من كتاب دراســـــــات فـي الفكر الاستراتيجي والسياسي للكاتب موسى الزعبي

جاء في كتاب روبر ريش Robert Reich “الاقتصاد المعولم” ما يلي: “نشرع اليوم بالعيش في تحولات ستعيد تركيب الناس والاقتصاد في القرن الواحد والعشرين. وسوف لن يكون بعد الآن منتجات وتكنولوجيات وطنية، ولا شركات وطنية، ولا صناعات وطنية. كما سوف لن يكون هنالك اقتصاد وطني حسب المفهوم الذي نتمسك به اليوم، على أقل تقدير. وسيبقى العنصر المُتجذِّر الوحيد داخل حدود البلاد: الأشخاص الذين يشكلون الشعوب، وستصبح الكفاءات وأصحاب البصر النافذ لدى مواطنيها، هم النشيطون الرئيسون لكل شعب”.

فهل أصبح الاقتصاد في طريقه إلى تغيير العالم، والعمل على إزالة مفهوم الدولة/الأمة؟. مع ذلك، لا يتماثل المسرح الاقتصادي العالمي مطلقاً مع هذا العالم المتنافس الصريح، حيث يعمل فيه الاقتصاديون كمرجع لإثبات شرعية نظرياتهم، وإن التصدع العميق بين ثروات “الشمال” الأكثر ازدياداً فأكثر، وجماهير “الجنوب” ذوي الناس الأكثر فأكثر، يثير هذا التصدع تحدياً حقيقياً أمام أجيال المستقبل.

آ-نطاق متعدد الجوانب

أصبحت المملكة المتحدة حتى الحرب العالمية الأولى، قطب السوق الدولية الأول، بعد إلغاء القوانين المتعلقة بالحنطة (corn laws) عام (1846) ووسمت ذلك التحول في حرية التبادل، وعرفت التجارة الدولية حينئذٍ ارتفاعاً حقيقياً، إذ تضاعف حجمها مرات خلال الفترة (1860-1913). ثم اخْتلَّت تلك السوق بين الحربين العالميتين من واقع عدم الاستقرار النقدي، ومن واقع الحمائية المتزايدة، والكساد الكبير الذي أدى إلى انكفاء الأمم على نفسها، وحماية أسواقها.

وتُطْرح مسألة التنظيم الاقتصادي من جديد، في نهاية الحرب العالمية الثانية. حيث جرى عقد مؤتمر في بريتون وودز Bretton Woods، المدينة الصغيرة في الولايات المتحدة الأمريكية في تموز عام (1948) ضمَّ (44) بلداً- منها الاتحاد السوفياتي السابق- الحليف ضد ألمانيا النازية واليابان. وتقرر تلك البلدان، إنشاء نطاق متعدد الجوانب، سيسمح ببلوغ أهداف ميثاق منظمة حلف شمالي الأطلسي، وميثاق الأمم المتحدة، بحجة المحافظة على السلام، وانطلاقاً من الفرضية القائلة: إن الكساد الكبير عام (1929) هو أصل الحرب العالمية الثانية، وأرادت الولايات المتحدة، من خلال ذلك المؤتمر، إبدال التسويات الطوعية للاقتصاد الحر، بتعاون دولي أكثر طوعية، حيث خرجت واشنطن من حقبة أصبح التقليد الليبرالي مهماً فيها بشكل شديد، نتيجة تدخل الدولة (حسب مفهوم التوزيع الجديد (New Deal).

وتوجب أن تكون المؤسسات المتوقعة، ثلاثة أعداد: بنك دولي لتسهيل إعادة إعمار أوربا والتنمية فيها، ثم خدمة نقد دولي لضمان استقرار تبديل العملات. وأخيراً منظمة دولية للتجارة، تسمح بتنمية أو تطوير التبادلات. وإذا كان ذلك النظام لم يعرف النجاح الذي وعد به مُنْشِئوه، فإنه مع ذلك شجَّع على تنمية الاقتصاد العالمي.

1-تقدمت قواعد التبادل الحر منذ عام 1945

ƒ وأصبحت الاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة (الغات G.A.TT) مخلدة على شكل منظمة دولية للتجارة: واجه المشاركون في مؤتمر بريتون وودز، إنشاء منظمة دولية للتجارة بهدف تأطير التبادل الحر عن طريق المراقبة البنيوية، وبالاستخدام الكامل للاستثمارات الأجنبية، حسب قانون المنافسة، ومن أجل الاستقرار في أسعار المواد الأولية، وذلك استناداً إلى اقتراح من كينس (Keynes) والمتطرفين (Maximalistes) من إدارة الرئيس الأمريكي روزفلت، جرت المفاوضات في نطاق المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة خلال الفترة (1946-1948)، ثم تم التوقيع على اتفاق تحرير المبادلات في تشرين الأول عام (1947) على نحو “مؤقت”، سرى مفعوله منذ الأول من كانون الثاني عام (1948): وكان ذلك ما سمي بـ”الاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة- General Agrement on Tariffs and Trade”. ولم يتم التصديق على ميثاق هافانا، الذي تم بموجبه إنشاء منظمة دولية للتجارة بالمقابل عام 1948، من قبل الولايات المتحدة التي خشيت تآكلاً في سيادتها، حسب ادعائها، وجرى دفنه بسرعة.

ومع أن (الغات) لم تكن سوى اتفاق دولي بسيط، لكنها أصبحت مزودة  بأمانة عامة، وأصبح لها مقر في جنيف، احتشد فيه (400) شخص مع الزمن، تحت قيادة وتوجيه أمين عام تنفيذي، الذي أصبح تحت اسم (المدير العام) منذ عام (1960): ولما كان نظام (الغات) محدداً كـ”تحريري مؤسساتي” فإنه يترك حرية الأسعار وتحرير المبادلات، دون تأطير العمليات المالية الدولية، وأُنشئت آلية مؤسساتية من أجل ضبط المنافسة الدولية- بدائية بالتأكيد- وشكل ذلك فرقاً رئيساً بالنسبة إلى نظام الاتفاقيات ثنائية الجانب للتبادل الحر في القرن التاسع عشر.

ƒ حددت (الغات) قواعد التبادل الحر دون فرضها، وساهمت في سرعة التصرف التجاري الذي حدد بثلاثة مبادئ:

— مبدأ عدم التمييز: يتضمن بنداً بشأن الشعب ذو الأفضلية الأكثر، يجبر كل طرف من المتعاقدين على التوسع نحو جميع الأطراف الأخرى في الاتفاق، آلياً، مع تسهيلات تتعلق بالتعرفة، أو غير المتعلقة بها، والتي جرت الموافقة عليها لطرف ما من بينهم. كذلك حدود القيود المقرر غرضها، والمتوافقة مع قواعد (الغات)، وهذه القواعد هي التي أسست طبيعة تعدد جوانب (الغات)، مع قطيعة مع الاتفاقيات التجارية الليبرالية (بين بلدين)، والتي كانت متواترة قبل عام (1945). وتمنح قاعدة التعامل الوطني بفضل المبدأ نفسه، للطرف الموقع، تطبق مبدأ المعاملة الأقل ملاءمة من تلك المطبقة على إنتاجها الخاص، على منتجات مشابهة قادته من أطراف أخرى.

ويجبر مبدأ المبادلة: كل دولة تستفيد من نقض التعرفة، أو غير التعرفة تطبيق المبدأ نفسه بدورها. ويجب عدم الخلط في هذا المبدأ مع التساوي في التعرفات التي يمكن أن تتسبب بالارتفاع.

— أخيراً مبدأ الشفافية: يجبر الدول أن تُحِلَّ محل إجراءات الحماية غير المتعلقة بالتعرفة “كوتا، سعر الحد الأدنى… الخ” بتعرفات قليلة للتبادل بشكل أكثر سهولة.

— تتضمن كل من هذه المبادئ استثناءات: يمكن استبعاد مبدأ عدم التمييز لأسباب تتعلق بالأمن القومي، أو من أجل إنشاء منطقة تبادل حر، أو اتحاد جمركي، ويجب أن لا يمنع مبدأ المعاملة بالمثل بلداً نامياً من الشروط الملائمة للتصدير أو من أن يمنح نفسه حمايات تعرفية، أو غير تعرفية خاصة، وقد تمت ترجمة هذا الحق الخاص بالبلدان النامية اعتباراً من عام (1964)، عن طريق انضمام طرف رابع إلى منظمة (الغات) مستثنى من البلدان النامية من الالتزام بالمعاملة بالمثل عن طريق “تبني نظام أفضليات مصمم”، مؤقتاً حتى عام (1971) ونهائياً حتى عام (1979)، وجرى ذلك التعديل في مؤتمر طوكيو راوند. مع ذلك، بقيت كل دولة من الدول المتطورة، سيدة في توسيع أفضلياتها التي تمنحها لائحة البلدان التي ينتظر أن تستفيد منها.

ولم يمنع مبدأ الشفافية اتخاذ إجراءات تتعلق بتحديد الكمية للبلدان التي تواجه صعوبات في ميزان مدفوعاتها، من المحافظة على النظام، وعلى الصحة العامة وعلى المصادر الطبيعية، خصوصاً البلدان النامية، ولأسباب تؤثر عليها.

أخيراً، سمحت (الغات) بإجراءات حماية وحيدة الجانب في حال المنافسة (المخادعة) “إغراق الأسواق بالبضائع أو تلقي مساعدات مالية للتصدير1، أم في حالة “الاستعجال” كشرط للحماية من أجل تنمية طارئة ناشئة عنها ضرر كبير بالنسبة للصناعة الوطنية، أو في حال نقض التصويت بأغلبية الثلثين من قبل الأعضاء في (الغات) في حال “ظروف استثنائية”. ولا يمكن أن تصبح الإجراءات الثأرية متخذة، إلا بعد تسمية “جماعة تحقيق” من خبراء يكلفون بتحديد فيما إذا كان هناك خرق للاتفاقيات التجارية والقرارت أم لا. وليس لقرارات جماعة التحقيق أي تأثير إجباري.

لقد خلقت (الغات) دينامية نتيجة تحرير المبادلات، وذلك بتنظيم دورات للمفاوضات التجارية متعددة الجوانب: لقد جرت المفاوضات التجارية متعددة الجوانب الأولى في ظروف إعادة البناء “في جنيف عام
(1947)، ثم أنيسي Annecy عام (1949)، ثم تركاي Torquay2 عام
(1951)، ثم جنيف من جديد في الفترة (1955-1956)”. وتوصلت إلى إجراء خفض انتقائي على التعرفات، خصوصاً في حصة الولايات المتحدة على بعض المنتجات، على نحو قوي.

ثم جرى خفض هام وشامل على التعرفات على مجمل المنتجات، وليس فقط على بعض منها، نتيجة تسارع المبادلات في الستينات (1960)، على أثر ديلون راوند (Dillon Round) (1960-1961) ثم كندي راوند (1964-1967)، وبالإجمال، فقد خُفِّضت التعرفة الجمركية من 40% إلى 7% في عام
(1967)، كما جرى تبني قانوني حول الإجراءات المضادة للإغراق
(Antidumping)، وعلى الضوابط من أجل الكفاح ضد الروح الحمائية بواسطة الضوابط والمعايير.

ثم أججت الأزمة الدولية، انطلاقاً من مطلع السبعينات (1970)، التوترات التجارية، وتفاقمت نتيجة عدم الاستقرار في المبادلات، وتوصلت طوكيو راوند (1973-1979) مع ذلك إلى خفض السعر المتوسط على المنتجات المصنعة بمقدار (4.7%)، وامتصت العديد من “عوامل هدم التعرفة Picstarifaires” “أي الأسعار المرتفعة جداً في بعض المنتجات”، وثبتت في الوقت نفسه، إجراءات جديدة مضادة للإغراق، لكنها أخفقت فيما يتعلق بإلغاء التقييدات الكمية.

وبدأت دورة جديدة في تشرين أول (1988) في بونتادل إشي Punta del Este، في الأوروغواي، ومنها اسمها أوروغواي راوند، أتاحت الفرصة لمفاوضات حية، لم تنته إلا في كانون الأول (1993). وأصبح حقل المفاوضات مفتوحاً أمام الخدمات والزراعة هذه المرة. وانتهت المفاوضات بشأن الخدمات إلى “اتفاق عام حول تجارة الخدمات- (GATS) Accord General Sur le Commerce de Services، ثم أجّلَت المفاوضات الشائكة بشأن السمعيات البصريات والخدمات المالية والنقل إلى جولات أخرى، وتضمنت الـ(GATS) اتفاقاً عاماً في مجال الملكية الثقافية (TRIPS) “Trade Related Intellectual Property Rights”، يحمي في المستقبل والدفعات”حتى إذا لم يعترف بأسماء المصادر” والشهادات لمدة عشرين عاماً”.

في الوقت نفسه، تابعت جولة أوروغواي خفض الرسوم الجمركية، معيدة النسب المتوسطة للرسوم على المنتجات الصناعية إلى 3% كما لم يعد هناك رسوم كلياً على بعض المنتجات “البيرة، المشروبات الكحولية، مواد البناء، المواد الطبية، المنتجات الصيدلانية، الأثاث المنزلي، الحديد، المعدات الزراعية”، في حين حافظت بعض المواد على رسوم تصل إلى (10%) كحد أقصى “ذاكرات معلوماتية، السيارات، الألمنيوم، المنتجات الكهربائية”. وتوجب أن تصبح اتفاقيات التقييدات غير الجمركية “على المنسوجات والسيارات بشكل خاص” ملغاة، خلال عشر سنوات، حتى إذا كانت إجراءات الحماية ستبقى ممكنة. وجرى تحديد قانون الإعانات المالية الخاصة بالصادرات بشدة.

وحددت (الغات) قليلاً من القواعد، بصدد المواد الزراعية، إذ سمحت بتقييدات كمية “بشرط إقامة مراقبة على الفوائض المُشَوِّشَه بالنسبة للسوق العالمي”. كذلك الإعانات على الصادرات “منذ أن لا تسمح بربح أكثر من حصة معادلة للتجارة الدولية”، وأصبح بإمكان الولايات المتحدة الأمريكية فرض نظام الحصص “الكوتا” على بعض وارداتها، مثل “السكر، لحوم البقر، الحليب، القطن، الفول السوداني”. وتَمَّ قبول السياسة الزراعية المشتركة للأوربيين “حسومات على الواردات، استعادة على الصادرات” في الوقت نفسه، مقابل حرية دخول الزيوت والمنتجات البديلة عن الحبوب، ولم تمنع هذه الحمائية
(Protectionnisme)، لا التحديث في قطاع الزراعة، ولا التنمية السريعة في التبادلات، في المرحلة الأولى. ووجه لها الاتهام اعتباراً من الثمانينات (1980) بسبب الفائض المتزايد وعدم التوازن في الأسواق الزراعية.

وأنجزت التسوية في الأوروغواي راوند مباشرة بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي- بعد مفاوضات صعبة، وقد مثلت معاً 40% من الصادرات الزراعية- الغذائية العالمية. ويُتوقَّع خفض 20% على الدعم المقدم للزراعة، وخفض 36% من حجم الإعانات المالية، والمحافظة على المساعدات المباشرة “الاتحاد الأوربي عن طريق إعفاء متعلق بالسياسة الزراعية المشتركة (PAC) لعام (1992)، وإعادة التوجه في دعمها للصادرات وذلك بنظام مساعدات مباشرة”، على أنه يجب أن لا يتجاوز الحجم الكلي للمساعدات، مستوى الفترة
(1992-1993) حتى عام (2003)، وتمت المحافظة على الإجراءات المتعلقة بالواردات.

وقبل الاتحاد الأوربي وضع سقف للمساحات المخصصة لزراعة نباتات الزينة. وقد طور إنتاجه في الواقع، وذلك بخرق التسوية التي تمت في ديلون راوند3، بعد الحظر المقرر من قبل الولايات المتحدة عام 1973 على صادرات الصويا، الذي جرت إدانته من قبل (الغات).

ƒ أنهت المنظمة الدولية للتجارة، النظام الدولي للتبادل الحر: أنشئت المنظمة الدولية للتجارة (Organisation Mondiale du commerce) (OMC) طبقاً لاتفاقيات أورواغواي راوند، بناء على اتفاق مراكش بتاريخ 15 نيسان 1994. وولدت في الأول من كانون الثاني (1995)، و”استولت” على الأمانة العامة التابعة “للغات” في جنيف، وكُلِّفت بتسهيل استخدام وسير عمل جميع الوسائط الفضائية، وجميع الاتفاقيات الخاصة بالتبادل الحر: الاتفاقية العامة للتعرفة والتجارة (الغات)، والاتفاق العام المتعلق بتجارة الخدمات (GATS) والاتفاقية العامة في مجال الملكية الثقافية (TARIPS)، والاتفاقيات متعددة الجوانب، التي لا ترتبط إلا بعدد محدود من الأعضاء “الاتفاقيات حول تجارة المناطيد المدنية الموجهة، الأسواق العمومية، منتجات الحليب ولحوم البقر”. وأصبحت أصالة المنظمة الدولية، وإنشاء آلية لتسوية الخلافات إجبارية، لأن الدول التزمت أن لا تتخذ إجراءات ثأرية تجاه شريك يعتبر مخادعاً.

2- تـنشر المؤسسات المالية الدولية، التحريرية في البلدان المتطورة على الرغم من فشل النظام النقدي الدولي:

ƒ لقد تفجر النظام النقدي الدولي.

وتتجابه فرضيتان مع بروتون وودز: اعتُبرت الطريقة لضمان استقرار المبادلات، بأنها العامل لتقدم المبادلات التجارية. إنها طريقة كينس فقد تبنى عالم الاقتصاد الانجليزي، آلية للتعويض عن العجز في موازين المدفوعات، التي لم تنقصها عقبة لِتُطِلَّ برأسها، نتيجة لتحققها في بلدان بسبب الحرب العالمية الثانية، وجرى تمويل هذا التعويض من قبل الدول التي كانت تمتلك فائضاً، بشكل لتسمح للاقتصاديات التي أُضعفت من أن تنهض، ويمثل الأمريكي وايت (White) أمة قوية اقتصادياً، نفضل ترك السوق للقيام باللعبة، حسب قواعد السوق التي تجبر الدول العاجزة أن تتبع سياسة تقييد تستهدف تقويم حساباتها.

صندوق النقد الدولي قائم بشكل كبير حسب الفرضيات الأمريكية، وتكون العملات محددة بالنسبة للذهب- إذن بالنسبة للدولار- وتتغير بالنسبة للذهب طبقاً لقيمة ثابتة- ضمن هامش من التقلب محدد بـ(1%) في حال عدم التوازن المؤقت في ميزان المدفوعات بالنسبة لدولة ما- والتي يجب أن تدفع حصة محددة منذ البدء، تساوي وزنها في الاقتصاد الدولي- ويمكن اللجوء إلى “حق السحب”، باقتراض يصل إلى 125% من العملات القوية من حصتها، من أجل دعم عملتها الخاصة، والتعديل في التكافؤ يمكن في حال فقدان التوازن (الأساس)، لكن يخضع كل تخفيض يزيد عن 10% إلى إذْن.

ويجب أن يسمح النظام بتطوير التجارة وتنميتها: إذ يمكن لبلد ما، بحاجة إلى نقد أجنبي لتمويل وارداته، الحصول عليه، وذلك بالاقتراض من صندوق النقد الدولي، لكنه يجب عليه اتخاذ إجراءات تسمح له بإصلاح وضعه- ويوافق على حق السحب من قبل صندوق النقد الدولي مقابل تبني سياسة تستهدف توازن الحسابات الجارية “تقشف في الميزانية”.

ولقد دخل صندوق النقد الدولي في العمل منذ عام (1946)، وأصبح يشتمل على (181) عضواً في مطلع عام (1996)، ويدار صندوق النقد الدولي من قبل مجلس حكام، يجتمعون مرة كل عام، ويضم جميع الدول. ومن قبل مجلس إدارة مكون من (24) عضواً، منهم سبعة أعضاء دائمين: “الولايات المتحدة، اليابان، ألمانيا، فرنسا، المملكة المتحدة، روسيا، سويسرا”، وتصوت الدول طبقاً لحصتها، ويجب أن تؤخذ معظم القرارات بالأغلبية المؤهلة “85% من أجل تعديل النظام الأساسي أو القوانين وزيادة الحصص” والحصص الأكثر أهمية، هي تلك الخاصة بالولايات المتحدة “18.2% وهذا يمنحها حق النقض على القرارات الأكثر أهمية”، وكذلك اليابان وألمانيا (5.7% لكل منها”، ثم فرنسا والملكة المتحدة “5.1% لكل منها”.

والنظام النقدي الدولي قائم على الذهب، ولم يعمل به مطلقاً كلياً حتى عام (1958)، وكان الدولار وحده القابل للتبديل (Convertible). ثم جرى تحقيق قابلية التبديل للعملات الأوربية منذ عام (1958)، أما الين الياباني، فمنذ عام
(1964). ولقد أحْدَث العجز في ميزان مدفوعات الولايات المتحدة منذ عام
(1951)، زيادة في الدولارات، وخلق هذا مضاربة في الحصص، مقابل هذه العملة، ثم دُعِم بصورة مصطنعة من قبل الدول الغربية “بإنشاء تجمع الذهب
(Pool) عالمياً عام (1960). ثم تمَّ الإعلان أن العملة الأمريكية أصبحت غير قابلة للتحويل في آب (1971) ثم تعرضت الولايات المتحدة في كانون أول من العام نفسه، من ثم في شباط (1973) إلى خفض قيمة عملتها، ودخلت اتفاقيات جامايكا الموقَّعة في كانون الثاني (1976) في التطبيق في نيسان (1978)، أعيد بموجبها الحرية النقدية للدول.

وجرى تأسيس حقوق السحب الخاصة (DTS) Droits de Tirage Spéciau في عام (1969)، حيث أصبحت القيمة محددة بالنسبة للدولار بموجبها، من ثم كسلَّة نقود، هي في الأول وحدة حساب “كل واحد من حق السحب يساوي (1.4) دولار في عام (1997): لكن تلك هي العملة الدولية: وأصدر صندوق النقد الدولي، عدة تخصيصات لحقوق السحب الخاصة، دون عوض من العملات الوطنية. وحقوق السحب الخاصة الممنوحة هي المخزون من الاحتياطات الرسمية، ويمكن لهذه أن يجري تبديلها، مع ذلك، مقابل العملات القوية لدى صندوق النقد الدولي، وفي هذه الحال، أصبح هناك تكوين عملة، والحسنة بأن هذا النظام لا يُشجِّع التضخم النقدي، وأدى بالدول إلى تحديد حصص لحقوق السحب الخاصة “وقد تم خلق (21) مليار حق سحب خاص”.

قرعت نهاية النظام النقدي الدولي أجراس استقرار المبادلات:

أصبح هذا الوضع مكسباً، بالنسبة لبعض الاقتصاديين الليبراليين، فإن نسب الصرف، عامل توازن في موازين المدفوعات، إنها ثمن توازن سوق المبادلات مثل الأجرة، يجب أن تكون ثمن التوازن في سوق العمل، وثمن بضاعة في السوق حيث يجري تبادلها. والحقيقة أن الأمر أكثر تعقيداً: فالتبدلات على نسب المبادلات عنيفة جداً أحياناً، وتتسبب في إرباك حسابات الشركات الاقتصادية، حتى إذا عرضت الأسواق أوراقاً مالية من أجل حمايتها.

وحاولت البلدان المصنعة “مجموعة الـ[7]” دون نجاح مستمر في تحسين عملياتها، “اتفاقية بلازا (Blazza) عام )1985)، واللوفر عام (1987)، للكفاح ضد عدم الاستقرار هذا، في الحقيقة، تستخدم نسب التبادل كأداة سياسية واقتصادية وتجارية، خصوصاً من قبل الولايات المتحدة واليابان.

ƒ أعيد صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للوضع الذي يسمح بتقديم المساعدات للتنمية: أصبح صندوق النقد الدولي أداة سياسية لمساعدة البلدان النامية. ولم يعد يقدم خدمة لمساعدة البلدان هي في عجز أمام المحافظة على سعر عملاتها الخاصة، بل منح “تسهيلات” للبلدان التي تواجه صعوبات: فإذا كانت الشريحات الأولى للقروض غير مشروطة، وتتطلب الشرائح الأعلى إبرام اتفاق “إثبات” أو”إيفاء بالوعد” بواسطته تلتزم البلدان المستفيدة باتباع سياسة استقرار. فصندوق النقد الدولي قد خلق آلية ملائمة ومشروطة بشروط أشد فأشد: آلية توسعت في الاعتمادات عام (1974)، وتسهيلات في الأحكام أو التسويات البنيوية (1986)، وتسهيلات بنيوية مفرزة عام (1987)، وتسهيلات للتحول التدريجي موجه للبلدان في أوربا الشرقية (1993). ويجب على الدولة أن تلتزم برسالة إقرار من وزير المالية، حول سياستها النقدية والميزانية والأجور، ونسب الربح، ونسب التبادل، وإدارة الدين العام، والاتصالات والمعلومات… الخ.

ولم يتوقف دور صندوق النقد الدولي عن أن يتعزز: إذ جرى عقد (13) اتفاق مشروط في عام (1975) و(20) عقد في عام (1979) و(42) عقد في عام (1990). ويميل صندوق النقد الدولي إلى اتباع سياسة مُواكبة أو مُلازمة على المدى المتوسط “ثلاث سنوات حتى عشر سنوات، لتسهيل التسويات البنيوية المعزَّزة” بدلاً من التسبب في مساعدات منتظمة، كما تتطلب نزعته الأساسية. لهذا، فقد أصبح (الدّرَكي الاقتصادي) بالنسبة للبلدان النامية، وعلى الرغم من لاشعبيته القوية، نتيجة الآثار الاجتماعية غير الحسنة، بسبب شروطه، فإنه مفتاح القنطرة بالنسبة للمؤسسات المالية الدولية، فهو الذي يسمح بإعادة جدولة الديون: تخضع المؤسسات الأخرى الخاصة في تدخلها، إلى تلك التي تخص صندوق النقد الدولي- ولقد وافق صندوق النقد الدولي على (15) مليار حق سحب خاصة حسب الالتزامات في السنوات (1994-1995).

— البنك الدولي: وجب عليه في البدء، تعبئة رؤوس أموال على المدى الطويل من أجل إعادة البناء في البلدان المدمرة نتيجة الحرب العالمية الثانية. وكانت هذه المهمة، مكلفة بها الولايات المتحدة مباشرة في الواقع، حسب خُطَّةِ مارشال عام (1947)، وأعيد توجيه البنك عندئذ، نحو مساعدة التنمية. فمنح قروضها على المدى الطويل للبلدان ذات الدخل الضعيف بالنسبة للفرد من أجل تحويل مشاريع قطاعية.

ومع الزمن، أصبح يهتم أكثر فأكثر، بالبيئة الاقتصادية الجمعية – MACRO ECONOMIQUE للمشاريع، حيث يعتمد على سلوكيتها. ولقد حدد عام (1980) قرضاً بتسوية بنيوية لتمويل البرامج الإصلاحية الجمعية، التي تكمل غالباً بقروض تسوية قطاعية. ويفرض عندئذٍ (شروطاً عامة) على البلدان ذات العلاقة، ويلعب أيضاً دور الوسيط أو الحافز بالنسبة لمساعدة المنظمات المتخصصة الأخرى: “مثل منظمة الصحة العالمية (OMS ومنظمة التغذية والزراعة و(FAO) والمؤسسات المالية العامة أو الخاصة).

ويتقارب البنك الدولي أيضاً في مجال التدخلات من قبل صندوق النقد الدولي، في حين يقتصر أفقه الزمني بين “ثمانية عشر شهراً وثلاث سنوات”. وجرى رفع الالتزامات الجديدة لمجموعة البنك الدولي، بالنسبة للعام (1994) وعام (1995) إلى (45.5) مليار دولار.

تضم مجموعة البنك الدولي خمسة كيانات في الواقع: البنك الدولي لإعادة البناء والتنمية (BIRD)، وقد أُنشئ عام (1947)، ويدار مثله، مثل صندوق النقد الدولي، من قبل مجلس حكام، الذي يستقر فيه، ممثلو جميع الدول الأعضاء، ومن قبل مجلس إدارة شكل من (24) عضواً ولا يمكن لدولة ما أن تصبح عضواً في البنك الدولي، إلا إذا كانت عضواً في صندوق النقد الدولي، ولكل دولة حق التصويت جزئياً، طبقاً (للحصص) التي تمتلكها، بعبارة أخرى، الحُصَّة من رأس مال البنك التي سجلت لها جزئياً فيها، حسب أهميتها الاقتصادية. والحصص قابلة للمقابلة إلى ما يشبه ما لدى صندوق النقد الدولي: (17.5%) للولايات المتحدة و(7.9%) لليابان و(6.1%) لألمانيا، و(5.9%) لكل من فرنسا والمملكة المتحدة.والبنك الدولي لإعادة البناء والتنمية (BIRD) مثله مثل صندوق النقد الدولي، مقره في واشنطن، ويرأسه رئيس أمريكي تقليدياً ويسهم البنك الدولي لإعادة البناء والتنمية بـ (16.8) مليار دولار، قروضاً جديدة في الفترة (1994-1995) .

أنشأ البنك فرعان: الشركة المالية الدولية: ساهمت في عام (1956) في مشروعات أنشئت بمساهمة منها، وساهمت بحوالي (13) مليار دولار كمساعدات في أكثر من (400) مشروع خلال الفترة (1994-1995) ثم الشركة المالية للتنمية (A-I-D) التي أُنشئت عام (1960) وتحول بمساهمات طوعية من قبل الدول- لكن دون التمتع بالشخصية القانونية، وتمنح “اعتمادات” دون فوائد- “في حين يصل البنك الدولي لإعادة البناء والتنمية (BIRD) على فوائد حسب نسب السوق) تسدد ضمن شروط مربحة لتمويل مشاريع ليست مربحة في البلدان الأشد فقراً. ولقد دفعت (5.7) مليار دولار، في الفترة
(1994-1995) وتعتبر الولايات المتحدة المساهم الرئيس في صندوق الشركة المالية للتنمية، إلا أنها قررت خفض مساهمتها بحدود النصف عام (1996).

يشتمل البنك الدولي، أخيراً، على تنظيمين لتسهيل الاستثمار في الخارج: المركز الدولي لتسوية الخلافات، المتعلقة بالاستثمارات عام (1996) والوكالة متعددة الجوانب لضمان الاستثمارات عام (1988).

وتكمل البنوك الإقليمية للتنمية عمل البنك الدولي: حيث تتابع شروط سير عملها، من جانب آخر. فهناك البنك الخاص بالأمريكيتين INTERAMERICAINE للتنمية، مقره في واشنطن، وأنشئ عام (1960) ثم البنك الافريقي للتنمية، مقره في (أبيدجان) والبنك الآسيوي للتنمية، مركزه في (مانيلا) في عام (1966) ثم البنك العربي للتنمية الاقتصادية في أفريقيا، مركزه في (الخرطوم) والبنك الإسلامي للتنمية مركزه في (جدة) عام (1973) هذه البنوك مزودة برؤوس أموال من قبل الدول، تعود بالضرورة، إلى المنطقة ذات العلاقة، ويجب عليها تحقيق الأرباح، إذن، يجب أن تُموّل مشاريع مربحة، وهذا يوضح التناقض بين انطلاقة البنك الآسيوي للتنمية والبنك الخاص بالأمريكيتين للتنمية، من جهة، ومصاعب البنك الافريقي للتنمية من جهة أخرى.

في أوربا، أنشئ البنك الأوروبي للاستثمار “حسب معاهدة روما، أعيد تحديده، حسب معاهدة ماستريخ” مقره في لوكسومبورغ –يمول الاستثمارات ضمن مجال الاتحاد الأوروبي، وأعمال التعاون في البلدان الأخرى “بلدان الاتحاد الأوربي، ثم بلدان أوربا الشرقية، ثم بلدان البحر الأبيض المتوسط، وينافس جزئياً من قبل البنك الأوربي لإعادة البناء والتنمية (BERD) الذي أنشئ عام (1990) لتمويل التحولات الاقتصادية في بلدان أوربا الشرقية، ويرجع ضعف التمويل في هذا البنك (10 مليار ECUS) إلى القطاع الخاص المساهم في نسبة تقل عن 60%.

وقرر المؤتمر الاقتصادي حول الشرق الأوسط وأفريقيا الشمالية، الذي اجتمع في الدار البيضاء في تشرين الثاني عام (1994)، إنشاء بنك للتنمية في الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا.

ب-العولمة

1-حركية وتأحيد UNIFORMISATION في قلب العولمة

ƒ لقد جعلت تنمية النقل، الحركية صفة الاقتصاد العالمي: إنه التوسع التقني الكبير للإنسان الذي اجتاز المسافات بالتدريج، إذ ترافقت ثورة النقل مع الثورة الصناعية. وسمح اختراع المركب البخاري في مطلع القرن التاسع عشر، والسكك الحديدية ابتداءً من عام (1840)، والسيارة في ثمانينات
(1880)، والطيارة في أقصى نهاية القرن التاسع عشر، سمح كل ذلك، بانطلاقة هامة في تبادلات البضائع والأشخاص، فاستخدمت الطائرة ذات المحرك النفاث منذ عام (1945) مما زاد في طاقات النقل وجرى تحديث النقل البحري في سنوات (1965-1975) عن طرق المعلوماتية واستخدام المحركات الحديثة، ذات الدفع الذاتي في البواخر، والزيادة في حجم السفن وأصبح يؤمن ثلاثة أرباع حجم التجارة الدولية “يأتي النفط في المرتبة الأولى بالنسبة للبضائع المنقولة بحراً” وتضمن النقل بالطرق البرية الذي جرى تسهيله بالطرق السريعة، التي استخدمت من قبلُ في الحرب العالمية الثانية في ألمانيا، تطورات الحد الأقصى في مجالات النقل، وكذلك غاطس النقل البحري.

وأدى التقدم التقني إلى خفض تكاليف النقل، وشجع أيضاً على التوسع في المبادلات، وفي التقليل من فائدة القرب، والتخصص المتزايد لبعض البلدان في التجارة الدولية.

وانتظم الاقتصاد الدولي على شكل شبكات وعُقد مواصلات واتصالات التي ترتسم في مجالات متكاملة، بشكل قوي جداً “أوربا الغربية، والشواطئ الشرقية والغربية لأمريكا الشمالية، وضفاف المحيط الهادئ الجنوبية – الشرقية الآسيوية ، وتصدر بعض المنتجات الأولية من بعض المناطق الشاطئية للبلدان النامية، في حين بقيت بلدان أخرى هامشية “بلدان العالم الثالث بشكل عام، وداخل البلدان المتطورة، والمناطق الريفية حيث بقيت في حالة من التخلف” وأصبحت الحركية الصفة نفسها للاقتصاد الدولي أيضاً.

ƒ الإعلام، العنصر الأكثر حركية على الكرة الأرضية اليوم: الإعلام مرتبط بشروط الحياة الإنسانية نفسها، قبل أن يصبح خدمة يدفع من أجلها: اللغة، التعبير هو مصدر كل شيء، والإعلام جوهري للحياة الاقتصادية، حيث بدونه، لا يمكن للمقاول أن يتوقع، وبالتالي لا يمكنه أن يتحرك عندئذ إن سير عمل الأسواق “المواد الأولية” أو المنتجات المالية، لا يمكن أن يتفاعل إلا عن طريق الانتشار السريع للإعلام”.

في الوقت نفسه فالإعلام، هو أساس الحياة الديقمراطية: إذ تطمح المجتمعات بـ “تنوير” أكثر وبـ “شفافية” أكثر وإلى (رعاية) أكثر في الفلك العام، منذ الثورة الثقافية في القرن السابع عشر والثامن عشر. وإن المعركة من أجل حرية التعبير هي أساس الاستحقاق الديمقراطي.

الإعلام هو الثقل المتزايد لوسائل الإعلام، في آخر الأمر. وانطلقت الصحافة التي ظهرت في القرن السابع عشر، وانطلقت في القرن التاسع عشر، وانتشر الراديو ما بين الحربين العالميتين – وتعمم التلفاز خلال مرحلة التنامي لما بعد الحرب العالمية الثانية. وتشكل المجموعات الإعلامية ووكالات الأنباء، وسلاسل آقنية التلفاز العالمية، جميعاً، بعداً جوهرياً للعولمة، ولم تتوقف تكاليف الاتصالات عن الانخفاض. مثلها مثل تكاليف النقل، وسهلت التطور الأسّي في تبادل المعلومات. فتسارع البريد بسبب ثورة النقل، قبل كل شيء، الذي لم يسمح بنقل المعلومات “مباشرة” خلال مدة طويلة جداً، ولقد فتحت الأساليب القديمة للاتصالات “كالإشارات الضوئية، التلغراف البصري لمخترعه شاب CHAPPE عام (1827)، ثم أعقبه التلغراف الكهربائي عام (1837)، ثم الكابل البحري “الخط ما بين دوفر –كاليه) عام (1852)، وتلفوبِل (1876)، التلغراف دون خطوط عام (1890) فتحت جميعها الطريق أمام الراديو، والتلفاز أطيراً عام (1924) ومرت معالجة المعلومات بعمليات ميكانيكية قبل الحرب العالمية الثانية “معالجة الخرائط المثقبة” إلى ثورة الإلكترونيات فبعد الحاسوب الالكتروني الأول عام (1945) وهو حاسوب قادر على تنفيذ
(1000) عملية ضرب بالثانية)، إلى الحاسوب المترنز
(TRANSISTORISE) (من الترانزيستر)، عام (1958)، من ثم الحاسوب الإلكتروني ذي الدارة المتكاملة عام (1964) زادت جميعها من التحليلات بشكل كبير. وسهل استخدام الأقمار الاصطناعية اعتباراً من عام (1960) والفيبر البصري، انطلاقاً من ثمانينات (1980) الاتصالات، وتوصل التقارب في المعلوماتية والاتصالات اليوم (وسائل الإعلانات المتعددة” إلى تكامل طرق مختلفة من الاتصالات على الدعامة التقنية نفسها”، من ثم الشبكة الدولية للانترنيت التي توصف بأنها الطريق السري للمعلومات” والتي ربطت ملايين، وغدا مليارات المستخدمين من جديد، على كامل الكرة الأرضية.

وتتطابق العولمة مع الآنيّة، وأصبح الحدث يُعرف بسرعة أيضاً، في مجمل أطراف العالم، وفي نقاط أخرى من البلدان، التي يتم انتاجه فيها.

إننا أصبحنا نعيش في “قرية كونية”، طبقاً لتعبير شائع ومشهور، واستخدم من قبل المارشال ماك لوهان MAC LUHAN وأصبحت الأحداث السياسية أو الكوارث الطبيعية آنيّة ومضخَّمة بشكل لا يقاس في هذا الصندوق الواسع من الرجع أو الصدى.

ƒ تميل الثقافة لأن تصبح عالمية: يجب فهم الثقافة هنا بمعناها الواسع، التي تشتمل على سوق الحاجيات الثقافية أيضاً “الكتب، الدسكات.. الخ” وكذلك في مجال الممارسات. والأمر يتعلق بالتأكيد بالثقافة للنخبة كذلك في المجال الفني، حيث اغتنت بالتأثيرات الخارجية دون انقطاع في أي مكان من العالم. ويستمر العالم، مثل العالم العربي، بالاستفادة من تراثه المدهش، في هذه العولمة في مجال الذوق الثقافي، ليرد على هيمنة الثقافة الشعبية ذات الأصول الأمريكية، مثل هولي وود، ووالد ديزني، والجاز، والروك، والهامبرغر، والكوكاكولا وهي الرموز العالمية اليوم لأذواق السينما والموسيقى، وحتى الأغاني المصدرة من الولايات المتحدة لباقي العالم، مثال ذلك النجاحات التي حققها ماك دونالد MAC DONALD بمطاعمه المتنشرة في أطراف العالم، والبالغة (12000) حتى اليوم، أما في مجال الاقتصاد الدولي فهو في الواقع، الأكثر تأثراً بالعولمة والأكثر فعالية.

2-تمُسّ العولمة رؤوس الأموال والبضائع والخدمات والناس، ضمن نظام متناقض:

العولمة، هي المرحلة الأخيرة في التطور الاقتصادي الذي انطلق من الرأسمالية. ويترافق الترابط مع ظهور أحوال دولية ويظهر، عن طريق التقارب في أسعار البضائع.

أما التدويل INTERNATIONALISATION، فهو المتأخر الأكثر، فهو المرحلة التي يظهر فيها الممثلون للشركات متعددة الجنسيات ويتأصلون في أسواق مختلفة، مع ذلك، كانت توجد أسواق عالمية في القرن التاسع عشر، للمنتجات الأولية “الزراعية، أو المنجمية”، ويتدخل فيها الفاعلون الدوليون: أما في المجال الصناعي، فكان ظهور الشركات متعددة الجنسيات السريع” فقد تأصل فورد في بلدان أوروبية عديدة ما بين الحربين العالميتين. وتوسعت الظاهرة مع تزايد المبادلات خلال ثلاثينيات (1930) الرائعة، كانطلاقة متعددة الجنسيات المعاصرة هي في ستينيات 1960.

والعولمة MONDIALISATION: فهي المرحلة النهائية التي تتوافق مع سوق وحيدة، مع أسعار وحيدة.ويستخدم الأنجلو –ساكسون، بالأحرى تعبير “الكلياتية- GLOBALISATION”‍ بحيث كون المشروعات كلياتية وإنها تؤدي إلى استراتيجيات كلياتية. وبهذا، يصبح اعتبار السوق العالمي كمجموع وتتم المتاجرة في منتوجات هذه المشروعات في جميع أطراف العالم، وقد وصف روبر ريش طراز هذه الشبكات بأنها المشروع الذي يضاعف من الشركات، وبحيث تلعب التكنولوجيا دوراً متزايداً في هذه السوق العالمية. وبحيث يميل التمييز بين المادة، التي هي “البضائع” واللامادة التي هي “الخدمات” إلى التلاشي. ولا تمثّل قيمة الدعم في مجال المعلوماتية أكثر من 20% من الكلفة الإجمالية لتجهيزها، مقابل 80% “للوجسييل” “كانت النسبة معكوسة حتى عام (1970)، وتهيمن شركات الطيران المُمَولة، لصناعات الطائرات على قطاع صناعة الطائرات.

ƒ عولمة رؤوس الأموال، هي الأكثر مشهدية: كان لتطور الأسواق المالية، منذ البداية، عندما انطلق قبل الحرب العالمية الثانية، قصدية تجارية رِبْحْيَّة. وتطور سوق العملات(4) الأوربية، مع تطور المبادلات التجارية وظهور عدم التوازن في موازين المدفوعات، وعلى نحو هام، خلال الثلاثينات الباهرة (1930) وترافق عدم التوازن الجديد الذي حدث بسبب الصدمة النفطية عام (1973)، بتقلبات نقدية أعقبتها تقويماً عاماً للعملات، أدى إلى انطلاقة في سوق رؤوس الأموال العائمة، وعرفت ثمانينيات (1980)، تحقيقياً حقيقيان لصالح عاملين: الشمولية GLOBALISATION أو الكلياتية، من جهة بعبارة أخرى، ظهور شركات أخذت تعتبر السوق الدولي كمجال وحيد وموحد، فيه تركز الإنتاج ويباع في كل مكان رؤوس الأموال، على نحو هام. ويتجاوز تدفق رؤوس الأموال اليومي، على الأسواق المالية الـ (1000) مليار دولار(5)

هذا، وإن الاستثمارات في مجال المستندات المالية، والتي تشكل التوظيفات غالباً ما تكون طيارة، وتقدمت الاستثمارات المباشرة في الخارج أيضاً على نحو هام منذ عام (1980) ويمثل التدفق السنوي كثر من 1% من الدخل الداخلي العالمي الخام في عام (1993) مقابل .0.5%في عام (1980)، أما المخزونات، فقد تجاوزت الرقم من 5% إلى 8%. وتضاعف مخزون الاستثمارات المباشرة في الخارج ثلاث مرات أيضاً في الفترة (1985-1993) أي متجاوزة المبلغ من (700) مليار إلى (4100) مليار دولار (6)

تعتبر اليابان اليوم، المستثمر الأول في مجال التدفق السنوي، تتبعه الولايات المتحدة. أما البلدان المستقبلة الرئيسة، فهي الولايات المتحدة، ثم المملكة المتحدة. وأخيراً الصين منذ عدة سنوات. وقد تلقت مجمل البلدان المتطورة ثلث الاستثمارات العالمية في عام (1993)- وهذا يعني، أعلى مما بلغته في السبعينات (1970) والثمانينات (1980)، بشكل واضح، وتعتبر المملكة المتحدة البلد الذي يستثمر الجزء الأكبر من ثروته في الخارج 25% من الدخل القومي الخام “مقابل 7% بالنسبة للولايات المتحدة” وتحتل الولايات المتحدة، المكان الأول في القيمة المطلقة: (550) مليار دولار، مستثمرة في الخارج، حتى عام (1993)، في حين استقبلت (450) مليار دولار للفترة نفسها، ويستثمر اليابان (250) مليار دولار في الخارج، أي أكثر مما يُستثمر عنده من الخارج.

تشهد هذه الأرقام على تطور الشركات متعددة الجنسيات، حيث تدّعي الكثير منها، كون هذه المشروعات “شاملة”، تُصنع وتوزع إنتاجها على نطاق الكرة الأرضية، وكانت في الماضي، تهتم باستغلال العالم الثالث وتستفيد الشركات متعددة الجنسيات، من صورة أكثر إيجابية، منذ السنوات الأخيرة، وتحاول الدول اجتذابها، وذلك بتبني تشريعات ملائمة للاستثمارات الأجنبية. وتسمح الخصخصة PRIVIATISATION والتشوشات DEREGLEMENTATION نتيجة الاتفاقيات المالية بتشجيع التنمية في المبادلات بين الشركات، لقد أصبح عدد الشركات متعددة الجنسيات (83000) شركة في عام (1993) طبقاً لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والصناعة
(CNUCED)، تستخدم (73) مليون موظف “أي 3% من مجموع الاستخدام العالمي” وتحقق فروع هذه الشركات في الخارج، وعددها (200000) فرع، 10% من الدخل الداخلي الخام العالمي، وتسيطر الشركات متعددة الجنسيات، على القسم الأعظم من التجارة العالمية: وستصبح (30%) من المبادلات الدولية، طبقاً لأرقام الأمم المتحدة، مبادلات بين الشركات(7) فإذا كان لهذه الشركات متعددة الجنسيات هذا النفوذ الهام في العلاقات الاقتصادية فيجب الاعتماد على سلطتها أيضاً في الفلك السياسي ومثال ذلك الدور الذي ساهمت به شركة (ITT) في قلب نظام أَلّلندي في التشيلي عام (1973).

ƒ تقدمت المبادلات التجارية بسرعة أكبر، مما تقدم الناتج القومي الخام الداخلي منذ عام 1945: لقد تجاوزت نسب نمو التجارة الدولية، نَِسَب نمو الناتج القومي الخام الداخلي، بمقدار النصف: إذ بلغ إجمالي الصادرات الدولية الـ (5000) مليار دولار تقريباً عام (1995).

لقد اتجهت حصة البلدان المتطورة نحو التزايد من تجارة السوق في التجارة الدولية، وحصل الجوهري في هذه المبادلات بين البلدان المتطورة، فوصل إلى “56%” في عام (1990) مقابل (40%) في عام (1950)، وحصلت الحصة الأقل أهمية في التجارة شمال- جنوب، فبلغت “28% في عام 1990 مقابل 40%في عام (1950) وتوافق الباقي مع البلدان ذات الاقتصاد المخطط قديماً، وبين بلدان الجنوب، وشهدت الصادرات الدولية، هبوطاً في حصة الزراعة من المنتجات” “من 35% عام (1955) إلى 12% عام (1992) في حين أثبتت المنتجات المصنعة رجحانها “47%من الصادرات العالمية في عام 1990” وتقلبت حصة المنتجات المعدنية تبعاً لتغيرات الأسعار.

ƒ لقد تأثرت الخدمات ببطء بالعولمة: تقدمت المبادلات في مجال الخدمات منذ الثمانينات (1980) بشكل هام، وأصبحت تمثل “1200” مليار دولار في عام (1995 وبقيت تجارة الخدمات متواضعة، في التجارة الدولية “أقل من 25% بالنسبة إلى وزن الخدمات في الاقتصاد ولدى البلدان المتطورة “67% من الناتج القومي الخام الداخلي في بلدان الاتحاد الأوروبي” والخدمات أقل سهولة من حيث كونها لا مركزية في الواقع: ويتعلق الأمر في أغلب الأحيان لدرجة ما بـ “الأطباء” المطاعم المهندسين، الحلاقين.. الخ” وتتعلق الحصة الأكبر في هذا القطاع “بالخدمات الاجتماعية والتعليم والعدل والشرطة” أما الخدمات الرئيسة المتبادلة، فهي الخدمات البنكية والمالية، التي تصل إلى (37% من الحجم الإجمالي) أما في مجال نقل البضائع فتصل إلى (33%) والأشخاص إلى 30% والولايات المتحدة هي المصدر الأول للخدمات، تتبعها فرنسا.

ƒ العالم الإنساني، هو العامل الأخير في الاقتصاد الدولي.

يبقى الفرد، على الرغم من تأَحُّد UNIFORMISATION الثقافات وتطور المبادلات الاقتصادية مرتبط ببلاده وبلغته، على الأغلب والأكثر بأرض وطنه، ولا يمكن إهمال نسبة العمال المبعدين عن أوطانهم، لكنها تبقى الأضعف في مؤشرات العولمة. ففي فرنسا يعدون بـ (1.7) مليون مبعد، على سبيل المثال، “حيث نصف هؤلاء المبعدين إجمالاً، هم في أوربا الغربية” وتصل نسبة المبعدين إلى (2.5%) من عدد السكان الإجمالي” وهذا الرقم هو أدنى مما هو عليه الحال في المملكة المتحدة، حيث يصل إلى 6% وفي اليابان إلى 8% وفي إيطاليا إلى 10% وفي سويسرا إلى 12%.

ولم تتوقف الهجرة بالكامل، على الرغم من تطور البطالة في البلدان المتطورة. فقد تزايد عدد السكان الأجانب في ألمانيا بمقدار (800000) شخص، في الفترة (1980-1990) ومن (7.4) مليون شخص في الولايات المتحدة، خلال الفترة نفسها، أما في فرنسا، فقد انخفض العدد قليلاً، “حيث يمثل 6% من مجموع عدد السكان، عام 1990) لكن يجب الأخذ بالحساب، عدد من يتجنسون، لأن تدفق المهاجرين لم ينضب.

أخيراً، يجب الأخذ بالحساب- أن عدد السكان من المهاجرين، يصل عددهم إلى (125) مليون شخص ممن يعيشون خارج بلادهم، بعبارة أخرى أقل بقليل من 3% من سكان الكرة الأرضية.

وهناك ظاهرة أخرى في التحرك الإنساني، يجب أخذها بالاعتبار، وهي السياحة التي تطورت بشكل هام: إذ تواجد (30) مليون سائح عام (1950)
و(130) مليون عام (1970) و(520) مليون عام (1994) بالتحديد “فإنها مع ذلك، لا تشكل سوى خمس إجمالي المتنقلين في العالم” ويتعلق الأمر بتدفق الأوربيين- إذ ينتقل القسم الأعظم من بينهم في البلدان الأوربية الأخرى. ويشكل السائحون اليابانيون والأمريكيون حركات هامة أيضاً.

3-مع ذلك، تبقى العولمة غير تامة.

ƒ ويبقى النطاق التنظيمي للمبادلات العالمية ناقصاً: إنه من المنطقي والمرغوب فيه أن تكون قواعد التبادل الدولي محدودة، على المستوى الدولي. لكننا بعيدون عن ذلك. فمن جهة لم تنته شمولية –UNIVE RSALITE (الغات): (120) دولة الأعضاء في تلك الاتفاقية فقط وإن الانتساب لهذه المهمة شرط مسبق للانتساب إلى منظمة التجارة الدولية OMC. فلا تزال البلدان الاشتراكية السابقة خصوصاً روسيا والصين مستبعدة ولا تزال حالة الصين مقلقة، بسبب مبادلاتها المتزايدة، وكذلك “مشكلة الإعانات المالية والحماية الخاصة بالرسوم وشهادات المنشأة”.

من جهة أخرى، لقد جرى إعداد مبادئ (الغات) بالنسبة إلى بيئة منافسة، والحالة هذه، ليس حسب شروط التجارة الدولية، كما أن تقلبات أسعار العملات، تخالف حساب الوكلاء التجاريين، ويؤثر التبدل في أسعار الدولار، على أسعار البضائع المصنعة والمواد الأولية، حيث يحرر فيه الجزء الأعظم من المبادلات الدولية، ولقد فاقم سعر الدولار المرتفع من تأثيرات الصدمة النفطية الثانية وغمر العالم في أزمة (1979-1985) وشجع خفض قيمة الدولار على صادرات الولايات المتحدة وكذلك اليابان حيث النقد فيها يتبع الدولار.

ولقد تسببت الاختلافات في التشريعات في المجالات المالية والاستثمارات والحماية الاجتماعية، في تشوشات العلاقات الاقتصادية الدولية وليس هنالك من أسس دولية تقر بالاحتكار والتعسفات في المواقف المهيمنة للشركات، في مجال التنافس، وترك موضوع المساعدات العامة لتقديرات الحكومات، باستثناء الإعانات المالية الخاصة بالتصدير، إذن، يجب تحديد الاتفاقيات ثنائية الجانب في مجال التنافس أو الضرائب، لكن مشكلة التوافق هذه لا تحل على المستوى الدولي، حيث لا يوجد أي وضع في القانون الدولي للشركات متعددة الجنسيات، ولقد أظهر الحوار حول الشرط الاجتماعي حساسية في الموضوع في المنظمة الدولية للتجارة: إذ تخشى البلدان المتطورة من عدم التمركز DELOCALISATION، وتريد بذلك إجبار البلدان النامية، على التصديق على الاتفاقات الرئيسة للمنظمة الدولية للعمل: وعلى العكس، تريد البلدان النامية، الاحتفاظ بيد عاملة رخيصة، والتي تعتبرها الحَسَنَة أو المكسب الوحيد المقارن القابل بأن يسمح لها بالتنمية الاقتصادية.

ƒ يشتهر التكامل الإقليمي بعدم كفايات الاقتصاد العالمي للعلاج.

ƒ الحمائية LE PROTECTIONNISME لم تستأصل بعد: لقد استخدمت الدول الحريات التي تركتها لها (الغات) بشكل واسع، وليس من المؤكد أن تشاهد هذه الممارسات وهي تختفي بالكامل في عصر المنظمة الدولية للتجارة (OMC) حتى إذا لم تمنع قوانين الكتل التجارية، الحرية في الاستمرار في المبادلات الدولية، لأن الحمائية لم تختف بعد.

ولقد أدى ذلك الأمر خدمة بشكل كبير للولايات المتحدة، بسبب محاولتها معالجة عجزها التجاري. ويسمح الكونجرس، للرئيس الأمريكي، بالرد على الأفعال “متعذرة التبرير” أو “غير المعقولة” أو التمييزية” حسب تعابير ذلك الكونجرس- ويفرض على الدول اتفاقات فيها “تعقيدات إرادية على الصادرات” مثل الحديد عام (1968)، وتُعَمّم الاتفاقيات ثنائية الجانب، على واردات المنسوجات عام (1971)، في مجال نظام الحصص، وتسمح الفقرة (301) من ميثاق التجارة لعام (1974) للحكومة الأمريكية باتخاذ تدابير ثأريه وحيدة الجانب، في حال انتهاك بيان قواعد (الغات)، أو ممارسة ما ترى فيه الولايات المتحدة، بأنها مخادعة. ويمكن لهذا التشريع أن يستخدم من قبل واشنطن في كل مرة ترى أن مصالحها معرضة للتنافس. كما يسمح المقطع (301) (supper) للكونجرس عندئذٍ “وليس فقط للرئيس” اتخاذ تدابير ثأريه. كما توسعت الفقرة
(301) “الخاصة”، بالإضافة إلى المقطع (301) (SUPPER) لتشمل الممارسات المتعلقة بحقوق الأفضليات الفكرية وأرجأت الولايات المتحدة تطبيق ذلك التشريع، بعد إنشاء منظمة التجارة الدولية. ويسمح اتفاق (كلنتون- دول) الموقع بشهر تشرين الثاني (1994)، أن تستطيع الولايات المتحدة، من الانسحاب من المنظمة إذا جرى الإعلان عن ثلاثة آراء سلبية، خلال ثلاث سنوات ضدها.

أما في أوربا، فاللجنة الأوربية، هي المسؤولة عن استخدام العقوبات في المجال التجاري. وهكذا، جعلها طول الإجراءات، غير فعال، ولا يمكن للاتحاد الأوربي إعطاء الضمانات نفسها، كما لو كان الأمر متعلق بطرف واحد، يمارس من قبل طرف، وهو الولايات المتحدة، ولهذا السبب، فإن مصلحة البلدان الأوربية، هي بشكل عام حماية بعيدة عن المنافسة الدولية في مجالات “الزراعة والسمعيات- والبصريات”.

واليابان، هي إحدى البلدان الأكثر انفتاحاً في مجال الخطة المتعلقة بالتعرفة، فهذا البلد، مفرط في مبادلاته التجارية من حيث الفائض منذ زمن طويل، من الناحية البنيوية، ويعتبر مع ذلك، على أنه البلد الأكثر حمائية. والأسباب المثارة متنوعة، وهي: نظام التقيد في التوزيع، وهيمنة اقتصادية للمجموعات الكبرى، ثم التحفظات الثقافية من قبل المستهلكين اليابانيين تجاه المنتجات الأجنبية، أخيراً التعقيدات الإدارية. ويطرح دنيس كليرك (DENIS CLERC) المشكلة الحقيقية التي خلقت هذا الوضع بقوله: “لماذا سيخشى بلد ما ممارسة التبادل الحر إذا كان سكانه لا يجدون مصلحتهم في هذا التبادل وإذا سيطر توافق معاد للانفتاح بالأحرى؟ على كل حال، فالمشكلة من جهة أخرى: أن بلداً ما أعد ديناميته الاقتصادية من أجل غزو السوق العالمي، أو في جزء كبير منه، عندئذٍ لا يمكنه ممارسة اللاتناسق، ويرفض أن يلعب الآخرون الورقة نفسها، مقابل تلك الانفتاحات الخارجية، فلا يمكن أن نكون مقايضين أحراراً في الصادرات وحمائيين في الواردات”. وقامت الولايات المتحدة ودول السوق المشتركة بإجبار اليابان على عقد اتفاقات حصر ذاتي، خصوصاً في مجال السيارات، في مواجهة هذا الوضع. وهذا الأمر لا يمكنه أن يسير دون ترك آثار ضارة “زيادة الأسعار وعدم حصر جزئي للإنتاج”.

ج-التكامل الصعب للجنوب في الاقتصاد الدولي الجديد:

1-يبدو أن مفهوم العالم الثالث قد تم تجاوزه:

لقد استخدم الاقتصادي ألفرد سوفي ALFRED SAUVU، الكاتب في الأُبزرفاتور OBSERVATEUR، تعبير العالم الثالث، مقارنة مع الدولة الثالثة، في نهاية النظام القديم، للمرة الأولى، عام (1952) ويبدو اليوم، أن هذا المفهوم الثوري، قد أبطل، بعد قمة النظام الاقتصادي الدولي الجديد عام
(1974).

ƒ لقد ضاق نفس المطالبة بنزع الاستعمار: حيث تصدعت الإمبراطوريات الاستعمارية القديمة، بعد عام (1945)، بعد نزع الاستعمار في بلدان أمريكا اللاتينية في القرن التاسع عشر، وكذلك فيما يسمى بالشرق الأوسط ما بين الحربين العالميتين، عموماً، وكذلك الهند عام (1947)، وحتى فلسطين عام (1948)، لكن المأساة الاستعمار الجديد قد حلت بها. واندنوسيا عام
(1949) الهند الصينية عام (1945)- حيث تحررت بالتدريج. أما في افريقيا السوداء- فقد بدأ عام (1957) مع غانا “ساحل الذهب سابقاً، المستعمرة- البريطانية”، وانتهى بشكل واسع عام (1960)، وانقضى مع استقلال المستعمرات البرتغالية في الفترة (1974-1975) “عينيابيساو، الرأس الأخضر، موزامبيق، ساوتومي، أنغولا” وجيبوتي عام (1977)، من ثم نهاية العنصرية في جنوب أفريقيا.

ƒ لقد اخفقت العولمة اقتصادياً في العالم الثالث LE TIER- MONDISME:

لقد وَعَتْ البلدان منزوعة الاستعمار القديم –كونها بلداناً متخلفة انطلاقاً من إثبات مثلث الجوانب: الاحتدام الديموغرافي، والثنائية والاستغلال.

لقد تضاعف عدد سكان العالم الثالث في الفترة (1965-1995): هذا التزايد المتفجر للسكان، لم يعقبه تزايد سريع في الإنتاج أيضاً، حيث نقص دخل الفرد في عدد كبير من البلدان، خاصة في بلدان أفريقيا، إذ انخفض إنتاج الحبوب بالنسبة للفرد بمقدار 16% خلال الفترة (1952-1983)، ويقدر أن هناك (500) مليون شخص يعانون سوء التغذية في آسيا، و(160) مليون في أفريقيا، خاصة في المناطق شبه الصحراوية، وإذا كان عدد سكان أفريقيا قد يتضاعف خلال الفترة 1990-2010) كما تدعي الإحصائيات الدولية التي لا تأخذ بالحساب، تأثير فقدان المناعة “الأيدز أو السيدا” على الديموغرافيا، “لا يزال ذلك الأثر محدوداً نسبياً”، فإن ثلث الأفارقة “حوالي (300) مليون فرد، سيعانون الجوع، خلال الخمسة عشرة عاماً القادمة.

الثنائية LE DUALISME: تتوضح غالباً في اقتصاد العالم الثالث بالتناقض بين قطاع مربح وموجه نحو الخارج، “مرتبط باستغلال المواد الأولية الموروث عن الفترة الاستعمارية وباقي اقتصاد متخلف، وغير مدرج في التجارة الدولية، وتترجم هذه المعاينة، جغرافياً غالباً، “كالتعارض بين السواحل مع الموانئ الهامة ووسائل الاتصالات الكبيرة من جهة، والبلدان المتخلفة من جهة أخرى”. وهناك انفساخ آخر، يفصل جزءاً صغيراً من السكان، الذي أصبح ثرياً، مع كتلة الجماهير الفقيرة، التي تميل إلى التجمع في المدن أكثر فأكثر، كما في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، حيث تتمنّى إيجاد الوسائل للوصول إلى الأفضل. ويزيد هذا التوسع في مدن الصفيح، في تفاقم الأزمة، حيث من المتوقع أن يزداد عد سكان المدن في البلدان النامية، من 37% عام (1995) ليصل إلى 57% عام (2025).

تعتمد البلدان النامية على البلدان الغنية:

من جهة، تعتمد في صادراتها “ضرورة كمنفذ” وفي وارداتها “خصوصاً من المواد المصنعة”، وفي استثماراتها “الحاجة لرؤوس الأموال” والعديد من هذه البلدان، خاضع لمنتج وحيد، لأكثر من 50% من دخل الصادرات، النفط بالنسبة للبلدان المنتجة للنفط، الأورانيوم بالنسبة للنيجر، النحاس بالنسبة لزامبيا وكاليدونيا الجديدة، القهوة بالنسبة لأوغاندا ويورندي، وأثيوبيا وسلفادور، السكر بالنسبة لكوبا، والتبغ لملاوي… الخ.

ولقد أدى الهبوط في أسعار المواد الأولية، على المدى الطويل (-40%) في الفترة (1950-1990) على الرغم من تزايد حصة المنتجات المصنعة في صادرات البلدان النامية – على حساب المواد الخام – أدى إلى تشوش في علاقات التبادل بالنسبة لهذه البلدان(9).

وتحركت البلدان النامية في اتجاهين لمواجهة هذا الوضع، فمن جهة عبرت عن مطالبها، خصوصاً في نطاق الجمعية العامة للأمم المتحدة، تجاه البلدان المتطورة. وقد حصلت، على تبني معاملة تفضيلية في التجارة الدولية، من مؤتمر الأمم المتحدة، حول التجارة والتنمية: ويتعلق الأمر بنظام أفضليات مطلق، أقيم مؤقتاً عام (1971)، ونهائياً عام (1979)، لكن البلدان المصنعة، عارضت اتخاذ إجراءات استثنائية، عندما تهدد هذه الإجراءات صناعتها الوطنية أمثال ذلك “الاتفاقات الخاصة بالمنسوجات متعددة الخيوط التركيبية المعقودة اعتباراً من عام (1973) بهدف تحديد واردات المنسوجات القادمة من البلدان المصنعة حديثاً.

في الوقت نفسه، حصلت البلدان النامية، على تبني “برنامج متكامل” يستهدف استقرار أسعار المنتجات الأساسية، من خلال مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والصناعة (CNUCED) الذي انعقد في نيروبي عام (1976) كذلك الحال بالنسبة لاستقرار الكارتلات – أي اتحاد شركات المصدرين- من أجل استقرار أسعار المواد الأولية، باستثناء حالة واحدة. إبقاء أسعار الكاوتشوك على حالها بهدف استقرارها وتلقي الصندوق المشترك، التابع للأمم المتحدة – الخاص باستقرار أسعار المنتجات الأولية المنشأ عام 1989) تخصصات غير كافية لتمويل المخزونات المنظمة وكذلك من أجل التدخل في الأسواق بهدف دعم كل منتج من المنتجات الأساسية الثمانية عشرة. لكن لم يتوصل الحوار شمال جنوب إلى أية نتيجة. وكان مؤتمر باريس، حول البلدان الأقل تقدماً، عام (1977)، وقمة كانكون CANCUN عام (1981) المظاهر الأخيرة في الوساطات، في هذه المجالات.

من جهة أخرى، بحثت البلدان النامية، تحديد سياسات اقتصادية بديلة:

“تنمية مركزية ذاتية” “النموذج التانزاني” و”الصناعات البديلة” عن الواردات “البرازيل، الجزائر” ثم التدخل العام من قبل الدولة في حال العجز المالي بالمساعدة العمومية والمديونية. لقد سمحت هذه السياسات للبلدان النامية بالحصول على نمو أقوى خلال الستينيات (1960) والسبعينيات (1970). لكن وصلت في الثمانينات إلى ساعة الحقيقية: ففي حين واجهت الدول التي اختارت طريق الإدارة الحكومية، العجز المالي، مما دعاها إلى مجابهة أزمة مديونية على نحو فظ، وكذلك الأمر بالنسبة للاقتصاديات الجديدة، التي ظهرت نتيجة تنمية صادراتها. أما تلك البلدان التي نجحت فهي تلك التي نجحت في الاندماج بالتجارة الدولية”، وقد أكد ذلك على انتصار روستو ROSTOW “صاحب نظرية الإقلاع” على بريبيش PREBISCH صاحب نظرية “معارضة المركز والمحيط”.

— أنذرت أزمة الاستدانة بنهاية الآمال الاقتصادية في العالم الثالث: لقد زادت الصدمات النفطية من فواتير النفط في البلدان الفقيرة وحيث الحاجات فيها، غير قابلة للانضغاط، على عكس البلدان الغنية”، أما المصادر المالية من مدخولات النفط، فقد أودعت في البنوك الغربية، وأخذت هذه البنوك في إقراض البلدان النامية، وفي هذه الحال، تضافر تحلق الدولار، نتيجة السياسة النقدية المقادة من قبل الولايات المتحدة اعتباراً من عام (1979)، مع هبوط أسعار المواد الأولية، في “التسبب في نزف مدخولات صادرات البلدان الفقيرة، مع النقص الدولي في رؤوس الأموال الناتج عن العجز في الميزانيات الأمريكية. وأدى كل ذلك، إلى وضع بعض البلدان النامية في مواقف صعبة. وتعلن المكسيك، عن التوقف عن دفع ما عليها من ديون عام (1982) وإذا كانت أزمة المكسيك، قد جرى حلها، عن طريق إسهام صندوق النقد الدولي، أصبحت ديون العالم الثالث، المشاكل الرئيسة في الاقتصاد العالمي، ويفرض صندوق النقد الدولي سياسات استقرار تمر عبر خفض العجوزات، وعبر تخفيض قيمة النقد الوطني، ورفع نسبة الفوائد وتحرير الاقتصاد، ولوضع هذه البرامج موضع التنفيذ تكاليف اجتماعية، ولا يسمح للبلدان النامية  أن تتحرر دوماً من نيرها هذا.

وجرى وضع حلول أكثر جذرية، شيئاً فشيئاً خطة بيكر عام (1985) التي اكتفت “بتوقيع مشاركات جديدة مع أموال جديدة. وأصبح يقود تشخيص إفلاس البنوك التجارية، إلى التجاوزات في المؤونات في ميزانياتها لاستباق النقص في اعتماداتها في البلدان النامية، وذلك اعتباراً من الفترة (1987-1989) وتوقعت خطة برادي BRADY عام 1989 إعادة توزيع الدين “خفض في الحجم، وتأجيل في تاريخ سداد الدين” مقابل خطة تسوية بنيوية في البلاد. إنها “عنونة” الدين، باستبدال الديون، مقابل الدين: باستبدال الديون مقابل صكوك قيمة وجهته أدنى، لكنها مضمونة من قبل الخزينة الأمريكية. واستفاد العديد من البلاد من هذا الإجراء “المكسيك، فنزويلا، البرازيل، الأرجنتين، الفلبين – بولونيا.. الخ” من جهة أخرى، فإن سوق صكوك الديون مُنزَّلة القيمة، متطور. فضلاً عن ذلك. فقد حصل مستثمرون على صكوك الديون هذه، بسعر منخفض من أجل استبدالها مع البلدان المدينة، مقابل مشاركات في مشروعات عمومية – أصبحت مخصخصة. ويصبح نير الدين، أكثر قابلية للحمل، كذلك، مع أن قيمته المطلقة تستمر في الزيادة “1700 مليار دولار في نهاية عام (1994)، وتتجاوز أربعة بلدان رقم الـ (100) مليار دولار المكسيك الصين، أندنوسيا، البرازيل”.

لقد قررت قمة الدول الصناعية السبع، التي انعقدت في تورنتو عام
(1988) إضافة إلى ما سبق، إلغاء جزء من الدين العام، أو خفض نسب الفائدة على بعض البلدان، فاستفادت مصر وبولونيا من هذه الإجراءات كما كانت البلدان الأشد فقراً، هدفاً لإجراءات الخفض، خصوصاً تلك المدينة تجاه المنظمات العامة.

لقد فقد مفهوم عدم الانحياز سماته: انعقد المؤتمر الأول في نيسان عام
(1955)، في باندونغ “أندنوسيا”، وضم (26) دولة “ولم تشكل الصين واليابان جزءاً من حركة عدم الانحياز” الذي كان هدفه انطلاقة جديدة في التاريخ البشري، وفي ختامه، أدان الاستعمار، في جميع مظاهره” –وكان ذلك تعبيراً استهدف الاتحاد السوفياتي آنذاك- وأطرى التعايش السلمي، حسب المبادئ الخمسة المحددة من قبل الهند والصين في ديباجة معاهدتهما حول التيبت: سلامة الأراضي الوطنية من التجزئة والانتقاص والسيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وعدم الاعتداء، وتبادل المكاسب في العقود، والتعايش السلمي. ثم فتح لقاء عبد الناصر وتيتو ونهرو، في جزيرة بريوني (يوغوسلافيا)، في تموز (1956) الطريق أمام حركة عدم الانحياز، التي تمفصلت حول ثلاث كلمات: التأكيد على وجود عالم ثالث، ثم الحيادية. أخيراً نزع الاستعمار.

ثم تأسست حركة عدم الانحياز عام (1961) في بلغراد وضمت عندئذ
(25) دولة
: فوضعت حركة عدم الانحياز شرطاً للانتساب إليها، ألا وهو: “إن انخراط أي عضو جديد في الحركة، يجب أن يخضع لاحترام الشروط الخمسة التالية: إتباع سياسة قائمة على التعايش السلمي. ثم تقديم الدعم لحركات التحرر، وأن لا ينتمي إلى أي تحالف عسكري، وأن لا يعقد أي اتفاق مساعدة عسكرية مع قوة أعظم، وأن لا يحمي قاعدة عسكرية أجنبية. وأصبح يجري تبديل رئاسة الحركة كل ثلاث سنوات: يتضمن البلدان التي تستقبل قمة الحركة كل ثلاث سنوات الرئاسة الثلاث سنوات التالية. وعرفت الحركة أيام انتصاراتها في ستينيات (1960) وسبعينيات (1970). ثم أخذت تتوسع تدريجياً، حتى بلغ عدد البلدان المنتمية للحركة (100) عضو ولقد وضح مؤتمر عام (1964) أهداف الحركة –بالصراع ضد الاستعمار والإمبريالية ومساعدة حركات التحرر الوطني. وأضاف مؤتمر لوساكا عام (1967) إلى أهدافه، الصراع ضد الصهيونية، وفكرة التضامن الاقتصادي والسياسي، وأعد مؤتمر الجزائر عام (1973) إقامة نظام اقتصاد دولي..

لقد فشلت حركة عدم الانحياز ابتداء من سبعينيات (1970) بصورة مضاعفة:

في المقام الأول، لم تتوصل إلى تحديد طريق للتآلف قابل للتنفيذ بين الشرق والغرب. كما أن حركة عدم الانحياز، لم تتوصل إلى فرض مبادئها جميعاً على أعضائها، فكان العديد من أعضائها ينتمون إلى هذا المعسكر أم ذاك، في الواقع، مع ذلك، فقد عززت حرب فيتنام من عزلة الولايات المتحدة، في المجتمع الدولي، كذلك، فشل الطراز الاشتراكي ليكون بديلاً للمرور إلى الاستقلال عن الغرب الرأسمالي، على المستوى الاقتصادي. وازدادت الهوة، بين أولئك الذين انضموا إلى المعسكر الاشتراكي، باسم المعركة ضد الإمبريالية- وأولئك الذين يريدون المحافظة على مسافة متساوية بين الكتلتين، في قمة الجزائر عام (1973)، أما مؤتمر هافانا عام (1979) فزاد في تلك القسمة.

الفشل الثاني لحركة عدم الانحياز، عجزها عن تحقيق وحدة العالم الثالث، وعجلت النزاعات الاتحادية لدى البعض، في خطا المنافسة بسرعة بين الدول، فتقاربت الهند من الاتحاد السوفياتي، للوقوف ضد الصين التي حافظت على ابتعادها عن الحركة، ثم نيجريا التي مزقتها حرب بيافرا (1967-1970) وزادت في قسمة حركة عدم الانحياز. أخيراً، تكشف صعود الروح الأصولية عن قوة رجعية وردود فعل ضد العولمة والتهميش الاجتماعي.

ثم فقدت حركة عدم الانحياز، التي أصبحت تضم (113) عضواً، تلاحمها أيضاً بعد انهيار الكتلة الاشتراكية. حيث لم يعد لحركة عدم الانحياز من معنى، في الوقت الذي بدا فيه أن الأيديولوجية الغربية قد انتصرت ولو مؤقتاً. واختفت الخطابات المعادية للامبريالية والاستعمار، كما لم يعد لحركة عدم الانحياز من وجود، لتنجح في فرض خط مشترك في المواضيع السياسية الكبرى. كما أظهرت عجزها في تسوية الأزمات التي تخص أعضاءها، وفقدت كل نشاط لها، فقد عجزت عن إجراء تسوية لإنهاء الحرب العراقية- الإيرانية وعاصفة الصحراء، أو ثعلب الصحراء – أو العدوان الأمريكي – البريطاني المستمر على العراق، حتى لدرجة أن شارك بعض دول عدم الانحياز في تدمير العراق وكذلك الحال، عدوان منظمة حلف شمالي الأطلسي- على العضو البارز في حركة عدم الانحياز، وأحد مؤسسيها، يوغوسلافا السابقة أما المطالب الاقتصادية فقد بقيت مواضيع لا حل لها، على الرغم من أن أكثر من 51% من سكان الكرة الأرضية، ينتمون لحركة عدم الانحياز، لكن أعضاؤها، لا يشكلون سوى 7% من الدخل القومي الخام العالمي.

ففي قمة بلغراد عام (1989) اتخذت حركة عدم الانحياز خطاً معتدلاً في لهجتها تجاه العالم الإمبريالي، حسبما جرت العادة، فلم يوجه الاتهام للولايات المتحدة، ولا للصهيونية. وتقوم الحركة ضمناً، وللمرة الأولى بتبني طروحات الولايات المتحدة، بشأن حقوق الإنسان.

ƒ وأخذ العالم بالتفجر إلى شظايا أكثر فأكثر: إجمالياً، يمثل الدخل القومي الداخلي الخام بالنسبة للفرد مقارناً بالقوة الشرائية (10) في مجمل البلدان النامية 15% من مثيله في المستوى لدى البلدان المتطورة. وبقي الرقم عام (1992) هو نفسه كما في عام (1960) وتحجب هذه الاستمرارية التباينات الكبرى

2-الانشقاق بين الشمال – والجنوب، يتأبد:

أصبح التمييز بين مجموعة البلدان الغنية والأخرى المتخلفة أكثر وضوحاً فأكثر. وتتشكل الأولى من البلدان الغربية، التي تتجه الآن إلى ضم بلدان أوربا الشرقية، من جهة، ومن كتلة البلدان ذات الدخل الضعيف التي تأسن وتغوص في التخلف، خاصة في معظم بلدان أفريقيا وأمريكا الجنوبية، وبعض بلدان آسيا، من جهة أخرى.

ƒ يتوجه الشمال نحو التوسع: لقد أقام الشمال أجهزته ومؤسساته الخاصة للتشاور والتواطؤ، فضلاً عن قدراته التي غالباً ما تكون اصطفائية في معالجة بعض القضايا، وتهيمن البلدان المصنعة، ذات اقتصاد السوق، على التجارة الدولية في مجال المنتجات المصنعة، إذ يصل إلى 75% أما في المنتجات الزراعية فتبلغ 63%.

— تجمع مجموعة السبعة، التي تأسست عام (1975) سبعة بلدان هي البلدان الصناعية الرئيسة: تزداد شهرة هذه المجموعة نتيجة الأصداء التي تعقب قممها السنوية، والتي تجمع رؤساء الدول والحكومات فيها، كما تتفرع عنها مجموعات واجتماعات متنوعة لمسؤولين كبار: لقاءات وزراء المالية، و/ أو حكام البنوك المركزية في المجموعة “ومستشارين دبلوماسيين لرؤوساء الدول أو الحكومات” مع ذلك، فإن مجموعة السبعة لا تزال بعيدة عن تحقيق نجاحات في تسوية جميع المشاكل التي تعرض عليها لكن القدرات التي تملكها، تمنحها دوراً موجهاً رئيساً في العلاقات الدولية. وأصبحت القرارات التي تصدر عن المجموعة أكثر أهمية عما يصدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.

— منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية: لقد توسعت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لتشمل بلداناً غير أوربية، “الولايات المتحدة، كندا، اليابان، استراليا، زيلاندا الجديدة” تلك المنظمة، التي أعقبت المنظمة الأوربية للتعاون الاقتصادي، عام 1960)، والتي أنشئت عام (1948)، من أجل إدارة مساعدات خطة مارشال، للبلدان الأوربية الغربية، على أثر الحرب العالمية الثانية. للسماح لهذه البلدان بتطوير مبادلاتها بمساعدة طراز من التعويض متعدد الجوانب، مع ذلك، فلم تعد تلعب سوى دور تنسيق وتحليل اقتصادي. كذلك إعداد قوانين دولية وتدير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، الوكالة الدولية للطاقة، وكذلك، وكالة الطاقة الذرية، كما أنشأت مجموعة الـ (24) لتنسيق المساعدات لبلدان أوربا الشرقية.

ثم أصبحت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، مدعوة للتوسع، مع تطور البلدان الناشئة، وهكذا، استقبلت المكسيك عام (1994)، ثم الجمهورية التشيكية عام 1995، والمجر وكوريا الجنوبية عام (1996)، والتحقت بولونيا عام
(1997) وستهبط حصة الـ (25) بلداً، الأعضاء في المنظمة من الإنتاج العالمي الخام من 54% عام 1990 إلى 44% عام (2010)، طبقاً لدراسة قامت بها المنظمة وذلك نتيجة ازدياد حصة البلدان النامية في آسيا: “هونغ كونغ، كوريا الجنوبية، ماليزيا، سنغافورة، تايوان، تايلاند” بمقدار (10%-14%) وتلك حصة الصين من 11% إلى 19% وللمنظمة التي أصبحت تضم اليوم (29) دولة عضواً، جميع الحظوظ، لأن تستقبل البلدان الغنية الجديدة، للالتحاق بها.

— بنك التنظيمات الدولية: هو قبل كل شيء، مؤسسة أوروبية، مثل منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، وقد جرى إنشاؤه عام (1930) لأداء عمليات الدفع لإعادة تعمير ألمانيا، في نطاق خطة يونغ YOUNG. ثم أخذ يقوم بتسهيل التسويات الخاصة بالمدفوعات بين الدول الأوربية في نطاق الاتحاد الأوربي منذ عام (1945) ويسمح لحكام البنوك المركزية الأوربية بالاجتماع دورياً، لمعالجة القضايا المطروحة. ولقد انضمت الولايات المتحدة واليابان وكندا إلى هذا البنك، في ستينيات (1960) وشكلت مجموعة الـ (10) التي تضم في الواقع (11) بلداً: “ألمانيا، بلجيكا، فرنسا، المملكة المتحدة، كندا، السويد، اليابان، الولايات المتحدة، هولندا، إيطاليا، سويسرا” وتؤدي مجموعة الـ (10) خدمة في ميدان التشاور لاتخاذ القرارات في نطاق صندوق النقد الدولي، وكذلك في بنك التسويات الدولية، حيث أن جميع المدراء هم، فضلاً عن ذلك، من مواطني بلدان مجموعة الـ (10). كما لَعِبَ بنك التسويات الدولية، دوراً من الدرجة الأولى أيضاً، في إنقاذ الجنبه الإسترليني عام
(1968)، من ثم تحديد قواعد الملاءة لتوقع إفلاس المؤسسات البنكية‍: لجنة بال (BALE) التي تضم حكام البنوك المركزية لمجموعة الـ (10) منذ عام
(1975). وتبنت نسبة كوك (RATIO COOK) في نهاية الثمانينات 1980، فارضة أن تصل الصناديق المختصة إلى نسبة لا تقل عن 8% من الموجودات لتفادي الأخطار.

لقد اقتصر بنك التنظيمات الدولية على (32) بلداً عضواً، مدة طويلة، ثم استقبل تسعة أعضاء جدد عام (1997)، ويعكس ذلك الأمر الصعود القوي للنمو، للأعضاء الجدد، في البلدان التالية روسيا، الصين، كوريا الجنوبية، هونغ كونغ، الهند، سنغافورة، المكسيك، البرازيل العربية السعودية”، وستصبح الاتفاقيات العامة للقروض مضاعفة وهي نوع من صناديق النقد تخصص للحالات العاجلة، حيث قُرِّرت من قبل بلدان مجموعة الـ (10)، وذلك من 25 مليار دولار إلى 50 مليار”، كما تستخدم أيضاً لمواجهة الأزمات المالية الدولية، كما حدث مع المكسيك عام (1994)، وستصبح مدارة بطريقة أوسع من مجموعة الـ (10) بفضل هذا التوسع، عما كان عليه الحال من قبل. وستترجم إعادة توزيع القوة الاقتصادية والمالية، على النطاق الدولي، بطريقة غير ملموسة، وذلك بالتطابق بين آليات القرارات.

كما يملك الشمال منظمات تشاور أخرى لإدارة القروض، مثل لجان نادي باريس، الذي يضم الدائنين العموميين تحت رئاسة مدير المالية الفرنسي، ثم نادى لندن، الذي يجتمع عندما يطلب الدائنون الخاصون. أخيراً، مجموعات مراقبة الصادرات، ويلعبون دوراً رئيساً.

للشمال وللجنوب مصالح متضاربة: يريد الشمال المحافظة على مستوى من الرخاء، ويعمل ضد تشوش البيئة، وضد تدفق الهجرات القادمة من الجنوب، وضد المخدرات والسيدا “فقدان المناعة المكتسبة” (11) والتكاثر النووي. ويتمنى الجنوب، على العكس، أن يتمكن من التطور، بل أكثر نزوعاً إلى أن تغلق العيون عن تلك المحظورات الشمالية، بهدف الحصول على العملات الأجنبية- كما يريد الحصول على منافذ تكنولوجية غربية.

إنه من المفيد الإقرار ، بالتأكيد على وجود منافسة بين الشمال والجنوب، إذ تسببت المصالح بالتباعد في مواضيع عديدة، كما هو الحال مثلاً بضرورة السيطرة على الديموغرافيا، وكذلك الصراع ضد الأوبئة، ولا شك أن الغرب يحاول إبعاد مشاكل الجنوب، التي خلفها الاستعمار في معظمها، عن كاهله، وهو يحاول بطرق شتى للقيام بذلك، كإنشاء منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. لكن القليل من البلدان المتطورة، هي التي تخصص 0.7% من ناتجها القومي الخام للمساعدة العامة للتنمية في البلدان النامية، كما يطالبها بذلك المؤتمر الدولي للتجارة والصناعة (CNUCED) منذ عام (1968) في حين لم تقدم معظم البلدان المانحة سوى 0.3% عام (1996) من دخلها القومي الخام، باستثناء البلدان السكاندينافية “النرويج، الدانمارك، السويد”، وتقدم هولاندا مساعدات تتجاوز الـ (0.7%) في حين لا تقدم الولايات المتحدة أكثر من 0.1% فقط، وهو الحد الأدنى المقرر. والمساعدات التي تقدم، هي مساعدات مشروطة بمعنى مقابل تجاري تستفيد منه صادرات البلدان المانحة بالتأكيد. ويؤدي عدم كفاية رأس المال العمومي لدى البلدان النامية، إلى لجوئها، إلى رؤوس الأموال الخاصة التي تجبرها على الخضوع لشروط الدول المانحة بشأن إصلاح اقتصادها وانفتاحه.

أضحت الحدود شمال جنوب، جبهات أكثر من كونها حدود: الجنوب مجموعة رحبة من البلاد، غير متجانسة، تضم 80% من سكان الكرة الأرضية، مقابل 20% فقط من الناتج الداخلي الخام الدولي. ولا يسير هذا التفاوت نحو الانخفاض، بل على العكس، بازدياد مستمر، فكان للعشرين بلداً الأشد فقراً على وجه الكرة الأرضية، دخل يساوي (30) مرة أدنى مما لدى الـ (20) بلداً الأغنى، وأصبحت العلاقة في بداية التسعينيات (1990)
(1/60).

كذلك، يعرف الاقتصاد العالمي ميلاً متزايداً للتكامل، مع تهميش في بعض المجالات، في آن واحد. فإذا كان الاتفاق حول مبادئ التحررية أكثر اتساعاً، ينقص الانفتاح، الانتصار الدولي أيضاً في نطاق من الاستقرار النقدي التنافسي ليضمن للتبادلات قاعدة صلبة، كل ذلك يسمح بإدماج البلدان الفقيرة في التجارة الدولية، ويمكن التساؤل، في الوقت الذي تصل فيه العولمة إلى نهاية طريقها، إذا كانت الميول السياسية والثقافية، تسير نحو التجزئة، ولم تنته بعد، وذلك بتعريض ذلك التطور للخطر.

¡ الهوامش:

(1) يشتمل إغراق الأسواق على البيع بسعر أقل من سعر السوق الداخلي، في الخارج

(2) مدينة صغيرة في المملكة المتحدة، على بحر المانش

(3) قبلت الولايات المتحدة مبدأ السياسة الزراعية التي بدأت عام (1962) مع السوق المشتركة، مقابل دخول بعض صادراتها، مثل الصويا، إلى الأراضي الأوربية دون ضرائب

(4) موجودات من القطوع المودعة لدى البنوك غير المقيمة

(5) يمثل التدفق التطور في العام الواحد، المخزون والوضع في وقت ما محدد “إذن هو مجموع التدفق في الماضي”

(6) تحقق الشركة متعددة الجنسية ربع مجموع مبيعاتها عن طريق الفروع في الخارج، على  الأقل.

(7) بين الشركات الأم وفروعها، أو بين الشركات الفرعية نفسها

(8) المذهب القائل أن الكون خاضع لمبدأين متعارضين أحدهما الخير والآخر الشر.

(9) تقل علاقات التبادل لبلد ما- عندما تقل العلاقة بين السعر المتوسط للمنتجات التي يصدرها والسعر المتوسط للمنتجات التي يستوردها.

(10) من أجل حساب الدخل القومي الخام الداخلي للفرد، مقارنة بالقوة الشرائية: نأخذ بالحساب أسعار المنتجات والخدمات في مستواها “غالباً منخفضة جداً” في البلدان النامية، لكن مستوى الفرد أدنى بكثير مقارناً مع بلد متطور، والدخل القومي الداخلي الخام، في البلدان الفقيرة، يجب إعادة تقديره.

(11) أصبح عدد المصابين بجرثوم الأيدز، من الملونين (30) مليون، حسب إحصاء عام
(1997)، وحيث أن أكثر من 90% من هؤلاء من البلدان النامية، 75% منهم في أفريقيا، ويتأثر أكثر من 90% من المجموع بالوقاية والمعالجة في بلدان العالم الصناعي.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أحمل شهادة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، بالإضافة إلى شهادة الماستر في دراسات الأمنية الدولية من جامعة الجزائر و خلال دراستي، اكتسبت فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الرئيسية، ونظريات العلاقات الدولية، ودراسات الأمن والاستراتيجية، بالإضافة إلى الأدوات وأساليب البحث المستخدمة في هذا التخصص.

المقالات: 14402

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *