واثبت لهم ان نسبه يمتد إلى هرقل اول من وضع فكرة الالعاب الاولمبية ومن ثم سمحوا له بالاشتراك في هذه الالعاب , ويبدو واضحا ان اليونان كانوا مضطرين الى عدم اثارة المقدونيين في تلك الفترة الهامة حيث كانت قد بدأت مقدمات الحروب الميدية .

       على كل حال فقد بذل ملوك مقدونيا المتعاقبين جهودا كبيرة لتمدين بلادهم ولكن الفكرة القديمة عن نسبة المقدونيين الى البرابرة بقيت مسيطرة على العقلية اليونانية وقد ظهر ذلك مثلا في قرار تشكيل الاتحاد الكونفدرالي بين اثينا وحلفائها عام 378 ق . م حيث نص على السماح بانضمام اليونان وغيرهم الى هذا الاتحاد وكان المقصود بهذه الاشارة ( غير اليونانيين) سكان تركيا ومقدونيا , وصل امونتاس الثاني إلى الحكم في عام 369 بعد مصرع الملك ارخيلاوس وبقى على العرش حتى مصرعة في عام 399 , رزق هذا الملك بثلاثة من الأبناء اعتلوا العرش جميعا وهم الاسكندر الثاني ثم برديكاس الثاني الذي خلفه ابنه الطفل امونتاس الثالث تحت وصاية عمه فيليب وما لبث الأخير أن أزاح الطفل وأعلن نفسه ملكا على مقدونيا .

       عندما اعتلى فيليب العرش كانت مقدونيا مفككه الأوصال مستضعفة من اليونان وقد استطاع خلال فترة حكمه التي امتدت من عام 336 إلى عام 359 ق . م أن يقضى على الفتن في بلاده وأن يقيم دولة متحدة قوية , كما استطاع أن يجعل من مقدونيا سيدة بلاد اليونان وقائدة حلفهم وقد سلك لتحقيق هذا الهدف مسالك شتى منها التقرب إلى كهنة ابولو في دلفي ( وقد ساعده هذا الأسلوب على احتلال مقعد فوكيس في الحلف الامفكتيوني ولجأ إلى رشوة رجالات السياسة والحرب في المدن اليونانية كلما وجد إلى ذلك سبيلا .وأخيراً كان يلجأ للقتال إذا عجز عن بلوغ أهدافه باستخدام الوسيلتين السابقتين . وقد استطاع ان يحقق انتصارات مشهورة استولى فيها على أمفيبولس عام 357 ق . م  وبدنا وبوتيدايا 356 ق . م وميثوني عام 355 ق . م وفي عام 347 ق . م أتم سيطرته على الساحل الأوربي لبحر ايجه باستيلائه على أولينثوس ثم استولى على فوكيس المشرفة على الألعاب البيثية في عام 346 ق . م وأصبح زعيما للحلف الامفكتيوني في دلفى ورئيسا للالعاب البيثية واخيرا أصبح زعيما لكل بلاد اليونان بانتصاره على أثينا في معركة خيرونيا عام 338 ق . م  .

       استطاع في نفس العام ان يعقد حلفا في كورنثا اعترف فيه كل اليونانيون باستثناء اسبرطة بقيادته لقوات ذلك الحلف ثم عقد في التالي 337 ق . م اجتماعا قرر فيه القيام بحملة ضد الفرس عدو اليونان المشترك وحصل على موافقة أعضاء الحلف على هذا القرار ثم سير جيشين لهذا الغرض أحدهما كان بقيادة انثيباتر والثاني بقيادة اتاللوس . وفي الوقت الذي كان الجيش الثاني قد عبر مضيق الدردنيل , جاءت الأنباء بما غير كل الخطط فقد اغتيل فيليب على يد أحد ضباطه المدعو بوزنياس أثناء احتفاله بزواج ابنته .

اعتلى الاسكندر الثالث العرش وهو ما يزال في العشرين من عمره فسار على نهج أبيه في حرب الفرس وان فاق في طموحه أقصى ما خطط أبوه له , تأجلت بداية الزحف من عام 336 ق . م الى 334 ق . م وذلك بسبب الظروف التي نشأت عن الموت المفاجىء لفليب وماتلا ذلك من اضطرابات عمت بلاد اليونان ولكن عندما قضى الاسكندر تماما على كل دواعي التمرد واتجه شرقا كان يكتب الصفحة الأولى في  حياة عصر جديد هو العصر المتاغرق .

ثانيا : حملة الاسكندر الاكبر على الشرق

       تعددت الدوافع التي حدت بالاسكندر ومن قبله فيليب المقدوني ان يشنا حملة عسكرية على الفرس ,فلقد طالت أدوار الصراع بين اليونانيين والفرس وأصاب اليونان الكثير من المهانة على يد الفرس كما أن الاسكندر ومن قبله أبوه رأى في حرب الفرس هدفا عاما يمكن أن يجتمع عليه كل اليونانيين تحت قيادة مقدونيا .

       ولم يخرج الاسكندر مباشرة لحرب الفرس بعد اعتلاه للعرش اذ واجه كثيرا من الاضطرابات التي اندلعت في مقدونيا وايضا في بلاد اليونان الأخرى ويبدو ان صغر سن الاسكندر كان عاملا مشجعا على الثورة , ولكن نجح الاسكندر في القضاء على هذه التمردات بسرعه وحسم ونفذ حكم الاعدام في بوزنياس قاتل ابيه ثم اقتفى اثر معارضية مما دعاهم الى اللجوء الى بلاد أجنبية وبخاصية اسيا الصغرى حيث عاشوا في رعاية الملك الفارسي .

       اتجه الاسكندر بعد ذلك للقضاء على ثورة قامت في الليريا عام 335 ق . م وأثناء تلك الحملة اشيع نبأ وفاته مما شجع كل المتمردين من اليونان على أعلان الثورة ضد مقدونيا , وقادت أثينه هذه الحركات الاستقلالية .

اتجه الاسكندر للقضاء على التمرد وكانت اولى معاركة ضد طيبه التي قرر ان يجعل منها عبرة لكل اليونانيين فدمر المدينة عن آخرها ما عدا المعابد وبيت بنداروس وامر بقتل سكانها ومن لم يقتل منهم تم بيعه في اسواق الرقيق .

دخل الرعب في قلوب اليونانيين بعد ما عرفوا أنهم امام شخصية قوية لا يمكن الاستهانة بها , واسرعت أثينه زعيمة المتمردين الى طلب عقد الهدنه ولبى الاسكندر طلبهما شريطة ان تحكم بنفي قائدي التمرد وهما خاريس وخارديموس وهكذا استطاع الاسكندر خلال عامين فقط من موت ابيه ان يسيطر على الموقف في بلاد اليونان تماما وبعد ذلك بدأ يستعد لحملته على الشرق فجند اكبر عدد من الجنود وقد وصل عدد جنودة الى 40 الف جندي تقريبا منهم 32 الفا من المشاه ( قدمت مقدونيا 12 الف منهم وقدمت المدن اليونانية 7 الاف وقدمت تركيا ثمانية الاف وكان الباقين من المرتزقة ) ويضاف الى هذا العدد 5500 من الفرسان ( منهم 1800 فارس من مقدونيا ) وكان يعزز هذا الجيش اسطول يضم مائه وستين سفينة بالاضافة الى جنود الخدمات .

       كان الجيش أقل عدداً وعدة من جيش الفرس ولكنه امتاز عنه بقيادة فذة وكفاءة معاوني الاسكندر الاكبر وتتجلى عبقرية الاسكندر في أنه لم يلتزم طول الوقت بالاسلوب العسكري المعتاد في مقدونيا والذي كان يقوم على الهجوم المباغت وسرعة الحركة وتغيير اتجاه القتال الذي تقوم به فيالق الجنود المعروفه بالـ phalan  ولكن كثيرا مالجأ الاسكندر الى ادخال بعض التعديلات على خطة الهجوم استجابة للظروف الطبيعية لأرض المعركة ومن ذلك اعتماده على حرب العصابات في مناطق آسيا الوسطى جنوب بحر قزوين .

       غادر الاسكندر مدينة بيللا عاصمة بلاده قاصدا بجيشه آسيا الصغرى بينما فضلت القوات الفارسية انتظاره على ضفة نهر جرانيكوس حتى يضطر للحرب في أرض يجهلها ويكون بعيدا عن قواعده في مقدونية وبلاد اليونان الأخرى وبعيدا ايضا عن اسطولة .

       فطن الاسكندر الى الخطة الفارسية فأمر الجنود بعبور النهر فورا واقتحام صفوف الجيش الفارسي وكان أول انتصار له في الشرق في مايو عام 334 ق . م .

       رغم ان أثر هذه الهزيمة كان محدودا على الجيش الفارسي نظرا لضآلة حجم خسائره إلا أن تأثير النصر كان هائلا بالنسبة للاسكندر الأكبر فقد دعم زعامته في بلاد اليونان وقد أرسل إلى أثينا 300 درع كقربان للالهة أثينا في البارثنون عليها (( الاسكندر بن فيليب والإغريق ماعدا اللاكيديمونيين ضد برابرة آسيا )) ثم سار إلى سارديس وهناك أعطى الأهالي الحقوق التي كانت لهم في ظل ملوكهم القدامى كما ارسل مقدونيا عددا من الأسرى من المرتزقة اليونانيين في جيش الفرس ( مايو 334 ) كما قضى هذا النصر على تردد بعض المدن في آسيا الصغرى مما جعلها تفتح أبوابها للاسكندر كمحرر لها من بطش حكامها وتبعيتها للفرس إلا أن ملطية قاومته بعض الوقت قبل أن تسقط في يدية . وقد نجح الاسكندر في أن يخضع خلال فصلي الخريف والشتاء عام 334 ق . م كل سواحل ليكيا وبامفيليا ولم يقف أمامه إلا مدينة هليكارناسوس حيث قاومت ورفضت الاستسلام له.

       قرر الاسكندر أن يتجه إلى جورديون العاصمة القديمة لمملكة فريجيا حيث قضى شتاء عام 333 ق. م ينظم صفوف جيشة ويستجمع قواه من جديد , كما تزود بامدادات عسكرية جديدة من بلاده ثم تحرك الاسكندر بجيشة من جديد في اتجاه الساحل الكيليكي فاستولى عى طرسوس عاصمة كيليكا ويقال أنه تعرض هناك لمرض خطير اثر استحمامه في مياة نهر كيدنوس كما تلقى أنباء سيئة من بلادة حيث ثار الملك أجيس الثاني في اسبرطة واستعد داريوس الثالث لقيادة الجيش القارسي لم تفت هذه الانباء في عضده بل نجح في ان يهاجم الملك الفارسي في سهل ضيق محصور بين جبل الامانوس والبحر عند سهل ايسوس الضيق وتحقق له نصر اسطوري في يوم 12 نوفمبر عام 333 ق . م بينما لاذ داريوس بالفرار تاركا وراءه غنائم لا حصر لها كما تر بعض أفراد البيت المالك ليقعوا أسرى في ايدى الاسكندر .

       بدأ الاسكندر المرحلة التالية من حملته وفضل الا يندفع في اثر داريوس حتى لا يترك ظهرة مكشوفا للاسطول الفارسي في البحر المتوسط بل قرر ان يستولى على المدن الفينيقية بما يحرم الاسطول الفارسي من أي موانيء على هذا الساحل . لم تواجه خطته مقاومة شديدة فقد استسلمت له المدن الفينيقية مثل أرادوس وبيبلوس و تريبلوس وصيدا ولم تقف أمامه سوى مدينة صور التي اضطر الى حصارها لمدة سبعة شهور .

       تلقى الاسكندر خلال تلك الفترة رسالتين من الملك داريوس عرض في الأولى أن تعقد اتفاقية صداقة بين الطرفين وأن يتم تبادل الأسرى ويعود الاسكندر إلى بلاده , ولكن الاسكندر رفضها وحقق المزيد من الانتصارات . وتعرض عليه في الرسالة الثانية التي تسلمها في صور أن يزوجه ابنته ستاتيرا وان يمنحه كل الاراضي  الواقعة إلى الغرب من نهر هاليس ولكن رفض الاسكندر الاستماع إلى الاقتراح الجديد مثلما رفض الاقتراح الاول .

تقدم الاسكندر بجنوده عبر الساحل حيث سقطت غزة في يده بعد مقاومه عنيفة وكان ذلك في نوفمبر عام 332 ق . م .

       وأخيراً وصل الاسكندر إلى مصر مدعما بأسطول بحري كبير بقيادة هيفايستون ( مات حوالي عام 334 ق . م ) رحب به المصريين كصديق ورأوا فيه منقذا ومخلصا لهم من الاحتلال الفارسي البغيض توجه الاسكندر إلى منف حيث قام بتقديم القرابين للآلهة المصرية كما أقام حفل العاب رياضية كيوناني ثم اتجه إلى موقع الاسكندرية حيث وضع تخطيطها وبعد ذلك اتجه إلى واحه سيوه حيث اعلن الكهنة بنوته لآمون بقى الاسكندر بعض الوقت في مصر حيث نظم إدارتها ونظمها المالية بما يتفق ومصحلة حكمة , ثم عاد إلى مدينة صور في صيف 331 ق . م حيث بدأ لاستعداد للمرحلة الجديدة من حملته .

       وفي خريف عام 331 ق . م قاد أخطر حملة ضد داريوس الذي  كان قد تراجع بعد معركة ايسوس الى بابل وهناك بقى الملك الفارسي يستعد للقاء خصمه وأعاد تنظيم قواته وراجع أساليب قتالها .

       حدثت المعركة في اكتوبر عام 331 ق . م بالقرب من مدينة جاوجميلا وقد انتهت هي الاخرى لصالح المقدونيين , وتمكن داريوس الثالث من النجاة حيث التجأ الى منطقة ميديا محاولا أن يعيد تنظيم مقاومته من جديد وحاول مرة ثالثة أن يوقف الزحف المقدوني عن طريق المفاوضات فأقترح على الاسكندر إيقاف حملته على الشرق في مقابل منحة كل المناطق الواقعة غرب نهر الفرات كما أبدى داريوس رغبته في إطلاق سراح أفراد أسرته لقاء مبلغ عشرة آلاف تالنت وعرض على الاسكندر أيضا أن يزوجه ابنته ستاتيرا وان يترك احد أبنائه كرهينة عنده دليلا على حسن نيته .

       أثارت هذه المقترحات عددا من ردود الفعل بين معاوني الاسكندر الاكبر ويذكر أن أحدهم ويدعى بارمينيون قال له (( لو كنت الاسكندر لقبلتها )) فأجابه الاسكندر (( ولو كنت أنا بارمينيون لقبلتها أيضا )) رفض الاسكندر أي محاولات للصلح وايقاف القتال لانه كان يرى وجود الملك داريوس خطرا على كل ماحققه من انتصارات ولذلك واصل حملته واحتل مدينتي بابل وسوسا ثم اتجه بقواته تجاه العاصمة برسيبولس فاحتلها ولكنه أمر باحراقها في صيف 330 ق . م ويقال انه أعطى هذا الامر وهو ثمل وانه ندم على ذلك كثيرا وربما كان هذا القرار بالتدمير مقصودا به التأثير على الفرس باحداث نفس الآثر الذي تركه تدمير طيبه على اليونانيين .

       توجه الاسكندر بعد ذلك إلى منطقة بكتريا جنوب بحر قزوين وذلك لمطاردة داريوس الذي كان يعيش في ظل ظروف حرجة ويتعرض للمؤامرات من جانب معاونية , وعندما وصل الاسكندر الى تلك المنطقة كان داريوس قد قتل على يد أحد ولاته المدعو بسوس والذي أعلن نفسه ملكا وتلقب باسم ارتاكسركيس الرابع , وقد اعترفت مناطق بسادته مثل سوكديا و بكتريا وأراخوريا .

       كان على الاسكندر ان يواجه الجديد وان يخضع لسلطته كل هذه المناطق الشرقيه البعيدة وأعلن انه يخلف الملك داريوس الذي قتله بسوس وانه حمل السلاح للانتقام من قتله داريوس والاستيلاء على أملاك الدولة الفارسية ولكنه لاحظ قسوة المناخ خاصه بحر قزوين فضلا عن انتشار السلاسل الجبلية بالاضافه الى قدرة تلك الشعوب على المقاومه وتحمل شظف العيش في سبيل صيانة استقلالها وقد زاد من مناؤه هذه المناطق انها كانت الملجأ الذي تجمع فيه كل المناوئين لحكم الاسكندر من مقدونيين ويونان وفرس .

       وقد شاهد الاسكندر آثار عنف المقاومه عندما نجح أصحاب البلاد في استعادة مركندا وهي سمرقند الحالية وقتلوا حاميتها اليونانية وكانت تضم الفي جندي .

       رأى الاسكندر من الحكمه ان يغير اسلوبه في القتال فطرح الحرب النظامية جانبا واقتصر خلال الفترة من 330- 327 ق . م على حرب العصابات كما عهد الى المهادنات السياسية وتزوج روكسانا ابنه احد ملوك بكتريا . نجحت الخطة الجديدة واستولى الاسكندر على اهم الاقاليم الفارسية الشرقية وهكذا سيطر الاسكندر على اغلب اقسام الامبراطورية الفارسية .

       اندفع الاسكندر شرقا في المرحلة الاخيرة من حملته وقد استغرقت الفترة من 327 الى 325 ق . م وقد سعى الاسكندر فيها الى ان يفتح مناطق وادي الهندوس والاسباب التي دفعته الى هذا العمل غير معروفه بدقة والافتراضات غير مقنعه على كل حال فقد قسم الاسكندر جيشه الى ثلاثة مجموعات قاد واحدة منها بينما كان هيفايستون مسئولا عن الثانية وقاد برديكاس الفرقة الثالثه وكانت مهمة كل واحده منها تقتصر على احتلال جزء من واحدي كوفن احد روافد الهندوس وقد نجحت هذه القوات في الالتقاء في شمال غرب الهند وشاركت في الاستيلاء على وادي الهندوس وروافده .

       وقد خاض معركة عنيفة ضد الملك الهندي بوروس وتكبد الجنود المقدونيون الكثير من الخسائر رغم انتصارهم في المعركة وذللك بسبب الافيال التي استخدمها بوروس في القتال .

       والمعروف أن الاسكندر كان يرغب ففي الزحف شرق نهر Hydaspes احد روافد نهر الهندوس ولكنه صادف تمردا من جنوده ادى به الى طرح هذه الفكره نهائيا وبدأ التفكير والاعداد للعودة الى بابل فبنى أسطولا أبحر به في دلتا الاندوس Indus ثم أرسل نيارخوس بالاسطول عبر الطريق الذي لايعرفه وصولا الى رأس الخليج الفارسي اما هو نفسه فقد قاد رجاله خلال الأقاليم الصحراوية التي تقع في الوقت الحاضر في بلوخستان Baluchistan   وجنوب افغانستان وكذلك جنوب ايران صاحب هذه المسيرة صعوبات كثيره ولكنها انتهت الى سوسا في عام 324 ق . م وهناك وجد كثيرا من الرسميين الذين اختارهم لكي يحكموا المنطقة قد انغمسوا في المشاكل وسؤ الحكم وبعد أن وصل الى بابل ظهرت عليه اعراض حمى المستنقعات ومات بسببها يوم 13 يونية سنه 323 ق . م .

       أننا نعجب بعظمة الاسكندر الاكبر وصبره وثاقب رأيه وقد مكنت له هذه الصفات من كل العالم المتمدن القديم ونجح في ان يقيم امبراطوريته العالمية في مدة لا تزيد عن عشر سنوات ولكن كل نجاحات الاسكندر تتضائل أمام الآثار الحضارية التي نتجت عن حملته العالمية التي ادت الى نشر اليونانية في الشرق الأدنى القديم وتوغلت كذلك في داخل آسيا وبعد موته في عام 323 ق . م استمر تأثير الحضارة اليونانية في الانتشار في كل عالم البحر المتوسط وغرب اسيا وصحيح ان حروب قواده سجلت تقسيم الامبراطورية ونهايتها ولكنها سجلت أيضا اقامة اسر ملكية مقدونية في كل من مصر وسوريا وفارس وقد ساعد ذلك على دخول عالم ذلك الزمان في وحده أوسع تجاريا وثقافيا وبينما كانت المدن اليونانية نفسها تعاني الاضمحلال برزت مدن جديدة تولت زمام القيادة الحضارية أهم هذه المراكز بلا شك كان مدينة الاسكندرية التي كانت قوة هامه في التجارة والأدب وفنون ذلك الزمان حتى اطلق على ذلك العصر في بعض الاحيان ( العصر الاسكندري ) ولكنه يعرف عاده باسم العصر المتاغرق Hellenisticage  وينتهي هذا العصر بسقوط الاسكندرية في ايدى الرومان خلال القرن الاول ق . م .

الرومــــان

نشأة الرومان وقيام النظام الملكي

أ  – نشأة روما :

       تقول أشهر الأساطير أن انياس أحد أبطال طروادة جال في البحر المتوسط بعد سقوط المدينة حتى نزل بالساحل الشمالي لأفريقيا عند قرطاجة وهناك التقى بالملكه ديدو التي هامت به حبا ثم انتحرت عندما هجرها وواصل رحلته الى الساحل الايطالي حيث نزل بسهل لاتيوم واخضع القبائل البدائية القاطنه هناك وأسس مدينة Lavinium  ثم أسس ابنه اسكانيوس  مدينة البالونجا وبعد مضي عدة أجيال أنشأ رومولوس أحد أحفاده مدينة روما وليس لهذه الاسطورة قيمه تاريخيه الا أنها توضح ميل الرومان إلى ربط تاريخهم بالإغريق الأعلى ثقافه .

       وإذا تركنا الأساطير جانبا فإننا نحد أن روما قد نشأت كمركز دفاعي متقدم عن اللاتين الذين سكنوا لاتيوم ضد الاتروريين الذين كانوا قد قويت شوكتهم في المنطقة الواقعه الى الشمال من نهر التيبر (اتروريا ) وتم ذلك في ختام تطورات تاريخيه فرضتها الظروف المختلفه . ومن المعروف ان اللاتين اتجهوا الى سكنى المناطق المرتفعه في سهل لاتيوم منذ قدومهم حوالي منتصف الالف الثاني ق . م .

       وفي بواكير العصر التاريخي بدأ هذا الاقليم يحتك بالشعوب المحيطه به خاصه الاغريق والاتروريين الذين يرجع اليهم الفضل فيما احرزه اللاتين من تقدم حضاري . ومالبثت القرى ان تحولت الى مدن تحيط الاسوار بها وتقوم بها المعابد والقلاع على النظام الاتروري وزاد سكان اقليم لاتيوم في القرن السادس زيادة كبيرة نظرا لأعمال الرى واقامة الخزانات التي اشتهر بها الاتروريون

       أما من الناحية السياسية فليس هناك دليل على قيام وحده بين اللاتين وان سعت المدن القوية الى ابتلاع القرى الضعيفة واخضاعها لها ومن الملاحظ أنه رغم التفكك السياسى الذي عاشه أهل هذا السهل ( لاتيوم ) فقد تمتعوا باحساس مشترك بالأصل الواحد وان لهم مصالح مشتركة . ومن ثم اتجهت هذه المدن والقرى الى الاشتراك معا في مناسبات دينيه معينه أو عقد تحالفات من أجل صد عدو مشترك ونتج عن ذلك قيام مجموعتين من الاحلاف في سهل لاتيوم المجموعة الاولى قادتها البالونجا اقدم المدن في سهل لاتيوم وقامت المجموعة الثانية بين القرى الواقعه في الشمال حيث المنطقة التي نشأت فيها روما فيما بعد ,وعرف الحلف الأخير بحلف التلال السبع .

       ورغم أهمية مدينة البالونجا الا ان وقوعها في الجنوب بعيدا عن الخطر الحقيقي  القادم عبر النهر حيث الاترويين جعل الأهميه الكبرى تتجه الى القرى الشمالية المواجهة للخطر .

       وفي هذه المنطقة الشمالية نشأت روما على جزيرة في نهر التيبر كمركز دفاعي عن سهل لاتيوم ضد الاترويين الذين كان من السهل عليهم استخدامها لعبور النهر وتهديد اللاتين ويعود تاريخ أنشاء روما الى حوالي عام 753 ق .م  .

       وهكذا بدأت روما تاريخها كنقطة دفاع متقدمة عن شعب الاتين الذي تنتمي اليه في مواجهه الاتروريين الذين لاتربطهم بها أي أواصر . وللحق فان موقعها على نهر التيبر كان أفضل موقع استراتيجي في ايطاليا كلها . فهي تقع في قلب شبه الجزيرة وكان اتصالها بالبحر ميسورا عن طريق البر والنهر . كما كانت اتصالاتها سهلة الى وسط ايطاليا عن طريق وادى التيبر وجعلها بعدها النسبي عن البحر في مأمن من غارات القراصنه ومع ذلك كانت قريبه منه قربا يتيح لها استخدام البحر بسهولة وهذا بالاضافه الى أن اعدائها المبكرين من الاتروريين علموها كيف تستفيد من مميزات موقعها منذ فجر تاريخها باضطرارها المستمر الى استخدام مميزات هذا الموقع في الدفاع عن نفسها ضد غارات الاتروريين .

ب – الملكية في روما :

       تطورت الحياة في روما لتصبح اقرب الى الاستقرار وبعد أهلها عن الحياة البدائية المضطربه فتكونت الأسر التي كانت تضم بالإضافة الى الوالدين والأبناء والأحفاد عددا من العبيد سواء كانوا قد استرقوا بسبب الحرب أو العجز عن الوفاء بالدين أو غير ذلك من الأساليب , كما كان ينضم الى الاسر بعض الاحرار الذين يربطون مصيرهم بمصير أسر معينه نتيجة العمل وكانوا يعرفون بالاتباع ( ولعلها تقابل الحلفاء عند العرب في الجاهلية).

       عرفت روما في بداية حياتها الحكم الملكي وقد وصلنا بقايا نقش من القرن
السادس ق . م ذكر فيه بوضوح كلمات ملك (Rex) وقد عرفت روما عددا من الملوك ربما كان بعضهم شخصيات تاريخيه إلا أننا لا نملك سجلا وافيا نعتمد عليه في معرفة تفاصيل حياة هؤلاء الملوك وكيف حكموا وما الذي ساد بلدهم من النظام , وان كان الارجح ان الملك الاول  لروما كان  لاتينا ثم غزاها التروريون وحكمها احدهم هو لوكيوس تاركوينوس بريسكوس ولكن الرومان قاوموا هذا الاستعمار وربما نجحوا في طرد هذا الملك وتولى العرش سرفيوس توليوس الذي يبدو ان اسمه روماني . وربما استعاد الاتروريون السلطة حيث تولى لوكيوس تاركينوس المتكبر العرش وبقى عليه الى ان تم القضاء كليا على الملكية في
عام 509 ق . م .

       وقد قام الاقتصاد الروماني في العصر الملكي على زراعة الحبوب وان كانوا يعرفون بعض الغروس مثل أشجار الكروم . كما عرفوا رعي الأغنام والماشية على نطاق ضيق نظرا لعدم سيطرة روما في العصر الملكي على مناطق مراعي صيفية .

       ورغم اعتماد المجتمع الروماني المبكر على الزراعة والرعي إلا أنه شهد بعض النشاط الصناعي والتجاري وتظهر الآثار التي تدل على معرفة صناعات الفخار والبرونز والحديد فضلا عن الجلود والأخشاب وصياغة الذهب . كما قامت تجارة رومانية مع الاغريق والاتروريين .

       عبد الروماني في العصر الملكي عددا من القوى التي يحبها ويأمل الخير لنفسه من تقربه إليها أو يكرهها ويأمل أن يؤدي تقربه إليها الى كف شرها عنه ولذلك تجده قد عين جانوس حارس الأبواب ولارفا مليارس حامى البيت والأرض و بيناتيس حارس مخازن الحبوب وفستا راعية النار ومارس باعث الحياة في النبات كل ربيع وجوبتر الذى يسيطر على الشمس والامطار وجونو راعية النساء .

       والواضح ان فكرة الرومان عن معبوداتهم في البداية كانت غامضة حتى انهم لم يكونوا قادرين بأن يقطعوا بكونها ذكورا أم أناثا . وقد تسبب هذا في تأخير ظهور تماثيل لها . وما اعتقدت به الأسرة قوى حامية اعتمدته الأمه كآلهة لها وهكذا أصبح جانوس حارب أبواب روما ومارس آلة الحرب الروماني وجوبتر الآلة الأكبر الذى يسهر على مصالح الدولة الرومانية تعاونه جونر ومنيرفا وتكون من الثلاثه ثالوث روما الأكبر .

       تأثرت الديانة الرومانية بالاغريق والاتروريين فظهرت المعابد والتماثيل على الطراز الاتروري كما ظهرت النبؤات والمتنبؤن . وكانت الديانة الرومانية قد أستقرت واتخذت سماتها الدائمة عند نهاية العصر الملكي .

       ضم الشعب الروماني منذ العصر الملكي طبقتين إجتماعيتين هي طبقة النبلاء وطبقة العامة ومن الواضح اتفاق الطبقتين في  الأصول العريقة وإنما بسبب الأحوال الاقتصادية تألفت طبقة النبلاء من كبار ملاك الأرض وتمتعت بنفوذ وامتيازات كبيرة في الدولة ومن ثم احتكروا المناصب العليا في الدولة في كل مؤسساتها . ولكن العامة كانوا من ملاك الأرض الصغار ومن التجار والحرفيين وكذلك المزارعين الأحرار في أراضي النبلاء . وكان هؤلاء هم من يطلق عليهم الحلفاء وكانوا يرتبطون بالنبلاء في الحقل والحرب أيضا .

       وكانت الملامح الرئيسية في التنظيم السياسي لمدينة روما خلال العهد الملكي لا تختلف كثيرا عن عما كان شائعا في أية مدينة عادية من مدن الدول التي عرفها العالم القديم فالعامة كانوا يجتمعون من حين لآخر في مجلس يدعى مجلس الأحياء كان يجتمع فيه هؤلاء على حسب الأحياء التي يسكنونها والتي تنقسم اليها روما . ولم تكن مهمة هذا المجلس في الواقع تزيد على أكثر من الموافقة على القرارات التي يصدرها مجلس الشيوخ الذي كان يضم ارستقراطية روما .

أما العنصر الثالث في هذا التنظيم السياسي فكان يمثله الملك (Rex) الذي كانت بيده السلطة القضائية وقيادة القوات المحاربة .

       لم تكن الملكية الرومانية وراثية بل كانت انتخابية على النحو الذى عرفته المدن الاغريقية حيث يتزعم الملوك عددا من الأسر النبيله وكان زعماء هذه الأسر هم الذين يختارون الملك ثم يقر الشعب هذا الاختيار وكان هذا الملك يملك السلطة التنفيذية كما كان ( يصدر القوانين ) فضلا عن أنه كان القاضي في وقت السلم وكان القائد الحربي في المعارك كما كان يقترح خلفه وان كان اقرار هذا الخلف يتطلب بالضرورة موافقة مجلس الشيوخ وكذلك مجلس الاحياء وكان يقال تعبيرا عن تمتع الملك بهذه السلطات انه يتمتع بسلطة الامبريوم  لايحدها في وقت السلم إلا العرف القاضي بضرورة استشارة كبار السن ( الشيوخ) أما في وقت الحرب فقد كانت الامبريوم مطلقة .

       وقد كانت السلطة المطلقة سببا في شيوع النظام الصارم الذي ساد روما على العهد الملكي , والذي انعدمت فيه بشكل ظاهر آية مشاحنات دامية بين ارجائها ولكن هذه السلطة الصارمه المستبدة كانت من جانب آخر سببا في انهيار النظام الملكي اذ أدت الى تذمر الطبقة الارستقراطية , وهكذا تهيأ الجو الساخط الذي لم يكن ينقصه سوى الشرارة للانفجار . وقد جاءت هذه الشرارة في شخص آخر الملوك تاركوينيوس الذي أطلق عليه اسم المتكبر نظرا لتصرفاته المستبدة التي زاد من وقعها على الشعب أنه كان ذا أصل اجنبي , فقد كان ينتمي الى العنصر الاتروري .

       ولكن اذا كان الاتروريون قد سقطوا كأسرة مالكة فان هذا لا يعني أنهم قد أختفوا كعنصر من المجتمع الروماني . وقد تمت سيطرتها اذ بقيت مجموعة غير قليلة من الأسر الرومانية التي لها مكانتها في المجتمع , تنتمي الى أصل أتروري فيما تلى ذلك من عصور وكان أفرادها فخورين بذلك .

       كذلك فإن قرنين ونصف من الحكم الاتروروي لروما , الذي بدأ في أواسط القرن الثامن ق . م قد تركا الطابع الاتروري في اكثر من جانب من جوانب التنظيم الاجتماعي الروماني وظهر هذا بوجه خاص في جانبي التنظيم الديني والقبلي .

التوسع الروماني في ايطاليا

أ‌-        روما واللاتين:

قبل التحدث عن تطور العلاقة بين روما واللاتين تجدر الاشارة الى أن اقليم لاتيوم كان سهلا ملائما لقيام اتحاد فيدرالي وقد ساعد على ذلك أن اللاتين كانوا مكتظين في مساحة ضيقة نسبيا بين التلال والبحر وكان هذا مدعاة لتركيز قوتهم .

لذلك فبعد مايقل عن عشرين عاما من استقلال روما عقدت روما معاهدة كاسيوس في 493 ق. م بينها وبين مدن لاتيوم وقد نصت هذه المعاهدة على ان يبرم السلم بين الرومان ومدن اللاتين مادامت السموات والأرض , وان يشتركا على قدم المساواة في جميع غنائم الحرب فيتبادل الطرفان المساعدة في حالة الحرب , كما نصت ايضا على تبادل حقوق المواطنه أي مبدء توحيد نظام القانون الخاص فأصبح في وسع أي مواطن في مدينة لاتينيه (بما في ذلك روما ) أن يبيع أو يشتري أو يتملك في أي مدينة أخرى وإذا حدث زواج بين طرفين من مدينتين لا تينيتين فزواجه شرعي بما يترتب عليه من حقوق وواجبات .

ولكن كدأب تلك الاتحادات القديمة كانت المدينة القوية بين أعضائها تستطيع بالوقت في التدخل في شئون المدن الأخرى ان تتبوأ مكانة الزعامة , ولا ريب ان روما سرعان ما أحرزت نوعا من الزعامة في سهل لاتيوم بموقعها الممتاز على نهر التيبر ونجاحها في مقاومة الاتروريين وهكذا رجحت كفتها على المدن اللاتينية الأخرى التي كانت تتعرض لغارات متقطعة من اعداء أقل تحضرا من الاتروريين .

دخلت روما عددا من الصراعات التي أدت الى تثبيت مركزها الزعامي في لاتيوم وبدأ ذلك بالصراع مع ( Veii ) المدينة الاترورية العظيمه الواقعة الى شمال نهر التيبر وقد استمر الصراع معها مايزيد على قرن . وقد امتد هذا الصراع الى فيدناي وهي مدينة سابينية شمال روما على التيبر استخدمتها فييى قاعدة للهجوم على روما من تلك الناحية , وقد دمر اليونان فييى تدميرا تاما عندما سقطت في أيديهم في عام 396 ق . م بعد حصار قالوا انه استمر عشر سنوات كحصار طرواده .

أدى انتصار روما في هذا الصراع الطويل الى تغيير أسلوب معاملتها لحلفائها اللاتيين , وكانوا قد ساعدوها عندما هرعت اليهم طالبة عونهم ولكنها بعد النصر عاملت المدن اللاتينية الأخرى بصلف مما أثار عليها سخط هذه المدن وقد أدى ذلك الى تخلي اللاتين عن روما في عام 391 ق. م عندما وصل ثلاثون الفا من الغاليين الى كلوزيوم وبعد عام واحد التقوا بالرومان على نهر البا . وبعد دخولهم روما ظلوا سبعة شهور يحاصرون الرومان في الكابيتول حتى استسلم الرومان ودفعوا غرامة حربية قدرها الف رطل من ذهب عادوا بعد ذلك في 367, 358, 350 ق . م ولكن نجح الرومان في صدهم وقد آثار الغال الرهبة في نفوس الرومان ولكنهم لم يدمروا روما ولم يحتلوها وانما اكتفوا بنهبها والانسحاب بنفس السرعة التي جاءوا بها , وتركوا وراءهم ذكرى لم تمنح من نفوس الرومان عبر القرون بما اقترفوه من الرعب والاهوال .

أدى تقاعس الحلفاء عن نصره روما الى اتجاه الرومان لتشديد قبضتهم على المناطق الواقعة الى الشمال من روما لكي يتقوا شر هجوم مفاجيء جديد . ثم بدأوا بعد ذلك يصفون حساباتهم مع أعضاء العصبة اللاتينيه الذين تخلوا عن روما أثناء محنتها , بل ولجأت بعض المدن خلال الأزمه الى الثوره ضد النفوذ الروماني مثل مدينتي تيبور وبرينستي ولذلك بدأت روما المنتصرة في اذلال حلفائها بصورة مستمرة وفرضت عليهم كثيرا من الفروض التي قبلها اللاتين على مضض . ويتضح من إحدى المعاهدات التي عقدتها روما مع قرطاجه 348 ق . م ( أقوى دولة بحرية في ذلك العصر ) ان روما كانت قد فرضت نوعا من التبعية على حلفائها القدامى فنصت المعاهدة على ألا تتعرض قرطاجة للمدن اللاتينيه الموالية لروما , بل وتعهدت أيضا بأن تعيد لسيطرة روما أية مدينة لاتينية متمردة اذا سقطت في يدها .

ان نصوص المعاهدة تشير بوضوح الى توقع روما قيام اللاتين بالتمرد على سلطاتها وكان هذا التوقع في محله فقد ثارت هذه المدن على سلطة روما في 340 ق . م ورغم مساعدة كمبانيا لللاتين , فقد انتصر الرومان انتصارا ساحقا في معركة جرت عند جبل فيزوف قرب نابولي الحالية , وأعقب ذلك قرار روما بحل العصبة وفرضت على المدن اللاتينية (338 ق . م ) لونا أخر من العلاقات أصبح بمقتضاه روما قنوات الاتصال عليها مع كل مدينة على حدة بينما حرمت هذه الاتصالات على المدن اللاتينية كل مع الأخرى وبذلك أصبح للروماني كافة الحقوق في كل المدن اللاتينية بينما كان مواطن أي مدينة لاتينية لايتمتع بهذه الحقوق إلا في مدينتة وروما كما سبق ان ذكرنا , ومن الواضح ان هذه السياسة اتسمت بالقسوة ولكن روما لجأت إليها من أجل احكام سيطرتها على موارد لاتيوم العسكرية والاقتصادية حتى لاتفاجىء مرة أخرى بموقف تخاذل من اللاتين مثلما حدث فيما سبق .

من ذلك الوقت أصبح اللاتين حلفاء لروما من الناحية النظرية ولكنهم كانوا رعايا لها من الناحية العملية يخدمون في القوات الرومانية المساعدة وكان من يحصل منهم على حق المواطنة الرومانية يكون له الحق في الخدمة في Legiones .

بدأت روما تؤسس مستعمرات جديدة , هذه المستعمرات كانت أما رومانية أو لاتينية ولم تكن المستعمرة اللاتينية تتكون بالضرورة من اللاتين فقط فقد يكون من بين سكانها رومان أو لاتين أو غيرهم ولكن سكان المستعمرة اللاتينية تتحدد علاقاتهم مع روما وحقوقهم على أساس الحقوق اللاتينية أي حق العمل والتعامل والزواج مع الرومان فقط وبمضي الوقت أصبح تعبير لاتيني وروماني لايدل على شعب بعينة وانما على وضع قانوني معين .

السيادة الرومانية على حوض البحر المتوسط

أولاً : الصراع بين روما وقرطاجة والسيطرة على غربي المتوسط .

       قبل أن ينتهي الرومان من فتح ايطالية كانت الظروف الدولية قد جرتهم الى أولى مغامراتهم الكبيرة خارج شبه الجزيرة فقد اندلعت الحرب بينهم وبين القرطاجيين . المعروف ان علاقات روما وقرطاجة كانت  فيما مضى من قرون تتسم بالود والصداقة والمصالح المتبادلة ولكن اختلفت المصالح فان روما التي اطلت حديثا باملاكها على مضيق مسانا رأت الوجود القرطاجي المتزايد في صقلية خطرا عليها , كما ان قرطاجة كانت تسعى الى فرض نفوذها على مابقى خارج هذا النفوذ من مدن يونانية في صقلية وهي بذلك كانت تنفذ سياسية قرطاجية ثابته بفرض نفوذها على طريق التجارة في غرب البحر المتوسط وطرد المنافسين من هذه المناطق .

       وهكذا يمكن ان نقرر ان تصادم القوتين الكبيرتين كان امرا لا مفر منه , وعندما تفجر الصراع بين قرطاجة وروما في عام 264ق . م فقد كانت نتيجة طبيعية افرزتها الظروف السياسية التي سادت غرب البحر المتوسط في الفترة من 275 الى 264 ق . م الفترة الفاصلة بين طرد بيرهوس من ايطاليا وقيام الحرب الأولى بين روما وقرطاجة .

       والبحث عن الاسباب المباشرة لقيام هذه الحرب لا يعدو ان يكون بحثا عن عود الثقاب الذى اشعل مواد ملتهبة وضعت في جو حار . فان لم يشعلها الثقاب فانها كانت ستنفجر ذاتيا بفعل الظروف المحيطة .

       قامت الحرب الأولى على اثر احتلال مجموعة من المرتزقة الايطاليين لمدينة مسانا واستعد هيرون حاكم سيراكوز لمحاربتهم فلجأوا إلى كل من روما وقرطاجة اسرعت قرطاجة إلى احتلال المدينة ثم ضاق اهل مسانا بهم فاستنجدوا بالرومان ونجحوا في نفس الوقت من طرد القرطاجيين من المدينة .

       أما روما فقد وقفت امام اختبار دقيق فقد كان عليها أن تختار بين حليفها هيرون وبين المرتزقة الايطاليين في مسانا . فضل الرومان ان يتدخلوا لصالح المرتزقة خشية أن يتخلوا عنهم فيلجأون الى قرطاجة من جديد . اما قرطاجة فقد قررت ان تستولي على مسانا من جديد بسبب مانال هيبتها هناك حتى لو أدى ذلك للقتال مع الرومان الحفاء الجدد لحكام مسانا .

       وفي الجولة الاولى من هذه الحرب (264-241 ق. م ) دفع الرومان بأكبر عدد ممكن من قواتهم الى المعركة , كما اضطروا الى انشاء اسطول بحري بغرض الاستمرار فيه وانتهت الجولة بصلح بين القوتين المتناحرتين في 241 ق. م استولت روما بمقتضاه على جزيرة صقلية وجعلت منها أول ولاية رومانية .

       ولم تكد ثلاث سنوات تمر على انتهاء الحرب الأولى حتى فكر الرومان كامتداد للمغامرة التي كسبوا على أثرها ولايتهم الاولى في جزيرة صقلية , ان يستولوا على جزيرتي كورسيكا وسردينية اللتين كانتا تدخلان في دائرة نفوذ قرطاجة . وقد تم استيلاء الرومان على هاتين الجزيرتين على اثر حجة واهية وكان هذا الاستيلاء سببا في اندلاع الحرب الثانية بين روما وقرطاجة وفي سبيل الاستعداد لهذه الحرب قام القائد القرطاجي هاملكار باخضاع المناطق الواقعة في جنوبي اسبانيا حتى يستطيع ان يجمع الاعداد اللازمة لمضاعفة القوات القرطاجية من بين سكانها وفي 218 ق . م , قام ابنه هانيبعل بهجوم اجتاح فيه ايطاليا بقوة مكونة من الاسبانيين وسكان شمالي افريقية .

       وقد استطاع هذا القائد الافريقي ان يلحق بالرومان في الاشواط الاولى من الحرب الثانية هزائم ساحقة . ففي موقعة كاناى مثلا تمكن هانيبعل بقوة صغيرة من القضاء على جيش روماني كامل يبلغ عدده خمسين الف مقاتل ولكن الرومان الذين اعتمدوا على المساعدات العسكرية التي كان يمدهم بها حلفاؤهم الايطاليون استطاعوا أن يعوضوا الاعداد التي فقدوها في كاناى ولجأوا الى حرب المراوغه التي تمكنوا عن طريقها من انهاك قوات هانيبعل حتى اصبح في مقدورهم أن يوجهوا اليه هجوما مضادا .

       وقد قام بهذا الهجوم المضاد القائد الروماني كورنيليوس سكبيو الذي خبر طريقة هانيبعل في القتال ثم بدأ يطبقها بقواته الكبيرة العدد ضد القوات القرطاجية القليلة العدد نسبيا . وهكذا استطاع سكبيو بين 210 و 206 ق . م ان يجبر القرطاجيين على التراجع من اسبانيا , ثم تبعهم الى شمال افريقية حيث استطاع ان يلحق الهزيمة النهائية بقوات هانيبعل في موقعة زامه في 202 ق . م التي اضطرت قرطاجة امامها الى قبول شروط للسلم فرضتها روما عليها على حساب السيادة القرطاجية في السنة التالية مباشرة .

       ولكن اذا كان القرطاجيون الذين رأوا في هانيبعل وقواته أملهم القوى في حربهم مع روما قد انحدروا بعد موقعة زامه الى درجه من الركود العسكري والسياسي كانت تقارب التبعية للدولة التي هزمتهم – نقول اذا كان القرطاجيون قد وصلوا الى هذا الوضع فان الرومان من جانبهم لم يركنوا الى الامان , وانما كانوا يعتقدون دائما ان القرطاجيين ينتظرون فرصه مواتيه لحرب انتقاميه أخرى كتلك التي شنوها تحت قيادة هانيبعل . وهكذا أخذ الرومان يتلمسون الفرصة لكي يبادروهم بالمهاجمة .

       وقد جاءت الفرصة بعد مرور خمسين عاما من انتهاء الحرب الثانية مع قرطاجه حين وقع القرطاجيون في خطأ بسيط في تطبيق أحد بنود السلم الذي فرضه الرومان في 201 ق.م وهنا شن الرومان هجومهم الذي عرف باسم الحرب الثالثة ( 149 – 146 ق . م ) وحاصروا مدينة قرطاجة واستولوا عليها ودمروها نهائيا ثم باعوا من تبقى من سكانها في أسواق النخاسه وهكذا تحولت أراضي  قرطاجة ( تونس الحالية ) الى ولاية رومانية تحت اسم (( افريقية )) .

       أدت الحروب التي قامت بين روما وقرطاجة الى القضاء على قوة قرطاجة واقامة ولاية افريقية فحسب كما أدت ايضاء سواء بطريق مباشر أو غير مباشر الى سيطرة روما على القسم الغربي للبحر المتوسط اذ سيطرت على صقلية وكوريسكا وسردينيا نتيجة الحرب الاولى كما سيطرت على منطقة اسبانيا التي كانت تابعة لقرطاجة خلال الحرب الثانية بالاضافه الى ماحققته من وجود في شمال افريقيا التي سقطت في يديها منطقة تلو الاخرى .

       كذلك استطاع الرومان في اثناء الحرب الثالثة أن  يضعوا أقدامهم في غاله عن طريق تحالف تم بينهم وبين مدينة ماسيلية طلبت بمقتضاه من روما في 125 ق. م مساعدتها ضد هجمات القبائل الغالية الواقعة الى شماليها . وقد مدت اليها روما يد المساعدة وانتهى الامر الى سيطرة الرومان على القسم الشرقي للمنطقة التي تعرف الان بفرنسا , واصبحت المنقطة ولاية أخرى من الولايات الرومانية . وهكذا لم يأت عام 120 ق . م حتى كان القسم الغربي للبحر المتوسط قد اصبح يدين بالتبعية والولاء لروما .

ثاينا : سيطرة روما على شرق حوض البحر المتوسط

       كان الشرق الهلينستى قرب نهاية القرن الثالث ق . م يضم عددا من الواحدات السياسية متفاوته القوه أهمها مصر تحت حكم البطالمة (323- 30 ق. م ) ومقدونيا تحت حكم الانتيجونيين (279 – 168 ق . م ) والمملكة السلوقية وكانت تضم بلاد مابين النهرين والساحل السوري وبلاد الفرس (311 – 64 ق . م ) بالاضافه الى بعض الممالك الصغيرة التي قامت في اسيا الصغرى مثل مملكة بنطس على البحر الاسود والتي اسسها مثريداتيس الاول (280 – 47 ق . م ) وبرجاموم التي قامت في الجزء الغربي من اسيا الصغرى (230 – 133 ق . م ) كما عرفت تلك الفترة قيام عدد من الاتحادات في شبه جزيرة اليونان أهمها العصبة الايتولية بقيادة أمبراكيا والعصبة الآخية بقيادة كورنثا كما عرفت بلاد الاغريق بعض المدن الدول القديمة التي حافظت على وجودها مستقلا نتج هذا الواقع السياسي عن تمزق امبراطورية الاسكندر المقدوني الذي فتح أغلب دول العالم القديم كما فتح الباب أمام حضارة العصر الهلينستي التي نتجت عن امتزاج المؤثرات الحضارية الاغريقية بالعناصر الحضارية الشرقية .

       عاشت هذه الدول تتطاحن فيما بينها وتحاول كبراها التوسع على حساب صغراها أو أن تستعملها ضد أعدائها وقد أدى واقع التمزق الذي عاشته دول العالم الهلينستي الي تمهيد السبيل امام روما لكي تسيطر عليها واحدة تلو الأخرى .

أ‌-        تدخل روما في الشرق الهلينستي

رغم انهماك روما في صراعها المميت ضد قرطاجة إلا أن علاقتها ومصالحها مع شرق البحر المتوسط قامت واتسعت والمعروف أنها استقبلت سفراء من مصر وكانت سفنها تحمل التجارة بينها وبين السواحل اليونانية أثناء الحرب الثانية مع قرطاجة .

       لقد تزايد هذا الاهتمام الروماني بشرق البحر المتوسط وما يجري على شواطئه مع تزايد نفوذها السياسي في المنطقة . والمعروف أن روما تدخلت عسكريا ضد الليريا في عام 229 ق . م مما أدى الى قيام علاقات عداء بينها وبين مقدونيا أسفرت عن قيام الحرب المقدونية الأولى والتي استمرت 215 – 205 ق . م وانتهت دون تغيير في أوضاع الخصوم.

       وبينما كانت روما مشغوله بحسم معركتها مع قرطاجة والتي انتهت بأنتصارها في زاما (202 ق . م ) ثم عقدها اتفاقية الصلح مع قرطاجة في عام (201 ق . م ) كانت أوضاع العالم الهلينستي في الشرق تتطور على غير ماترغب , ففيليب الخامس عدو روما ينجح في تدعيم مركزه في بلاد اليونان ويتحالف مع أنطيوخس الثالث ملك سوريا على اقتسام املاك مصر الخارجية في ظل التدهور البطلمي الذي تلى اعتلاء بطليموس الخامس الطفل لعرش مصر .

       وأدت المعارك العسكرية التي تمت عقب اتمام الاتفاق السري بين أنطيوخس وفيليب الى انتصارات هائلة لانطيوخس استولى على اثرها على فلسطين وفينيقيا وجزء من سوريا الجنوبية وضمها بصورة دائمة الى أملاك السلوقيين بعد أن كان يتبادلها البطالمه والسلوقيين لاكثر من قرن . ولكن المعارك التي خاضها فيليب أدت الى كارثة له حيث نجحت رودس وبرجاموم في ايقاف تقدمه ونجحا في حصاره في كاريا في عام 201 – 200 ق . م ثم أسرعتا بطلب مساعدة روما لهما في صراعهما مع فيليب .

       ورغم أن روما كانت منهمكه من جراء الحرب الثانية مع قرطاجة وكانت رغم انتصارها في حاجة ماسه الى فتره هدوء تعيد فيها تنظيم أمورها ولكنها نظرا للعداء السابق بينها وبين فيليب وتحت ضغط الروديسيين أعلنت روما الحرب على فيليب مما أضطره الى اخلاء كل أملاكه خارج مقدونيا تقريبا . ومنذ ذلك الوقت بدأت روما سلسلة من الحروب استطاعت خلالها القضاء على قوة المملكتين القائدتين في العالم الهلينستي ( مقدونيا والدولة السلوقية ) ولقد ساعد الرومان أن جزءا كببيرا من العالم اليوناني خصوصا في رودس وأثينا وبرجاموم كانوا الى جانبهم خوفا من أطماع فيليب وانطيوخس .

       وهكذا قامت الحرب المقدونية الثانية بين فيليب الخامس والمقدوني والرومان وقد كسبها الرومان بسهولة في معركة كيتوس كيفلاي في عام 197 ق . م وقد أدت هذه الحرب الى علو مكانة روما في العالم الهلينستي . أما فيليب فقد أصبح منذ تلك المعركة غير مسموح له ان يتصرف بعيدا عن موافقة روما وقد راقب الرومان حركته ولم يسمحوا له بالتدخل في بلاد الاغريق من جديد والميدان الوحيد الذي سمحوا له ان يتدخل فيه هو ميدان الصراع ضد القبائل الكلتية والالليرية والتراكية في شمال بلاده أما بلاد الاغريق فقد اعلنتها روما حرة في عام 196 ق . م وان كانت هذه الحرية معنوية في الواقع اذ لم تكن لها من سند مادي سوى الوجود الروماني نفسه .

       وبعد أن تخلص الرومان من خطر فيليب تفرغوا لانطيوخس ورغم ان انطيوخس تحاشى الصدام مع روما في عام (193 ق . م ) إلا أن الرومان كانوا يدفعون الأمور بإصرار إلى نقطة التصادم . وقد خسر انطيوخس الحرب بعد فشله في جمع الاغريق حوله وانسحابه الى آسيا الصغرى بعد معركة ثيرموبولاي (191 ق . م ) وهناك خسر معركة مجنيزيا في عام 189 ق .م الذي كان واحدا من اسهل الانتصارات التي حققها الرومان أدت نتيجة معركة مجنيزيا الى عقد معاهده اباميا في عام 188 ق . م التي استطاعت روما بموجبها ابعاد الدولة السلوقية عن العالم الاغريقي , كما اكتسبت تعاطف بعض المدن الاغريقية ي آسيا الصغرى وان لم تصدر اعلانا بحريتهم مماثلا لذلك الاعلان الذي صدر عن حريةاغريق أوربا بعد معركة كينوس كيفلاى واقامت سيادتها الرومانية الدائمة على أغلب آسيا الصغرى بالتدريج بما في ذلك جلاتيا ثم فرضت نفوذها على بيثينيا وبنطس وكابادوكيا ثم ارمينيا وقد قدر لهذه المناطق جميعا ان تسقط واحدة تلو الأخرى في براثن الاستعمار الروماني أن عاجلا أم اجلا .

       وهكذا ظهرت روما كقوة عظمى نشطة وحاسمة في العالم الهلينستي وهو الأمر الذى غير هذا العالم تغييرا كاملا .

ب – سيطرة روما على العالم الهلينستي:

       كان تدخل روما في شئون العالم الهلينستى وتزايد هذا التدخل ايذانا ببداية فترة جديدة من تاريخ هذا العالم شهد مراقبة لصيقة من الرومان للقوى الهلينستية المختلفة وف ظل هذه الرقابة انقسم العالم الهلينستي في ذلك الوقت الى ثلاثة مجموعات لم يكن بينها اتصال مباشر المجموعة الأولى ضمت مقدونيا مع اليونان والمجموعة الثانية آسيا الصغرى والمجموعة الثالثة كانت تضم مصر وسوريا .

       بالنسبة للمجموعة الأولى فقد أجبرت روما مقدونيا على الاقلاع عن امالها في حكم اليونان والسيطرة على بحر ايجة وأصبحت هذه الآمال مجرد أحلام غير قابلة للتحقيق والحقيقة الوحيدة في حياة مقدونيا السياسية كانت علاقاتها بروما وكان الشاغل الأكبر للملوك المقدونيين هو ايجاد الطريق للتخلص من القبضة الرومانية القوية وبالطبع أدت محاولات مقدونيا الى اشتعال الحرب مع روما مرة ثانية عندما حاول بريسيوس الذي خلف فيليب الخامس على العرش التقرب من اليونان بهدف توحيد الجهد ضد روما . رأت روما أن برسيوس قد جاوز الحد المسموح له فقامت الحرب المقدونية الثالثة التي انتهت بهزيمة ساحقة للمقدونيين في بدنا (168 ق . م ) وقد تحولت مقدونيا بعد هذا الحدث بعدة سنوات إلى ولاية رومانية .

       كما عاقب الرومان كل من تعاطف من اليونان مع برسيوس وقد أدى ذلك إلى القضاء على جمهورية رودس , وكانت صاحبة وجود بحري في بحر ايجه , نتج عن اختفائها ازدياد نشاط القراصنه في هذا البحر .

       أما بلاد اليونان فقد سعدت لفترة باعلان الرومان (اعلان فلامنيوس ) عن حريتهم, وقد سعت القوى الكبرى داخل بلاد اليونان – الايتوليون والآخيون واسبرطه – الى محاولة توسع نطاق حلف كل منهم بهدف ضم أو السيطرة على كل بلاد اليونان . ولكن المدن الصغيرة استاءت من محاولات هذه القوى واسرعت دائما بالشكوى الى روما ضد كل التجاوزات واستجابت روما دائما للدعوة لفض النزاعات والحروب الصغيرة واستقبلت مبعوثين عن المدن المتضررة وارسلت المبعوثين واعطت النصائح التي كانت في الواقع أوامر مستترة أدت في النهاية الى تفريغ استقلال الاغريق من أي معنى حقيقي له , وأصبح الاغريق خاضعين لحماية رومانية مستترة ولم يكن اليونانيون قادرين على تغيير هذا الوضع بالقوة المسلحة وعندما حاولت العصبة الاخية الخروج عن النطاق الذي حددته لها روما وأعلنت الحرب على اسبرطة تدخلت روما بعنف ودمرت مدينة كورنثا العتيدة في عام 146 ق . م وهكذا حطمت روما قوة العصابات اليونانية وأخضعت بلاد اليونان بصورة نهائية وأصبحت هذه المدن مجرد جزء من ولاية مقدونيا الرومانية (145 ق . م ) وهكذا أنتهى الوجود السياسي المستقل لمقدونيا وبلاد اليونان .

       أما المجموعة الثانية التي تركزت في آسيا الصغرى فقد ماثلت الأوضاع فيها بعد معركة مجنيزيا من بعض الوجوه أوضاع بلاد اليونان بعد معركة كينوس كيفلاى فقد كانت تضم ممالك كبيرة وأخرى صغيرة ومدن مستقلة بدرجات متفاوته وكانت أقوى الممالك وأكبرها هي مملكة برجاموم , ولكن استقلال وقوة برجاموم كانا رهنا بطاعة ملوكها للرومان طاعة عمياء . وقد قابل مجلس الشيوخ الروماني أي تصرف استقلالي هناك باستياء شديد وكانت كل الوحدات السياسية في آسيا الصغرى تحس مدى ثقل اليد الرومانية القوية على حريتها ولم يكن أمام هذه الدول من طريق لتغيير هذا الوضع سوى الحرب .

       وقد اتبعت روما هناك سياسة التوازن التي لا تسمح لأي دولة في آسيا الصغرى بأن تصل بقوتها إلى حد تصبح فيه بغير منافس محلي لأن هذا الوضع يعني خطرا محتملا على الوجود الروماني نفسه .

       لم يكن أمام هذه الدول المحلية من شاغل سوى الأمور المحلية كمحاولة دولة أن تمد حدودها على حساب جارة لها أو عمل دولة أن تضم مدينة أو أكثر من المدن اليونانية المستقلة في آسيا الصغرى , وكثيرا ما كانت تؤدي هذه الأطماع الصغيرة الى نشوب حرب بين هذه الدول . هذه الحروب كانت عقيمه النتائج حيث كانت لا تؤدي إلى حل أي مشكلة حلا جذريا فقد كانت روما تتدخل لمنع وقوع النصر الكامل أو الهزيمة الكاملة للقوى المتصارعة هناك .

       والمعروف أن أهم الممالك التي كانت قائمة في آسيا الصغرى في ذلك الوقت هي برجاموم وكانت كما نعلم قوية إلى الحد الذى يسمح به الرومان في ظل ولاء دائم من ملوكها لروما وبثينيا التي استطاع ملكها بروسياس الأول أن يجعلها مملكة قوية منظمة . وبونطس التي أصبحت تحت حكم فرناكيس الأول واحده من أقوى ممالك آسيا الصغرى وكذلك كبادوكيا بالإضافة إلى الممالك القبلية للجلاتيين .

       كانت هذه الممالك مثيرة للمشاكل ماعدا برجاموم . وقد كانت مهمة برجاموم في السنوات القليلة التي تلت معركة مجنيزيا أن تسيطر على طموحهم وكانت برجاموم قادرة على اتمام هذه المهمه كعميل للرومان , وهكذا نجد يومنيس الثاني ملك برجاموم يقمع الجلاتيين كما منع بروسياس ملك بثينيا من الاستفادة من هزيمة أنطيوخس الثالث في مجنيزيا , واستطاع يومنيس الثاني أيضا بالتحالف مع قوى أخرى من آسيا الصغرى أن يضرب خطط فرناكيس الأول ملك بونطس للتوسع (183- 179 ق . م ) ولكن دور برجاموم كعصا رومانية لتأديب ملوك آسيا سرعان ما أنتهى فقد بدأت روما تعامل برجاموم بقسوة بعدما ظهر من تعاطفهم مع مقدونيا أثناء الحرب المقدونية الثالثة . وقد أدى هذا إلى احساس يومنيس الثاني بإحباط شديد بعد جهودة الكبيرة لخدمة الرومان , ومع ذلك لم يكن أمام برجاموم إلا أن تبقى تابعة لروما حتى أن اباللوس الثالث بن بومنيس أقدم على خطوة غيرت كثيرا من الخريطة السياسية لآسيا الصغرى , فأوصى بمملكته في عام 133 ق. م للشعب الروماني وهكذا فقدت برجاموم استقلالها وصارت ولاية رومانية , وأتخذ مندوب مجلس الشيوخ برجاموم مقرا له ثم نقل هذا المقر فيما بعد إلى افسوس أدى تواجد الحكم الروماني في آسيا الصغرى إلى ظهور الوجه القبيح للرومان هناك , فقد أهملت حركة التقدم التي كان رعاها ملوك برجاموم ورودس وغيرهما وحل محلها رغبة رومانية محمومة في الحصول على أقصى عائد مالي من هذه البلاد وقد أدى هذا بالتالي إلى إزدهار الكراهية للرومان في  داخل الكيانات السياسية الباقية في آسيا الصغرى , مثل مدن الاغريق المستقلة وممالك بونطس وكبادوكيا وأرمينا ووصلت هذه الكراهية إلى حد سعى بونطس التي كانت القوة المؤهلة لقيادة هذه الحركة لجمع بقية القوى حولها من أجل حرب روما .

       وهكذا فان الحدث المحورى في آسيا الصغرى الهلينستية بعد سقوط برجاموم كان حرب مثريداتيس الرابع ملك بونطس ضد روما ولا يعود فشل مثريداتيس في مواجهته لروما إلى قوة الرومان أو لضعف شخصيتة ولكنه يعود في أغلبه إلى أن الاغريق تخلوا عن تأييده بعد فترة قصيرة من بداية الصراع , كما أن كبادوكيا كانت في البداية معادية له , ولم تؤيده سوى أرمينيا وكانت قوة نصف متمدينه .

       أدى فشل مثريداتيس في هزيمة الرومان إلى تحول آسيا الصغرى بالتدريج إلى عدد من الأقاليم والمحميات الرومانية وقد بقيت هذه المحميات مستقلة مارغبت روما في ذلك .

       أما المجموعة الثالثة من دول العالم الهلينستي فكانت تصم مصر والدولة السلوقية والملفت للنظر أنه رغم الاهتمام الروماني الواضح بالسيطرة على العالم الاغريقي في بلاد اليونان ومقدونيا وبحر ايجة وآسيا الصغرى لكي تضمن أمنها كاملا فضلا عن مداخيل هائلة – نجد روما تبدو غير مهتمة بمستقبل المملكتين الهلينستيتين الشرقيتين في السنوات التي تلت معاهدة أباميا مباشرة , ويبدو أن روما في ذلك الوقت اكتفت بعزل كل من المملكتين عن بحر ايجة وبلاد الاغريق وفرضت عليهما الابتعاد عن تقرير سياسة البحر المتوسط ومن ثم أصبحتا غير ذات ضرر عليها . ولكن روما سرعان ماهجرت هذه السياسه واتبعت سياسة التدخل المتزايد في شئون كل من الدولتين بما يشجع الفوضى في العلاقات بينهما وعدم استقرار أمور ايهما فلقد أصبح التدخل المستمر لروما في  المسائل الداخلية لكل الدول الهلينستية نوعا من الروتين المعتاد .

       أما سوريا فقد تمسكت باتفاق اباميا رغم خسائرها الشديدة بسببه وذلك لأنها عقب معركة مجنزيا كانت ضعيفة بما لايسمح لها أن تسعى لإنتقام وقد أستمر تمسك سوريا السلوقية باتفاقية أباميا خلال مابقى لأنطيوخس الثالث من سنوات عمره والمعروف أنه مات في عام 187 ق. م وحدث نفس الشيء أيام سليوكس الرابع وانطيوخس الرابع خليفتية ولقد كرس الملوك الثلاثة جهودهم لمحاولة استعادة قوة مملكة السلوقيين وكان الأمل دائما هو بالتوسع شرقا . ولذلك نلاحظ اهتماما قليلا بأمور الغرب لدى دولة السلوقيين في هذه الفترة بل أن أكثر الملوك اهتماما بالغرب وهو أنطيوخس الرابع كان أقصى مايتمنى الوصول إليه هو أن يبقى خارج نطاق النفوذ الروماني .

       لقد حاول أنطيوخس الرابع أن يعيد قوة مملكتة فسعى إلى محاولة دمج الأجناس المختلفة في مملكتة من اغريق مستشرقين وشرقيين متأغرقين ويهود أملا أن تقوى مملكته من خلال اندماج عناصرها ولكن هذه المحاولة فشلت فشلا ذريعا وأدت إلى ظهور الحركات القومية في داخل مملكتة وسعى أنطيوخس إلى استعادة أراضي وأقاليم فقدتها الدولة في عصورها المختلفة ولكنه لم ينجح نجاحا كاملا وأن كان قد وصل بالأتفاق مع حاكم باكتيرتا المستقل إلى إيقاف زحف البارثيين وتحجيم مكانة أرمينيا وأخيرا سعى أنطيوخس أيضا إلى محاولة توحيد الدولتين الهلينستيتين الباقيتين في سوريا ومصر .

       لقد كان تاريخ سوريا في تلك الفترة خليطا من الحروب الأهلية بين أفراد من البيت المالك وكذلك بعض المغامرين ومن المحاولات العقيمة المتكررة لاستعادة السلطة السلوقية على مناطق معينة كثيرة التمرد مثل فلسطين التي استقلت أخيرا كمملكة تحت حكم أسرة ملكية خاضعة , ومن حروب ضد مصر مرتبطة بالحروب الأسرية التي سبق الإشارة إليها ومن الجهود اليائسة لاستعادة ميزوبوتاميا من البارثيين وايقاف نمو المملكة الأرمينية وقد انتهت هذه المملكة السلوقية بالتسليم لبومبيوس في عام 64 ق . م .

       أما مصر فان القرن الاخير من حياة مصر البطلمية خال من الاحداث اهامة وتاريخ مصر في تلك الفترة كان من الناحية العملية هو تاريخ صراعات اسرة البطالمة .

وجرائمهم وعلاقاتهم بجيوشهم وعلاقاتهم من عامة الاسكندريين في الاسكندرية واخيرا شكاياتهم المستمرة ضد بعضهم البعض لروما الذين كانوا جميعا خدما مطيعين ولسوء الحظ فاننا لانعلم غير القليل جدا عن صراع هؤلاء الملوك مع الوطنيين الذين كانوا في ثورة دائمة تقريبا .

       ولكن الامر الغريب حقا ان نرى اكثر الممالك الهلينستية سلبية والدولة الاكثر خضوعا لمشيئة روما تفرز في النهاية أمراة قوية قادرة وطموحة كان هدفها اعادة الحياة الى العالم الهلينستي في صورة جديدة وان تكون مصر مركز هذا العالم ويعتمد هذا العالم على قوات عسكرية تقدمها ايطاليا والغرب .

       لقد اعتلت كليوباتره العرش البطلمي في عام 51 ق. م هي واخوها (بطليموس الثالث عشر) حسب وصية أبيها الذي جعل الرومان ضامنين لتنفيذها ولكن دب الشقاق بين كليوباترة التي كانت تبلغ الثامنة عشر من العمر وبين مستشاري اخيها فسعوا حتى طرودها من الاسكندرية ولجأت الى بيلوزيون حيث كونت جيشا لتعود به الى الاسكندرية في ذلك الوقت وصل قيصر الى مصر في اعقاب غريمه بومبيوس ودخل الاسكندرية وتقول الروايات أن كليوباتره جاءت اليه في قصرة ملفوفة في بساط وعرضت عليه قضيتها ونجحت في اكتسابه الى جانبها .

       امر قيصر الاخوين بان يسرحا جيوشهما ويقبلا تحكيمة ولكن مستشاري بطليموس الثالث عشر توجسوا شرا فحركوا قواتهم شرقا في اتجاه الاسكندرية ورغم بعض النجاحات العسكرية المبكرة فقد خسر بطليموس الحرب وفقد حياته غرقا في النيل .

       عندئذ اعلن قيصر كلا من كليوباتره وشقيقها بطليموس الرابع عشر ملكين بالاشتراك وذلك في عام 47 ق. م .

       تركت كليوباتره مصر الى روما في اثر قيصر حيث اقامت هناك ثلاث سنين الى جانبه تنتظر انتصاره النهائي في معارك الصراع على السلطه واعلان نفسه حاكما مطلقا لروما . والجدير بالذكر ان كليوباتره كانت قد انجبت من قيصر ولدا اسماه الاسكندريون قيصرون واعلنت كليوباتره ذلك على جدران المعابد حيث صور على هيئة حروس الى جوار امه ايزيس , كما ظهرت عملة في قبرص وقد نقشت عليها صورة كليوباترة على هيئة افروديتي ايزيس وهي تقوم بارضاع قيصرون . وكانت كليوباترة فيما يبدو بذهابها الى روما قد فضلت ان تكون شريكة لقيصر في حكم العالم الروماني على ان تكون ملكة على مصر فقط

       ولكن مقتل يوليوس قيصر في عام 44 ق . م حطم كل مشاريعها فعادت الى مصر من جديد حاملة احزانها . ويبدو انها فكرت في الانفراد بالسلطة في مصر فهي الشيء الوحيد الباقي , ومن ثم قتلت اخاها في 26 يوليو سنة 44 ق . م وعينت ولدها من قيصر شريكا لها ( وكان عمره اربع سنوات ) قبعت كليوباتره في مصر تترقب نتائج الصراع على السلطه في روما دون أن تدلي بدلوها لصالح انصار قيصر , ولذلك فما ان استقرت الامور لصالح انصار قيصر حتى ارسل لها انطونيوس حاكم الاقاليم الشرقيه واحد انصار قيصر لكي تفسر له موقفها المتخاذل من قيصر وقضيته اتجهت كليوباتره الى طرسوس في عام 41 ق . م حيث قبل انطونيوس تبريراتها بل وحضر الى مصر في اعقابها حيث مضى عام 41-40 ق . م كما قضى معها باقي من عمره اعتبارا من عام 36 ق . م .

       القت كليوباتره بكل اوراقها لصالح انطونيوس في الصراع على السلطة في روما ففعل مااعتبرتة  روما خيانة لها . تزوج كليوباتره وطلق اوكتافيا شقيقة اكتافيوس , واحتفل بانتصاراته في الاسكندرية لا في روما واهدى الاقاليم التي فتحها في أرمينيا وغيرها الى ابناء كليوباتره من قيصر ومنه .

       وفي روما كان اكتافيوس يثير الناس ضد انطونيوس واعماله , واكثر مااثارهم به هو اخبار خضوعة للملكة المصرية . ثم خرج اكتافيوس لحرب كليوباتره عدوة الشعب الروماني ولم يشر الى حرب انطونيوس خوفا من انقسام الأنصار في روما وانتهى الصراع في اكتيوم بهزيمة الملكة وزوجها الروماني وانسحبت الى مصر وتبعها الى هناك . انتحر انطونيوس يوم اول اغسطس عام 30 ق . م ولحقت به كليوباتره في العاشر من نفس الشهر.

       وهكذا سقطت آخر ممالك العالم الهلينستي في ايدي الرومان وتحولت الى ولاية أصبحت روما بحق أكبر قوة في البحر المتوسط تسيطر على كل الأمور في هذا الحوض وفيما يلي قائمة الولايات الرومانية مرتبة حسب تاريخ ضمها إلى الامبراطورية .

  1. 1.                        

صلقيه

241 ق . م

  1. 2.                        

سردينيا – كورسيكا

231 ق . م

  1. 3.                        

اسبانيا

197 ق . م

  1. 4.                        

اقليمان

197 ق . م

  1. 5.                        

اليريا

من 167 الى 45 ق . م

  1. 6.                        

مقدونيا- اخايا

146 ق . م

  1. 7.                        

أفريقية

146 ق . م

  1. 8.                        

آسيا

129 ق . م

  1. 9.                        

غاليا النروبونيه

120 ق . م

  1. 10.                     

غاليا ماقبل الالب

81 ق . م

  1. 11.                     

بيثينيا

74 ق . م

  1. 12.                     

قورينه – كريت

من 74 الى 67 ق . م

  1. 13.                     

كليكيا – قبرص

من 64 الى 58 ق . م

  1. 14.                     

سوريا

64 ق . م

  1. 15.                     

غاليا ما بعد الالب

51 ق . م

  1. 16.                     

أفريقية الجديدة

64 ق . م

  1. 17.                     

مصر

30 ق . م

  1. 18.                     

جلاتيا

25 ق . م

      كونت هذه الولايات اساس املاك الامبراطورية الرومانية وان كثرة عدد الولايات في العصر الامبراطوري لايعود في الغالب الى فتوح جديدة ولكن الى تقسيم هذه الولايات نفسها الى ولايات أصغر مساحة .

تدهور وسقوط الامبراطورية

أولا : تدهور الجمهورية:

أ – الأزمة الأولى ( حول مشكلة نقباء العامة ):

كانت هذه المشاكل التي أخفق الجهاز الحاكم في مواجهتها لكى تصل الى حلول جذرية لها هي بذور التدهور للنظام الجمهوري في روما . وقد بدأت هذه البذور تؤتي حصادها السيىء في الشطر الأخير من القرن الثاني ق . م وكانت الازمه الاولى تخص طريقة المجابهه بين الطبقة الارستقراطية الحاكمة وبين اثنين من نقباء العامة حاولا بطرقهما الخاصة ان يقوما ببعض الاصلاحات .

حاول اول هذين النقيبين اسمه تيبريوس جراكوس ان يقدم عام 133 ق . م مشروعا بقانون لتوزيع بعض الاراضي العامة التابعة للدولة على المعدومين من افراد طبقة العامة وقد عمل مجلس الشيوخ ( معقل الارستقراطية الرومانية ) على احباط هذا المشروع بالمناورات الدستورية التي كان يجيدها ولكنه اخفق في مسعاه , ونجح النقيب في استصدار المشروع رغم مناورات مجلس الشيوخ ولكن المجلس لم يرضى بهذا الموقف الذى اعتبره تحديا له وللطبقة الارستقراطية التي يمثلها من جانب نقيب العامة فنظم نوعا من تجمهر الغوغاء الذين تحرشوا بالنقيب وانتهى الامر بقتل هذا الاخير .

والظاهرة نفسها تكررت بعد ذلك بعشرة سنوات في 123-122 ق . م ) حين تقدم نقيب آخر هو كايوس جراكوس ( اخو تيبريوس جراكوس ) بمشروع يعطي فيه طبقة الممولين التي كانت تسمى اصطلاحا بطبقة الفرسان , وهي طبقة من اصحاب روؤس الأموال , من خارج صفوف الارستقراطيين حق الحصول على بعض المناصب الاخرى , وبمشروع آخر يقضي بتخفيض ثمن القمح على المواطنين الرومان , وهنا مرة أخرى عارض مجلس الشيوخ هذين المشروعين ولجأ الى نفس الطريقة التي اتبعها مع النقيب السابق , فكانت المظاهرة المسلحة التي تحرشت بكايوس ولقى النقيب مصير أخيه .

وبصرف النظر عن تفاصيل المشروعات التي تقدم بها النقيبان وعن الاهداف القريبة أو البعيدة التي كانا يهدفان اليها من تقديم هذه المشروعات وعن المناورات التي اتبعاها في سبيل نجاحها فان المغزى الاساسى لمواجهة الطبقة الارستقراطية لنقباء العامة خلال هاتين المناسبتين هو ان الطريقة السليمة الجادة التي كانت تقسم بها مثل هذه المواجهة على عهد صراع الطبقات قد تغيرت ليحل محلها استعمال القوة الذى لا يتورع عن اسالة الدماء , لا في سبيل الوصول الى حل للمشاكل ولكن بغرض التشبت بامتيازات طبقية , وتحاهلا للمشاكل القائمة فعلا .

ب – الازمه الثانية ( حول مشكلة الحلفاء الايطاليين ):

أما الازمه الثانية التي واجهتها الجمهورية كان مبعثها حقوق المواطنة الرومانية التي بدأ الايطاليون يطالبون بها ففي الفترة بين 91 , 89 ق .م  تكون اتحاد من سكان المناطق المحيطة بجبال الابنين وحاولوا ان يحصلوا على حقوق المواطنة الرومانية بالقوة وقد كادت قوات هذا الاتحاد أن توجه هجوما تستولى به على روما لولا ان جابهتها في اللحظه الحاسمة قوات روما الأكثر عددا وعتادا .

ورغم ان هجوم الايطاليين لم ينجد عسكريا الا انهم نجحوا في ان يفرضوا على الحكومة الرومانية خطورة هذه الازمه وهكذا تنبه الجهاز الارستقراطي الحاكم الى ضرورة منح الايطاليين حقوق المواطنة الرومانية وهكذا انتهت هذه الحرب بميلاد دولة حدودها هي حدود شبه جزيرة ايطاليا باكملها , وبعد ان كانت حدود الدولة الرومانية هي حدود مدينة روما فحسب بينما كان سكان بقية شبه الجزيرة مجرد حلفاء تابعين عليهم الكثير من الواجبات ولهم بعض الحقوق الجزئية او الجانبية ولكنها لاترقى الى مرتبة الحقوق السياسية التي لايمارسها الا أبناء الدولة من المواطنين .

ولكن مع ذلك فقد اقدم الارستقراطيون على هذا الحال المثالى الاضطراري دون ان يدعوه بالجديه اللازمه لوضع التنفيذ العملى , ذلك انه رغم حصول الايطاليين على حقوق المواطنة الرومانية التي تعطيهم كمواطنين رومان حق التصويت في المجالس الا ان مراكز الادلاء بالاصوات لت على ماهي عليه محصورة داخل روما بحيث لم يكن في امكان سكان المناطق النائية من ايطاليا ان يمارسوا هذا الحق عمليا الا اذا ذهبوا الى روما , ولنا ان نتصور الصعوبات التي كانت توجد في سبيل الوصول الى روما كلما كان هناك تصويت على مسألة من المسائل , في وقت لم تكن فيه المواصلات على ماهي عليه الآن من السرعة والسهولة .

ج- الأزمة الثالثة ( حول مشكلة الجيش ونشوب الحرب الأهلية الأولى ) :

       على ان الأزمة التي فشلت الطبقة الارستقراطية في مواجهتها المواجهة السليمة والتي ادى الفشل في مواجهتها الى موقف كان بداية النهاية بالنسبة للنظام الجمهوري كانت أزمة الجيش – وقد سبقت الاشارة الى أن ظروف الحروب الطويلة كانت تفرض على الجمهورية ايجاد جيش قائم من الجنود المحترفين . ولكن الطبقة الحاكمة لم تعط هذا الأمر الاهتمام الذى كان يتطلبه وانما احجمت على أى حل ايجابي للمشكلة .

       على ان ضغط الامر الواقع دفع احد القواد الطموحين وهو ماريوس الى حل المشكلة بطريقته الخاصة , فقد استعاض عن التعبئات المؤقته التي كانت تفرضها الحكومة بفتح باب التطوع للخدمة الطويله في جيش قائم , وقد اثبت هذا الجيش جدارته بانتصاره على القبائل الكمبريين والتيوتون الذين كانوا قد توغلوا بشكل مخيف في جنوبي غالة وفي ايطاليا في 102-101 ق . م ومنذ ذلك الوقت اصبح هذا (( التنظيم الجديد )) الذي يقوم على اساس احتراف (( التطوع )) للخدمة العسكرية الطويلة الاجل هو الطريقة المتبعة في تكوين القوات الضاربة الرومانية .

       ولكن هؤلاء المحترفين المتطوعين كانوا اشخاصا لا يملكون شيئا , وهذا في حد ذاته امر متصور ممن (( يتطوع )) للعمل كجندي قد يفقد حياته في أي لحظه وحيث أن الحكومة أو الدولة لم تكن هي القائمة على تنظيم هذا التطوع وانما تركت هذه المسأله كلية للقائد فقد اصبح ولاء الجندي لا للدوله ولكن للقائد الذي يستطيع أن يكافيء جنودة بما يحصل عليه في أثناء الحرب من غنائم وأسلاب , وبما يستطيع ان يتقدم به في حالة انتصاره من طلبات الى الدولة يعتمد في تنفيذها على شخصيته ومناوراته لتحسين حالى هؤلاء المتطوعين سواء عن طريق اعطائهم مساحات من الاراضي العامه الصالحة للزراعه او غير ذلك من الطرق وقد كان هذا سلاحا خطرا في يدي أي قائد طموح اذا فكر ان يحقق لنفسه مجدا او مركزا سياسيا عن طريق الاعتماد على القوة العسكرية .

       وقد حدث هذا فعلا في زمن ماريوس نفسه فقد استخدم اتباعه من هؤلاء المتطوعين في عدة جولات من الحروب الاهلية ضد قائد اخر هو سلا امتدت من 88 الى 82 ق . م كان كل من القائدين فيها يستولي على روما مرة ثم يفقدها لخصمه مره حتى انتهت الجولة الاخيرة بانتصار سلا وجنوده وحقيقة ان سلا بعد انتصاره اكتفى بان اضفى على نفسه صلاحيات منصب         (( الدكتاتور )) المؤقت ( وقد كان هذا المنصب موجودا ي الدستور الروماني لتغطية فترات الازمات ) واعتزل هذا المنصب بعد فترة وجيزة اعاد فيها صياغة الدستور الروماني لصالح مجلس الشيوخ ولكن بالمثل العملي الذي ضربه كان قد فتح الباب على مصراعية امام أي قائد يريد ان يضع مصير النظام الجمهوري تحت رحمته .

ثانيا : سقوط الجمهورية

1-          التنظيم العسكري الجديد وصعود نجم القادة العسكريين :

رأينا أن التنظيم العسكري الجديد الذي ادخله ماريوس على القوات الرومانية الضاريه اثبت جدارته كما راينا انه الى جانب ذلك اثبت حقيقة اخرى وهي ان هذا التنظيم الذى حول ولاء الجنود من الدولة الى شخص القائد قد اصبح اداه خطره في يد أي قائد طموح يريد ان يعتمد على انتصاراته العسكرية ليفرض سيطرته في مجال الحكم وقد اكدت الفترة التالية لدكتاتورية سلا هذه الحقيقه بصورة متكرره أدت الى صعود نجم عدد من القواد العسكريين الطموحين وانتهت في خاتمه المطاف بسقوط النظام الجمهوري .

وقد كانت الظروف التي ادت الى اول تكرار ماحدث على ايام سلا من صراع القاده ثم تسلم احدهم للسلطه السياسية تخص بعض القلاقل التي تعرضت لها حدود الامبراطورية الرومانية في طرفيها الشرقي والغربي وكان القائدان اللذان بزغ نجمهما تحت هذه الظروف هما بومبيوس و يوليوس قيصر .

ففي الشرق استغل الملك مثريداتيس ملك بونطس ( في شمالى اسيا الصغرى ) فرصة الشقاق الذى كان قائما في ايطاليا بسبب الصراع بين ماريوس وسلا وغزا ولاية آسيا ( في آسيا الصغرى ) كما غزا بلاد اليونان التى كانت تحت نفوذ روما وقد استطاع سلا ان يستعيد الارض التي غزاها هذا الملك (87 – 84 ق . م ) ولكن مثريداتيس عاود الكرة بعد ان ضم الى جانبه حليفا هو تجرانيس ملك ارمينية ومرة اخرى استطاعت روما بواسطة عدد من قوادها ان تستعيد الاراضي التي كانت تابعة لها تلت ذلك باحتلال القسم الاكبر من اراضي الملكين .

وكان اخر القواد الرومان الذين وقفوا في وجه هذا الخطر الشرقي هو بومبيوس الذى استطاع بين عام (74 – 63 ق . م ) ان يؤمن الحدود الشرقية بشكل نهائي وأن يدخل أرمينية ضمن الدول التابعة لروما وأن يزيد على ذلك تحويل سوريا الى ولاية رومانية وكان نجاح بومبيوس في كل ذلك عاملا أدى الى صعود نجمة عسكريا .

وفي الغرب ادت ظروف اخرى الى العمل على تامين حدود الامبراطورية والى ظهور قائد اخر فقد اهابت بعض القبائل الموجودة في غالة بالقائد الروماني يوليوس قيصر ( وكان يشغل اذ ذاك منصب نائب القنصل ) ان يساعدهم ضد بعض القبائل الجرمانية ووجد قيصر أن هذه فرصة لتأمين الحدود الشمالية الغربية للامبراطورية ( وكانت هذه حدود ضعيفة تتعرض للغارات من حين لآخر) وهكذا أقدم على عمليات حربيه امتدت من 58 – 50 ق . م وانتهت بغزو كل منطقة غالة وبصعود نجم يوليوس قيصر في الميدان العسكري .

2-           الحرب الاهلية الثانية ومحاولة انهاء الجمهورية :

ولكن قيصر وبومبيوس لم يكونا مجرد قائدين عسكريين عاديين يقنعان بتنفيذ رغبات الجمهورية والانصياع لتعليماتها , ففى خلال قيادتهما للحملات التي كانا على رأسها لم يعيروا سلطة مجلس الشيوخ أي انتباه وكان كل منهما يتصرف حسبما يتراءى له وبعد أن انتهى قيصر من مهمته على الحدود الغربية اختلف هو وبومبيوس حول مسالة ليست لها قيمة كبيرة في حد ذاتها , ولكنها تحت الظروف الجديدة التي وضعت مقدرات الجمهورية في يد القادة العسكريين كانت كافية لان تشعل نار الحرب بين القائدين الرومانيين وقواتهما لتصبح ثاني حرب أهلية رومانية ( وكانت الأولى بين ماريوس و سلا ) .

وقد استمرت هذه الحرب من 49 الى 45 ق . م وتضمنت عدة حملات والتحامات امتد مسرحها ليشمل جميع أرجاء الامبراطورية وخرج منها قيصر ظافرا وحين عاد الى روما بعد انتصاره تبع المثل الذي ضربه سلا من قبل فنصب نفسه دكتاتورا .

وقد نفذ قيصر برنامجا حافلا بالاصلاحات العاجلة والبعيدة المدى كان من بينها على سبيل المثال منحه حق المواطنة الرومانية لعدد من أبناء الولايات ولكل السكان الاحرار في عدد من الولايات وهو اجراء كانت له نتائج طيبة في كثير من الاحيان ولكنه بعد ان فرغ من اجراءاته واصلاحاته لم يعتزل منصب الدكتاتور كما فعل من قبله سلا وانما اعلن في 44 ق. م تحويله لمنصب الدكتاتورية الى مصب دائم بدلا من الصفة المؤقتة التي كانت من لوازم هذا المنصب وقد كان معنى ذلك في حقيقة الامر وضع نهاية للنظام الجمهوري الذي يقوم على حكم الشعب ممثلا في المجالس التشريعية       ( بصرف النظر عن الاخطار او الانحرافات التي قد تحدث في تطبيقه ) واقامة للحكم الفردي الدائم بصفة رسيمة قانونية .

لقد أثبتت ثلاثون سنة منذ أن قام سلا بتعديل الدستور الروماني لصالح مجلس الشيوخ والطبقة الارستقراطية التي يمثلها , أن هذه الطبقة لم تستطع الانتفاع بهذا التعديل وأنها لم تكن على مستوى مايفرضه الحكم من مسئولية أو من مواجهة لتحديات الواقع , وقد كانت أهم تحديات الواقع الروماني اذ ذاك هو ظهور القواد العسكريين الناجحين في ميدان القتال , والطموحين في ميدان السياسة والذين يدين لهم جنودهم بالولاء الشخصي بعد أن فرطت السلطة الحاكمة في أن توجه ولاء هؤلاء الجنود نحو الدولة , وقد كان من الممكن أن يؤدي الاجراء الاخير الذي قام به قيصر الى اسقاط الجمهورية بصفة نهائية. ولكن أحد النبلاء الذين أفزعهم اتجاه قيصر عاجلة بطعنة خنجر أودت بحياته . وهكذا أتيحت للجمهورية فرصة أخرى كانت الأخيرة قبل أن تلقى المصير الذي كانت تسعى إلية .

3-          الحرب الأهلية الثالثة وسقوط الجمهورية:

أعقب اغتيال قيصر فترة من الفوضى السياسية العسكرية كانت القيمة الوحيدة الثابته لها هي شخصية قائدين هم انطونيوس الذى كان الساعد الأيمن لقيصر واوكتافيانوس ( ويدعى احيانا اوكتافيوس ) الذى كان ابنا بالتبني للدكتاتور السابق , وقد حاول الخطيب والسياسي وعضو مجلس الشيوخ الروماني شيشرون ان ينقذ الحكم الارستقراطي الجمهوري بأن يصرب أحد القائدين بالآخر عن طريق مناوراته السياسية والدستورية التي برع فيها ولكن محاولته باءت بالفشل , فقد تكاتف القائدان عليه حتى لقى نهايته .

بعد ذلك أقام هذان القائدان مع قائد اقل منهما شخصية وطموحا يدى ليبيدوس حكومة ثلاثية لاعادة الحياة للنظام الجمهوري ولكنهم في حقيقة الأمر مارسوا سلطة شخصية سافرة لمدة عشرة اعوام تصرفوا كما تراءى لهم في كل شئون الامبراطورية وقضوا على كل من وجدوا فيه تحمسا لاستمرار النظام الجمهوري , وكان اعتمادهم طيلة الوقت على ولاء جنودهم لاشخاصهم .

ولكن بعد تلك الفترة بدأ الصراع يدب بين القادة الثلاثة , فاتحد انطونيوس واوكتافيوس على ليبيدوس أضعفهم شخصية وتمكنا من أخراجة من الحكومة الثلاثية ثم دب الشقاق بين القائدين وكان أحدهما وهو انطونيوس قد اتخذ النصف الشرقي للامبراطورية مجالا لنفوذه بينما اتخذ اوكتافيوس مجاله في ايطاليا والقسم الغربي للامبراطورية وهكذا أصبحت المسألة زمن قبل أن يتحول الشقاق الى صراع سافر يؤدي الى انتصار أحدهما , ويكون في هذا الانتصار تحديد لمن سيكون سيد روما وامبراطوريتها بعد أن يضع نهاية للنظام الجمهوري .

وقد تدخلت الظروف الى حد كبير في تحديد شخصية هذا السيد فقد ادت الملابسات التاريخية الى وقوع انطونيوس تحت سيطرة الجاذبية الشخصية لكيلوباتره ملكة مصر اذ ذاك وكانت هذه الملكة الطموحة تخطط لاخراج مصر من دائرة النفوذ الروماني ولكي تصبح بعد ان تتزوج القائد الروماني المنتصر امبراطورة لروما نفسها , وقد نجحت فعلا في تنفيذ جزء من مخططها حين اجتذبت انطونيوس الى الزواج منها وحين جعلته يكتب باسمها واسم أبنائها بعض المناطق الشرقية من الامبراطورية الرومانية .

وقد كانت هذه هي الفرصة التي كان يرقبها اوكتافيانوس فاستغل هذا الوضع في دعاية ضد خصمه وزميلة القديم وأثار عليه ثائرة المواطنين الرومان , وانتهى الامر باشتباكين أحدهما في اكتيوم 31 ق . م والثاني في الاسكندرية في السنة التالية , كانت نتيجتها انتحار انطونيوس وكليوباتره ليصبح اوكتافيانوس هو السيد الوحيد لروما ورغم ان اوكتافيانوس قد أبقى على الجمهورية من ناحية الاسم بل وأعطى نفسه لقب (( المواطن الأول في الجمهورية )) ووصل في 27 ق . م الى نوع من (( توزيع )) السلطة بينه وبين مجلس الشيوخ والموظفين إلا أن السلطة الأساسية الفعلية انتقلت الى يديه ليصبح الحاكم الفعلي لروما وامبراطوريتها بعد أن أصبح النظام الجمهوري في عداد الماضي .

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14402

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *