الدكتور فارس محمد العمارات 2021

مُقدمة :

منذُ ان طلت دول الحصار بذرائع عدة من اجل حصار دولة قطر فقد اصبح واضحًا من الأزمة القائمة ومبرّراتها الواهنة أنّ المعركة  التي تدور رحاها إنما هي على دور قطر الإقليمي وسياساتها الخارجية التي لم تالو جهداً في كل اتجاه ، واتخاذ مسالك الاعتدال في تعاملاتها وعلاقاتها الدولية ،وهي محاولةٌ مكشوفة من دول الحصار من اجل فرض سياسة خارجية مُعينة، على قطر ،ومن اجل ان تلتزم قطر بها، خصوصا فيما يتصل بالعلاقة مع بعض الدول العربية، والتي تتمتع دول خليجية اخرى  بعلاقة متينةٍ معها، ومع انظامتها التي تُمثل بالنسبة إليها سدًا منيعًا في وجه التغيير الذي يُمكن أن تدفع به مجُددًا قوى الشباب العربي، وكما يبدو أن هذه الحملة تحظى بدعمٍ كبيرٍ من جماعات الضغط المُتعددة ،والذي كشفت التسريبات الأخيرة للبريد الإلكتروني لبعض الدبلوماسيين الخليجيين في واشتطن عن حجم التنسيق بينهم وبين أنصار إسرائيل في واشنطن، لتشويه صورة قطر، وتقديمها على انها دولة راعية للإرهاب .

ومما لا يقبل الشك فإن من المُستحيل أن تقبل قطر بفرض الوصاية عليها بالتراجع عن سياستها المُستقلة في ظروفٍ من التهديد وفرض العقوبات ،وشنّ الحملات الإعلامية  الغير مُبررةعليها بناء على فبركات لم يستصيغها العقل البشري، ويتطلب أيّ خروجٍ من الأزمة حوارًا بين أنداد، يجري فيه التفاهم على جميع القضايا، وليس بلغة التهديد وتقديم التنازلات التي تمس السيادة .

وتبقى نتائج الهجمة ومداها على قطر مُرتبطةً بنهاية المطاف بالموقف الأميركي. ومع أنه من الصعوبة تصور قيام دول الخليج الثلاث، إضافة إلى مصر، بالإقدام على قطع العلاقات مع قطر وعزلها من دون تشاور أو تنسيق مع الولايات المتحدة، فإن واشنطن تبدو، حتى الآن، على مسافةٍ واحدة من هذه الأزمة. وهذا ما اكده  وزير الخارجية الأميركي، تيلرسون، والذي افصح اكثر من مرة إن بلاده “تُشجع الأطراف جميعًا على الجلوس معًا ومُعالجة هذه الخلافات”. وعرض الوساطة  التي تتصف بالهشاشة لمُساعدة الدول الخليجية على رأب الصدع مُشدّدًا على أنّ على مجلس التعاون الخليجي أن يحافظ على وحدته .(المركز العربي للابحاث ،2017)

 ومن هنا فأنه كما يبدو أن بعض الدول الكبرى سوف تظل تُعارض أيّ مُحاولةٍ للقيام بما من شأنه أن يُغيّر التوازنات الإقليمية التي تحرص على استمرارها في منطقة الخليج، خصوصا أنها تحتفظ بأكبر قواعدها العسكرية، وربما ترى أنه ليس من المُفيد كثيراً الدفع مثلًا، بحركة حماس إلى الارتماء مُجددًا في أحضان إيران في حال اشتد الضغط على قطر، وما اخذ يطفو على السطح السياسي فأن اللعبة قد بدأت تظهر صورها في كثير من الاماكن والعواصم الخليجية التي اخذت تحاول وبشكل جلي صورة العالم العربي التي يحبذها الغرب والصهاينة ، وهذا ما يدعم استمرار الحصار حتى يتم انهاء المُسلسل الذي بدأ في العام الماضي .

المحور الاول :  طبيعة الحصارلدولة قطر وقانونية.

اولاً  :أسباب الحصار لدولة  قطر     .

جذور الأزمة

تميّزت السياسة الخارجية القطرية منذ عام 1995 بالديناميكة والمرونة والقدرة على المُناورة ومُحاولة إيجاد علاقات متوازنة مع أكثر القوى الإقليمية والدولية، فقامت  قطر ببناء علاقاتٍ متينةً مع الدول الكبرى، ، في الوقت الذي انفتحت فيه على القوى الإقليمية الأخرى على الرغم من التناقضات الكبيرة فيما بين هذه الدول، وقد انفتحت قطر على المُبادرات والمؤتمرات الحوارية التي غدت جزءًا من أدوات السياسة الناعمة التي تستخدمها، وأطلقت ثورةً إعلاميةً عبر إنشاء قناة الجزيرة، وشرّعت من خلالها الباب أمام مُناقشة قضايا كانت تعد ‘تابوهات’ في الفضاء السياسي العربي المُغلق، فقد عملت الجزيرة على استضافة مثقفين وإعلاميين وناشطين من مُختلف التيارات السياسية والفكرية الليبرالية ،والقومية واليسارية والإسلامية ،وتناولت أكثر القضايا حساسية في العالم العربي، وعلى الصعيد الداخلي، اتسمت سياسة قطر بالانفتاح فأولت قضايا المرأة اهتمامًا كبيراً ، وقامت بلبرلة التعليم وفتح فروع للجامعات الأميركية، وفتحت المجال لقيادات إسلامية منُفتحة كي تقوم بدورٍ مؤثرٍ في تجديد الخطاب الديني، وفي الوقت ذاته سمحت ببناء كنائس من اجل التأكيد على حرية الاديان . ( المركز العربي للابحاث ،2017 )

ومنذ منتصف التسعينيات، مثلت التوجهات القطرية، وبخاصة في السياستين الخارجية والإعلامية مصدر إزعاجٍ لبعض الحكومات المأزومة والتي لا تجيد فن الحوار مع الاخر وتعتبر نفسها وصية على دول اخرة اكثر تقدماً وتطوراً وحداثة ، وكانت مادةً لعنوان تأزّمٍ دوري في العلاقات مع هذه الدول على امتداد العقدين الماضيين، وبصورة خاصة لمن يعتبروا نفسهم القادة في المنطقة .

 ووقفت قطر بقوة ضد العدوان الإسرائيلي على لبنان وقطاع غزة. ومع انطلاق ثورات الربيع العربي حاولت الدول العربية تحميل الإعلام وقطر المسؤولية عنها في تهربٍ من عملية مُحاسبة للنفس على الأخطاء والسياسات التي قادت إلى الحالة الثورية عربيًا. وقد ازدادت الضغوط على النُظم العربية في ضوء النموذج الحضاري الذي قدمه الشباب العربي في الساحات والميادين العامة، وأثارت إعجاب الغرب والعالم، وجعلت الولايات المتحدة تتخلى، أمام هذا النموذج السلمي والراقي في التغيير، عن أكثر حلفائها قربًا، كما حصل مع نظام مبارك في مصر.

وفيما كانت قطر وقناة الجزيرة تؤديان أكثر أدوارهما حيوية ومحورية في المنطقة العربية خلال هذه المرحلة، كانت النُظم العربية تعيش مرحلة انكماشٍ ودفاعٍ عن النفس، ومحاولةً الانحناء للعاصفة ريثما تهدأ. لكن الأمور لم تلبث أن تغيّرت بسرعة.وانقلب السحر على الساحر في بعض الدول التي كانت تبني عشاً عنكبويتاً .

وقد مثّل العام 2013 نقطةً مفصليةً في سياسة قطر الخارجية، إذ بدأ المد الثوري بالانحسار نتيجة أخطاء وإخفاقات لقوى الثورة، وعنف الأنظمة، ولا سيما النظام السوري وأخطاء الإسلاميين في الحكم في مصر وطموح العسكر للعودة إلى الحكم، وتعقيدات الوضعين السياسي والاجتماعي العربيين. وبدأت قوى النظام القديم والثورة المُضادة تستجمع قواها استعدادًا لهجومٍ مضادٍ كبيرٍ، وحققت اختراقين مُهمين: الأول في مصر حيث تمكّن الجيش، بدعمٍ فاعلٍ من دول خليجية اخرى، من الانقلاب على العملية الديمقراطية ووضع حدٍ لإفرازات ثورة 25 يناير ونتائجها.

اما الثاني في سورية حيث تمكّن نظام الأسد بفضل الدعم من قبل عدة اطراف من الصمود في وجه قوى الثورة والمُعارضة والانتقال الى الهجوم العسكري المُضاد، وقد عُرفت هذه المرحلة بمرحلة الثورات المُضادة التي قادتها دولاً خليجية بعينها ، والتي حمّلت قطر مسؤولية محاولة إفشال مساعيها في إعادة عقارب الساعة الى الوراء وإلغاء كل ما ترتب على ثورات الربيع العربي. وبعد الانقلاب العسكري في مصر تفجّر الخلاف بشكل علني بين دول خليجية من جهة، وقطر من جهة أخرى، وانتهى بسحب الدول تلك لسفرائها من قطر مطلع عام 2014، واستمرت الأزمة نحو تسعة أشهر. وقد كان شرطهم أن تدعم قطر الانقلاب العسكري. وفي حينه كان العالم أجمع يرى فيه انقلابا عسكريا، وكان دعم الانقلاب في موقف الأقلية دوليًا، وحتى أفريقيًا.

وقد توقفت الأزمة الخليجية في ذلك الوقت عند حدود سحب السفراء ولم تتخذ أبعادًا أكبر نتيجة حالة القلق التي انتابت عواصم الدول الخليجية من سياسات إدارة أوباما الثانية؛ فبعد أن أيّد أوباما في ولايته الأولى ثورات الربيع العربي، حاول في ولايته الثانية التقرّب من إيران أملًا في إبرام اتفاقية لحل أزمة برنامجها النووي. وقد أدت سياساتُ أوباما الاسترضائية تجاه إيران، وشعورٌ خليجي بالتخلي الأميركي إضافة إلى تنامي سياسات الهيمنة الإيرانية، إلى إحساسٍ خليجي عامٍ بالضعف؛ ما دفع دولاً خليجية تحديدًا إلى تأجيل خلافاتهما مع قطر، وخاصة مع الحاجة إلى دعم قطري إعلامي ومالي وعسكري مع بدء الحملة على اليمن مطلع عام 2015، وقد وضعت قطر ثقلها في دعم الحملة التي قامت بها الدول تلك  في مواجهة المليشيات الحوثية التي انقلبت على الشرعية وسيطرت على العاصمة صنعاء في أيلول 2014.

تجدّد الأزمة.

عندما انطلقت الحملة الإعلامية على قطر قبل نحو أسبوعين، مثّل هذا استئنافًا لصراعٍ قديمٍ حول دور قطر ومواقفها وسياستها الخارجية لم تسمح الظروف السابقة بحسمه، علمًا أنّ قطر التزمت المواقف الموحدة لدول الخليج العربية في أكثر القضايا الإقليمية أهمية في سورية واليمن والموقف من إيران والحرب على الإرهاب.

ومع انتخاب ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، استعادت تلك الدول  الثقة بالنفس، ونشأ تحالف بين بينهما لأسباب داخلية وخارجية. وعادت القيادتان إلى سياستهما الهجومية، وبدأت بالتعبئة ضد قطر في وسائل إعلام غربية وأميركية عديدة، وصولًا إلى قمة الرياض التي قدّمت مؤشرات على وجود أزمة مكبوتة في العلاقات مع قطر، كان أبرزها محاولة تهميش الحضور القطري وبعض دول مجلس التعاون  في مقابل التركيز على الحضور الإماراتي والمصري، قبل أن تنطلق هجمة إعلامية شرسة بعد يومين فقط على اختتام قمة الرياض.

وقد بدأ الهجوم الإعلامي لتلك الدول بغير المُبالٍ  حيث كان الرد القطري بالنفي لرواية تصريحات أمير قطر. وعلى الرغم من قيام دولٍ مُختلفة بإبلاغهما أنه جرت فعلًا قرصنة وكالة الأنباء القطرية،  الا ان الحملة الدعائية  على الدوحة استمرت ؛ ما يُعزّز الظن بأنها حملة مُخطط لها  مُسبقًا، ويؤيد ذلك أنّ الاستهداف الإعلامي في واشنطن المدعوم إماراتيًا كان سابقًا على القرصنة. وقد لاحظ وزير الخارجية القطري أن هناك فبركة  في تصريحات الأمير حيث  ظهر 13 مقالًا منها  تستهدف قطر، وفي يوم الهجوم كان هناك مؤتمر يتحدث عن قطر . ( المركز العربي للابحاث ، 2017)

وقد أخذت الهجمة الإعلامية على قطر شكلًا جديدًا غير مألوفٍ في التعامل البيني الخليجي في أوقات الأزمات؛ إذ لم تتوقّف الحملة عند فبركة أخبار وتلفيقها ضد قطر وسياساتها الخارجية، بل وصلت حدّ توجيه الشتائم للأسرة الحاكمة، وهذا تطورٌ غير مسبوقٍ في الخليج. ففي السابق كانت الخلافات الخليجية تتركز على قضايا وسياسات، وتتجنّب تناول الأسر الحاكمة، باعتبار هذا الأمر يفتح الباب واسعًا أمام الطعن في شرعية العائلات الحاكمة التي تقوم عليها أنظمة الخليج كلها.

حيث اتخذ الهجوم الإعلامي الخليجي الأخير، وما استتبعه من قطعٍ للعلاقات الدبلوماسية، من سياسة قطر الخارجية ركيزةً أساسيةً لتحقيق أغراضه، وجاء على رأسها اتهامات لقطر بدعم الإرهاب، وتنمية علاقاتها مع إيران، وزعزعة استقرار دول مجلس التعاون، إلى غير ذلك من الاتهامات التي تسقط بسهولة أمام أي تحليلٍ موضوعي. فقطر هي حليفٌ فعالٌ في الحرب على الإرهاب، وهذا ما أكّده الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال لقائه بأمير قطر على هامش قمة الرياض. أما فيما يتصل بالعلاقة مع إيران، فمن نافل القول إن قطر دفعت أكبر الأثمان بين كلّ الدول الخليجية نتيجة تدهور علاقتها بإيران بسبب الأزمة السورية، ليس على شكل اختطاف مواطنين لها واحتجازهم وابتزازها سياسيًا وماليًا (كما حصل في أزمة اختطاف المواطنين القطريين في العراق)، بل استمرت أيضًا في دفع أثمانٍ سياسية كبيرة نتيجة لذلك، في حين حققت الإمارات أعلى العوائد نتيجة علاقاتها الاقتصادية المتنامية مع إيران، حيث تُمثل الإمارات ما نسبته 80 % من حجم التبادل التجاري الخليجي مع إيران، وتمثل المنفذ الأهم لتجارة الترانزيت الإيرانية، ومركزًا ماليًا مهمًا للتحويلات الإيرانية. وفي لقاء جرى قبل ثلاثة أعوام، وجمع أعضاء الوفد التجاري الإماراتي بغرفة التجارة الإيرانية في طهران، صرّح سفير إيران لدى أبو ظبي محمد علي فياض أنّ الإحصاءات الرسمية تشير إلى أن حجم التبادل التجاري بين إيران والإمارات بلغ 15.7 مليار دولار في العام 2013، ونحو 17.8 مليارًا في العام 2012، و23 مليارًا في العام 2011، و20 مليارًا في عام 2010. لكن في العام 2014 شهد قفزةً كبيرةً في حجم التبادل التجاري بين البلدين وأصبحت الإمارات أكبر الدول المصدّرة لإيران؛ إذ شكلت ما نسبته 27 % من مجموع الواردات الإيرانية، وبلغ حجم التبادلات 41.620 مليار دولار (حجم الصادرات 19.639 مليارًا وحجم الواردات 21.981 مليارًا). وكانت الإمارات أهم الدول المصدرة للبضائع إلى إيران وتأتي بعدها الصين، فالهند، وكوريا الجنوبية، ثم تركيا. (المركز العربي للابحاث ،2017)

وفيما يتعلق بالإخوان المسلمين فقد أعلنت قطر أنها لم تدعمهم ولا تدعمهم وتختلف معهم، ولكنها لا ترى فيهم تنظيما إرهابيا، وذلك لسببين: أولهما أنهم ليسوا تنظيما إرهابيا يقترف اعمالا عدائية او ارهابية تمس بالدول او الافراد ، وثانيهما أن هذا التوسع في استخدام الإرهاب ووسم الخصوم السياسيين به يضر بالمعركة ضد التنظيمات الإرهابية فعلا التي تنتشر في كثير من الدول خاصة الشرق اوسطية وتمارس اعمالاً مُخالفة للشرائع وحقوق الانسان .

أما فيما يتصل بنشر الشائعات حول تمويل قطر للإرهاب، فهي مزاعم تُفنّدها مشاركة قطر القوية في الحرب على الإرهاب، ومكافحة تمويله، علمًا أنه لم يبق من زعم الدول الثلاث في هذا الشأن إلا المطلب المتعلق بحركة حماس. فضلًا عن ذلك، كانت السعودية وما زالت محل اتهامٍ من طرف دوائر في واشنطن، وهي نفسها الدوائر التي تحرّض على قطر اليوم فيما يتصل بمزاعم تمويل الإرهاب ودعمه والتي تمكنت في السنة الماضية من تمرير قانون ‘جاستا’ الذي استهدف مقاضاة السعودية بزعم مسؤوليتها عن هجمات سبتمبر في العام 2001 .

 ويُمكننا القول إن هناك جملة أسباب قوية تقف خلف تفجير الأزمة، التي هدفت لضرب عدة عصافير بحجر واحد، وفي قراءة متأنية يمكننا استنتاج الآتي: ( المقداد ،2017)

أولاً: التغطية السريعة وبامتياز على النتائج الكارثية لزيارة ترامب للسعودية، و السعي لحرف أنظار الشعوب عن المبالغ الخيالية التي تم دفعها جزيةً لترامب (485 مليار دولار).

ثانياً: سمحت الأزمة بتنفيذ مُخطط إزاحة بعض الرموز السعودية وتنصيب محمد إبن سلمان بيسر وسلاسة، دون مقاومةٍ أو اعتراض، لأنه لو فعلوا اي من الاجراءات التي قد تكون في غير مجراهم فلربما واجه تهمة الخيانة والتخابر مع قطر، وقد يُحاكموا كما حدث مع الرئيس المصري المنتخب مُرسي.

ثالثاً: تصفية حسابات لدول خليجية وترامب مع دولة قطر، حيث يسود الإعتقاد اليوم بنجاح الثورات المُضادة التي قادتها ودعمتها كل من تلك الدول (سراً وعلناً) وبالتالي فقد آن الأوان لتصفية الحساب مع الداعم الرئيسي لثورات الشعوب قطر وتحييدها عن المشهد. أما ترامب فقد أعطى الضوء الأخضر للمُحاصرين عقاباً لقطر على رفضها الإستثمار في مشاريع آل ترامب وصهره اليهودي كوشنر عندما عرضت عليها سابقاً.

رابعاً : تفجير الأزمة له علاقة عضوية بمسألة التطبيع مع الكيان الصهيوني، وتصفية القضية الفلسطينية، وربما إنهاء حالة غزة ككيان مُستقل، والتمهيد لولادة “الحلف اليهودي مع محور الإعتدال العربي” والذي تجري ترتيبات منحه شهادة ميلاد رسمية.

خامساً: استعداء قطر وعزلها، أدى حكماً لطرد قواتها من التحالف العربي ضد الحوثي، وهو ما أطلق يد بعض الدول الخليجية للمضي قدما في مخطط تقسيم اليمن والسيطرة على جنوبه وجعله محمية لها.

سادساً: إشغال قطر وإرباكها من خلال سلسلة أزمات تمنعها من التأثير في ملفات المنطقة الساخنة كـ سوريا وليبيا واليمن، وتجريدها من سلاحها الناعم المتمثل بقناة الجزيرة، والتأثير على ترامب لإغلاق قاعدة العيديد العسكرية الأمريكية، هذه القاعدة التي استضافتها قطر حماية لنفسها من الأشقاء الكبار الطامعين بأرضها وثرواتها.

سابعاً: تشويه صورة قطر أمام الشعوب العربية، بعد إجبارها على تحسين علاقاتها مع إيران كونها باتت المنفذ الوحيد لها بعد أن حوصرت جواً وبراً وبحراً، وإظهارها بمظهر المتحالف مع الأجنبي المحمي من قبل (إيران – تركيا – الولايات المتحدة).

وهناك من يقول لو أن دولة قطر لو علمت حينها أن القاعدة الأمريكية ستستخدم لقصف أهداف في سورية والعراق، وأنها ستتسبب بمقتل بريء واحد لما وافقت على إنشائها أصلاً، لكنها اليوم باتت مُجبرة وبحكم الأمر الواقع للقبول على مضض بما أفرزه وجود القاعدة العسكرية سلباً وإيجاباً.

ويسود اعتقاد على نطاق واسع بأن المنطقة قد دخلت مرحلة إعادة ترتيب تحالُفات وإنتاج أنظمة حكم جديدة، خاصة مع قرب الإعلان عن إنهاء حالة ما يسمى “الدولة الإسلامية في العراق والشام” الأمر الذي سيحتم خلق البديل وهو ما يجري الإعداد والترتيب له.

وكل المؤشرات تقول إن الدور قد جاء على دول الخليج العربي، لتخرب بيتها بأيدي أنظمتها، المنتشية بنصرها على الشعوب العربية في أكثر من دولة، بعد أن دعمت الأنظمة المستبدة واستجلبت التدخل الخارجي ومولته .

والأزمة الخليجية المُفتعلة والحصار الغير مُبررة لدولة قطر، والمطالبة بإغلاق قناة الجزيرة، كشف الوجه الحقيقي لما يدور في اروقة السياسة التي يتم التخطيط لها في الخفاء ، من اجل تصفية قضايا كثيرة على ساب الشعوب العربية المُشردة في كثير من صقاع العالم ابتداء من فلسطين وانتهاء بسوريا .

وبما ان قطر دولة صغيرة وربما تكون نقطة في بحر السعودية وباقي دول الحصار لكنها دولة مؤثرة وفاعلة، دعمت الشعوب وقدمت الإستثمارات، عندما كان الآخرون يدعمون الأنظمة ويشترون الولاءات والعملاء لوأد ثورات العرب، أما الجزيرة فقد أثبتت أنها القناة الإخبارية الأكثر موضوعية التي احتلت وبلا منازع المركز رقم 1 على قائمة أجهزة الإستقبال، في حين أن إعلام مُحاصريها لازال لا يخطئ استخدام البوصلة ولا يمكنه توجيهها حيث يكون الهدف .

ثانياً: اثار الحصار الجائر على دولة قطر  .

لقد تنوعت النتائج الاجتماعية والإنسانية للحظر الذي تم فرضه على دولة قطر منذ الخامس من شهر حزيران من العام  2017، وما زالت القضايا تتزايد على اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان، ففي الوقت الذي ارتبكت فيه حياة بعض المواطنين نتيجة قطع علاقاتهم مع ذويهم في الدول الشقيقة الثلاث التي فرضت الحظر وهي المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، فإن ضغط الأخبار غير الدقيقة والمغالطات على المواطنين العاديين، وكثرة إلحاق التُهم الجزافية ضد قطر وإنجازاتها، قد ألقى بظلاله القائمة على العلاقات الأسرية من ناحية الرفض والتوجس والتركيز فقط على موضوع الحظر وتداعياته، الأمر الذي قضى على المساحات المتخصصة للأحاديث الاجتماعية وتلك المتعلقة بشؤون الأسرة، ناهيك عن بعض التدابير المالية التي حتّمها وجودُ الحظر. كما حصلت بعض حالات طلاق بين المواطنين الخليجيين والمواطنات الخليجيات اللاتي خِفن البقاء في قطر نتيجة الإجراءات التي قامت بها دولهن.

وقد أفادت تقاريرٌ اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بتعرض 13314 مواطنًا وخليجيًا جراء قطع العلاقات مع دولة قطر من قبل الدول الثلاث وإقامة الحظر الجوي والبري عليها، ناهيك عن عدم تشغيل الخطوط القطرية وخطوط البلدان الثلاثة المقاطعة من وإلى الدوحة. وهذا ما عرقل الكثير من تنقلات المواطنين وحركة البضائع التي أيضًا يستفيد منها مواطنون خليجيون! وأيضًا خسائر واضحة لشركات الطيران في البلدان الثلاثة.

كما أشار التقرير إلى تعرّض 1927 قطريًا يقيمون في الدول الثلاث للضرر المباشر. وهناك قصص كثيرة لا مجال لذكرها جراء هذا الحصار. وهذا الأرقام تُنذر بكارثة إنسانية تحدث لأول مرة في منطقة الخليج، تقترب قليلًا مما حدث في اب من العام  1990 عندما غزا العراق دولة الكويت.

كما أن وقف التعاملات البريدية من قبل الدول الثلاث مع دولة قطر خرق لدستور الاتحاد البريدي العالمي، وإرباك لحياة عشرات الآلاف من المواطنين والمؤسسات. ناهيك عن حرمان القطريين عن حق ممارسة الشعائر الدينية في مكة والمدينة، وهذا ما يتنافي مع الشرع الحنيف الذي لا يميز بين اي انسان في الدين والمعتقد  .

و لن تقف التجاوزات التي تمس حقوق الانسان عند هذا الرقم بل ان  الأرقام سترتفع تباعاً كل يوم وان  المُعاناة ستتسع في كل مجال وميدان من ميادين الحياة، حيث إن اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان تستلم يوميًا أكثر من 50 شكوى حقوقية تتعلق بالحظر المفروض على دولة قطر، ناهيك عن القلق النفسي لدى بعض المُقيمين والمُقيمات من أبناء الدول الثلاث، والذين أصبحوا يُعانون ويلمسون آثار الحصار غير المُبرر على دولة قطر، وهم يمارسون أعمالهم مع نظرائهم القطريين في الدوائر والمؤسسات، خجلون مما صدر عن دولهم ضد دولة قطر.

وقد أشار مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان زيد بن رعد ، إلى “أن التدابير التي تم اتخاذها واسعة بشكل مُفرط في نطاقها وتنفيذها وتعرقل بشكل خطير حياة الآلاف من النساء والأطفال والرجال فقط لأنهم ينتمون لإحدى جنسيات الدول المعنية في النزاع”. واعتبر الإجراءات المتعلقة بمعالجة الاحتياجات الإنسانية للعائلات التي لديها جنسيات مشتركة، غير فعالة بما فيه الكفاية لمعالجة جميع الحالات. كما أبدى المسؤول الأممي انزعاجه من التهديدات بسجن وتغريم كل من يتعاطف مع دولة قطر أو يعارض إجراءات حكومته، مشيرًا إلى أن تلك الإجراءات “انتهاك واضح لحق حرية التعبير”.

واستتباعًا لذات الموضوع، أدانت (هيومن رايتس ووتش) الإجراءات التي اتخذتها الدول الخليجية الثلاث “بحجب وسائل إعلام لها صلة بدولة قطر، أو تُعتبر متعاطفة معها، ووصفتها بأنها انتهاك وصفعة لحرية التعبير”، وأشارت مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة إلى “أن للأفراد الحق في التعبير عن مختلف الآراء بشأن الأحداث الجارية، ولا يحق للحكومات إغلاق المنافذ الإعلامية، وتجريم التعبير بقصد إخماد الانتقادات التي تعتبرها مزعجة”

حيث أشار بيان للجنة الوطنية لحقوق الإنسان بدولة قطر إلى بعض الأرقام التي تثبت واقع الارتباك الاجتماعي الذي حصل بين المواطنين الخليجيين المقيمين في دولة قطر جرّاء الإجراءات التي قامت بها دولهم مؤخرًا، فقد أشار البيان إلى الآتي:

وقد  تضرر عدد من  الطلبة الخليجيين المُسجلين في جامعة قطر: 33% بحرينيون – 59 % سعوديون – 8% إمارتيون. كما يوجد 4600 طالب خليجي مسجلون في المدارس الحكومية بدولة قطر. ولقد راعت جامعة قطر ظروف طلبتها الخليجيين واتخذت إجراءات تكفل راحتهم فيما يتعلق بالامتحانات.

كما نتج عن الإجراءات التي اتخذتها الدول الثلاث انتهاكات واضحة لحقوق الإنسان مسّت الآتي:

الحق في حرية التنقل، الحق في التعليم، الإبعاد القسري، الحق في ممارسة الشعائر الدينية، الحق في حرية التعبير، الحق في الصحة، الحق في لم شمل الأسرة، الحق في العمل.

وتضررايضاً أكثر من 37,000 من القطريين والذين يمتلكون 40% من الأراضي الزراعية في المنطقة الشرقية، وغادروا بيوتهم ومزارعهم جراء الحصار الذي تم تطبيقه على دولة قطر.

وفيما يتعلق بالانتهاكات المُتعلقة بحق العمل، فقد شملت الآتي:

1053 مواطنًا سعوديًا، 830 مواطنًا بحرينيًا، 71 مواطنًا إماراتيًا جلّهم في القطاع الخاص.

كما مسّت تلك الإجراءات الأسر المُختلطة، كالتالي:

3694 سعوديا وسعودية – 1345 بحرينيا وبحرينية – 1435 إماراتيا وإماراتية.

أما الإعلاميون المتضررون من الإجراءات المذكورة من مواطني الدول الثلاث المقيمين في دولة قطر فهم: 93 إعلاميا تُمارس عليهم الضغوطات لترك أعمالهم، و10 إعلاميين أُجبروا على تقديم استقالاتهم وقد يكبر العدد مع الأيام.  . (الشرق القطرية ،2017)

ثالثاً : الحصار القطري في القانون الدولي .

منذ بدء الأزمة الخليجية بإقدام بعض الدول الخليجية، على اتخاذ بعض الإجراءات التي وصفت “بالمقاطعة” تارة، و”بالحصار” تارةً أخرى، والمواطن العربي المتابع للأحداث لا زال يقف حائراًيبحث عن قانونية الإجراءات المُتخذة واسمها الصحيح، حصار أو مقاطعة، وفقاً للقانون الدولي.

وفقاً لقاموس القانون الدولي، تُعرف المقاطعة على أنها “رفض التعامل مع دولة ما ويتم ذلك عبر قطع العلاقات الدبلوماسية أو تخفيضها لأقل مُستوى، وإقفال الحدود أمام هذه الدولة ومواطنيها”. وتأتي المقاطعة في إطار “الإجراءات القانونية” للدول التي ترى في دولة ما أنها تُشكل انتهاكاً لسيادتها وأمنها القومي.”

أما الحصار “فهو إحاطة دولة ما إحاطة تامة بحراً وجواً وبراً ومنع أي اتصال تجاري أو خارجي بها.” وفي إطار المواثيق الدولية والعرف القانوني، لا يحق لأي بلد إعلان “قرار الحصار”، إلا عبر قرار صادر عن مجلس الأمن.

في الحقيقة، يكاد اعتبار الإجراءات المتخذة ضد قطر “حصاراً جزئياً” أقرب للصواب القانوني؛ لأنّ الدول أحاطت قطر إحاطة كاملة براً وجواً من ناحية حدودها البرية والجوية المشتركة مع قطر، ولم تركن إلى قرار دولي في اتخاذ هذه الإجراءات.

وسواء أكانت الإجراءات “حصاراً جزئياً” أو “مقاطعة”، فإن هناك ثلة من المواد الموجودة في المواثيق الدولية، توضح أن الإجراءات التي تم اتخاذها من قبل بعض الدول الخليجية ضد قطر غير صائبة من ناحية قانونية: (سلمي ،2017)

وتنص المادة 33 من الفصل السادس للأمم المتحدة على مايلي : تقضي هذه المادة “بضرورة حل أي نزاع عبر المفاوضات والتحقيق والتوفيق والتحكيم والتسوية القضائية”. لكن، الدول الخليجية أقدمت على إجراءاتها من دون المرور بتلك الخيارات “القانونية الشرعية” المطروحة.

اما المادة 34 من ذات الفصل فانها : تنص على “ضرورة إخطار مجلس الأمن بانتهاكات دولة ما، ليقوم بفحص صحة الادعاءات.” لكن، الملاحظ في مسار الأزمة الخليجية، أن الدول الخليجية اتخذت إجراءات من دون إخطار مجلس الأمن بطبيعة “انتهاكات” قطر ومدى صحتها. ولم يقف الأمر على ذلك، بل لا زالت تلك الدول، حتى الآن، مستمرة في عدم تقديم توضيحات ودلائل ملموسة تؤيد ادعاءاتها.

اما المادة 37 من ذات الفصل أيضاً فانها : تفرض هذه المادة على الدول “عرض أُسس النزاع على مجلس الأمن وعلى أساسه يوصي مجلس الأمن بما يراه مناسباً.” وتُعد هذه المادة قريبة إلى حدٍ ما إلى المادة 34.

اما المادة 55 من الفصل التاسع للأمم المتحدة:  فانها تؤكد المادة المذكورة على ضرورة أن يكون هناك تعاون دولي اقتصادي واجتماعي، في سبيل أن “يشيع احترام حقوق الإنسان، والحريات الأساسية للجميع”. ويأتي طرد المواطنين القطريين الذين هم مواطنون لدولة مشتركة في إطار تعاوني إقليمي اقتصادي واجتماعي يحمل اسم “مجلس التعاون الخليجي”، بشكل مفاجئ خرقاً سافراً لهذه المادة. كما أن فرض عقوبة السجن على من يُبدي تعاطفا مع ولو بكلمة، يعد أيضاً اختراقا سافرا لهذه المادة، وغيرها من مواد رعاية حقوق الإنسان.

قطر شعرت أن مطالب دول الخليج تمس بسيادتها الإقليمية، فيمكن لها حماية حقوقها واستردادها عبر التحالفات الإقليمية، كالتحالف مع تركيا .

حين نصت المادة 75 من الفصل الثاني عشر من ميثاق الأمم المتحدة على: يشمل الفصل المذكور أسس نظام الوصاية الدولي. وعند النظر في مطالب الدول الخليجية التي قُدمت لقطر، لتنفيذها وتحقيق المصالحة، بدون مجاملة لأي أحد، نُلاحظ أنها ترمي، وبلا أدنى شك، إلى فرض نظام وصاية على قطر. فضلاً عن أن المادة 75 من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أن الوصاية لا تتم إلا عبر الأمم المتحدة، وبعد انتهاء موجات استقلال الدول، بات العُرف الدولي يُحرم فرض الوصاية بشكل قاطع.

وتنص  المادة 7 من ميثاق المحكمة الجنائية الدولية على : بالنظر إلى البند “ح” من المادة بنسختها العربية، نجد أن المادة تُحرم اضطهاد أية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان. وينبثق حق إقامة المواطنين القطريين في السعودية والدول الخليجية الأخرى، من ميثاق “مجلس التعاون الخليجي”، بمعنى أنهم يقيمون في الدول الخليجية وكأنهم مجموعة من المواطنين. وما حدث لهم من طرد وخسائر يأتي في إطار الاضطهاد المذكور في المادة أعلاه. إلى جانب ذلك، يعتبر البند المعني فرض الحصار، سواء أكان جزئياً أو كلياً، أحد أوجه العدوان غير الشرعي.

اما المادة 4 من ميثاق مجلس التعاون الخليجي فانها تنص على : تحدد هذه المادة أهداف المجلس، والتي من ضمنها “تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها، وتعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات”. غير أن المتأمل في الإجراءات التي قامت بها بعض دول الخليج ضد قطر، يجد أنها تمثل انتهاكات صارخة بحق هذا الميثاق.

وتنص المادة 9 من ذات الميثاق: على  تشدد هذه المادة على “ضرورة حل النزاعات والمسائل الموضوعية بالإجماع”. ربما لم يحدث اجتماع على مستوى الدول الأعضاء في المجلس قبل اتخاذ القرار الخاص بالإجراءات المشهودة، إلا أن إقدام ثلاثة دول على تنفيذ هذه الإجراءات، وامتناع دولتين، عُمان والكويت، عن تنفيذها، يمكن اعتباره مخالفةً لهذه المادة التي تفرض الإجماع.

قطر استخدمت حقها في “الحماية الدبلوماسية”، والتعاقد مع لجنة قانونية لاسترداد تلك الحقوق

وتنص المادة 10 من ذات الميثاق : على حل الخلافات والنزاعات بين الدول الأعضاء في إطار “هيئة تسوية النزاعات”. وفي استباق بعض الدول الخليجية لهذا الإجراء، اختراق غير قانوني.

مخالفة مبدأ الشفافية الذي ينص على “ضرورة الالتزام بعدم فرض قيود غير تعريفية لتقييد الواردات إلا في حدود معينة”، بالإضافة إلى مبدأ التقييد الكمي للتجارة الذي يقضي “بإمكانية فرض قيود على التبادل التجاري بين الدول، في حين وقعت أزمة في ميزان المدفوعات، أو انخفاض جسيم في الاحتياط النقدي فقط”، واللذين يُعتبرا من أهم مبادئ ميثاق منظمة التجارة العالمية. أما الدول الخليجية فلم تلتزم بمبدأ الشفافية، وأقدمت على فرض قيود على التبادل التجاري من دون وجود أزمة في ميزان المدفوعات أو انخفاض جسيم في الاحتياط النقدي.

إذن، توضح هذه المواد هائلة الكم أن الدول الخليجية المُعارضة للسياسة الخارجية لقطر، اتخذت إجراءات غير قانونية أضرت بقطر كدولة ذات سيادة، وبمواطنيها كأشخاص كانوا يعملون في السعودية في أطر قانونية متعددة.

وعلى اعتبار أن الدولة القومية هي كيان سياسي وقانوني مستقل يتألف من السيادة والشعب والإقليم الجغرافي، فذلك يعني أن الدولة القومية من حقها حماية إقليمها ومواطنيها “الشعب” وسيادتها السياسية المستقلة من أي مساس أو اعتداء. تنقسم سيادة الدولة إلى ثلاثة نقاط:

السيادة الإقليمية: تعني سيادة الدولة في جوها وبرها ومياهها الإقليمية. وتُلمس من خلال حفاظ الدولة على أمنها في إقليمها، واتخاذها قرارها السياسي بشكل مستقل.

السيادة المنظمية أو المؤسساتية: تُشير إلى سيادة الدولة على سفاراتها وقنصلياتها المتواجدة في الدول الأخرى.

السيادة المرتبطة بالمواطنين: ترتبط بحق الدولة في حماية مواطنيها في الداخل والخارج. وتُوصف حماية المواطنين في الخارج باسم “الحماية الدبلوماسية”. فإذا كان حق الدولة في حماية إقليمها من أي اعتداء هو من الحقوق المستقرة في القانون الدولي، فإن من حقها أيضاً حماية شعبها، والدفاع عن حقوقه في الدول الأخرى.

وقد تم تأكيد حق الدولة في “الحماية الدبلوماسية”، عبر قرار المحكمة الدائمة للعدل الدولي الصادر في 30 آب 1924، والمتعلق بقضية “مافروماتيس”، والذي شكل نزاعاً بين “بريطانيا واليونان” في شأن قضية عقود الامتياز الممنوحة في فلسطين. نص القرار في حينها على التالي: “من المبادئ الرئيسية في القانون الدولي أن كل دولة لها الحق في حماية مواطنيها إذا لحقتهم اضرار نتيجة لما يصدر عن الدول الأخرى من أعمال تخالف أحكام القانون الدولي، وذلك إذا لم يستطيعوا الحصول علي الترضية المناسبة عن طريق الوسائل القضائية الداخلية. والدولة إذ تتبني قضية أحد مواطنيها، وتلجا في شأنها إلي الطريق الدبلوماسي أو إلي الوسائل القضائية الدولية، فإنها، في واقع الأمر، إنما تؤكد حقها هي، أي حق الدولة في أن تكفل  لمواطنيها الاحترام اللازم لقواعد القانون الدولي. وإذا حدث أن تقدمت إحدى الدول، نيابة عن أحد مواطنيها، بقضية ما إلي محكمة دولية، فإن هذه الدولة وحدها هي التي تعتبر في نظر المحكمة التي ترفع إليها الدعوى الجهة المطالبة بالتعويض.

ومن جانبها، أيدت محكمة العدل الدولية في قضية “ليشتنشتاين وغواتيمالا”، 6 نيسان 1955، ما انتهت إليه محكمة العدل الدولية الدائمة في قضية “مافروماتيس”، مؤكدةً أن الحماية الدبلوماسية تعتبر حقاً من الحقوق غير المجتزأة للدولة، مشيرةً إلى أن “الحماية الدبلوماسية تُشكِل، عن طريق الوسائل القضائية، إجراءات للدفاع عن حقوق الدولة”. ( سلمي ،2017)

وفي قضية “برشلونة للقوى المحركة”، عام 1970، أشارت محكمة العدل الدولية إلى أن “للدولة الحرية التامة في تقديرها لممارسة الحماية الدبلوماسية، ومدى نطاق هذه الحماية، ومتى ينتهي آجلها”.

وباعتبار أن قطر شعرت أن مطالب دول الخليج تمس بسيادتها الإقليمية، فيمكن لها حماية حقوقها واستردادها عبر التحالفات الإقليمية، كالتحالف مع تركيا، أو المفاوضات التي تعتبر الحل الأسرع والأقرب للتنفيذ، أو التحكيم، أو التسوية القضائية. وعلى اعتبار أن السيادة المؤسساتية لقطر لم تتعرض لانتهاك، تُلفت الأنظار نحو السيادة المرتبطة بالمواطنين التي انتهكت بشكل صارخ، نتيجة طرد المواطنين القطريين وحرمانهم من حقوقهم، الأمر الذي دفع قطر لاستخدام حقها في “الحماية الدبلوماسية”، والتعاقد مع لجنة قانونية لاسترداد تلك الحقوق.

المحور الثاني : الموقف الدولي من الحصار القطري .

الموقف الروسي :

برز الموقف الروسي الذي اعتبر أن ما يحدث “شأنا خاصاً بالدول العربية والخليجية “، دون تعليق على طبيعة الاتهامات التي وجهتها الدول الخليجية للدوحة، مع رفضها التعليق على طبيعة الاتهامات التي توجه لقطر بشأن دعمها للتنظيمات الإرهابية التي تشن عليها القوات الروسية هجمات داخل سوريا. لكنها في الوقت ذاته، قالت إنها ستدرس بعناية جميع المعلومات عن دعم الدوحة للإرهاب. وقد يرجع التحفظ الروسي على قرار قطع دول عربية وخليجية علاقاتها مع قطر إلى العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الدولتين، لاسيما في مجال الغاز الطبيعي، والاستثمارات القطرية داخل روسيا.

ونقلت وكالة “نوفوستي” الروسية الرسمية عن رئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الاتحاد للبرلمان الروسي، أوزيروف، إن موسكو “تدرس بعناية المعلومات التي تتحدث عن دعم الدوحة المزعوم للإرهاب.” مضيفا أن العلاقات مع الدوحة “لن تشهد أي تغيرات.” وتابع أوزيروف بالقول: “بالطبع سندرس بعناية كافة المعلومات، التي تدعيها مصر والسعودية، والدول التي انضمت إليهم بأن قطر ترعى الإرهاب الدولي.. لكن موسكو لديها استقلالية في تطوير سياساتها تجاه العلاقات الدبلوماسية مع قطر”.

أما بيسكوف، الناطق الصحفي باسم بوتين، فقال في أول تعليق للكرملين على الأزمة الخليجية القطرية، إن موسكو “لا تتدخل في شؤون دول أخرى، ولا في شؤون دول الخليج، لأنها تقدر علاقاتها مع الدول الخليجية مجتمعة ومع كل دولة على حدة.” واستطرد قائلا: “ولذلك يعنينا الحفاظ على العلاقات الودية ونحن حريصون على توفير أجواء مستقرة وسلمية في منطقة الخليج لتسوية الخلافات القائمة في ظلها” رافضا التعليق على سؤال حول مدى صحة الاتهامات التي توجهها السعودية والإمارات والبحرين ومصر إلى الدوحة، كما رأى أن السؤال حول دعم روسيا المحتمل لقطر في مأزقها الحالي “في غير محله.” من جانبه، قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف خلال مؤتمر صحفي مع نظيره البيلاروسي، تعليقا منه على قرار عدد من الدول العربية قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر: “هذا شأنهم” مضيفا: “هذا شأنهم، وهذه علاقات ثنائية بين الدول. ونحن لا نتدخل في هذه القرارات، على الرغم من أن العالم يعتقد أن روسيا تقف وراء كل حادثة في العالم، ولكن أود أن أؤكد لكم إنها ليست كذلك”. وأضاف وزير الخارجية الروسي: “نحن مقتنعون بأنه أي خلافات يمكن أن تحدث. نحن لم نفرح أبدا من الصعوبات التي تنشأ في العلاقات بين بلدان أخرى. نحن مهتمون في الحفاظ على علاقات طيبة مع الجميع، وخصوصا في المنطقة التي أهم شيء فيها الآن، هو تركيز جميع الجهود لمكافحة الخطر المشترك لجميع — خطر الإرهاب الدولي “. ودخلت موسكو السبت على خط الازمة الخليجية داعية إلى الحوار بين قطر والدول المجاورة لها، وعارضة مساعدتها للتوسط في الخلاف المتفاقم الذي بدأ يؤثر بشكل مباشر على حياة آلاف الخليجيين.

وقال لافروف إن روسيا “على استعداد لمحاولة القيام بكل ما هو في مقدورها” للمُساعدة على تسوية الأزمة، مُشددا على ضرورة وحدة الصف لمكافحة الإرهاب. وأضاف “من الواضح بنظرنا أن وحدة الصف ضرورية لتحقيق أكبر قدر من النتائج على هذه الجبهة.

وكان الرئيس الروسي بوتين التقى في موسكو بولي ولي العهد السعودي بن سلمان، وأجرى الرجلان محادثات بشأن النزاع في سوريا وخفض إنتاج النفط. وعبر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في اتصال هاتفي مع العاهل السعودي بن عبدالعزيز، عن قلقه حيال الأوضاع في الخليج، وخاصة بالنسبة للتوتر الحاصل بين عدة عواصم خليجية وعربية من جهة والدوحة من جهة ثانية، محذراً من أن ذلك قد يضر بجهود العمل لإنهاء الحرب في سوريا. وتناول العلاقات الثنائية المتميزة بين البلدين وفرص تطويرها في جميع المجالات” إلى جانب “تطورات الأوضاع في المنطقة والتعاون المشترك لمكافحة التطرف ومحاربة الإرهاب سعياً لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.

واكد بوتين إن الأزمة لا تساعد على مُحاربة الإرهاب وإيجاد تسوية في سوريا. وجاء في بيان للكرملين أن بوتين وسلمان بحثا الأوضاع في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج على خلفية الأزمة بين قطر وبعض الدول الخليجية . وأوضح أن موسكو تأسف لأن الأزمة مع قطر لا تساعد على توحيد الجهود لمواجهة الإرهاب والتسوية في سوريا. كما بحث الرئيس الروسي هاتفياً مع ولي عهد أبو ظبي سبل حل الأزمة الخليجية، وأشار الكرملين إلى أن الاتصال تم بطلب من الجانب الإماراتي .

الموقف التركي:

 منذ اليوم ألاول للأزمة حاولت تركيا عبر الرئيس التركي  اردوغان التدخل في وساطة سريعة، إلا الموقف العربي السلبي من الوساطة التركية جعل تركيا تأخذ موقف مؤيد للموقف القطر ي، عبر ارسال قوات عسكرية لقطر بعد مصادقة البركان التركي على اتفاقية تعزيز العلاقات الثنائية بين الجانبين. تشترك إدارة حزب العدالة والتنمية والرئيس التركي ” رجب طيب أردوغان “، مع السياسات القطرية في أكثر من ملف لعل أهمها التحالف مع تنظيم ألاخوان المسلمين وفروعه المختلفة في الدول العربية و اإلسالمية، والذى بدا واضحا في ساحات سوريا وليبيا والعراق ومصر، كما تتوافق مع السياسات القطرية في مجالات التعاون االقتصادي والاستثماري، وخصوصا في مجالات الطاقة والغاز الطبيعي  الذى تطمح فيه تركيا بأن تكون عقدة التقاء خطوط أنابيب الغاز وامتداداته من روسيا و قطر إلى الدول الاوروبية كافة ، ومن هنا  فانه يُمكن فهم الموقف التركي المُنحاز إلى قطر، واتخاذ إجراءات سريعة لتنفيذ واقامة القاعدة العسكرية التركية في قطر، كإشارة لا تخطئها العين عن مُستوى التحالف والحماية حتى لو كانت هذه الحماية التركية، أقل أهمية وتأثيرا من الحماية ألامريكية وقواعدها في قطر، وهي تهدف من ذلك لتقليل الاحتقان بين الطرفين  .( http://www.elyomnew.com/articles/70425)

وفي بداية ألازمة سارع الرئيس التركي الذي بالترتبط بلاده بعلاقات جيدة مع طرفي ألازمة واتصل بالرئيس الروسي وأجرى مُحادثات مع المسؤولين الايرانيين إلى جانب أطرف الازمة، في مسعى لنزع فتيل التوتر بين الجانبين كما استقبلت تركيا وزير خارجية البحرين لبحث الازمة دون ان تثمر جهود أردوغان عن شيء يذكر. ولم تلق دعوة أردوغان الدول الخليجية إلى التهدئة ورفع الحصار الجوي والبري المفروض على قطر آذانا صاغية في االوساط الخليجية، بل شنت بعض الصحف الخليجية حملة على تركيا متهمة اياها بدعم قطر في إطار ما تصفه بدعم مشروع “جماعة الاخوان المسلمين “، ومثال على ذلك ما كتبته صحيفة “عكاظ” السعودية في السابع من الشهر الجاري تحت عنوان مخطط إخواني مشبوه برعاية تركية لدعم. ( BBC )، ولكن أردوغان توصل إلى قناعة مفادها أن هامش المُناورة أمام تركيا قد تضاءل إلى حد بعيد وأن عليه اتخاذ وموقف واضح من ألازمة والوقوف إلى جانب احدهما فاختار قطر، مُخاطرا بالعلاقة مع دول اخرى خليجية والتي شهدت تحسنا ملحوظا منذ تولي سلمان الحكم بعد فترة من البرود بسبب التباين الصارخ في موقفي البلدين من الاطاحة بالرئيس المصري مرسي. ومسارعة البرلمان التركي الى المصادقة على الاتفاق العسكري بين تركيا وقطر كانت بمثابة رسالة تركية الى القوى إلاقليمية مفادها أن تركيا معنية بهذه الازمة إلى حد بعيد ولن تقف مكتوفة ألايدي في حال تدهورت الاوضاع في المنطقة. مع اشتداد ألازمة الخليجية، وصف الرئيس التركي قائمة المطالب المُقدمة لقطر بأنها مُخالفة للقوانين الدولية. وعبر أردوغان عن تأييد تركيا لموقف قطر منها. ووصف هذه العقوبات، المُستمرة منذ بدايتها، بأنها غير مسبوقة في منطقة الخليج وقال أردوغان “أقولها بصراحة، هناك وضع مُخالف للقوانين الدولية، ويجب التخلص منه”. وأشار الرئيس التركي إلى أن بلاده “تثمن وتتبنى موقف قطر من قائمة المطالب الثالثة عشرة وتعتبرها مُخالفة للقوانين الدولية .

الموقف الايراني  :

 جاءت ألازمة الخليجية بكل تأكيد في صالح السياسة الايرانية في المنطقة، وصبت في صالح الاستراتيجية الايرانية الهادفة إلضعاف الموقف السعودي في الصراع إلاقليمي، لذلك بادرت إيران لفتح مجالها الجوي أمام الطائرات القطرية، وتزويد قطر بكل المُستلزمات التي أوقفتها الدول الخليجية. تقاربا منذ عقود سابقة مع بعض التوترات في اوقات متباينة، ً فقد شهدت العلاقات الايرانية القطرية كقيام الثورة الايرانية 1979 ،والدعم القطري للتحالف العربي في حرب الخليج 1991 ،وكانت العلاقات القطرية – الايرانية مُستقرة ُ منذ عهد الشاه “بهلوي ” ، إلى ان هذه االاستقرار تحول إلي عداء واضح بعد قيام الثورة الاسلامية 1979 وصولا إلي حرب الخليج الاولي ، وما لبث ان تحول هذا العداء إلي تحالف علي أثر الخالف الحدودي الذي نشأ بين السعودية وقطر في منطقة الخفوس 1992 ،واستقرت العلاقات بين البلدين لا سيما بعد زيارة الرئيس خاتمي إلي الدوحة 1999 وشهدت توقيع عدة اتفاقيات أهمها التفاهم حول عدد من القضايا السياسية الاقليمية و الدولية وإدانة الدولتين لظاهرة الارهاب وضرورة التمييز بين العمليات الارهابية والمقاومة المشروعة. وفي عام 2000م، كانت زيارة أمير قطر السابق حمد بن خليفة إلى طهران، بدعوة الرئيس الايراني  السابق خاتمي ، حيث كانت أول زيارة يقوم بها حاكم دولة خليجية منذ 20 عام، وسبق أن زارها في 1998 للمُشاركة في مؤتمر القمة الاسلامية، ومنذ ذلك الحين لم تنقطع زيارة المسئولين القطريين إلى إيران ،وفي عام 2006 قام ألامير القطري بزيارة أخرى إلى العاصمة الايرانية، وتجلت اثار هذه الزيارة في يوليو من نفس العام ، عندما كانت قطر العضو الوحيد، ً في مجلس الامن، الذي صوت ضد قرار المجلس رقم 1696 والذي طالب من بين 15 عضوا إيرانياً بوقف العمل في برنامجها النووي . وفي ديسمبر 2007 ،بلغ التعاون بين الدولتين ذروته عندما قامت قطر بتوجيه دعوة رسمية للرئيس الايراني نجاد، لحضور مؤتمر قمة الخليج الثامنة والعشرين في الدوحة كضيف شرف، وكان نجاد أول رئيس دولة أجنبية يحضر تلك القمة، ما أثار غضب الدول الخليج انذاك.

الموقف الأردني :

حاولت الأردن مسك العصا من الوسط، بسبب تولي الأردن رئاسة القمة العربية، فمن جهة أعلنت في بداية الأزمة موقف منحاز لموقف دول الخليج ومصر عبر عنه بإعلانها تخفيض التمثيل الدبلوماسي القطري في عمان، ومن جهة أخرى رفضت الأردن اعتبار حركة الإخوان المسلمين وحماس حركة إرهابية، واعتبرت أن القانون الأردني ينظم هذه المسألة.

وتمثل موقف الاردن في  أن موقف المملكة من الأزمة مريح ويتفهمه الأشقاء في الخليج كافة، وأن الأردن بصفته رئيسا للقمة العربية، يؤمن ويدعو دوما إلى وحدة الصف العربي ويأمل أن تنجح مساعي الوساطة الكويتية لحل الأزمة ضمن الإطار العربي  لا ن التشرذم العربي لم يعد مقبولا في ظل الظروف العالمية والاقليمية التي تمزقت وتشرذمت فيها كثير من الدول العربية واصبح تفقد قوتها في كافة المجالات واصبحت صيداً سهلا لكثير من الدول والمطامع الاخرى .

الموقف الألماني:

بدا الموقف الألماني من الأزمة الخليجية منذ اندلاعها صريحًا وواضحًا؛ إذ طالب وزير الخارجية الألماني زيغمار بضرورة رفع الحصار المفروض على قطر لأنه يضر بجهود محاربة الإرهاب. وقد جاء الموقف الألماني من الأزمة في جز ء منه كردة فع ل على سياسات الرئيس  ترامب في منطقة الخليج واتجاه الاتحاد الأوروبي، حيث أخذت ألمانيا تحاول القيام بدو ر أكثر فاعلية دوليًا من خلال البوابة الأوروبية خاصة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي واتضح ذلك الميل في السلوك الألماني في تصريحات تعليقًا على الأزمة الخليجية: “إن انتهاج مثل هذا الأسلوب “الترامبي ” في التعامل مع قطر “يشكل خطورة كبيرة جدًا في منطقة هي في الأساس مشحونة بالأزمات. إن الاستمرار في التصعيد ليس في مصلحة أحد.

الموقف الفرنسي:

أما فرنسا، فقد دعت إلى حل الخلاف الخليجي بالحوار، إذ أعرب مكرون عن تأييد بلاده لكل المبادرات الداعمة لتعزيز التهدئة، وأبدى بيا ن صاد ر عن الرئاسة الفرنسية عزم فرنسا القيام بمسا ع وجهو د من خلال التشاور مع الدول الصديقة لإيجاد حل للأزمة. وبالرغم من محاولة السعودية الحصول على دعم فرنسي  للحصول على دعمهما لخطوة مُحاصرة قطر، إلا أنه وجد صدوداً بخصوص هذه القضية ولذلك كانت المحطة الخارجية الأولى لوزير الخارجية القطري ، والتقى فيها وزير الخارجية الألماني الذي أكد مُجددًا رفض برلين الحصار المفروض على دولة قطر، واعتبر قطر شريكًا إستراتيجياً في مُكافحة الإرهاب، وأنها طر ف مهم  في التحالف الدولي لمواجهة تنظيم “داعش”، وأن إضعافها هو إضعاف لتلك الحرب على الارهاب . ( https://goo.gl/RgTNS8)

المحور الثالث : الحصار القطري والاقتصاد الخليجي.

اولاً : اثر الحصار على الاقتصاد القطري .

ان ثمة مُلاحظة مهُمة تتعلق بتوقيت أزمة الحصار على قطر، وهي أن دول الخليج تعيش أزمة اقتصادية حقيقية منذ نهاية العام 2014، بسبب أزمة انهيار أسعار النفط، ظهرت ملامحها بوضوح من خلال عودة العجز بالموازنات العامة لدول الخليج، ففي حالة السعودية اقترب عجز الموازنة من 20% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2016، كما أن دول الخليج بلا استثناء لجأت إلى إصدار سندات للاقتراض من السوق الدولية، فضلًا عن الاقتراض من السوق المحلية، والسعودية على سبيل المثال قفز دينها العام ليقترب من 100 مليار دولار مع بداية العام 2017، كما لجأت بعض دول الخليج للسحب من احتياطياتها من النقد الأجنبي أو صناديق الثروة السيادية.

وبالتالي جاءت الأزمة في ظل ظروف غير مواتية، وكانت الفرصة البديلة، هي أن تفكر دول الحصار في تحسين أوضاعها الاقتصادية لا الدخول في صراع يستنزف مواردها المالية والاقتصادية، أو أن تتجه بما لديها من موارد للاستثمار في مجالات تساعد على تنوع اقتصادياتها التي تعاني من سلبيات الاعتماد على النفط كمورد وحيد، وهنا يمكن رصد عدة خلاصات أساسية:  (الصاوي ، 2017)

1- من القراءة السريعة لأداء الأزمة، يظهر أن دول الحصار كانت تتوقع أن تحقق انتصارًا على قطر وتحقق أهدافها في الأجل القصير، ولذلك بدأ الحديث في تقويم الخسائر، عن توفير سلع غذائية، أو تحويل مسارات رحالات طيران، أو منع بعض المواطنين من السفر، أو مطالبة البعض الآخر من المواطنين بمُغادرة الدول، ولم تكن دول الحصار تدرك أن هناك مصالح مُشتركة أكثر تعقيدًا من حسابات الأجل القصير. فثمة شركات تمارس الاستثمار بأشكاله المُختلفة في الدول أطراف الصراع سوف يؤدي استمرار الأزمة إلى خسائر لتلك الشركات لا تقتصر فقط على مجرد التعويضات، ولكن قد يصل الأمر إلى تغير مسارات للأنشطة الاقتصادية بالكامل.

2- أدى الحصار الخليجي على قطر إلى رسم صورة جديدة لواقع ومناخ الاستثمار أكثر سلبية، فبعد أن ظلت منطقة الخليج تصنف على أنها تتمتع بخلوها من النزاعات البينية، واستقرار نظمها السياسية  – بغض النظر عن قربها أو بعدها عن الديمقراطية ، ومن ثم ستكون تقارير تقويم مناخ الاستثمار متأثرة بهذا الواقع الجديد، وتصنيف دول منطقة الخليج على أنها دول غير مستقرة، فطبيعة منطقة الخليج ينظر إليها على أنها كتلة واحدة، لتقارب العادات والتقاليد، وارتفاع مستوى الدخل، والاستفادة من اتفاقيات مجلس التعاون الخليجي الخاصة بالتجارة والاستثمار، وحرية انتقال رؤوس الأموال والأفراد، وغير ذلك من السمات المشتركة، مما يجعل قرار الاستثمار يستهدف دول الخليج الست بشكل رئيس، وليس دولة واحدة.

3- إذا استمرت دول الحصار على مواقفها باستمرار الأزمة أو تصعيد أدواتها، ستكون هناك تكاليف عالية على الجميع، أبرزها التعويضات لرجال الأعمال والمُستثمرين، الذين أدت قرارات دول الحصار إلى مغادرتهم لقطر، كما سيكون نفس الحال لرجال الأعمال القطريين الذين اضطروا لمغادرة دول الحصار.

كما أن البحث من قبل كل طرف عن بديل يستغني به عن الأخر، سيمُثل تكاليف إضافية، تمثل خسائر بلا شك، ففي حالة التصعيد ولجوء قطر لقطع إمدادات الغاز عن الإمارات مثلًا، ستكون هناك خسائر كبيرة للشركات الإماراتية لكي تبحث وتجد البديل، كما أن قطر تكبدت في الأيام الأولي خسائر تمثلت في ارتفاع تكلفة نقل المواد الغذائية، أو توفير بديل لمراعي الإبل والأغنام التي طردت من الأراضي السعودية، أو زيادة تكاليف رحلات الطيران للخطوط الجوية القطرية نتيجة تغيير مسارها.

4- أن أوراق الضغط الاقتصادية لدى الطرفين، لا ترقى لمُستوى حسم الصراع، فالذهاب لبدائل من مصادر أخرى متاح، وإن كان مكلفًا، كما أن الرهن على أن كلا الطرفين لديه موارد مالية متدفقة عبر إيرادات النفط، هو رهان خاسر في ظل تحديات استمرار أزمة انهيار أسعار النفط من جهة، ومن جهة أخرى يعد ذلك الرهان استنزاف للموارد المالية، ويضعف موقف دول الخليج في الصراع الإقليمي والذي تمثل أهم أطرافه إيران، التي سيكون إضعاف دول الخليج فرصة لها لتحقيق الكثير من المكاسب بالمنطقة.

5- ستكون التكلُفة الخاصة بالتقاضي في التحكيم الدولي والمُنظمات الدولية عالية على جميع الأطراف وإن حكم لأحدها بتعويض، فقطر أعلنت أنها ستلجأ لرفع قضايا للتعويضات عن الخسائر التي لحقت بها في مجالات عدة، وبلا شك أن الإعداد للتقدم للحصول على هذه التعويضات يستلزم وجود فرق قانونية ورسوم للتقاضي، وعلى الجانب الأخر ستكون هناك تكاليف لفرق الدفاع، فضلًا تكاليف التعويض في حالة الحكم به.

6ـ أن طرفي الصراع سعيا لكسب التأييد من دول مؤثرة دوليًا وإقليميًا، وتعاملت القوى الإقليمية والدولية من منطق المصالح، فتم عقد صفقات والتعهد باستثمارات من أجل تأييد طرف ضد آخر، ولعل الموقف الأمريكي مثل أعلى صور الانتهازية المادية لاستغلال طرفي الأزمة والحصول على أكبر مكاسب مادية، حيث هناك ازدواجية في موقف الإدارة الأمريكية، فترامب يؤيد السعودية وباقي دول الحصار لدرجة اتهام قطر بدعم الإرهاب، وهناك طرف أخر من الإدارة الأمريكية زار قطر، وأعلن عن دعمه لموقفها.

وإذا كانت قطر أنهت صفقة الطائرات الطائرات ف15 بقيمة 21 مليار دولار، وأعلنت عن عزمها شراء 10% من أسهم شركة أمريكان أير لاين، فالسعودية سبقت في شهر مايو 2017 وعقدت صفقات اقتصادية وعسكرية بنحو 450 مليار دولار مع أمريكا إبان زيارة ترامب. ويشهد سعي الطرفان لجذب تأييد الدول لموقفها حالة من التصعيد من قبل دول الحوار، حيث أعلن عمر غباش سفير الإمارات في روسيا عن التفكير في طلب الشركاء التجاريين لدول الحصار بالوقوف ضد قطر التفكير في طلب الشركاء التجاريين لدول الحصار بالوقوف ضد قطر، وكذلك تفكير دول الحصار في طرد قطر من مجلس التعاون الخليجي.

7ـ من الأهمية بمكان أن نشير إلى تكلفة عالية، وقد لا تتسم بالشفافية لبيان حجم تكلفتها لجميع أطراف الأزمة، وهي تكلفة الأدوات الناعمة، من توظيف لوسائل الإعلام بمختلف أدواتها، وكذلك شركات العلاقات العامة، وترويج الدعاية المساندة لكل طرف. وإن كان على الصعيد العربي تمتلك دول الصراع بعض الأدوات، فإن الأمر في الغرب وأمريكا جد مختلف من حيث التكلفة، وبخاصة إذا استمرت الأزمة لفترات طويلة.

وتذهب بعض التقديرات إلى أن خسائر قطر السنوية من الحصار ستكون بحدود 15 مليار دولار، في حالة استمرار الأزمة في الأجل الطويل، وأن هذا المبلغ لا يمثل نقطة ضعف لقطر في ظل وصول صادراتها السلعية إلى 77 مليار دولار سنويًا، في أجواء انخفاض أسعار النفط، وأن أي تحسن في أسعار النفط سيكون له مردود إيجابي على زيادة إيرادات الصادرات القطرية، مما يساعد على التقليل من أثر تكلفة الحصار اقتصاديًا على قطر.

وقد فرضت الأزمة على قطر في الأجل القصير بعض لتكاليف الاقتصادية المتمثلة في ارتفاع تكلفة نقل المواد الغذائية التي تم استيرادها من تركيا وإيران عبر النقل الجوي، لما يمثله النقل الجوي من ارتفاع التكلفة مقارنة بما كان عليه الوضع من استخدام الطرق البرية لاستيراد المواد الغذائية من السعودية واضطرت قطرايضاً الى استخدام مساحات أكبر من المخازن لـتأمين احتياجاتها لفترات أطول تحسُبًا لإطالة أمد الأزمة.

ولكن في الأجل المتوسط والطويل لاستمرار الأزمة، يمكن لقطر أن تستبدل الشحن الجوي بالنقل البحري وهو ما تم مؤخرًا عبر السفن التركية والإيرانية، وستكون تكلفته بلا شك أقل بكثير من تكلفة النقل الجوي، وقد تقترب التكلفة بشكل كبير من تكلفة النقل البري.

ومع بداية الأزمة اتجهت بعض وكالة التصنيف الائتماني إلى تخفيض التصنيف الائتماني لقطر، من AA   إلى – AA ، مع ارتفاع تكلفة التأمين على الديون السيادية لقطر، وهذه البيانات لها انعكاس نفسي سلبي على أسواق المال، ولكن لابد من الأخذ في الاعتبار أن تصنيفات وكالات التصنيف الائتماني يشوفها التوظيف السياسي بشكل كبير، وبخاصة في ظل النزاعات السياسية.

فدولة قطر أعلنت عن أن لديها احتياطيات نقدية تقدر بـ 40 مليار دولار، فضلًا عن امتلاك صندوقها السيادي لاستثمارات قابلة للتسييل في أي وقت بنحو 300 مليار دولار. والجدير بالذكر أن سوق المال القطري وكذلك الريال القطري شهدا انخفاضًا ملحوظًا في بداية الأزمة، ولكن بعد مرور الأسبوع الأول عادت الأوضاع للتعاملات الطبيعية في كل من سوق المال أو سعر صرف الريال. وإن كان رجال الأعمال القطريين حققوا مكاسب ملموسة من انخفاض أسعار بعض الأسهم التي انخفضت بسبب خروج المستثمرين الإماراتيين والسعوديين من السوق وبيعهم لما يمتلكونه من أسهم.

وتحملت قطر بسبب تكلفة إضافية تمثلت في تدبير بديل للمراعي لنحو 15 ألف رأس من الإبل والغنم تم طردها من الأراضي السعودية، مما أدى إلى التزام الحكومة القطرية بتوفير الأعلاف والمياه بالكميات اللازمة لهذه الحيوانات، التي كانت ترعي في الأراضي السعودية بدون مقابل.

وفي إطار سعي قطر لمواجهة إمكانية استخدام ورقة الأمن الغذائي ضدها، اتجهت لخطوة تعد توظيفًا سياسيًا أكثر منه خطوة لها دلالاتها الاقتصادية، حيث تم التعاقد على استيراد 4 آلاف بقرة من ألمانيا، حيث وصلت الدفعة الأولى منها، ويقدر مساهمة هذه الأبقار في حالة وصول كامل الأعداد المتفق عليها من الأبقار، بأن توفر 30% من احتياجات قطر من الألبان، والمغزى هنا أن قطر تفتقد لمقومات الاستثمار الحيواني من حيث الأراضي الزراعية أو إنتاج الأعلاف أو توفير المياه العذبة، وقد تكون تكلفة الاستيراد أقل من تكلفة رعاية الثروة الحيوانية في قطر. ( الصاوي ،2017)

ثانياً:  اثر الحصار على اقتصاديات دول الحصار.

تظل الصراعات بين الدول من أهم أسباب استنزاف ثرواتها، فضلًا عن أنها تهدر فرص التعاون والتكامل بين اقتصاديات الدول المُتصارعة، وتكون الطامة الكبرى أن يقع الصراع بين دول الجوار وبخاصة تلك التي تربط بينها العديد من العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، بل والمصير المُشترك والدم الواحد .

والصراع الخليجي يقع في دائرة صراعات المغارم، ولن يخرج منه طرف رابح وآخر خاسر، وانطلاقًا من هذه المُسلمة من الضروري أن نرصد الخسائر الاقتصادية التي تحملها الطرفين، بعد مضي اشهر  من الحصار المفروض على قطر.

ولا يُعني ذلك أن ما نرصده من خسائر اقتصادية هو المُحصلة النهائية للأمر، ولكن سيتوقف تحديد الخسائر الاقتصادية في ضوء الأمد الذي ستعيشه الأزمة، في الأجل القصير أم المتوسط، أم الطويل ولا يمكننا تحديد هذا الأمد الآن، نظرًا لما هو ظاهر من غياب النجاح عن المساعي الدبلوماسية أو السياسية سواء تلك التي تمت في إطار البيت الخليجي عبر وساطة دولة الكويت، أو من الخارج عبر مسئولين أمريكيين وفرنسيين، أو الرئيس التركي أردوغان.

وقد قُدرت خسائر شركات طيران دول الحصار بعد أسبوعين من الأزمة بنحو 100 مليون دولار، وهو ما يُمثل 20% من إيراداتها، وقد تسمح الأوضاع المالية لكل من السعودية والإمارات بتحمل هذه الخسائر، ولكن دولة مثل مصر تُعاني شركاتها الوطنية للطيران من خسائر مُتراكمة، سيكون من الصعب عليها تحمل مثل هذه الخسائر، إلا إذا تعهدت كل من السعودية والإمارات بتعويضها عن تلك الخسائر، وهو أمر وارد بنسبة كبيرة. ( الصاوي ، 2017)

كما خسرت دول الحصار نحو 10.4 مليار دولار، هي حجم التبادل التجاري لقطر مع دول الخليج، وعلى الرغم من أن الرقم غير مؤثر لدى السعودية والإمارات في ضوء صادراتهما النفطية، إلا أن دلالات التحول لقطر نحو تركيا وإيران بهذا المبلغ على وحدة دول مجلس التعاون، وافتقاده لمقومات مشروع الوحدة الاقتصادية.

وللوهلة الأولى، ظن البعض أن السعودية امتلكت ورقة ضغط قوية ضد قطر من خلال ما تورده من مواد غذائية رئيسة، وبخاصة أن الأزمة وقعت خلال شهر رمضان، إلا أن الواقع أظهر خسائر تتكبدها الشركات التي كانت تلتزم بتوريد هذه المواد الغذائية لقطر، وبخاصة أن قرار المنع لم يكن من طرف قطر، وثمة شروط جزائية في شأن هذه التوريدات في حالة تأخر وصولها، ولم تقف الشركات السعودية مكتوفة الأيدي ولكنها لجأت إلى الموانئ العمانية للوفاء ببعض التزاماتها. وكانت السلطات السعودية قد أعلنت بأنها ستعوض المضارين من هذه الشركات عن خسائرهم نتيجة تنفيذ الحصار. كما تعهدت السلطات السعودية كذلك بتدبير وظائف للإعلاميين العاملين بقناة الجزيرة بعد مطالبتها لهم بالعودة لبلدهم، ولكن لم يتم الحديث عن باقي المهن، وبخاصة أن السعودية تعاني من نسبة بطالة مرتفعة بلغت 12.3%.

اما الامارات فلعل الإمارات من أكبر دول الحصار المُهددة بخسائر أكبر جراء مشاركتها في الحصار على قطر، حيث تمتلك شركات مقاولات إماراتية كبرى أو شركات أجنبية تتخذ من الإمارات مقر لها، مشروعات تتعلق بالبنية الأساسية في قطر، وبخاصة تلك التي تتعلق بمشروعات التجهيز لمسابقة كأس العالم المنتظر أن تنظمها قطر في 2022.

وعلى صعيد البنوك الإماراتية، هناك توقعات بأن تمنى بنكوك إماراتية بخسائر كبرى، مثل بنكي فيرست أبو ظبي وبنك الإمارات دبي الوطني، بسبب إقدام القطريين على سحب ودائعهم من هذه البنوك مخافة أن تقوم دول الحصار بتجميد هذه الودائع.

ولا تزال ورقة الغاز القطرى مسلطة ضد الإمارات، ومن الوارد في حالة تصعيد الأزمة أن تلجأ إليها قطر، وإن كانت الإدارة القطرية أعلنت غير مرة بأنها لن تستخدم ورقة الغاز ضد الإمارات أو السعودية.

وعلى مُستوى دولة الإمارات أوضح التميمي أن خسائرها مهولة، إذ إنها استثمرت في قطر ما بين عامي 2015 و2016 ما لا يقل عن 2.5 مليار دولار، وحجم طلبها على الغاز سيتضاعف ثلاث مرات في السنوات الخمس المُقبلة، ولا يُعرف هل ستستمر قطر في تزويدها بالغاز الذي تحصل عليه بسهولة مقارنة مع التكلفة المرتفعة للبدائل.

كما أن فقدان ميناء جبل علي في دبي لمكانته  التجارية كميناء رئيسي في الخليج،  قد فاقم من أزمة الإمارات الاقتصادية التي اصبحت تعاني منها ، فواردات قطر عبر هذا الميناء شكلت 3% من حجم نشاطه حيث خسرت الامارا هذه التجارة وهذه الصادرات التي كانت تناسب الى قطر ، ومن الصعب عليه تعويض هذا الرقم، خصوصا أن ميناء حمد الدولي بدأ يعمل بطاقته الكبيرة، إضافة إلى موانئ سلطنة عمان، والميناء الذي تنوي الخرطوم والدوحة بناءه في السودان. ( حصار قطر من الخاسر ، ،2017)

أما البحرين فهي الخاسر والغائب الحاضر في هذه الأزمة، ذلك أن اقتصادها يعتمد بشكل كبير على السعودية التي تتخبط في أزمة اقتصادية خانقة نتيجة الحروب التي تمولها، وزيادة البطالة التي بلغت أعدادها مليون عاطل عن العمل.

ومن  يُتوقع أن يضر توقف صادرات دول الحصار إلى قطر بالعديد من المنتجين والمُصدِّرين الذين بلغت صادراتهم إلى قطر في العام 2016 نحو خمسة مليارات دولار، حسب بيانات صندوق النقد الدولي.

وأضاف “صحيح أن تلك الصادرات تمثل نسبة ضئيلة من إجمالي صادرات دول الحصار، فإن جُلَّها تقريبا صادرات غير نفطية، ومن الشركات التابعة للقطاع الخاص”، التي قال إنها في أمسّ الحاجة إلى زيادة نشاطاتها، خصوصًا في ظل التباطؤ الاقتصادي الذي تشهده دول المنطقة.

ويرى الخبير الاقتصادي العماني يوسف البلوشي أن أزمة الخليج تضر بالجميع وإن كانت الاضراربشكل متفاوت من دولة الى اخرى ، لكنه أوضح أن حصار قطر ساعدها على تحقيق اكتفاء ذاتي في كثير من المواد، لأن حصار الدول الذكية يزيد من قوتها ،فألمانيا بعد حصارها من طرف الحلفاء حققت ثورة صناعية كبيرة جراء الحاجة الى الكثير من الادوات والاساليب الصناعية والانتاجوعمليات التقدم ، وهذا ما تشير الدلائل إلى أن قطر قد تنجح فيه، خصوصا في مجال صناعة المواد الأولية التي كانت تستوردها من دول الحصار. ( https://www.aljazeera.net   )

حيث إن الأزمة الخليجية فتحت أعُين بقية دول الخليج على مخاطر الاعتماد على الغير، فسلطنة عُمان تُشكل صادراتها للصين نحو 20%، بينما تشكل وارداتها من الإمارات 80%، وهذا ما سيتغير قريبا بعد حصار قطر الذي زعزع ثقة دول المجلس بعضها ببعض.

ويُعتبر تكامل العلاقة الاقتصادية بين الشعوب والحكومات حتى تستمر الدورة الاقتصادية بشكل طبيعي حيث أن أزمة الخليج أظهرت الفجوة الكبيرة بين صانع القرار وبين الأفراد والمؤسسات، لذلك تسبب صناع القرار في دول الحصار في هذه الأزمة دون التفكير بالمصالح.

ثالثاً: اثر الحصار على الدول العربية .

اثر الحصار على الاردن .

 جراء الحصار الخليجي على دولة قطر فان الأردن ُيخشى أن صادراته الزراعية في طريقها لتلقي خسارة جديدة بعد الحصار الذي فرضته دول خليجية على قطر، وتم بموجبه إغلاق المعبر البري الوحيد الذي يربط بين قطر والسعودية والذي كان المر البري الوحيد للصادرات الاردنية .

وحسب تقديرات جهات رسمية ستنخفض الصادرات الأردنية من الخضراوات والفواكه إلى قطر بنسبة 80 %. وقد عادت البرادات المٌحملة بالخضار الأردنية أدراجها من السعودية بعد أن علقت لأيام على المعبر المُغلق بين السعودية وقطر .

وقد كانت أزمة مُماثلة مع العراق قد ألقت بظلالها على هذا القطاع منذ فترة طويلة، مادفع إلى البحث عن طرق التفافية طويلة للوصول إلى العراق وبكلف إضافية، أدت في نهاية المطاف إلى انخفاض ملموس في الكميات المُصدرة للعراق.

ولا تفيد المؤشرات المتوفرة حاليا بنهاية قريبة للأزمة الخليجية، على العكس من ذلك هناك انطباع لدى الجميع بأن الأزمة ستطول، بعد أن دخل الطرفان بأزمة عضّ أصابع ستخلّف خسائر اقتصادية وتبعات إنسانية كبيرة على كل الأطراف بشكل عام والاردن بشكل خاص .

لقد راهنت الدول الخليجية الثلاث على العامل الاقتصادي لإجبار قطر على الرضوخ، لكن الأخيرة وجدت في الحليفين التركي والإيراني بديلا يمنحها هامش المناورة والإفلات من الضغوط والحصار.
رغم ذلك يبدو أن قطر ستواجه متاعب مالية واقتصادية، إذ يواجه الريال القطري ضغوطا متزايدة مع تسجيل نقص في المعروض من العملات الأجنبية في السوق، وتكبد خطوطها الجوية “قطر للطيران” خسائر كبيرة بسبب إغلاق المجال الجوي أمام رحلاتها.

ان الصرار على إغلاق المعبر الحدودي سيضر كثيرا بحركة المُسافرين برا، خاصة المثغتربين العرب في دولة قطر الذين يتحضرون في كل صيف لقضاء إجازتهم الصيفية في بلدانهم.
وتقدر مصادر رسمية عدد الأردنيين في دولة قطر بنحو 48 ألف أردني، عادة ما يلجأ معظمهم إلى التوجه بسياراتهم الخاصة برا عبر الأراضي السعودية في رحلتهم لقضاء الإجازة بين الأهل في الأردن.
وقد اصبح هذا الخيار معدوما في الوقت الحالي، ومن يفكر بالمجيء إلى عمان عليه أن يدفع مبلغا ليس هينا ثمنا لتذاكر الطيران، مع خيارات محدودة للتنقل داخل الأردن. ويشمل هذا بالطبع المواطنين القطريين الذين يرغبون بقضاء إجازتهم في الأردن.

ولايُمكن التنبؤ بالتطورات التي ستنتج عن الحصار القطري  وتاثيرها الكبير على الاردن ، وما إذا كان الحصار الجوي على قطر سيتوسع، فيفقد الآلاف فرصة العودة إلى أعمالهم في قطر.ومن غير المُستبعد في حال استمرت الأزمة الخليجية أن تضطر القطاعات الاقتصادية في قطر إلى تسريح موظفيها من مختلف الجنسيات، وعندها ستواجه الاردن مُشكلة جديدة تتمثل بعودة المُغتربين وما يعنيه ذلك من زيادة في ُمعدلات البطالة المُرتفعة أصلا وتراجع تحويلات المُغتربين.  ( جريدة الغد ،2017)

اثر الحصار القطري على القضية الفلسطينية .

لم تكن الأزمة الخليجية التي انفجرت بين ثلاث دول خليجية (السعودية، والإمارات العربية، والبحرين) ومعها مصر يوم 5/6/2017 مُنبتَّة الصلة عن أزمات سابقة عرفها مجلس التعاون الخليجي وجرى سحب سفراء فيها، وكان بعضها معلناً، كما في العام 2002 وفي العام 2014، وبعضها كان صامتاً يمكن تلمُّسه من خلال فتور العلاقات بين بعض دول مجلس التعاون أو رفض إنشاء مزيد من الإجراءات التكاملية بين دول المجلس، ويتمحور جوهر هذه الأزمات حول أربعة أبعاد رئيسية يَمسُّ كل منها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة الموضوع الفلسطيني، وتتمثل في الآتي: ( صحيفة السبيل ،2017)

  • حدود العلاقة الخليجية مع إيران، وهذه العلاقة مع إيران لها بعدان، هما: السياسة الإيرانية تجاه الدول العربية بشكل عام من ناحية، والسياسة الإيرانية تجاه القضية الفلسطينية من ناحية ثانية.
  • حدود العلاقة الخليجية مع تنظيمات” الإسلام السياسي “، وخصوصاً جناح الإخوان المسلمين، حيث تنظر دول خليجية محددة (السعودية والإمارات بشكل خاص) إلى أن الإخوان المسلمين يشكلون التنظيم الأكبر حجماً والأكثر خبرة سياسية في العالم العربي، وأن هذا التنظيم يسعى لتولي السلطة في الدول العربية، وقد كان دوره السياسي بارزاً وبأشكال مُختلفة في مصر وتونس، والمغرب، وفلسطين، والأردن، وسوريا، وهو ما يعني —من وجهة نظر السعودية— احتمال انتقال تأثير هذا التيار للمجتمع الخليجي، خصوصاً السعودي، وهناك جذور تاريخية وبنية مجتمعية خليجية قابلة للإنصات للأدبيات السياسية لهذا التنظيم، وهو ما ينطوي، بناء على هذا الفهم، على احتمال ”القفز على السلطة في هذه الدول الخليجية خصوصاً في السعودية“. ومن هنا لا بدّ من وأد هذا التيار. ولما كانت القوى الفلسطينية الأكثر نشاطاً في الصراع مع ”إسرائيل“ ذات صلة تاريخية بالإخوان المسلمين، فإن ظلال الأزمة الخليجية امتدت لتصيب هذه التنظيمات، وخصوصاً حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
  • حدود سياسة الحريات الإعلامية الخليجية وفي قلبها السياسة التحريرية لقناة الجزيرة القطرية. إذ ترى دول الخليج (خصوصاً السعودية والإمارات) أن قناة الجزيرة تمثل منبراً ”تحريضياً“، وأنه الأكثر تعبيراً ضمنياً عن توجهات الإخوان المسلمين، ناهيك عن أنه يتجاوز الكثير من السياسات التحريرية الإعلامية التقليدية التي اعتاد عليها الإعلام العربي، وهو ما يشكل ”خضاً“ للمياه الراكدة في اتجاهات الرأي العام العربي، وبدا أثر ذلك كله خلال الفترة الممتدة من بداية الثورات والتغيرات العربية مع نهاية العام2010 إلى الآن، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه السياسة التحريرية للجزيرة تجعل من الموضوع الفلسطيني مادة رئيسية لها.
  • مركزية الدور السعودي في القرار السياسي في مجلس التعاون الخليجي: منذ أن نشأ مجلس التعاون الخليجي في العام 1981 كرد فعل على قيام الثورة الإيرانية في العام 1979، كانت السعودية ترى فيه أداة للجم تداعيات الثورة الإيرانية في الخليج، وبأن الدور السعودي يجب أن يكون مركزياً، في هذا المجال، بحكم الثقل السعودي في الإقليم الخليجي. وبعد الإعلان عن المبادرة العربية لتسوية القضية الفلسطينية في العام 2002، والتي كانت السعودية مُهندسها الرئيسي، وتعزز الإحساس السعودي بمركزية دور المملكة في صياغة التوجهات الاستراتيجية العربية بشكل عام وليس الخليجية فقط، وهو ما اصطدم بنوع من ”القلق“ بين دول خليجية محددة أبرزها قطر، وعزوف عُماني عن مجاراة النزعة المركزية السعودية، مضافاً إليه قدر من الحرج الكويتي من هذه النزعة. ولما كان الموضوع الفلسطيني يشكل أحد أهم ملامح الاستراتيجيات العربية (بغض النظر عن جدواها) فإن السعودية رأت ضرورة تطويع الموضوع الفلسطيني لصالح توجهات أخرى، وهو ما لم يَرُق لعدد من دول الخليج أو الدول العربية الأخرى.

اثر الحصار القطري على السودان .

لقد أفرزت الأزمة الخليجية تداعيات على السودان، تُنبئ بأنّ الفاتورة السياسية والاقتصادية تداعيات على السودان تُنبئ بأنّ الفاتورة السياسية والاقتصادية للخروج منها ستكون باهظة للخروج منها ستكون باهظة، وتُلقي الأزمة بظلالها على السودان، الغارق هو الآخر في أزماته الداخلية، وذلك لأنّ النظام لا يملك هامشاً اقتصادياً، أو سياسياً، يتيح له المناورة والتلكؤ والتنفس بحرية نسبية، كما لا يملك القوة التي تجعل قراره أصيلاً، فالوضع السياسي والاقتصادي السوداني شديد التأثر بالعلاقات مع مصر ودول الخليج.

وهناك تداعيات سياسية، وتجنباً لها لا يستطيع السودان اعتماد موقفٍ واضحٍ ، أو سياسة خارجية تجاه أطراف الأزمة، يرغب النظام في أن تصفح عنه واشنطن، وترفع اسمه من لائحة الدول الراعية للإرهاب، فعلى الرغم من قرار رفع العقوبات الأميركية بشكلٍ نهائي منذ تشرين الأول من  العام 2017، إلّا أنّه لن يكون فاعلاً مع وجود اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وللسودان حسابات سياسية مع أطراف الأزمة، فدولة قطر هي الوسيط الرئيس لحل قضية دارفور منذ بداياتها حيث رعت وأنفقت بسخاء على المفاوضات بين الحكومة والحركات المسلحة في دارفور، وسعت إلى تنفيذ وثيقة الدوحة لسلام دارفور في بنودها الرئيسة من إعادة الإعمار وتقديم الدعم للنازحين واللاجئين وما زالت تدعم المشاريع التي أقرّتها اتفاقية الدوحة، وتلعب دوراً مهماً في حل مشكلات الإقليم
هناك أيضاً العلاقات مع مصر، التي تشكّل قوة إقليمية، ووجودها ضمن التحالف الإماراتي السعودي ضد قطر، في ظل التوترات بين البلدين بشأن قضايا مهمة، مثل أزمة سدّ النهضة، وأزمة حلايب وشلاتين، واتهام نظام الرئيس عمر البشير مصر بدعم الحركات المُسلحة في غرب السودان واتهام مصر نظام البشير بدعم الإخوان المسلمين في مصر. ومن هذا المنطلق، ينظر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، إلى السودان وقطر من ثُقب محاولات إعادة السلطة التي اغتصبها.
هناك تداعيات اقتصادية، حيث يخشى السودان فقدان الاستثمارات السعودية والإماراتية، والتي ازدادت بعد خروج الصين من الاستثمار النفطي، إثر انفصال جنوب السودان، وذهاب 75% من النفط مع الدولة المنفصلة من العام 2011. اتجهت هذه الدول إلى السودان، خصوصا في لعب الدعم القطري دوراً مهماً في إنقاذ الاقتصاد السوداني على فترات متفاوتة سابقة في مجال الاستثمار الزراعي والحيواني، ومع أنّ الصين تدخل أيضاً بشكل كبير في هذه القطاعات الإنتاجية، لتعويض جزء من مديونيتها على السودان واسترداده، إلّا أنّ دولاً عربية، في مقدمتها السعودية، دخلت بـ 11 مليار دولار. وتُعدُّ الاتفاقية الإطارية التي أبرمت في العام 2016 مع السعودية نموذجاً في هذا الصدد، إذ تعطي الرياض حق استغلال مليون فدان في منطقة نهر عطبرة وأعالي ستيت مدة 99 عاماً. ذلك غير مساهمتها مع الإمارات ضمن صناديق عربية في مشاريع إنشائية أخرى، مثل السدود على نهر النيل والأنهار المتفرعة منه. بالإضافة إلى تدفقات تحويلات المغتربين من هذه الدول، فعلى الرغم من عودة وافدين سودانيين كثيرين من السعودية إلى ديارهم، وتراجع هذه الحوالات، إلّا أنّ من تبقى منهم تلعب حوالاتهم دوراً في الإبقاء على الاقتصاد السوداني في غرفة الإنعاش. ولعب الدعم القطري أيضاً دوراً مهماً في إنقاذ الاقتصاد السوداني على فترات متفاوتة سابقة، حيث ظلت الحكومة تستنجدُ بقطر، إثر كل ارتفاع في قيمة الدولار، فتجود عليها بوديعةٍ تُسيِّر بها شؤون الاقتصاد.
أما التداعيات العسكرية، فإنّ السودان يشارك بقوات ضمن قوات التحالف في حرب اليمن، كما شارك في عملية عاصفة الحزم، ما أعاد له بعض البريق الإقليمي. وتحت سماء هذه البلدان، كما السودان، تمت مناورات جوية عديدة، وتم توقيع اتفاقيات عسكرية، فقد وقع السودان وقطر في  اذار من العام 2014  على اتفاق للتعاون العسكري الشامل . ( عبدالفتاح ، 2018)

الحصار على قطروتداعياته على مجلس التعاون .

المخاطر الاقتصادية .

لا تقتصر تداعيات الأزمة الخليجية على السياسة، بل إن شظاياها الكبيرة بدأت تصيب العجلة الاقتصادية. في هذا الإطار، يمكن القول: إن مجلس التعاون الخليجي قد مثَّل فرصة تاريخية للدول الأعضاء لتشكيل تكتل يُحسب له حساب على الصعيد العالمي، نظرًا لما يمثله هذا الكيان الإقليمي من ثقل اقتصادي نتيجة إمكاناته المالية الهائلة، ودوره المحوري في أسواق الطاقة العالمية. كما تحوَّلت منطقة التعاون الخليجي إلى فضاء اقتصادي ينعم بالرخاء والاستقرار، وملاذ آمن في منطقة تعج بالصراعات. لكن الأزمة الخليجية الحالية التي تترافق مع حروب إقليمية دموية، خصوصًا تلك المستعرة في اليمن وسوريا، قد أسهمت في الإضرار بسمعة منطقة الخليج بشكل كبير. وفي حال استمرار الأزمة لمدة طويلة، من المؤكد أن تتزايد المخاطر الاقتصادية على دول المنطقة.

ضرب المناخ الاستثماري : لقد عانت جميع دول مجلس التعاون الخليجي اقتصاديًّا منذ الهبوط الحاد في أسعار النفط في منتصف العام 2014. وقد دفع تراجع الإيرادات المالية بشكل حاد إلى إعادة النظر في العديد من السياسات الاقتصادية للتأقلم مع الأوضاع الجديدة. في ظل هذه الأوضاع، فإن طول أمد الأزمة الخليجية سيؤدي إلى إلحاق الضرر بالثقة في الأعمال التجارية وضرب فرص نمو الائتمان في المنطقة. وإذا ما رغبت دول المنطقة في اجتذاب أعمال جديدة، والمزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فإنها ستحتاج بالتأكيد إلى استعادة الاستقرار وتشكيل بيئة ملائمة للأعمال التجارية . (https://www.ft.com/content )

لكن على أرض الواقع، تضررت سمعة اقتصادات دول الخليج كملاذ آمن للمستثمرين، وتوالت عمليات تخفيض التصنيفات الائتمانية من قبل المؤسسات الدولية. ويلاحظ رجال الأعمال، الذين يعانون بالفعل من التباطؤ الإقليمي الناجم عن انخفاض أسعار النفط، أن الأزمة الخليجية تتسبب أيضًا في إشاعة أجواء عدم اليقين والارتباك وارتفاع في التكاليف .(  https://goo.gl/NauPGa)

  وفي ظل استمرار تراجع أسعار النفط العالمية، واستمرار تداعيات الأزمة الخليجية فإن علاوات المخاطر من المرجح أن ترتفع بشكل متفاوت حسب الأوضاع الاقتصادية لكل دولة على حدة. وعلى المدى الطويل، يمكن للأزمة الخليجية أن تُغذِّي المشاعر السلبية تجاه المنطقة بأسرها، بشكل يُبعد المستثمرين الأجانب، ويحد من زيادة مشاركة القطاع الخاص ( https://goo.gl/AuMBsW).

كما أن للأزمة الخليجية تأثيرات على تعطيل مفاوضات إقامة مناطق التجارة الحرة (المُتعثرة أصلًا) مع شركاء تجاريين رئيسيين مثل الاتحاد الأوروبي والصين وبريطانيا. ومن ناحية أخرى، فقد هزَّت الأزمة الحالية صورة منطقة الخليج كمركز أو حلقة ربط لشبكات الطيران العالمية بين الشرق الأوسط، وأوروبا، وآسيا.

تراجع التجارة البينية: من المتوقع أن تؤثِّر الأزمة الخليجية سلبًا على التجارة البينية بين الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، خصوصًا مع مساعي قطر (وربما دول خليجية أخرى) إلى تنويع تجارتها تعثر المشاريع المالية: من أهم المشاريع التي ستتأثر سلبًا بالأزمة الخليجية مشروع إصدار عملة خليجية موحدة، وهو مشروع تعثر في بدايته عام 2010 بعد انسحاب الإمارات احتجاجًا على اختيار الرياض مقرًّا للبنك المركزي الخليجي، في حين لم تنضم سلطنة عُمان منذ البداية. وبالرغم من تواتر الدعوات بين الفينة والأخرى إلى إجراء محادثات لإحياء هذا المشروع، إلا أنه لم يحرز أي تقدم حقيقي. ويبدو أن الأزمة الراهنة ستضيف مزيدًا من العراقيل أمام مساعي إطلاق عملة خليجية موحدة.

ومن المشاريع الأخرى التي ستتأثر سلبًا بالأزمة الخليجية، مشروع ضريبة القيمة المضافة على مستوى منطقة الخليج بداية العام المقبل؛ فمن الصعب التنبؤ في الأجواء السياسية الحالية بكيفية المضي قدمًا في تنفيذ هذه الخطوة. هذا بالإضافة إلى المشاريع المتعثرة أصلًا قبل الأزمة الخليجية مثل الاتحاد الجمركي، والسوق المشتركة التي بات تنفيذها ضربًا من ضروب الخيال.

 نهاية شبكة الغاز الموحدة: على الرغم من إنتاج قطر الوفير من الغاز الطبيعي الذي يمكنه تلبية الطلب المتزايد في دول مجلس التعاون الخليجي بكل سهولة، إلا أن صادراتها لدول المجلس تبقى محدودة، رغم أنها تلبي نحو ثلث احتياجات دولة الإمارات العربية عبر خط أنابيب “دولفين”. لقد فشلت في السابق خطط مد شبكات غاز موحدة على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي نتيجة الخلافات السياسية وقضايا التسعير (  https://goo.gl/RuXxuo).

ومن المرجح جدًّا أن تقضي الأزمة الخليجية على الآمال المتبقية بإنشاء شبكة الغاز الموحدة، لا بل إن التعاون عبر خط “دولفين” ربما يتعثر في حال تصاعدت الأزمة إلى مستويات خطيرة.

شكوك حول مشروع القطار الخليجي: كما ألقت الأزمة الخليجية بظلالها على مشروع القطار الخليجي الموحد، الذي تُقدَّر تكاليف تشييده بنحو 200 مليار دولار. ورغم أن توفير التمويل يظل القضية الرئيسية، إلا أن المشروع يحتاج إلى التوافق والشفافية فيما يتعلق بإجراءات الجمارك والهجرة والرسوم وقواعد البيانات (( https://goo.gl/u99aD7

حرب الموانئ: هناك خطر اقتصادي آخر يتمثل في احتداد التنافس من أجل التوسع في بناء الموانئ في دول الخليج، بشكل قد يؤثِّر على ربحيتها على المدى الطويل. في هذا السياق، تشير نشرة ميد الاقتصادية إلى أن هناك مشاريع تتعلق بهذا القطاع تقدر بمليارات الدولارات في دول مجلس التعاون الخليجي. وهي تشمل بناء ميناء مبارك الكبير في الكويت، ومحطة رابعة في ميناء جبل علي في دبي. بالإضافة إلى ذلك، تشهد الموانئ في الإمارات الشمالية لدولة الإمارات توسعًا كبيرًا، كما أعطت قطر الضوء الأخضر من أجل تنفيذ المرحلة الثانية من ميناء حمد .

وبصرف النظر عن المُنافسة بين دول مجلس التعاون الخليجي، من المتوقع أن تواجه بعض الموانئ الخليجية تحديات جديدة من الموانئ في باكستان وإيران وجيبوتي، بالإضافة إلى المشاريع الصينية المُمتدة على طريق الحرير بشقيه البحري، والبري ،ومن الآثار المحتملة لأزمة الخليج أنها ستزيد من تصميم دول مثل قطر والكويت، وحتى سلطنة عُمان على التسريع في تنفيذ مشاريعها المطروحة، وهو ما سيؤدي في النهاية إلى إضعاف عملية التكامل الخليجي في هذا المجال.  ( التميمي ، 2017)

 المحور الرابع : الاستنتاجات والتوصيات  .

اولاً  :الاستنتاجات  .

  • تنظر أبوظبي والرياض والمنامة والقاهرة إلى إجراءاتها نظرة أحادية، بحسب مراقبين، في محاولاتها للتأثير على مكانة قطر محلياً وإقليمياً ودولياً، وأغلقت الحدود البرية والبحرية والجوية أمام المنتجات التي تصدِّرها تلك الدول إلى الدوحة .
  • اعتمدت قطر على بدائل كثيرة مكَّنتها من استيراد المُنتجات الغذائية والتنموية لمشاريع البُنية التحتية والسيطرة على كافة الميايدن والمجالات التي تتعلق بتوفير كافة المستلزمات والادوات التي تعتبر اساس الحياة بالنسبة للقطريين والمقيمين .
  • يبلغ حجم الاستثمارات المُشتركة بين قطر والإمارات قبل الأزمة نحو 16 مليار درهم إماراتي وبعدد 1080 شركة إماراتية عاملة في السوق القطرية، مقابل نحو 4200 شركة قطرية تعمل في السوق الإماراتية.
  • تلاشت الشركات الامارتية العاملة في السوق القطرية وساتثماراتها مما انعكس سلباً على الاستثمار الاماراتي  والمستثمرين الامارتين .
  • كانت أبوظبي والرياض تسهمان بنحو 82% من التبادل التجاري بين قطر والدول الخليجية كما أن نحو 69% من التبادل التجاري بين قطر والدول العربية من الدولتين نفسيهما في حين تلاشت بعد الحصار القطر مما شكل خسائر كبيرة للجانبين جراء الحصار.
  • تبلغ نسبة التبادل التجاري بين قطر والكويت نحو 7%، ثم 5% لكل من البحرين وعُمان، في وقت بلغت فيه قمية التبادل التجاري بين الدوحة ودول العالم في 2016 نحو 324 مليار ريال قطري، 14% منه من الدول العربية، و12% منه من دول الخليج. في حين بلغت قيمة وارداتها من دول العالم في 2016 نحو 116 مليار ريال قطري، 18% منها من الدول العربية و16% منها من دول الخليج. وهذا الاراقام تراجعت وتلاشت وسببت خسائر كبيرة للشركات والمصانع في بلد الحصار .
  • تُعتبر أهم واردات قطر من دول الخليج البضائع المصنَّعة للمستهلك النهائي، والتي تشكل 27% من إجمالي واردات قطر من دول الخليج، تليها “الأغذية والحيوانات الحية”، وتمثل قيمة وارداتها نحو 16% من الإجمالي، وكانت تستورد ما نسبته 15% من المواد الغذائية من السعودية، و11% من الإمارات، وهو ما أفقد الدولتين أبرز سوق خليجي لهما وسبب لهما خسائر فادحة جراء هذا الحصار.
  • إن صادرات قطر إلى الدول الخليجية تجاوزت 19 مليار ريال عام 2016، ما يُمثل 9% من مجمل صادراتها. وتستحوذ السعودية والإمارات على 65% من صادرات قطر إلى الدول العربية حيث افقدها الحصار هذا التعامل وهذه الصادرات .
  • تُشكِّل الصادرات مصدر إيرادات مهماً للشركات في الدول المقاطعة، وكذا آلية لتسويق الإنتاج الغذائي والزراعي، الأمر الذي دعا قطر للتوجه نحو أسواق بديلة، وافتتاح خطوط ملاحة بحرية وجوية جديدة وطائرات شحن مُحمَّلة بالأغذية والفواكه والخضر، يومياً، من تركيا والكويت وأستراليا إلى قطر.

 

المصادر والمراجع  :

الدراسات والابحاث :

عبدالحافظ الصاوي ، (2017) ،  حصار قطر، الخسائر الاقتصادية لأطراف الأزمة ، المعهد  المصري للدراسات .

المقداد ، خليل ، (2017)  ، الأسباب السبعة لأزمة الخليج والتصعيد ضد قطر .

سلمي ، جلال ، (2017 ) ، كيف يُمكن أن نقرأ الأزمة الخليجية بعين قانونية.

 المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات ، (2017) ،أزمة العلاقات الخليجية- القطرية: في أسباب الحملة ودوافعها .

الصحف والدوريات :

عبدالفتاح ، منى ، (2018)  ، في تداعيات الأزمة الخليجية على السودان ، مجلة العربي الجديد  الاحد 10-2  .

 صحيفة السبيل الاردنيه  ، ( 2017) ، تداعيات الأزمة الخليجية على القضية الفلسطينية ، الاثنين  31 ، صحيفة يومية سياسية ، عمان الاردن .

المواقع الالكترونية :

قطر صمدت والخسائر الاقتصادية لدول الحصار كبيرة

http://www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2017/12/

تداعيات الأزمة الخليجية على الأردن

https://alghad.com/articles/1666472

https://www.ft.com/content/0719486e-6bbb-11e7-bfeb-33fe0c5b7eaa

 “Doha’s Diplomatic Dispute – The Financial Impact”, MEES, 23 June 2017. 

 https://goo.gl/NauPGa

“Gulf Spat Risks Weakening Riyadh’s Regional Influence”, op, cit.

 https://goo.gl/RuXxuo

  Fattouh, Bassam and Farren-Price, Bill, “Feud between Brothers

 the GCC rift and implications for oil and gas markets”, Oxford Institute for Energy Studies, June 2017.

الأزمة الخليجية وتداعياتها على مُستقبل مجلس التعاون الخليجي

http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2017/08/170814110646601.html

النتائج الاجتماعية واللاإنسانية للحصار ضد قطر

https://www.al-sharq.com/opinion/19/06/2017

فاروق، عبد الخالق، مُستقبل ألزمة القطرية – الخليجية

http://www.elyomnew.com/articles/70425

تركيا والخيارات المكلّفة في ألازمة الخليجية

umxYV3/gl.goo://https 2

موقف الاردن من الازمة الخليجية

https://goo.gl/pZGE38

عمان تُراقب الازمة الخليجية وتتقارب مع قطر

http://www.raialyoum.com/?p=682324

الأزمة الخليجية: إجماع دولي على الحل السلمي  ، وتضارب المواقف الامريكية

https://goo.gl/RgTNS8

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14402

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *