تغير دور البرلمان في الدساتير العربية المعاصرة

مجلة السياسة والاقتصاد، المقالة 4، المجلد 8، العدد (7) یولیو 2020، الصيف 2020، الصفحة 1-40

من اعداد کريم سيد عبد الرازق – قسم العلوم السياسية، کلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية، جامعة الإسکندرية، جمهورية مصر العربية.

لطالما کانت البرلمانات العربية ضعيفة ومهمشة، فواجهت صعوبات فى فرض نفسها فى مواجهة السلطة التنفيذية. فهل تؤدى المعطيات الجديدة بعد عام 2011 فى المنطقة العربية من تغيير الأنظمة السياسية، وإجراء إصلاحات سياسية فى دول أخرى، إلى تعزيز دور البرلمانات العربية؟
تمثلت المشکلة البحثية في التعرف على إلى أي تم بلورة دور البرلمانات العربية في الحياة السياسية من خلال الدساتير العربية سواء الجديدة أو التعديلات التي أدخلت عليها بعد عام 2011.
وجاءت الدراسة في ثلاثة أقسام، تناول الأول، توصيف واقع ووضع البرلمانات العربية: نظرة عامة وإجمالية لما قبل 2011، واستعراض بعض مما شهدته من إصلاحات کمدخل للإصلاح، أما الثاني، فقد تم استعراض مداخل تطوير وتفعيل دور البرلمانات العربية فى إرساء مبادئ الحکم الرشيد، ودورها فى الترسيخ للممارسة الديمقراطية بالمجتمعات العربية. وجاء الثالث، لرصد التغيير فى دورها ووضعها واختصاصاتها فى الدساتير العربية بعد عام 2011.
وتوصلت الدراسة إلى أن التطوير والإصلاح البرلماني في الدول العربية يحتاج إلى نظرة إصلاحية شاملة ومستمرة، وإلى تکلفة يجب تحملها، وفي نفس الوقت يمکن استعادتها کأى إستثمار. وإن عملية “حکمانية الإدارة البرلمانية” فى العالم العربى نوعاً من “الاستثمار فى البرلمان”، ويتطلب، خمسة محاور أو مستويات رئيسة هى: الإطار الدستورى والقانونى لتنظيم عمل البرلمانات الوطنية، والموارد البشرية، ونظم المعلومات والبحوث، وتمويل عمل البرلمانات الوطنية، وتحديث آليات عمل الأمانات العامة.

 شهدت المنطقة العربیة مزیداً من التحولات والانتقالات نحو تعزیز المؤسسات العامة، وخاصة السیاسیة والاقتصادیة والاجتماعیة، وقد کان هناك توجه دستوری وقانونی بإعادة توزیع السلطات والاختصاصات بین السلطتین التشریعیة والتنفیذیة، وتوسیع وزیادة الاختصاصات لصالح البرلمانات، وخاصة التطورات والتغییرات فی عام 2011.

   وفی حین ترکز اهتمام أغلب الباحثین على العوامل الکلیة والخارجیة فی إنشاء المؤسسات الدیمقراطیة، لاحظ الباحث أنه لا یوجد اهتمام کافی بتحلیل قدراتها وبنیتها القانونیة والتنظیمیة، وخصوصاً فی مجال عملها، وأبرزها بالطبع هو البرلمان، ومما لا شک فیه أن تناول الأمور والموضوعات المتعلقة بالبرلمانات العربیة أمر صعب نظراً لأنها تعد أحد أکثر المؤسسات إثارة للجدل، ما بین التأیید والدعم أو الانتقاد واقتراح التطویر أو عدم الاقتناع بدورها ووجودها بالأساس، فی الحیاة السیاسیة العربیة.

   تتواجد البرلمانات العربیة الیوم ضمن ظروف تجعل الطلب یزداد على دورها فی إطار الدیمقراطیة، والتحولات الدیمقراطیة التی تشهدها المجتمعات المختلفة، ویتعاظم دورها فی توطید الوحدة الوطنیة وتدعیم التماسک الاجتماعی؛ نظراً لکونها نقطة التقاء کافة الفرقاء والأطیاف السیاسیة والاجتماعیة، ومن خلالها یستطیع الجمیع المساومة والتفاوض والوصول للتسویات والحلول الوسط، والتخفیف من حالات الاستقطاب السیاسی والاجتماعی. کما تعد البرلمانات بوابة العبور نحو إقامة دولة القانون وإنعاش العملیة المؤسسیة لیس فقط من خلال موقعها کسلطة موازنة للسلطة التنفیذیة ولکن أیضاً باعتبارها شریکاً لها ومراقباً على عملها.

المشکلة البحثیة:

   لطالما واجهت البرلمانات العربیة حالات من الضعف والتهمیش والتی قابلتها حالات من تزاید دور ونفوذ السلطة التنفیذیة، إلا أن ذلک الأمر لم یدُم عقب إندلاع أحداث 2011 فی الدول العربیة، التى یشبهها البعض بموجة الدیمقراطیة، الأمر الذی طرح الأسئلة ذات الصلة بأدوار البرلمانات والمکانة التى یمکن أن تحتلها على ضوء عملیة إعادة الهیکلة السیاسیة التى شهدتها العدید من الدول العربیة.

   وعلیه فقد تمثلت المشکلة البحثیة فی تساؤل رئیس قوامه: إلى أی مدى تم بلورة دور البرلمانات العربیة فی الحیاة السیاسیة من خلال الدساتیر العربیة سواء الجدیدة أو التعدیلات التی أدخلت علیها بعد عام 2011؟ وإلى أی مدى تم التوافق مع الاقترابات والمداخل النظریة لتحدید الأدوار المطلوبة والمفترضة والمستهدفة من البرلمانات فی الدیمقراطیات الناشئة والمستقرة فی التغییرات الحادثة فی البرلمانات العربیة؟

   وقبل الولوج فى هذا الأمر لابد من وضع إجابات وتصورات أکثر واقعیة ودقة لأحوال هذه المؤسسات، وموقعها على الخریطة السیاسیة من حیث دورها الواقعی والمأمول فی خضم عملیة التحولات الدیمقراطیة العربیة.

   وارتباطاً بالتساؤل الرئیس السابق، فقد انبثقت عنه جملة الأسئلة الفرعیة، وهی:

1) إلى أى مدى تعد البرلمانات العربیة جزءاً من المشکلة والرغبة فی التغییر؟ وکیف یمکن أن تکون أداة فاعلة فی الانتقال إلى الدیمقراطیة؟

2) هل المشکلة فی الإطار الدستوری والقانونی المنظم لعمل البرلمانات العربیة؟

3) ما هی مجالات التطویر والإصلاح للبرلمانات العربیة التی تقدمها الاقترابات والمدارس الفکریة المختلفة؟ وإلى أی مدى تم مراعاتها فی التغییرات التی شهدتها؟

4) ما هو موقع البرلمانات فی الدساتیر العربیة بعد 2011؟ من حیث الاستمراریة والتغییر؟

فرضیات الدراسة:

   تقوم الدراسة على مجموعة من الافتراضات للإجابة عن المشکلة البحثیة، ویمکن عرضها على النحو التالی:

• هناک علاقة طردیة إیجابیة بین الإطار الدستوری لصلاحیات واختصاصات البرلمانات، وفاعلیتها، ودورها فی المجتمعات العربیة، مع الأخذ فی الاعتبار العناصر الأخرى المؤثرة على فاعلیة البرلمانات ومنها الموارد البشریة، ونظم المعلومات والبحوث، وتمویل عمل المجالس الوطنیة، وبرامج تحدیث عمل الأمانة العامة.

• إذا کانت فعالیة البرلمانات تتطلب تعزیز دورها فی النظام السیاسی وعملیة صنع القرار، بإقرار صلاحیاته واختصاصاته الدستوریة (التشریعیة والرقابیة والمالیة..)، إلا أنها تتطلب أیضاً برلماناً مؤهلاً لممارسة تلک الصلاحیات وقادراً على تعزیز قدرة الأعضاء لأداء هذه المهام.

• هناک علاقة طردیة بین طبیعة الترتیبات المؤسسیة للبرلمان، ومدى قدرته على ممارسة الدور المسموح به دستوریاً وسیاسیاً، ومن الترتیبات المؤسسیة: حجم ونوعیة الموارد البشریة، مصادر المعلومات، الخبرة البرلمانیة للأعضاء وقدراتهم التشریعیة.

المنهج، ومصادر البیانات:

اعتمدت الدراسة على کل من:

• المنهج المقارن ودراسات الحالة لاستعراض واقع البرلمانات العربیة، ورصد التغییرات الدستوریة على صلاحیاتها واختصاصاتها.

• الرصد الواقعی والملاحظة من خلال المعایشة الفعلیة لبعض البرلمانات العربیة.

• الاقترابات والمداخل النظریة وأدواتها للتطویر والإصلاح البرلمانی فی البرلمانات العربیة.

• تحلیل مضمون قانونی لاختصاصات وصلاحیات البرلمانات وفقاً للتعدیلات الدستوریة فی الدول العربیة بعد عام 2011.

الإطار العام وتقسیم الدراسة:

وبناء على ما سبق، تنقسم الدراسة إلى ثلاثة أقسام، على النحو التالی:

• القسم الأول: توصیف واقع ووضع البرلمانات العربیة: نظرة عامة وإجمالیة لما قبل 2011، واستعراض بعض مما شهدته من إصلاحات کمدخل للإصلاح السیاسی فى بعض الدول العربیة.

• القسم الثانی: استعراض مداخل تطویر وتفعیل دور البرلمانات العربیة فى إرساء مبادئ الحکم الرشید “Good Governance”، ودورها فی الترسیخ للممارسة الدیمقراطیة بالمجتمعات العربیة.

• القسم الثالث: رصد التغییر فی دورها ووضعها واختصاصاتها فی الدساتیر العربیة بعد عام 2011.

• وأخیراً، الخاتمة، وتتناول أهم النتائج والتوصیات لتفعیل دور البرلمانات العربیة.

أولاً: واقع البرلمانات والمجالس العربیة قبل الربیع العربی:

 بدایةً، یمکن الإشارة إلى خمسة مشاهد أساسیة تعبر عن وضع البرلمانات العربیة قبل الربیع العربی وبعضها لا یزال مستمراً، وربما تصلح کمدخل للإصلاح والتطویر البرلمانی العربی.

المشهد الأول: حداثة التجربة البرلمانیة

   ویمکن تناول هذا المشهد من خلال ثلاثة محاور أساسیة:

أ. تجربة حدیثة: نقلة نوعیة حدیثة:

 ویقصد بحداثة التجربة البرلمانیة فی الدول العربیة هو أن المرحلة الحالیة بدأت حدیثة حتى لو کانت قد نشأت منذ فترة طویلة، لأن کل عهد سیاسی یبدأ بمرحلة مختلفة وجدیدة فی مؤسسات الحکم وفی مقدمة المؤسسات التی تشهد التغییر والتطویر هى البرلمانات.

 ولعل أبرز ملامح التغییر فی النظام السیاسی هى تلک التی تقع على البرلمانات، لأن المؤسسة التنفیذیة فنیة وتکنوقراطیة، أما السلطة القضائیة فتتمتع بدیمومة أطول وتکون خارج إطار الحدیث عن الإصلاح السیاسى والدیمقراطى.

 ومن هنا فالمراحل المختلفة التى مرت بها الدول العربیة یتم معها تدشین فترة برلمانیة جدیدة، وبهذا المعنى فإنها حدیثة، ومن الأمثلة على ذلک:

• تعد التجربة البرلمانیة المصریة هى الأبرز ضمن البرلمانات العربیة، حیث تعود نشأة البرلمان إلى عام 1824، ثم الولوج إلى مرحلة جدیدة عام 1990، ولعل المرحلة الأهم فى دور البرلمان بغرفتیه قد بدأت عام 2007 بعد التعدیلات الدستوریة عبر نقلة نوعیة لوضع البرلمان فی خریطة الحکم، ثم مرحلة الصلاحیات الأوسع للبرلمان بعد ثورتی 2011، 2013، وهذا ما انعکس فی دستور 2014، وأخیراً العودة للغرفة الثانیة بعد التعدیلات الدستوریة فی 2019.

• وقد بدأت الکویت تجربتها البرلمانیة فى 1963، ثم دخلت عهداً جدیداً فی 1990.

• فیما بدأت الأردن تجربتها البرلمانیة عام 1928، بینما بدأت المغرب مع تولی الملک الحکم، وشهدت کلتاهما تغییرات وتطورات فی دور البرلمانات بعد 2011، وذلک کخطوة استباقیة واستجابة للتغییر فی بعض الدول العربیة.

• وبرزت التجربة البرلمانیة اللبنانیة لا سیما بعد اتفاق الطائف 1991، وانتهاء الحرب الأهلیة.

• وقد بدأت التجربة البرلمانیة فی الیمن مع الوحدة الیمنیة فی بدایة تسعینیات القرن العشرین.

• وقد شهدت السودان تجربة برلمانیة منذ بدایة التسعینات، وبعد إنفصال جنوب السودان.

• فیما شرعت سلطنة عمان فی تجربتها البرلمانیة منذ أوائل التسعینیات عند تشکیل مجلس الشورى بالانتخاب المباشر.

• وقد برزت تجربة البحرین منذ 2002 عقب إنشاء مجلس النواب، وعودة الحیاة البرلمانیة بعد توقف طویل.

• وقد عاصرت الإمارات تجربة برلمانیة منذ بضعة سنوات، عندما تم الاتجاه إلى انتخاب نصف الأعضاء فى المجلس الوطنی الاتحادی، بعدما کان کله بالتعیین فقط، ثم فی عام 2019، بعد تخصیص نسبة 50% من أعضاء المجلس للمرأة.

• فیما ظهرت تجربة السعودیة البرلمانیة منذ أوائل التسعینیات بعد تأسیس مجلس الشورى، وأیضاً تنوع المشارکة للمرأة، وأکبر تمثیل لها فی تشکیل المجلس الحالی (2016-2020)

ب. نقلة نوعیة غیر شاملة:

 لا تعنی النقلة النوعیة بالضرورة تعظیم الإیجابیات أو معالجة کافة السلبیات، فعلى الرغم من أنها إیجابیة على مستوى النصوص الدستوریة والقانونیة، وعلى مستوى اهتمام المجتمع بالشأن البرلمانی، إلا أنها لم تکن النقلة الشاملة أو الکافیة لإنطلاق البرلمانات العربیة، کما أنها لم تحقق کافة المطالب أو الطموحات لدور البرلمانات فی الدول العربیة، فنجدها على سبیل المثال على النحو التالی:

• تغییر فی الوزن السیاسی للبرلمان وخصوصاً فی مواجهة الحکومة کما فی الکویت والبحرین والمغرب ولبنان والأردن.

• تغییر قانونی فی نطاق اختصاص البرلمان:

– التشریعی فى مصر ودوره فی تعدیل الموازنة، وإقرار تشکیل للحکومة، وزیادة دور الغرفة الثانیة، قبل إلغائها فی دستور 2014، وعودتها تحت اسم مجلس الشیوخ فی التعدیلات الدستوریة 2019.

– العراق مثل الرقابة على النفط والموازنة.

– المغرب مثل دوره فی قضایا حقوق الإنسان، ومشارکة المجتمع المدنی.

– الیمن مثل دوره فی إنشاء ومتابعة هیئات وطنیة، کمکافحة الفساد والإدارة الانتخابیة.

• التغییر فی ترکیبة المجلس، کما فی المجلس الوطنی الاتحادی الإماراتی فبعدما کان معیناً أصبح النصف منتخب والآخر معین، ولو على درجتین.

• تأسیس مجلس الشورى وانتخابه، وزیادة صلاحیاته کما فی سلطنة عمان.

ج- التغییر من أعلى:

   ترتبط النقلة النوعیة فی دور البرلمانات العربیة بالتغییر فی نظام الحکم Regime وبالتحدید توجهات رأس الدولة، أی أن الإصلاح البرلمانی یتم تدشینه من أعلى إلى أسفل، بالرغم من عدم إنکار دور المطالبات المجتمعیة -وکذا الضغوط الخارجیة- إلا أن القرار الحاسم غالباً یأتی من أعلى.

   فقد لوحِظَ، أن أغلب الإصلاحات أما أن تأتی من قیادة الدولة أو مبادرة من السلطة التنفیذیة التی أصبحت فی بعض الأحوال أکثر تقدمیة من البرلمانات، ومن الأمثلة على ذلک:

• موقف أمیر الکویت من تمکین المرأة ومعارضة مجلس الأمة فی بدایة الألفیة حتى تم تمریر القانون الخاص بتخصیص المقاعد للمرأة.

• مبادرة ملک البحرین بعودة الحیاة البرلمانیة بعد توقفها أکثر من ربع قرن.

• مبادرة رئیس الدولة بتعزیز صلاحیات مجلس الشعب والشورى فی مصر، فى عام 2007، وکان ذلک نوعاً من الاستجابة لبعض الضغوط الداخلیة أیضاً.

• مبادرة الحکومة الاتحادیة بالإمارات بإدراج مبدأ الانتخاب فی المجلس الوطنی الاتحادى.

• مبادرة ملک الأردن بإصلاح النظام الانتخابی، وبالتعدیلات الدستوریة بعد 2011، ویمکن إرجاع ذلک إلى الاستجابة إلى بعض المظاهرات والتجمعات التی طالبت بالإصلاح قبل ذلک.

• مبادرة ملک المغرب بمشارکة المعارضة فی الحکم، وهذا بخلاف التعدیلات الدستوریة خلال فترة الربیع العربی.

   ومما سبق، یستشف الباحث أن مستقبل الدور البرلمانی ومدى تطوره وتغییره مرهون بنظرة القیادة السیاسیة لدور البرلمان وقدرته وأهمیته فی صنع السیاسات.

   وخلاصة المشهد الأول، أن الإصلاح البرلمانی ممکن وأمر غیر مستبعد فی الدول العربیة فی ضوء المعطیات البرلمانیة، وأن العقدین الماضیین قد شهدا مجموعة مبادرات إصلاحیة هیکلیة وکذلک ارتفاعاً فی سقف التغطیة الإعلامیة وحریات التعبیر وتوسعاً فی دور المجتمع المدنی فی الشئون البرلمانیة.

المشهد الثانى: تنوع التحدیات والخصوصیة

   ویمکن تناول هذا المشهد من خلال النقاط الآتیة:

أ. تحدى الأصولیة الدینیة:

   صنعت التیارات الإسلامیة لنفسها على مدار العقد الماضی موقعاً کأحد الفاعلین السیاسیین على الساحة العربیة فى بعض الدول، ولعبت الحرکات الإسلامیة المعتدلة والرادیکالیة دوراً بعد عام 2011؛ حیث أظهرت قدرة على صیاغة بعض البرامج التى تحظى بالقبول الشعبی، بل وتمکنت من الاستفادة من الوضع فی العدید من الدول العربیة لتحقیق مکاسب کبیرة سواء على المستوى السیاسی بالتواجد فى البرلمانات أو فی سدة الرئاسة أو على مستوى الشارع أو المستوى الاجتماعی من إنشاء منظمات ذات أساس اجتماعی حقیقی ووضع استراتیجیات سیاسیة متسقة فى حین فشلت العدید من الأقطاب المحتملة فى تحقیقه، وذلک على مختلف الأصعدة.

   وکشفت التطورات فی المشهد السیاسی فی العدید من الدول العربیة بعد 2011، عن قدرة التیارات الإسلامیة فی الدول العربیة على الاستفادة من تطورات الأحداث فی بعض الدول العربیة، وعلى رأسها مصر، تونس، لیبیا، سوریا.

ب- ضعف المؤسسات ونجاح الأفراد:

   بالنظر إلى الإطار الدستورى والقانونی والسیاق السیاسی الذی یضع البرلمان فی مکانة محدودة فى هیاکل القوة والسلطة بوجه عام، فإن نماذج النجاح غالباً ما ارتبطت بأفراد وأشخاص، بل وربما عمل هؤلاء الأفراد على تعزیز مصداقیة المؤسسات ولکن لیس العکس. فعلى سبیل المثال؛ أضافت توجهات الملک فی الأردن کثیراً إلى نظرة الإعلام والمجتمع وإلى الحراک فی الحیاة السیاسیة الأردنیة، کما مثل النائب “ناصر الصانع” نقلة نوعیة فى اهتمام البرلمانیین الکویتیین والعرب فی مکافحة الفساد، کما قدم النائب “على عشال” حالة مرجعیة للبرلمانیین الیمنیین فی استقلالیة الرأی والتعبیر الحر الهادئ، وکذا ساهمت شخصیات فی إبراز مکانة برلماناتها، وکان لهم ولغیرهم دور مؤثر فی إبراز مکانة برلماناتهم فی الساحة البرلمانیة الإقلیمیة والدولیة. ومع ذلک تظل حالات فردیة، یمکن بالتراکم أن تمهد لوضعیة ونقله نوعیة فی الحیاة البرلمانیة العربیة.

   وإضافةً لما سبق، یظهر ضعف القدرات المؤسسیة والاعتماد على القدرات الشخصیة أو المالیة للعضو، الأمر الذی یمکن ملاحظته بشکل جلی فى الأداء البرلمانی ککل، کما تواجه المؤسسة البرلمانیة وأعضاءها مشکلة کبیرة تتمثل فی صعوبة الحصول على البیانات وندرة المعلومات المتاحة للأعضاء لممارسة الدور الرقابی ومناقشة التشریعات فضلاً عن غیاب تشریع ینظم تداول المعلومات، وتعتبر الأردن من المبادرات العربیة الرائدة فی إقرار قانون ضمان الحق فی الحصول على المعلومات.

ج- الآثار الجانبیة للتحول طویل المدى:

   تتعرض المجتمعات العربیة إلى إشکالیة معقدة تدخلها فی دوامة الشعور بالعجز عن الخروج منها، وهى ناتجة ومصاحبة لعملیات التحول التی یطول أمدها ویتجاوز أکثر من جیل (حوالی ربع قرن) دون أن تظهر بوادر مداخلة جدیدة، وبالتالی فإن التحول طویل المدى لا یقوى على الآثار الجانبیة المصاحبة له ومن هنا تبرز أهمیة وجود إصلاحات سریعة وملموسة فی الحیاة البرلمانیة العربیة تقترب أکثر -من حیث الممارسة ولیس فقط النصوص الدستوریة والقانونیة- نحو الحیاة النیابیة الفاعلة.

 وخلاصة المشهد الثانی، أن هناک نوعاً من التحدیات الرئیسة التی تواجه العدید من البرلمانات العربیة، وهناک بعض المبادرات العربیة التی واجهتها وقدمت نماذج لعلاجها، یمکن أن تبنی البرلمانات العربیة الأخرى علیها وتستفید منها.

المشهد الثالث: تنوع واختلاف النظرة لوضع البرلمان

یمکن نظریاً الإشارة إلى ثلاثة اتجاهات فکریة حول تطویر عمل ومکانة البرلمانات العربیة، قبل عام 2011:

• الاتجاه الأول: دعم ومساندة الوضع القائم، والذی تعبر عنه المقولة الشهیرة “لیس فى الإمکان أبدع مما کان!”، وعلیه یزعم أصحاب هذا الاتجاه أن الأوضاع الاقتصادیة (البطالة، التضخم، الفقر) والاجتماعیة (الأمیة، القبلیة، تحدیات ومشاکل اجتماعیة مثل الطلاق والعنوسة وغیرها) والسیاسیة (ضعف المشارکة والوعی السیاسی) والاستراتیجیة (التحدیات والتهدیدات الداخلیة والإقلیمیة والدولیة)، محددات یجب مراعاتها عند تقییم أدوار المؤسسات ومنها البرلمانات العربیة، الأمر الذی یستدعی ضرورة الحفاظ على الوضع القائم وإلا تعطلت مسیرة الإصلاح بکاملها.

• الاتجاه الثانی: السخط وعدم الرضا على الأوضاع، والذی یمکن التعبیر عنه بقول القائل: “یجب هدم المعبد!” وأنه لابد من التغییر الکلی. وعلیه ینکر هذا الاتجاه على المؤسسات السیاسیة (کالبرلمانات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدنی..) القیام بدور فعال أو ملموس فى عملیة التغییر والتطور. ویدعو إلى التغییر الشامل (السیاسی والاقتصادی والاجتماعی).

• أما الاتجاه الثالث، تأیید التغییر والإصلاح التدریجی، والذی یصفه البعض بأنه یستهدف “إعادة ترتیب البیت من الداخل”. ففی ظل تفاوت درجة التطور البرلمانی العربی، وتباین الأهدف من تطویر العمل البرلمانی ، إلا أن موجة التطویر تکاد تعم سائر البلدان العربیة، ما بین الاتجاه إلى تأسیس مجالس لأول مرة (ولو استشاریة) کما فی قطر وسلطنة عمان والبحرین مثلاً، أو تعدیل الأطر الدستوریة والقانونیة وهیاکل المجالس القائمة، کما فی الیمن ومصر والأردن مثلاً، أو زیادة الوعی بدور البرلمان فی إعادة ترسیم العلاقة بین سلطات الحکم، کما فی الجزائر وتونس والمغرب، أو البحث عن سبل واستراتیجیات تحدیث العمل البرلمانی وجعله أکثر شفافیة، کما فی لبنان والکویت وفلسطین.

   وخلاصة المشهد (الملمح) الثالث أنه “إذا أمعنا النظر فی غالبیة الدساتیر العربیة خاصة بعد مراحل استقلالها، والمفترض أن تکون فیها البرلمانات فی موضع القوة إزاء السلطة التنفیذیة، إلا أن الواقع العربی هو تطبیق للإخلال بالتوازن بین السلطتین التشریعیة والتنفیذیة، بحیث أصبحت السلطة الحقیقیة تکمن فی أجهزة التنفیذ، وتحولت البرلمانات إلى مجرد أشکال مظهریة، تقرر ما تعرض علیها من السلطة التنفیذیة” .

المشهد الرابع: تواضع الثقافة البرلمانیة

   ویمکن تسلیط الضوء على هذا المشهد من خلال نقاط أربع أساسیة کالتالی:

أ. ضعف المشارکة فی الانتخابات:

   والتی تشیر إلى محدودیة المیل للمشارکة السیاسیة عموماً فی المجتمعات العربیة، وفی هذا الصدد یمکن رصد مجموعة من العوامل التی تفسر ضعف المشارکة، فیما یلی:

1. استمراریة الثقافة التقلیدیة الأبویة والقبلیة والتی تربط الفرد بها أکثر من مؤسسات المواطنة مثل البرلمان والمجتمع المدنی، فلا تزال الحکومات هى أقرب للجمهور العام من مؤسسات الدولة الحدیثة.

2. عدم الثقة فی نتائج الانتخابات فی العدید من الدول العربیة، وبروز بعض مشاهد تزویر إرادة الناخبین.

3. لا زالت مساحة الأمیة واسعة تدور حول نصف المجتمع بشکل تقریبی فی مجمل المجتمعات العربیة، مما یقید الوعی العام بالمشارکة وبالبرلمان.

4. توریث ثقافة الإحباط، فالخطورة الحقیقیة فی مسألة الإحباط العام هى تناقله إلى الأجیال الجدیدة عن طریق الأسرة والإعلام الذی یبرز الشعور بالإحباط ویکرسه، وبالتالی تقل فرص تعزیز الاتجاه إلى المشارکة بین الأجیال الجدیدة لاسیما إذا أضیف تعرضها إلى العولمة التی تستحوذ علیها وتعلی من القضایا الخارجیة على الداخلیة والتی تتسم بطابع متمرد وساخر وأن عالم السیبر (Sipper) حر وتحرر من کل القیود.

5. ضعف وهامشیة دور البرلمانات والمجالس العربیة فی البناء الدستوری للعدید من الدول العربیة، وغیاب دورها الحقیقی فی صنع السیاسات، والتعبیر عن أولویات المواطنین.

ب. مرکزیة السلطة السیاسیة وضعف المؤسسات الحزبیة:

   لا یزال الرأی العام یرى أن الخدمات والمرافق الأساسیة تقدمها البیروقراطیة الحکومیة بصرف النظر عن الترکیب الحزبی والسیاسی للبرلمان، ومن ثم فاهتمام المجتمع بالسلطة التنفیذیة أکبر من اقتناعه بدور البرلمان فی حیاته الیومیة. یضاف إلى ذلک ضعف المؤسسات الحزبیة والمدنیة الوسیطة، وعدم وصول أیا منها للحکم، وبالتالی اقتصارها على طرح أفکار وتعزیز الجدل السیاسى أکثر من إثبات مصداقیتها کآلیات لطرح بدائل للسیاسات العربیة التى تنفذها الحکومة.

ج. الثقافة القدریة:

   وتشیر إلى التی تلک القناعات الراسخة لدى قطاعات عریضة من المجتمع ذات الارتباط بعادات وتقالید اجتماعیة وثقافیة وتکتسی أحیاناً بقناعات دینیة تجعل الرأی العام مستهلکاً أکثر منه مشارکاً، وتجعله یستمر فی التوجه المحافظ أکثر من تقبله لأفکار التغییر. یضاف إلى ذلک آلیات التوعیة المدنیة وترویج ثقافة المشارکة لا تزال محدودة الموارد البشریة والمالیة برغم تطور قدراتها الفنیة فی عدة مجالات، کما أن مؤسسات التعلیم ووسائل الإعلام الوطنیة لم تحدث نقلة فی ثقافة المشارکة وخصوصاً فی الانتخابات البرلمانیة.

د. انغلاق وعزلة البرلمانات

   اتسمت البرلمانات العربیة فی أغلب الأحوال بالإنغلاق على نفسها وصعوبة تواصلها المباشر مع المجتمع، وإن کان یتم التواصل مع الأعضاء من خلال مکاتبهم، أو الآلیات التقلیدیة مثل الخیام فی الخلیج، أو النقابیة مثل المغرب، ولکن تواصل المؤسسة البرلمانیة مع المجتمع لا یزال محدوداً، وبالتالی فإن دوره فی ثقافة المشارکة والتوعیة البرلمانیة فی حاجة إلى تطویر.

   وخلاصة المشهد الرابع، أنه على الرغم من ضعف الثقافة البرلمانیة العربیة، إلا أنه تم تحقیق نجاحات لبعض البرلمانات العربیة خاصة فی مجال التواصل مع المواطنین، ومنها:

• زیارات من وإلى البرلمانات، کما فی الکویت، لبنان، المغرب.

• المواقع الإلکترونیة التفاعلیة، کما فی الکویت، البحرین، ومواقع الأعضاء فی المغرب، البحرین والإمارات.

• الإعلام (Media)، ومن أهمها الصحف، الفضائیات مثل النقل المباشر لکافة جلسات البرلمان کما فی الإمارات والبحرین والکویت.

المشهد الخامس: عدم الاتفاق حول معاییر عربیة للبرلمان الجید

وتشیر الملاحظة إلى أن نظرة الرأی العام العربی لجودة البرلمان لا تتسق دائماً مع المعاییر الموضوعیة أو المقارنة، وذلک من خلال ملاحظة أن:

• البرلمان یهتم بالرقابة أکثر من الأداء التشریعی.

• البرلمان یقدر الخدمات الشخصیة / المناطقیة أکثر من العامة. وکذا المادیة أکثر من السیاسیة.

• یتأثر بنظرته وتقییمه للبرلمان بالعوامل الخارجیة، مثل تأثیر الإعلام على الأداء.

   ومن الناحیة الموضوعیة، یصعب الحدیث عن معاییر عربیة مشترکة للبرلمان الجید ، هذا الأمر الذی یمکن إرجاعه لعدة أسباب أبرزها:

– أن النظم السیاسیة متنوعة بشکل کبیر، وبالتالی ترکیب البرلمان متنوع بما یجعل من الصعب رصد معاییر مشترکة، فبعضها معین تماماً مثل السعودیة/ والآخر منتخب تماماً فی غرفتیه مثل المغرب – لبنان- العراق، وبعضها یمزج بین الانتخاب والتعیین مثل الأردن- مصر.

– أن النظم الانتخابیة متنوعة بین أسلوب الأغلبیة البسیطة على مقاعد فرعیة مثل مصر فی جزء منها، أو القوائم مثل العراق، لبنان، ونظام یجمع بینهما مثل مصر حالیاً، وفلسطین.

– أن صلاحیات البرلمان مختلفة فی الدول العربیة ما بین برلمان له صلاحیات تشریعیة ورقابیة وسیاسیة تتمثل فی إفراز الحکومة مثل لبنان، العراق، وأخرى لها صلاحیات استشاریة مثل السعودیة وعمان والإمارات، وثالثة تمزج بینهما مثل الیمن والسودان ومصر وتونس وسوریا.

   وخلاصة المشهد الخامس، أنه بالرغم من عدم التوافق على معاییر عربیة للبرلمان الجید والدیمقراطی، إلا أنه یمکن الحدیث عن معاییر فرعیة داخل العالم العربی أکثر منها معاییر إقلیمیة عربیة، ومثال ذلک دول مجلس التعاون الخلیجی ولاسیما الکویت – البحرین حیث یعد الأداء الرقابی مؤشراً لجودة البرلمان. کما یعتبر التمثیل الاجتماعی القبلی والعائلی مؤشراً لجودة البرلمان فی دول مجلس التعاون الخلیجی. بینما تزداد أهمیة النظام الانتخابی ونزاهة العملیة الانتخابیة کمؤشر للبرلمان الجید فی مصر، المغرب ولبنان، الأردن، الیمن، السودان.

   ولذا، واستناداً لما تم عرضه بشأن المشاهد الخمس السابقة، یتضح أن هناک مجموعة من العقبات وأخرى من التطورات والتغیرات التی شهدتها البرلمانات العربیة، والمبادرات التى عالجت العدید من التحدیات، وعلى الرغم من التقدم الملحوظ فى أغلبها بالبرلمانات العربیة إلا أنه یلاحظ أیضاً بعض الاختلافات فی التطبیق.

   إلا أن بصفة عامة، یمکن الإشارة إلى أهم إیجابیات البرلمانات العربیة، وذلک على النحو التالی:

1) الاستمراریة، وعدم التعطیل بالحل، وبالتالی إعطاء أفق مستقبلی للتطویر.

1) التحدیث التقنی فی البنیة التحتیة ونظم المعلومات ووسائل الاتصال. أی التحدیث التقنى للعمل البرلمانی.

2) انفتاح أکثر على المجتمع المدنی، واتساع التغطیة الإعلامیة للبرلمان والأعضاء، وتنوع وتعدد وسائل تفاعل البرلمان مع المجتمع ککل. وهناک مبادرات هامة وإیجابیة، ومنها:

• برلمانیون عرب ضد الفساد بمبادرة کویتیة، ثم إقلیمیة یشارک فیها أغلب البرلمانات العربیة.

• تحدیث وسائل التواصل مع المجتمع مثل الإمارات – المغرب- البحرین – لبنان.

• تطبیقات تکنولوجیا المعلومات والاتصالات الحدیثة (IT) مثل الأردن – مصر – عمان

• التوسع فی البث والانفتاح الإعلامی، مثل البث المباشر للجلسات فی الإعلام مثل الیمن أو على المواقع الإلکترونیة مثل البحرین.

3) زیادة/ التنوع فی ترکیب العضویة بدخول شرائح مجتمعیة مثل مجتمع الأعمال والأقلیات والرموز الفنیة والریاضیة والشباب.

4) زیادة اهتمام وحضور المعارضة سواء من خلال أحزاب أو مستقلین ودخول جماعات دینیة وعرقیة.

أما من ناحیة القضایا الجدیرة بالبحث لتعزیز الحیاة البرلمانیة العربیة، بیمکن تسلیط الضوء على ما یلی:

1) الثقافة البرلمانیة، وتعزیز المشارکة.

2) الأدوار غیر التقلیدیة الجدیدة للبرلمانات، ومنها الاهتمام بالتنمیة المستدامة، والبرلمانات المتخصصة مثل برلمان المناخ، والمجموعات البرلمانیة الإقلیمیة لمواجهة الجوع والقضاء علیه.

3) الحکم الجید الداخلی والشفافیة وتداول البیانات والمعلومات.

4) تبادل الخبرات فی تعزیز القدرات التنظیمیة والفنیة والإداریة.

5) إیجاد قوانین ناظمة للعمل الحزبی وتشجع العمل الجماعی، وکذلک قوانین صدیقة للعمل البرلمانی کقوانین الاجتماعات العامة، ومؤسسات المجتمع المدنی.

   ویتناول الباحث فیما یلی المداخل والاقترابات النظریة التی یتم یمکن الاستناد إلیها لتحدید الأدوار الرئیسة الملقاة على عاتق البرلمانات العربیة خلال مرحلة التحول الدیمقراطی، ولقد تمت الإشارة بصدد ذلک إلى خمسة مداخل رئیسة: المدخل التاریخی، المدخل الدستوری والقانونی، المدخل الوظیفی، المدخل الاقتصادی، المدخل الإمبریقی.

ثانیاً: المداخل والاقترابات النظریة وآلیات تطویر البرلمانات العربیة

   لقد شکل عام 2011 نقطة تحول فى مسیرة العالم العربی، من خلال ما شهدته العدید من الأقطار العربیة من تطورات على خلفیة المطالبة بإصلاح النظم السیاسیة، وصولاً إلى الحکم الرشید وتطویر الأنظمة البرلمانیة العربیة.

   وبالرغم من الأوضاع المختلفة فی کل بلد عربی شهد مخاض التحول الدیمقراطی، إلا أن ثمة الکثیر من المسائل المشترکة، التی تجعل من الممکن الاستفادة من بعض الخبرات والنجاحات التی تحققت، ومن المؤکد أن أحد أهم التأثیرات ستطال البرلمانات، وبالتالی على البرلمانات العربیة المسارعة فی تقییم الموقف، وتحدید التحدیات التی تواجه العمل التشریعی، وأن تسعى إلى بلورة الأفکار والاقتراحات لمعالجة الصعوبات الناشئة والاستفادة من الفرص المتاحة.

مداخل تفعیل التطویر البرلمانی العربی:

   تسعى الدراسة فى هذه الجزئیة للاستفادة من المداخل أو الاقترابات التحلیلیة، المألوفة فی التحلیل السیاسی لتوضیح ما یمکن أن تقوم به البرلمانات فی مرحلة البناء الدیمقراطی أو التحول نحو الدیمقراطیة، فالتغیرات تتطلب مراجعة للنظریات ومنطلقات المدارس الفکریة حتى یمکن فهم التحولات أولاً ومنطلقاتها، ومن أجل بلورة بدائل للتعامل معها ثانیاً، ثم محاولة التنبؤ بمساراتها المحتملة ثالثاً.

   ویمکن استعراض خمسة مداخل رئیسیة لتحدید الأدوار المطلوبة من البرلمانات العربیة فی مرحلة التحول الدیمقراطی، ونستعرضها على النحو الآتی:

أولاً: المدخل التاریخى:

   تعد التحولات السیاسیة خاصة البرلمانیة بمثابة “مرحلة جدیدة” من التاریخ السیاسی للدول العربیة، إلا أن هذه المرحلة تعتبر فی ذات الوقت استمراراً للماضی، من إرهاصات تراکمت، وأسفرت عن تلک التحولات سواء الشاملة أو الجزئیة، مثل تأزّم نظام الحکم، وضعف الحیاة الحزبیة، والمشاکل والتحدیات الاقتصادیة، مشکلة الفساد، وغیرها من المشاکل.

   وعلیه، یمکن الاستفادة من المدخل التاریخی؛ للتعرف على سرد الأحداث ذات الصلة بالحیاة البرلمانیة وتتبعها، والبحث عن القواسم المشترکة، حیث أن الأدبیات التی رکزت على موجات التحول الدیمقراطی ومراحل التطویر والإصلاح البرلمانی تتفق على مجموعة من التشابهات، تتمثل فی الآتی:

• الانتقال إلى النظام الدیمقراطی والتعددیة السیاسیة والحزبیة قد یحدث بسرعة، ولکنه لن یمثل انقطاعاً تاماً مع الثقافة والتوازنات السیاسیة القدیمة، حیث سیظل للقوى والتیارات السابقة وزن ولو محدود فی الحیاة السیاسیة الجدیدة.

• التحولات نحو الدیمقراطیة تتمحور حول قضایا رئیسیة مثل تصمیم شکل المجلس النیابی ووضع نظم الانتخابات والاتفاق على قواعد جدیدة للعبة السیاسیة.

• تتم التحولات فی الغالب بفعل القوى خارج البرلمانات ذاتها. ولهذا، فلا تزال البرلمانات العربیة المتجددة تکافح من أجل رسم صورة إیجابیة عنها لدى الرأى العام.

ثانیاً: المدخل الدستورى والقانونى:

   إن التغییر فی الحیاة السیاسیة والبرلمانیة یتوج بالتغییر فی الأطر الحاکمة لهما، ولاسیما فی الأطر الدستوریة والقانونیة، بدایةً من الدستور، وربما کان ذلک سبب تسمیتها بالمدرسة الدستوریة أو المؤسساتیة أو القانونیة أیضًا. وتشیر القدرة المؤسسیة للبرلمانات إلى صلاحیاتها القانونیة والفعلیة فی صناعة السیاسات العامة وصنع القرار. وتنطلق هذه المداخل من خصائص جوهریة للنظام البرلمانی، وتعتبرها أساساً لتقییم التحولات فیه، وهى: درجة الترکیب التنظیمی، والتعقد المؤسسی، والاعتماد على منظومة من أفضل الممارسات والتقالید البرلمانیة (Best Practices).

   على الرغم من اختلاف الدساتیر فی الکثیر من الإجراءات، إلا أنها تشترک فی المبادئ التى تجسد قوام النظام الدیمقراطی، مثل حکم القانون، وسمات النظام البرلمانی أو الرئاسی، والمساواة أمام القانون. کذلک، ترتبط عملیة الانتقال والتحول نحول الدیمقراطیة والإصلاح البرلمانی فی نظر المدخل القانونی، بإقرار دور هام للسلطة القضائیة سواء من خلال القضاء المنشئ مثل مجلس الدولة فی مصر، أو من خلال المحاکم الدستوریة والتی تساهم فی تدشین عملیة التحول الدیمقراطی وتکریسها وتطویرها، لاسیما من حیث ترسیم وتوضیح اختصاصات سلطات الحکم، وحدود الصلاحیات التشریعیة.

   وعلى الرغم من أهمیة هذا المدخل القانونی، إلا أنه لا یمکن إغفال أهمیة الممارسة العملیة والتطبیقیة، والتی تجعل من القواعد الدستوریة والقانونیة جسد بلا روح، أو تجعل منها کائناً حیاً أو جسد وروح.

ثالثاً: المدخل الوظیفی:

   لا یکتفی رواد هذا المدخل بتفسیر التحولات فی أداء المؤسسات وهیاکلها واختصاصاتها، وإنما تطرح أسلوباً للتنبؤ بها، ویتجاوز هذا المدخل الأطر القانونیة وتعدیلات النظام الدستوری، وکذا لا تقف کثیراً عند الأحداث التاریخیة ومساراتها، وإنما ینظر إلى ما أسفرت عنه تلک الأحداث التاریخیة وما قادت إلیه التغیرات الدستوریة فی أبنیة نظام الحکم، ووظائف مؤسساته، وقدرتها على التکیف مع التحولات الاقتصادیة والاجتماعیة، المحلیة والخارجیة، وبالتالی تکون أکثر حذراً فی عملیة تقییم “التحولات”، وأکثر نقداً تجاه اعتبارها مؤشرات على الانتقال إلى الدیمقراطیة.

   وارتباطاً بما سبق، تعد البرلمانات مؤسسات تمثیلیة، وأحد الآلیات الاستیعابیة، لإتاحة الفرص للتعبیر عن المصالح والاتجاهات المختلفة فی المجتمع. ولعل طبیعتها التوافقیة هى التی تمیزها عن سلطات الدولة الأخرى، وهذا ما ظهر بوضوح فی التجربة التونسیة سواء فی صیاغة الدستور الجدید بعد 2011، أو التوافق على تشکیل الحکومة، وأیضاً فی مسودة الدستور اللیبی فی اتجاهه إلى الأخذ بالدیمقراطیة التوافقیة فی اقتراح وتعدیل القوانین.

   وفی ضوء ذلک، ینظر البعض إلى البرلمان باعتباره کیاناً للتعبیر عن المصالح المجتمعیة وتجمیعها، وهذا هو الفهم البراجماتی له، الذى یعتبره مظلة مؤسسیة لتجمیع المصالح المتصارعة، وتسعى إلى بلورة حلول وسط بینها، على نحو دائم، ودون الارتباط بأولویات أیدیولوجیة مسبقة. ویرى آخرون البرلمان بوصفه آلیة لتحقیق المصالح المجتمعیة العلیا أو العامة، وبالتالی فإن للعمل البرلمانی آلیات مختلفة ومتجددة، ولیس مجرد آلیة میکانیکیة محایدة، وقد تکون مبتورة عن سیاقها الاجتماعی والثقافی وهدفها التنموی.

   من هنا، فإن اتجاهات التطویر المؤسسی تتعلق بقضیة “کیف تکون البرلمانات مؤسسات سیاسیة قویة”. ومن الأمور المتعلقة بذلک: العلاقة بین السلطة التشریعیة والحکومة، الترتیبات الانتخابیة، أثر التحالفات والأحزاب السیاسیة وجماعات المصالح على فعالیة البرلمان، وطبیعة اللجان البرلمانیة والقواعد والإجراءات اللائحیة، وکذلک درجة تدفق المعلومات وتأثیرها على دور البرلمان فی دعم التحول نحو الدیمقراطیة.

رابعاً: المدخل الاقتصادی:

   یرکز أصحاب هذا المدخل على العلاقات المتبادلة بین التحولات السیاسیة والاقتصادیة والاجتماعیة، وکذلک تأثیر العولمة، وتکنولوجیا الاتصال والمعلومات، وفی ضوء ذلک یتم طرح تساؤلات هامة بشأن تقییم التحول الدیمقراطی، والإصلاح البرلمانی، یتعلق بعضها بتأثیر التحول نحو اقتصاد السوق وأثره على مستویات المعیشة، وبقدرة الحکومات الجدیدة على تحقیق التوازن بین التحول السیاسی والتنمیة، فضلاً عن حدود تأثیر العولمة والتکتلات الاقتصادیة على تفاعلات الحیاة السیاسیة داخل الدول.

   ووارتباطاً بهذا الاتجاه؛ یجب أن یرتبط الإصلاح البرلمانی بإنجاز قدر معقول من العدالة الاقتصادیة والاجتماعیة، وتمکین المواطن من ممارسة حقوقه السیاسیة، وذلک انطلاقاً من معطیات اقتصادیة واجتماعیة مواتیة. ولذا فإن التحولات والإصلاحات السیاسیة والبرلمانیة بصفة خاصة التی لا تمتد إلى الإصلاح الاجتماعى وتغییر الأوضاع الاقتصادیة، ربما تکون سبباً فی إعادة سطوع وبروز الأحزاب الدینیة والتیارات المتطرفة، وإعادة انخراطها فی الحیاة السیاسیة؛ وذلک بسبب إحباط المواطنین من محدودیة آثر “التحولات” والإصلاحات السیاسیة.

   وفضلاً عما تقدم، یمکن الاستفادة من هذا المدخل فی الحالات العربیة، کون أن الربیع العربی لا یرتبط بالأمور السیاسیة فقط، ولکن ثمة تأثیرات کبیرة للبیئة الاقتصادیة وعدم عدالة توزیع الثروة فی المجتمع، وتعقد المشاکل الاقتصادیة وتداخلها وعلى رأسها الفقر والبطالة والأمیة. لذلک فإن البرلمانات العربیة تکون فی حاجة ملحة لمراجعة المنظومة التشریعیة، خاصة الاقتصادیة والاجتماعیة، لتحقیق العدالة الاقتصادیة والاجتماعیة فی المجتمع، کما أنها تکون تحت ضغط الاستجابة للمطالب الاقتصادیة من المواطنین، وبالتالی فإن هذا المدخل من أهم المداخل فی وضع التصور لدور البرلمان المستقبلی، وتغییر صورته النمطیة أمام الرأی العام، ویساهم فی وضع أولویاته الاقتصادیة والاجتماعیة خاصة فی الجوانب التشریعیة، ومراقبة الحکومة فی الاستجابة لمطالب المواطنین.

خامساً: المدخل التجریبی/الأمبریقى:

   تتمحور الفکرة الأساسیة لهذا المدخل حول القدرة على التکیف مع تطور الواقع، من خلال دراسة السلوک على المستوى الفردی (مثل السلوک التصویتی) وعلى المستوى الجماعی (مثل التجنید فی المؤسسات السیاسیة والأحزاب، وأداء اللجان البرلمانیة)”. حیث یمثل هذا المدخل طریقة فهم وتقدیر محاور شرعیة أداء البرلمان. فبصرف النظر عن طریقة تشکیل البرلمان (بالانتخاب أو التعیین أو خلیط منهما) أو نظام الانتخابات (فردی أو قائمة أو الجمع بینهما)، وعدد أعضاء البرلمان..، وغیر ذلک من الأمور التنظیمیة والهیکلیة، فإن الأهم فی تحدید شرعیة البرلمان أمام الرأی العام هو درجة الشفافیة فی أعماله وانفتاحه على مؤسسات المجتمع والمواطنین، والاستجابة لمطالبهم وأولویاتهم والتعبیر عنها.

   ویهتم هذا المدخل بمکون الإصلاح البرلمانی فی عملیة التطور الدیمقراطی والبرلمانی باعتباره منظومة من المؤشرات، مثل طریقة تشکیل البرلمان، واختصاصاته، ومدى تحقیق الشفافیة فی أعمال البرلمان ولجانه، وإتاحة المعلومات عن مجریات العملیة التشریعیة والأداء الرقابی.

   ولقد استقرت الدراسات على مجموعة من المواصفات للبرلمان الدیمقراطی، ومنها أن یکون:

– ممثلاً لکل فئات الشعب، سیاسیاً واجتماعیاً وإثنیاً.

– شفافاً، أی مفتوحاً أمام الشعب وشفافاً فی إدارة عمله.

– متاحاً للجمیع، یشرک الجمهور، لاسیما منظمات المجتمع المدنی فی أعماله.

– فعالاً على جمیع المستویات: المحلی، الوطنی، الدولی، خصوصاً فی مجال ممارسة مهمته الرقابیة.

   ویستعرض الباحث فیما یلی الإصلاحات الدستوریة فی البرلمانات العربیة بعد عام 2011، حیث سیتم تناول التطور فی الاختصاصات والصلاحیات للبرلمانات العربیة کما ورد فی الدستور سواء الدساتیر الجدیدة، أو التعدیلات التی أدخلت على بعض الدساتیر القائمة، وإن کان یجب التأکید على أن هذا التحلیل لا یقدم سوى جانب من الصورة “ما یجب أن یکون” تبعاً للنصوص، ذلک أن تقییم أی وثیقة قانونیة أو دستوریة لا یمکن أن یتم فقط على أساس النصوص، ولکن یجب أن ینظر إلیها أیضاً فی التطبیق وبشکل حرکی.

ثالثاً: التطور فى اختصاصات وصلاحیات البرلمان فی الدساتیر العربیة المعاصرة:

   نستعرض فى هذه الجزئیة من الدراسة دور وصلاحیات واختصاصات البرلمان فی دساتیر ما بعد الربیع العربی، وکذا ملامح التغییر والتطویر فی هذه الدساتیر.

   وسیتم الترکیز بصفة أساسیة على التغییرات فی دساتیر کل من: مصر، وتونس، والمغرب، بالإضافة إلى الوثیقة الدستوریة اللیبیة المقترحة.

   فلقد استطاعت کل من المغرب والبحرین والأردن أن تتجاوز الأزمة بفضل اختیارها لتکتیک “التّغییر ضمن الاستمراریّة” فجاءت التعدیلات الدستوریة فی الدول الثلاثة معبرة عن إرادة ملکیّة، مع توسیع صلاحیات الحکومة واختصاصات وسلطات البرلمان. بینما نجد أن الدستور التونسی قد صدر نتیجة لتسویّات مضنیة بین الأحزاب والائتلافات السیاسیة والحزبیة، وشکّلت تطوراً مهماً على صعید حقوق الإنسان ورفع تمثیل المرأة. وفی مصر شکّل الدّستور تطویراً لدستور 2012، وتقاسم السلطات بین رئیس الجمهوریة ومجلس الوزراء، ومجلس النواب.

   ویمکن تناول أهم التطورات فی محاور رئیسة مقارنة، نستعرضها على النحو التالى:

1- التغییر فی الأدوار والصلاحیات:

   بصفة عامة هناک نقلة نوعیة فی دور وصلاحیات البرلمانات فی دساتیر ما بعد أحداث 2011 فی المنطقة العربیة، واختلفت من دولة إلى أخرى، فعلى سبیل المثال:

• منحت التعدیلات الدستوریة لعام 2011 مجلس النواب المغربی مزیداً من الصلاحیات؛ إذ وسع نطاق سن القوانین وتم الاعترف بمکانة المعارضة، وأشار إلى أنها مکون أساسی فی المجلسین، وتشارک فی وظیفتی التشریع والمراقبة، ولکن لم یفتح الدّستور المغربیّ الجدید الطریق نحو ملکیّة برلمانیّة کصیغة متقدّمة للحکم، ولم یضمن العبور إلى دیمقراطیّة حقیقیّة”.

• ووسعت التعدیلات الدستوریة فی 2011، 2014، 2016، صلاحیات الملک من خلال إقرار صلاحیات منفردة له بتعیین ولی العهد ونائب الملک ورئیس وأعضاء مجلس الأعیان رئیس وأعضاء المحکمة الدستوریة، وقائد الجیش ومدیر المخابرات ومدیر الدرک، دون توقیع رئیس الوزراء ومجلس الوزراء، وعلى الجانب الآخر وسعت من صلاحیات مجلس النواب الأردنی، وخاصة تعدیل المادة (53) عام 2011، والإشارة إلى ضرورة طلب الثقة من المجلس على برنامج الحکومة خلال شهر واحد من تاریخ تألیفها، وأیضا إعطاء الحق لمجلس النواب بإحالة الوزراء إلى النیابة العامة مع إبداء الأسباب المبررة لذلک. کما جاءت التعدیلات فی 2011، لتشیر إلى إنشاء بقانون هیئة مستقلة تدیر الانتخابات النیابیة والبلدیة.

• أما فی تونس، فقد جاء الدستور الجدید کنتاج لتحالف عریض بین الحرکة الإسلامیّة والقوى العلمانیّة، وفیما کانت الدّساتیر السّابقة تعانی من هیمنة رئیس الجمهوریة على السّلطة التنفیذیة وسّع الدّستور مجال السّلطة التّشریعیة وخصّ المعارضة بحقوق تمکّنها من ممارسة مهامها، وتمییز الأدوار بین رئیس الدّولة ورئیس الحکومة والنص على استقلالیّة القضاء والمحکمة الدّستوریة. وأکد الدستور على أن المعارضة مکون أساسی، ولها حقوقها التى تمکنها من النهوض بمهامها، وتضمن تمثیلها فی هیاکل المجلس الداخلیة والخارجیة، وترأس وجوباً اللجنة المکلفة بالمالیة، ومقرر بلجنة العلاقات الخارجیة، کما یحق لها تکوین لجنة تحقیق کل سنة، ومن واجبها الإسهام النشط والبناء فی العمل النیابی.

• أما فى مصر، فحدثت نقلة نوعیة فى دور مجلس النواب (الشعب سابقاً) فى کل من دستور 2012، تعدیلاته فی 2014 مقارنةً بما تضمنه دستور 1971، وأصبح مجلس النواب فی ظل تلک التعدیلات مشارکاً فاعلاً فی الحیاة السیاسیة، حیث زادت الصلاحیات والاختصاصات خاصة التشریعیة والرقابیة، وأضیفت له أدوار جدیدة خاصة فی مواجهة رئیس الجمهوریة.

• أما فی لیبیا، فیعد المجلس الوطنی الانتقالی المؤقت أول برلمان حقیقی فی الدولة اللیبیة، ویباشر أعمال السیادة العلیا، بما فی ذلک التشریع ووضع السیاسة العامة للدولة. ویجب مصادقته على المعاهدات الدولیة، فضلاً عن تکلیفه بإقامة أسس الدولة المدنیة الدستوریة الدیمقراطیة.

  2- التغییر فی ترکیبة البرلمان: نظام المجلس الواحد أم المجلسین:

   حدث نوع من التطور والتغییر فی ترکیبة البرلمان فی الدول العربیة محل الدراسة، وذلک على النحو الآتی:

• حافظت کل من المغرب والأردن والبحرین على المجلسین، ونوعت فی الاختصاصات بینهما.

• حافظ الدستور المغربی المعدل على برلمان بمجلسین تشریعیین، مجلس النواب المنتخب بالاقتراع العام المباشر لمدة خمس سنوات، ومجلس المستشارین المنتخب بالاقتراع غیر المباشر من قبل الهیئات الناخبة المحلیة والوطنیة، وقد شهدت ترکیبة هذا المجلس بعض التغییرات حیث سمح بتمثیل للاتحادات المهنیة بعکس دستور 1996، أما مدة ولایته فقد انخفضت من 9 سنوات إلى 6 سنوات.

• حدث تغییر فی مصر مرتین، حیث أشار دستور 2014، إلى الانتقال من نظام المجلسین إلى المجلس الواحد وهو مجلس النواب، إلا أن التعدیلات الدستوریة فی 2019، قد أعادت مرة أخرى نظام المجلسین بإضافة مجلس الشیوخ.

• أما فی تونس فقد تم اعتماد نظام المجلس الواحد وهو مجلس نواب الشعب، کما تم إدخال نوع من الدیمقراطیة شبه المباشرة عن طریق التأکید على أن ممارسة السلطة للشعب من خلال ممثلیه أو من خلال الاستفتاء الشعبی.

• فیما اتجهت لیبیا فی مسودة دستورها إلى تبنی نظام المجلسین، وقد تم تشکیل المجلس الثانی وهو مجلس الدولة اللیبی.

3- عدد الأعضاء وطریقة الانتخاب:

   بید أن ثمة اتجاهاً لتزاید عدد أعضاء البرلمانات بعد الربیع العربی؛ فلقد زاد فی کل من المغرب وتونس ومصر، کما أن الانتخابات صارت بالانتخاب الحر المباشر فی کل من المغرب (مجلس النواب) وتونس ومصر ولیبیا، أما مجلس المستشارین المغربی استند إلى الانتخاب غیر المباشر، ویمکن رصد التغیر على النحو الآتی:

• وفیما یتعلق بالمغرب فقد زاد عدد أعضاء مجلس النواب من 325 إلى 395 عضواً، فی حین انخفض عدد أعضاء مجلس المستشارین من 270 عضواً إلى عدد یتراوح بین 90-120 عضواً.

• أما تونس، فلم یحدد الدستور العدد الإجمالی لنواب المجلس وترک الأمر للقانون، الذى حدده بـ 217 عضواً مقارنة 182 عضواً فی السابق، وکان مجلس المستشارین لا یتجاوز ثلثی عدد مجلس النواب.

• أما فی مصر، فقد حدد الدستور الحد الأدنى لعدد أعضاء البرلمان بـ (450) عضواً مقارنة بالحد الأدنى 350 فى دستور 1971، وکان العدد الفعلی لمجلس الشعب 454 عضواً (منهم 10 أعضاء بالتعیین)، أما العدد الحالی فیقدر بنحو 596 عضواً. کما حافظ الدستور على تعیین نسبة من المجلس لرئیس الجمهوریة وهى 5% من إجمالى الأعضاء.

• وأخیراً لیبیا، یکون المجلسان بالانتخاب المباشر، ویتکون مجلس النواب من 144 عضواً، أما مجلس الدولة أو الشورى من 72 عضواً مخصص بالتساوى للأقالیم الجغرافیة الثلاثة الواردة فی مسودة الدستور.

4- اختیار الحکومة ومنحها الثقة:

   تنبغی الإشارة إلى أن ثمة اتفاقاً بین الدساتیر ما بعد الربیع العربی على دور البرلمان فی اختیار الحکومة، والتصویت لمنحها الثقة، ویکون التکلیف من رئیس الدولة للحزب أو الائتلاف الحاصل على الأغلبیة فی المجلس، ولکن اختلفت الدساتیر فی الطریقة، والإجراءات، ویمکن أن نستعرضها على النحو التالی:

• فیما یتعلق بالتجربة المغربیة، یعین الملک الحکومة وتعرض برنامجها على المجلسین، ویتم التصویت علیه فی مجلس النواب فقط، ویجب الحصول على ثقة مجلس النواب بتصویت الأغلبیة المطلقة لصالح البرنامج. ولم یشر الدستور إلى الإجراءات فی حال عدم موافقة المجلس على البرنامج.

• وتشیر التجربة التونسیة، إلى أنه خلال 7 أیام بعد تشکیل المجلس وعقد أول جلسة، یکلف رئیس الدولة مرشح الحزب الحاصل على أکبر عدد من المقاعد بتکوین الحکومة خلال شهر، وفی حالة عدم الحصول على الثقة، یجری رئیس الدولة المفاوضات مع الأحزاب والائتلافات والکتل لتکلیف أحد الشخصیات بتشکیل حکومة خلال شهر، وحدد الدستور مدة 4 أشهر إجمالاً لمحاولات تشکیل الحکومة وبعدها یحق للرئیس حل المجلس والدعوة إلى انتخابات جدیدة خلال مدة تتراوح بین 45- 90 یوم.

• وفیما یخص التجربة المصریة، یکلف رئیس الجمهوریة رئیساً للوزراء ویکلفه بتشکیل الحکومة-ولا یشترط فی هذه الحالة من الحزب الحاصل على الأغلبیة فی البرلمان أی سلطة مطلقة لرئیس الدولة فی الاختیار- ویعرض برنامجاً على مجلس النواب، فإذا لم تحصل الحکومة على موافقة أغلبیة أعضاء مجلس النواب خلال 30 یوم على الأکثر، یکلف رئیس الجمهوریة رئیس مجلس الوزراء بترشیح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أکثریة مقاعد المجلس، فإذا لم تحصل حکومته على ثقة المجلس خلال 30 یوماً، عُد المجلس منحلاً ویدعو رئیس الجمهوریة إلى انتخاب مجلس جدید خلال 60 یوماً من تاریخ الحل. وفی حالة الحل یعرض رئیس مجلس الوزراء تشکیل حکومته وبرنامجها على مجلس النواب الجدید فی أول اجتماع له.

• وأخیراً، فی لیبیا، یکلف رئیس الدولة رئیس الوزراء من الحزب الحاصل على الأغلبیة خلال 7 أیام من تشکیل المجلس، وتعرض الحکومة برنامجها خلال شهر، وفی حالة عدم الحصول على الأغلبیة تقدم الحکومة استقالتها، ویشکل رئیس الدولة حکومة مؤقتة وتکون مسئولة أمامه فقط، ویکون أمام المجلس فترة عام إما الموافقة على برنامج الحکومة المؤقتة ومنحها الثقة، أو التوافق على حکومة جدیدة، وفی حالة عدم التوصل إلى قرار خلال السنة یحل المجلس وجوباً ویعلن الرئیس عن انتخابات مبکرة خلال 60 یوماً.

5- سحب الثقة من الحکومة وحل البرلمان:

   هناک اتفاق بین الدساتیر بعد الربیع العربی على سلطة وصلاحیات البرلمان فی سحب الثقة من الحکومة، ولکنها تختلف من حالة إلى أخرى، والتی یمکن إجمالها فی صور ثلاث مختلفة، وذلک على النحو الآتی:

• فی تونس (مبادرة من المجلس- طلب من الحکومة بتجدید الثقة- بطلب من رئیس الجمهوریة)، وهناک قید على المجلس عند سحب الثقة والمتمثل فی اختیار رئیس الوزراء الجدید، أما فی مصر فهناک حالتین (بعد استجواب- تضامن الحکومة قبل التصویت على سحب الثقة).

• أما فی المغرب فقد تم قصر سحب الثقة لمجلس النواب دون المستشارین. ومن ناحیة أخرى فقدرة الحکومة على طلب حل المجلس أسهل فی المغرب حیث تعتمد على موافقة المجلس الوزارى برئاسة الملک.

• ووضعت الدساتیر شروطاً لحل البرلمان فی کل من مصر ولیبیا حیث یجب عرض الموضوع على استفتاء شعبی، ولم یضع هذا القید الدستور التونسی.

• وتقدم لیبیا تصوراً جدیداً من خلال طلب 24 عضواً بحل المجلس، ثم عرض الموضوع للتصویت، وإذا حصل على الأغلبیة المطلقة یصدر رئیس الدولة قراراً بالحل.

ویمکن عرض تنظیم الدستور لهذه النقطة فی الدول العربیة على النحو الآتی:

• المغرب: لمجلس النواب أن یعارض مواصلة الحکومة تحمل مسئولیاتها بالتصویت على ملتمس للرقابة، وقد تم تبسیط شروط تقدیم الملتمس حیث یستلزم توقیع خُمس أعضاء المجلس، وتؤدی موافقة الغالبیة المطلقة من أعضاء المجلس على التماس الرقابة إلى استقالة الحکومة استقالة جماعیة. بینما فقد مجلس المستشارین صلاحیة تقدیم ملتمسات للرقابة أو لتوجیه التنبیهات التی کان یتمتع بها فی دستور 1996، ویمنح الدستور الحالی مجلس المستشارین حق مساءلة الحکومة بواسطة التماس یجب أن یوقعه على الأقل خُمس أعضائه، ولایؤدی إلى استقالة الحکومة. کما یمکن لرئیس الحکومة حل مجلس النواب، ، وهذا حکم جدید یعطی الحکومة سلطة أکبر على البرلمان، کما أن مرسوم حل مجلس النواب یعرض على المجلس الوزاری الذى یترأسه الملک.

• أما فی تونس: یمکن التصویت على لائحة لوم ضد الحکومة بعد طلب معلل من ثلث أعضاء المجلس على الأقل، ویشترط الدستور أموراً صعبة وقد تکون تعجیزیة لسحب الثقة من الحکومة حیث یُشترط “موافقة الأغلبیة المطلقة وتقدیم مرشح بدیل لرئیس الحکومة ویصادق علیه فی نفس یوم التصویت على سحب الثقة. ولا یمکن تقدیم لائحة اللوم مجدداً ضد الحکومة إلا بعد مضی 6 شهور”. أما الصورة الثانیة، فیمکن “لرئیس الحکومة أن یطرح على مجلس نواب الشعب التصویت على الثقة بالحکومة، ویتم التصویت بالأغلبیة المطلقة، فإن لم یجدد المجلس الثقة اعتبرت الحکومة مستقیلة”. وحالة ثالثة لسحب الثقة، حیث “یمکن لرئیس الجهوریة أن یطلب من المجلس التصویت على سحب الثقة من الحکومة مرتین خلال مدته الرئاسیة، وفی حالة تجدید الثقة فی الحکومة فی المرتین، یعتبر الرئیس مستقیلاً”.

• وفی مصر، یجوز للمجلس سحب الثقة من الحکومة بعد تقدیم استجواب، وبناء على اقتراح عُشر أعضاء المجلس على الأقل، ویصدر المجلس قراره بأغلبیة أعضائه، “وإذا قرر المجلس سحب الثقة من رئیس الوزراء أو أحد الوزراء وأعلنت الحکومة تضامنها معه قبل التصویت، وجب أن تقدم الحکومة استقالتها”. وفی المقابل، لم یمنح الدستور للحکومة الحق فى طلب حل البرلمان، کما حصن الدستور المجلس بالنص على أنه “لا یجوز لرئیس الجمهوریة حل مجلس النواب إلا عند الضرورة وبقرار مسبب، وبعد استفتاء شعبی”.

• وأخیراً فی لیبیا: یجوز للمجلس سحب الثقة من الحکومة أو أحد الوزراء بعد استجواب فقط مثل مصر، ویکون بطلب کتابی من 24 عضواً فی حالة طلب سحب الثقة من رئیس الحکومة، ومن 12 عضواً فی حالة سحب الثقة من أحد الوزراء. ومن ناحیة أخرى یمکن للحکومة أن تتقدم بطلب لرئیس الدولة بحل البرلمان بشرط موافقة ثلثی الحکومة على الطلب ویکون متضمناً أسباباً وجیهة بعرقلة المجلس للسیاسات العامة أو خطة التنمیة أو تعطیل المیزانیة، ویجری الرئیس مشاوراته خلال 30 یوماً لتقریب وجهات النظر وحل الخلاف، ثم یقرر إما رفض الطلب وتعتبر الحکومة مستقیلة فی هذه الحالة، أو قبول الطلب وعرض الموضوع على استفتاء، وفی حالة الرفض تعتبر الحکومة مستقیلة. والحالة الفریدة للبرلمان اللیبی فی اقتراح 24 عضواً من المجلس بحله، ویعرض رئیس المجلس الاقتراح وأسبابه على المجلس ویتم التصویت علیه بأغلبیة مطلقة للأعضاء، وفی حالة الموافقة یصدر رئیس الجمهوریة قراراً بحل المجلس.

6- الصلاحیات التشریعیة:

   یعد الدور الذى تلعبه السلطة التنفیذیة فی العملیة التشریعیة من الأمور البارزة والأکثر وضوحاً فی الدول العربیة على اختلاف أنظمتها، بل الأکثر من ذلک هو غلبة السلطة التنفیذیة على السلطة التشریعیة -صاحبة الاختصاص الأصیل بالتشریع- فی العملیة التشریعیة، فنجد أن حق التشریع لا یقتصر على أعضاء البرلمان فقط بل تشارکه الحکومة ورئیس الجمهوریة، وذلک على النحو الآتی:

• یمارس الدور التشریعی فی کل من مصر وتونس من خلال (رئیس الجمهوریة- الحکومة- أعضاء البرلمان)، ولکن فى حین أنه یمکن لعضو واحد التقدم باقتراح بقانون فی مصر، إلا أنه یلزم عدد (10) أعضاء فی تونس، کما أن مقترحات القوانین ومقترحات التعدیل المقدمة من النواب فی تونس لا تکون مقبولة إذا کان إقرارها یخل بالتوازنات المالیة للدولة التى یتم ضبطها فى قوانین المالیة.

• جاءت إضافة فی مصر بدستور 2014، حیث أنه یجوز تقدیم مشروعات قوانین من قبل عٌشر أعضاء المجلس، ویتساوى فی هذه الحالة المشروع المقدم من الحکومة ویحال للجان المختصة مباشرة.

• وفیما یتعلق بالتجربة المغربیة (رئیس الحکومة- أعضاء البرلمان)، تعززت سلطات البرلمان فی مجال التشریع، حیث جرى توسیع نطاق القوانین التی یناقشها البرلمان لتغطی قطاعات مختلفة من الحیاة السیاسیة والاقتصادیة والاجتماعیة، ویتولى رئیس الحکومة وأعضاء البرلمان صلاحیة اقتراح القوانین، ولتشجیع أعضاء المجلس على الاستفادة من هذا الامتیاز، تم تخصیص یوم واحد على الأقل فی الشهر لدراسة مقترحات القوانین، ومن بینها المقدمة من قبل المعارضة. ویلاحظ استمرار التقیید المالی على السلطات التشریعیة للمجلس وأعضائه، حیث ظل باقیاً فی الدستور الجدید إمکان الحکومة أن ترفض أی مقترحات أو تعدیلات یتقدم بها أعضاء البرلمان إذا کان قبولها یؤدی بالنسبة لقانون المالیة إلى تخفیض الموارد العمومیة أو إلى إحداث تکلیف عمومی أو الزیادة فى تکلیف موجود.

• وفیما یخص التجربة فی لیبیا، فقد تبنى مشروع الدستور فکرة الدیمقراطیة التوافقیة من خلال منح المواطنین الحق فی التقدم بمشروعات القوانین أو التعدیلات على هذه القوانین، حیث تمت الإشارة إلى أن التقدم بمقترح مشروع قانون هو حق لرئیس الجمهوریة- رئیس الوزراء- 5 أعضاء من أیا من المجلسین- 3000 ناخب.

• کما تلاحظ أن هناک نوعاً من التقیید فی کل من تونس والمغرب فی مقترحات القوانین من الأعضاء، وهى اشتراط موافقة الحکومة وأنها لا تحدث تأثیراً مالیاً.

7- الدعوة للانتخابات الرئاسیة المبکرة:

   ابتکر الدستور المصرى صیغة جدیدة على الدساتیر العربیة فی الدعوة إلى انتخابات رئاسیة مبکرة، حیث یجوز لمجلس النواب اقتراح سحب الثقة من رئیس الجمهوریة وإجراء انتخابات رئاسیة مبکرة بناء على طلب مسبب وموقع من أغلبیة أعضاء مجلس النواب على الأقل، وموافقة ثلثی أعضائه، وبمجرد الموافقة على اقتراح سحب الثقة یطرح الأمر فی استفتاء عام بدعوة من رئیس مجلس الوزراء، فإذا وافقت الأغلبیة على قرار سحب الثقة یعُفى الرئیس من منصبه وتجرى انتخابات رئاسیة مبکرة خلال 60 یوماً. أما إذا کانت نتیجة الاستفتاء بالرفض، عُد المجلس منحلاً ویدعو رئیس الجمهوریة لانتخاب مجلس جدید خلال 30 یوماً من تاریخ الحل.

   أما فی تونس، فیمکن لأغلبیة أعضاء المجلس المبادرة بلائحة معللة لإعفاء رئیس الجمهوریة من أجل الخرق الجسیم للدستور، ویوافق علیها المجلس بأغلبیة الثلثین، وترسل إلى المحکمة الدستوریة للبت فیها بأغلبیة ثلثین أعضائها أیضاً، ولا یمکن للمحکمة أن تحکم بالإدانة إلا بالعزل.

الخاتمة: النتائج والتوصیات

   استهدفت الدراسة الإجابة عن تساؤل رئیس قوامه: إلى أی مدى تم بلورة دور البرلمانات العربیة فی الحیاة السیاسیة من خلال الدساتیر العربیة سواء الجدیدة أو التعدیلات التی أدخلت علیها بعد عام 2011؟ وإلى أی مدى تم التوافق مع الاقترابات والمداخل النظریة لتحدید الأدوار المطلوبة والمفترضة والمستهدفة من البرلمانات فی الدیمقراطیات الناشئة والمستقرة فی التغییرات الحادثة فی البرلمانات العربیة؟. وجاءت الدراسة فی ثلاثة أقسام، تناول الأول، وضع إجابات وتصورات أکثر واقعیة ودقة لأحوال البرلمانات العربیة، وموقعها على الخریطة السیاسیة من حیث دورها الواقعی والمأمول فی خضم عملیة التحولات الدیمقراطیة العربیة، أما الثانی فقط استعرض مجالات التطویر والإصلاح للبرلمانات العربیة التی تقدمها الاقترابات والمدارس الفکریة المختلفة، أما الثالث فقد عرض موقع البرلمانات فی الدساتیر العربیة بعد 2011: من حیث الاستمراریة والتغییر.

   واتضح من خلال الدراسة، ومن الأدبیات التی تناولت عملیات الإصلاح والتطویر البرلمانی أنه على الرغم من التطورات التاریخیة والمستمرة کماً، والجوهریة نوعاً، فی التجارب البرلمانیة، إلا أنه لم تتبلور نظریات جدیدة أو منظور أو اتجاه تحلیلی لعودة بروز الاهتمام بالبرلمانات، وإنما لا تزال المدارس الفکریة والنظریات الرئیسة فی العلوم السیاسیة هى الأساس فی الدراسات البرلمانیة.

   وکما انتهت الدراسة إلى أن هناک العدید من المحاولات للبرلمانات لأن تصبح أحد اللاعبین الأساسیین لتطویر السیاسة ونظم الحکم، التخلص من الصورة الذهنیة عن الدور المحدود وسیئ السمعة السائد (Rubber-stamp)، لتصبح أکثر مشارکة وقدرة وتفاعلاً مع الرأی العام؛ لترسیخ فکرة أن التقدم نحو الحکم الدیمقراطی، یعتمد بالأساس على وجود برلمان قوی.

   کما انتهت الدراسة إلى أن التطویر والإصلاح البرلمانی فی الدول العربیة یحتاج إلى نظرة إصلاحیة شاملة ومستمرة، مع الیقین بأن هناک تکلفة یجب الاستعداد لتحملها، ویمکن أن تکون هذه التکلفة نوعاً من الاستثمار الذى یمکن استعادته والحصول على عائد منه، أما التغییر الشامل أو نتیجة الثورات فله مخاطره التى ترتبط بعملیة إعادة تشکیل نظام الحکم، وربما یصعب حسابها أو حتى توقعها.

   وعلیه، فقد أکدت الدراسة على أن الإصلاح والتطویر فی نهایة المطاف أفضل مما عداه من بدائل، سواء بالنسبة لنظم الحکم أو الاستقرار والتطور السیاسی والاقتصادی والاجتماعی، فتجاهل الإصلاح فیه خداع، ورفض الاستماع لمطالب الإصلاح فیه تقصیر، وإطالة لأمد الخلاف.

   وکذا انتهت الدراسة إلى أن الفارق بین الأدبیات الغربیة وکتابات مفکری العالم النامی فی مجال الإصلاح والتطویر البرلمانی هو نطاق الإصلاح واستراتیجیته. ففی حین یترکز الاهتمام فی الأدبیات الغربیة حول الإصلاح التشریعی (Legislative Reform)، تتجه الأدبیات فی العالم النامى إلى الإصلاح السیاسى (Political Reform) والإصلاح البرلمانی (Parliamentary Reform).

   وفضلاً عما تقدم، انتهت الدراسة توصلت الدراسة إلى أنه فی الغرب، یتمحور الإصلاح والتطویر حول الوظیفة السیاسیة للبرلمان (دور البرلمانات الوطنیة والبرلمان الأوروبی فی السیاسة الخارجیة، التوازن مع احتکار التکنوقراط لصنع القرار)، وتحسین أدائه المؤسسی (کتطویر اللجان، والتوسع فی آلیات الاستماع، وأدوات التواصل مع الرأی العام) أکثر مما یتطرق إلى شرعیة البرلمان ووجوده، أو صحة الانتخابات وسلامتها والطعن علیها. وربما یعود هذا الترکیز على مسألة الإصلاح التشریعی إلى الدور الفعال الذى تلعبه برلمانات الدول المتقدمة فی العملیة التشریعیة (المبادرات التشریعیة للأعضاء) تقدیم وصنع السیاسات العامة، فی حین لا تتمتع برلمانات البلدان النامیة بمثل تلک الفعالیة.

التوصیات:

   إن عملیة حوکمة الإدارة البرلمانیة” فی البرلمانات العربیة تعد نوعاً من “الاستثمار فى البرلمان، وموارده وطاقاته”، ویتطلب ذلک الاستثمار، خمسة مستویات رئیسة هى: الإطار الدستورى والقانونى لتنظیم عمل البرلمانات الوطنیة، والموارد البشریة، ونظم المعلومات والبحوث، وتمویل عمل البرلمانات الوطنیة، وتحدیث آلیات عمل الأمانة العامة. وتجدر الإشارة إلى أمرین:

• أولهما، أن العلاقة بین المستویات الخمس ذات طبیعة تکاملیة أکثر منها تراتبیة، أو هیرارکیة، فکل منها یؤثر على الآخر، ولیس بالضرورة تابعاً أو مقدمة حتمیة له. فکما أن زیادة فعالیة البرلمان تتطلب تعزیز دوره فی نظام الحکم وعملیة صنع القرار، بإقرار صلاحیاته واختصاصاته الدستوریة، فإنها تتطلب أیضاً برلماناً مؤهلاً لممارسة تلک الاختصاصات والصلاحیات، بل وقادراً على تعزیز قدرة أعضائه لأداء هذه المهام.

• ثانیهما، أن الحوکمة والإدارة الرشیدة عملیة مستمرة ولیست قراراً، فهى عملیة متعددة المستویات (دستوریة، وقانونیة، ومؤسسیة، واقتصادیة، وإجرائیة)، ومتنوعة الأبعاد (الأعضاء وخلفیاتهم وخبراتهم وثقافتهم، الرأی العام وسبل تشکیله، ونظرته إلى البرلمان، وقدرة البرلمان على التعاطی الإیجابی معه، طبیعة التقالید والثقافة فی المجتمع، تبلور المصالح الاقتصادیة والاجتماعیة).

   واستناداً لما سبق، یمکن استعراض أهم مجالات تطویر وتفعیل عمل البرلمانات العربیة بصفة عامة، وبعد التغیرات التی شهدتها المنطقة العربیة منذ عام 2011 بصفة خاصة على النحو التالی:

أ. یوصی الباحث بدعم عمل الأعضاء، وذلک کن خلال:

• تعاون السلطة التنفیذیة مع البرلمان فی مجال إتاحة المعلومات. وعلى البرلمانات سرعة وضع تشریع لتداول البیانات والمعلومات یضمن الشفافیة والإفصاح، لتفعیل المساءلة والرقابة البرلمانیة.

• تطویر آلیة مؤسسیة لتنظیم علاقة العضو بالدائرة الانتخابیة، من خلال أمرین:

• أولهما، الإمکانیات البشریة، والفنیة، والتمویل لإدارة علاقاتهم بالناخبین/ المواطنین، والقدرة على تأسیس مکاتب فى الدوائر الانتخابیة.

• ثانیهما، الاهتمام بموضوع التمویل والقدرات المالیة؛ لتغطیة تفعیل أدائه فی البرلمان من ناحیة، وأنشطته فی الدائرة من ناحیة أخرى.

• الاهتمام بتنظیم الزیارة الدراسیة والتعلیمیة (Study Tours) للأعضاء. لتبادل الخبرات مع البرلمانات الإقلیمیة والدولیة المعاصرة.

• دعم دور المرأة فى البرلمانات، من خلال توسیع قاعدة تمثیل المرأة، وتنسیق أنشطة العضوات، ومثلت کل من الانتخابات التونسیة واللیبیة نموذجاً فی المناصفة بین الرجل والمرأة فی الترشح للانتخابات، وجاءت الإمارات فی انتخابات 2019، لتکون أعلى دولة عربیة فی تمثیل المرأة بالبرلمان بنسبة 50%.

ب. یوصی الباحث بالتطویر المؤسسی، هذا الأمر الذی یتأتى من خلال:

• تطویر أنظمة العمل الداخلیة واللوائح للبرلمانات، بما یتیح قدر من التوازن فى إدارة فعالیات العمل البرلمانی، وتولی المناصب القیادیة.

• تطویر نظام عمل اللجان البرلمانیة، وتفعیل دورها فى المبادرة التشریعیة.

• الاهتمام بالإعلام البرلمانی، وإتاحة الفرص أمام الرأی العام بمتابعة أعمال البرلمان، خاصة باستخدام وسائل تکنولوجیة واتصالیة حدیثة.

• التدریب المستمر والجاد للباحثین بالأمانات العامة، لاسیما فی مجالات البحوث والمعلومات، ومهارات الصیاغة التشریعیة، التی تعد أحد الصعوبات أمام المشارکة الفعالة فی العملیة التشریعیة.

• الاهتمام بالمعلوماتیة والدعم التقنی وأتمتة العمل البرلمانی (مثلا: الحضور الإلکترونی، التصویت الإلکترونی، أتمتة العمل من حفظ المستندات والوثائق).

ج. یوصی الباحث بضرورة تحدیث وتفعیل البحوث والمعلومات والإعلام، ذلک الأمر الذی یمکن تحقیقه من خلال:

• الانفتاح على مراکز البحوث وبیوت الخبرة ومؤسسات المجتمع المدنی الدولیة والإقلیمیة.

• إعداد تقریر عربی شامل للبرلمانات العربیة، حیث لا یوجد تقریر عربی حول الحیاة البرلمانیة. ومما لا شک فیه أن فکرة إعداد “التقریر البرلمانى العربى” سوف تکون وسیلة هامة لتدعیم جهود تطویر العمل البرلمانی.

تحميل الدراسة

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14402

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *